تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الجمعة 12 / جمادى الأولى / 1440 - 18 / يناير 2019
(007) من قوله تعالى (وجعلوا لله شركاء الجن..) الآية 101 – إلى قوله تعالى (إلا ما اضطررتم إليه..) الآية 120
تاريخ النشر: ١٨ / ربيع الآخر / ١٤٣٩
التحميل: 761
مرات الإستماع: 590

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، أما بعد:

فاللهم اغفر لنا ولشيخنا والحاضرين، والمستمعين، ولجميع المسلمين.

قال الحافظ ابن جزي -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى:

شُرَكاءَ الْجِنَّ [الأنعام:100] نصب الجنّ على أنه مفعول أول لـ(جعلوا)، و(شركاء) مفعول ثانٍ، وقُدِّم لاستعظام الإشراك، أو (شركاء) مفعول أول، و(لله) في موضع المفعول الثاني، و(الجنّ) بدل من (شركاء) والمراد بهم هنا: الملائكة، وذلك ردٌ على من عبدهم، وقيل: المراد: الجن، والإشراك بهم طاعتهم.

فقوله: شُرَكاءَ الْجِنَّ [الأنعام:100] ذكر هنا وجه "نصب الجنّ على أنه مفعول أول لـ(جعلوا)" يعني: جعلوا لله الجن، مفعول أول، وشركاء المفعول الثاني، وذكر علة تقديم المفعول الثاني وهي: تعظيم شأن الإشراك لخطره وشناعته.

"أو شركاء مفعول أول" وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ [الأنعام:100] "ولله في موضع المفعول الثاني" والجنّ بدل، يعني: كأنهم جعلوا شركاء الله، أو يكون متعلقًا بمحذوف، أعني: اسم الجلالة، على أنه المفعول الثاني.

يقول: "والجن بدل من شركاء" على الوجه الآخر الذي ذكره، جعلوا شركاء لله، من هؤلاء الشركاء؟ الجن، فيكون من قبيل البدل.

"والمراد بهم هنا: الملائكة" وهذا خلاف الظاهر المتبادر؛ فإن الجن إذا ذكروا فالمقصود بهم ما يعرف بذلك، وإن كان الملائكة يتفقون بهذا الاسم من جهة أصل المعنى اللغوي، وهو الاجتنان والاستتار، فهم لا يراهم الناس، فأصل هذه المادة (جنن) تدل على الستر، فالجنة لأنها تستر من بداخلها، والجنين لأنه مستتر في بطن أمه، والجن لأنهم لا يرون، فهؤلاء الملائكة لا يرون كذلك، فهم مجتنون بهذا الاعتبار، لكن إذا أطلق فإنه لا يصح حمل القرآن إلا على المتبادر، والجن إذا أطلق فإن المراد به الخلق المعروف غير الملائكة.

يقول: "وقيل: المراد الجن، والإشراك بهم طاعتهم" وهذا هو الصحيح، فكانت عبادتهم الأصنام عن طاعة الجن، حيث أمرتهم الشياطين بذلك، وزينوا لهم، كما قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-[1]، إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا [النساء:117] ولذلك الأصنام المعبودة ربما قارنها شياطين، وهذا معروف، ولربما خاطبتهم هذه الشياطين من هذه المعبودات، فيسمعون صوتًا؛ ولما أمر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- خالد بن الوليد أن يقطع العزى، وهي شجرة يعبدها المشركون ويعظمونها، فذهب وقطعها، ورجع إلى النبي ﷺ فأخبره أنه لم يفعل شيئًا، فرجع إليها، فوجد امرأةً سوداء ناشرةً شعرها، فعلاها بالسيف، فقال النبي ﷺ: تلك العزى[2]؛ يعني: أنها شيطانة، كانت مقترنة مع هذه الشجرة التي يعبدونها من دون الله، وهكذا فقد ذكر أهل العلم أن الشياطين تتمثل لمن يعبد الملائكة، والأنبياء، والصالحين، وذكر هذا شيخ الإسلام -رحمه الله- في كتابه "الفرقان" وذكره غيره كما هو معلوم، وكذلك كانوا أيضًا يصرفون للجن أنواعًا من العبادات، فيذبحون لها إذا حفروا بئرًا، ويأمرهم الكهان والدجالون والسحرة بالذبح للجن، وإذا عمَّر دارًا فإنه أيضًا يذبح للجن، وكذلك أيضًا يستغيث بهم، ويدعوهم من دون الله ، وإذا نزل منزلاً قال: أعوذ بسيد هذا الوادي، أو بعزيز هذا الوادي، أو بعظيم هذا الوادي من سفهاء قومه، فهذه عبادة من دون الله -تبارك وتعالى-، والله يقول: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي [الكهف:50] يعبدونهم من دون الله ، وهكذا في قول إبراهيم : يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ [مريم:44] فسمى عبادة هذه الأصنام وعبادة غير الله عبادة للشيطان؛ لأنها من تسويله وتزيينه، قال الله : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ [يس:60] وهكذا قول الملائكة: قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنّ [سبأ:41] فهذا كله صريح وواضح في هذا المعنى، ولا يصح حمله على الملائكة باعتبار أن بعض العرب عبدوهم.

قوله تعالى: وَخَلَقَهُمْ [الأنعام:100] الواو للحال، والمعنى الرد عليهم، أي: جعلوا لله شركاء وهو خلقهم، والضمير عائد على الجنّ، أو على الجاعلين، والحجة قائمة على الوجهين.

وَخَلَقَهُمْ يقول: "الواو للحال" يعني: حال من فاعل (جعلوا) فواو الجماعة هنا في (جعلوا) هو الفاعل، وأي: وقد خلقهم، ويحتمل أن يكون مستأنفًا، يعني جملة جديدة وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ [الأنعام:100] انتهى الكلام، ثم قال: وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام:100].

قوله تعالى: وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ [الأنعام:100] أي: اختلقوا وزوّروا، والبنين: قول النصارى في المسيح، واليهود في عزير، والبنات قول العرب في الملائكة.

وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ [الأنعام:100] أي: اختلقوا وزوّروا، وأصل الخرق: مزق الشيء، كما هو معلوم، وقطعه على سبيل الفساد من غير تفكر ولا تدبر، فيعني أنهم اختلقوا له ذلك، وادعوه كذبًا وزورًا.

قوله تعالى: بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام:100] أي: قالوا ذلك بغير دليل، ولا حجة، بل مجرد افتراء.

بَدِيعُ [الأنعام:101] ذكر معناه في البقرة، ورفعه على أنه خبر ابتداء مضمر، أو مبتدأ وخبره أَنَّى يَكُونُ أو فاعل تعالى.

قوله هنا: بَدِيعُ [الأنعام:101] يعني: المبدع والمبتدع، وأصل ذلك ابتداء الشيء، يعني في إيجاده وصنعه من غير مثال سابق.

يقول: "ورفعه على أنه خبر ابتداء مضمر" يعني: هو بديع، "أو مبتدأ" فتكون الجملة هنا مستقلة "وخبره أَنَّى يَكُونُ أو فاعل تعالى".

والقصد به الرد على من نسب لله البنين والبنات؛ وذلك من وجهين:

أحدهما: أن الولد لا يكون إلا من جنس والده، والله -تعالى- متعالٍ عن الأجناس؛ لأنه مبدعها، فلا يصح أن يكون له ولد.

والآخر: أنّ الله خلق السماوات والأرض، ومن كان هكذا فهو غني عن الولد وعن كل شيء.

قوله تعالى: فَاعْبُدُوهُ [الأنعام:102] مسببٌ عن مضمون الجملة، أي: من كان هكذا فهو المستحق للعبادة وحده.

يعني باعتبار أن الفاء هنا تفيد التعليل، وأنها لترتيب ما بعدها على ما قبلها، إذا كان بهذه المثابة فاعبدوه، هو مبدع السماوات والأرض، ولا ولد له، فهو مستحق للعبادة.

قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الأنعام:103] يعني في الدنيا، وأما في الآخرة، فالحق أن المؤمنين يرون ربهم، بدليل قوله: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: 23] وقد جاءت في ذلك أحاديث صحيحة صريحة المعنى، لا تحتمل التأويل، وقالت الأشعرية: إن رؤية الله -تعالى- في الدنيا جائزة عقلاً؛ لأن موسى سألها من الله، ولا يسأل موسى ما هو محال، وقد اختلف الناس: هل رأى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلّم- ربه ليلة الإسراء أم لا؟.

قوله هنا: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ قال: "يعني في الدنيا" فالمنفي هو الإدراك، وهو بمعنى الإحاطة، وهذا النفي جاء هكذا على سبيل العموم والإطلاق فيشمل الدنيا والآخرة، وليس في ذلك تعرض لنفي رؤية الله ، وإنما المنفي هنا الإدراك لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ بمعنى: لا تحيط به، وهذا لا يكون ولا يحصل في الدنيا، وكذلك في الآخر، يعني أن الأبصار لا تحيط به مع أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، كما دلّ على ذلك الكتاب والسنة، أما القرآن فكقوله -تبارك وتعالى-: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ [القيامة:22] من النضارة والحسن إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:23] فهذا من النظر، وعدي بـ(إلى)، والنظر إذا عدي بـ(إلى) -كما هو معلوم- فهو النظر بالأبصار، وإذا عدي بـ(في) فقيل: نظرت في كذا، فهو بمعنى التفكر والاعتبار، وإذا لم يعدّى بحرف، كقوله: انْظُرُونَا [الحديد:13] فهو من الانتظار.

فأما الأحاديث فمعلومة، منها: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر[3]، فهذا صريح وثابت، ولا شك في ذلك.

وقد أطال الحافظ ابن القيم -رحمه الله- في الكلام على هذا الموضع[4]، وكذلك أبو جعفر ابن جرير في تفسيره[5]؛ فيمكن التوسع والرجوع إلى هذا، وإلى مظانه من كتب الاعتقاد، والمسألة معلومة.

يقول: "وقالت الأشعرية" ولا حاجة لذكر قولهم، لكن المؤلف -رحمه الله- كان يعتبر أن هؤلاء أهل السنة، ووافقهم في كثير من المواضع، وإن خالفهم -رحمه الله- في أشياء، يقول: "وقال الأشعرية: إن رؤية الله -تعالى- في الدنيا جائزةٌ عقلاً؛ لأن موسى سألها من الله، ولا يسأل موسى ما هو محال" هؤلاء من المتكلمين سواءً كانوا من الأشعرية أو من المعتزلة، الذين يذكرون مثل هذه العبارات في أصول الفقه أو في الاعتقاد، ويطلقون القول بالجواز فيقصدون به الجواز العقلي، وأن ذلك جائز عقلاً، ويقابلون العقل بالشرع، يعني قد يقولون: جائز عقلاً، ممتنع شرعًا، ويقصدون بالجواز العقلي؛ أنه غير محال، فالمحال هو الممتنع عقلاً، ويسمونه: المحال العقلي، فالمحال منه ما هو محال عقلاً، ومنه ما هو محال شرعًا عندهم، ومنه ما هو محال عادةً، يسمونه المحال العهدي، يعني مثل وجود الثمر بلا شجر، ووجود الولد بلا نكاح، فهذا ممتنع عادةً، لكنه عقلاً ممكن، فمريم أنجبت عيسى من غير زوج، وآدم وجد من غير أب ولا أم، وحواء وجدت من غير أم، فهذا جائز عقلاً، لكنه ممتنع عادةً، فإذا وجد يكون على سبيل خرق العادة والمعجزة.

وأما المحال الشرعي مثل دخول الكافر الجنة؛ لأن الله أخبر أنه لا يكون فهو محال شرعًا، لكنه جائز عقلاً، كما يقولون، يعني: أن العقل يتصور ذلك ويجوزه، لكن المانع شرعي، فهم كما ترون يقابلون العقل بالشرع باعتبار أنهم يعتقدون ويفترضون بأنه يمكن أن يقع التعارض بين العقل والنقل؛ فيجعلون العقل خارجًا عن الشرع، فيفترضون التعارض بينهما؛ ولذلك يقولون: إذا تعارض العقل والنقل، أو العقل والشرع، قُدِّم العقل عندهم، ونحن معاشر أهل السنة نقول: بأن هذا لا يمكن أن يقع التعارض بين العقل الصحيح والنقل الصريح، ومن ثم فإن العقل هو من أدلة الشرع عند أهل السنة، لكنه من الأدلة التابعة، فالكتاب والسنة وما يرجع إلى ذلك من الإجماع هذه أدلة أصلية، وأما الأدلة التابعة، فالعقل، والفطرة؛ ولهذا حينما يتحدثون عن مسائل في الاعتقاد مثل مسألة العلو مثلاً، يقولون: دل عليه الكتاب، والسنة، أو يقولون: دل عليه النقل، والعقل، والفطرة، فهنا يقولون: جائزة عقلاً في الدنيا، وإذا قالوا: جائزة عقلاً في الدنيا لا يعني أنها جائزة شرعًا، وعلى كل حال فهذا من الجدل، الذي لا حاجة إليه، فإذا كان لا يقع في الدنيا، ولا يمكن رؤية الله -تبارك وتعالى- في الدنيا فلا حاجة لذكر مثل هذه الفرضيات.

وقد اختلف الناس هل رأى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلّم- ربه ليلة الإسراء أم لا؟.

تعرفون حديث عائشة -رضي الله عنها-: "من حدثك أن محمدًا ﷺ رأى ربه فقد كذب" ثم قرأت: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام:103][6]، فالنبي ﷺ لم يرَ ربه ليلة المعراج، وقال: نورٌ أنى أراه؟![7]، وقال ﷺ: حجابه النور وفي رواية: النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه[8]؛ فهذا حجاب من النور، وأما قوله -تبارك وتعالى-: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ۝ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ۝ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [النجم:8-10] فهذا جبريل .

قوله تعالى: وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [الأنعام:103] قال بعضهم: الفرق بين الرؤية والإدراك أن الإدراك يتضمن الإحاطة بالشيء، والوصول إلى غايته؛ فلذلك نفى أن تدرك أبصار الخلق ربهم، ولا يقتضي ذلك نفي الرؤية، وحسن على هذا قوله: وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ لإحاطة علمه تعالى بالخفيات.

استدل بعض العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-[9]، والحافظ ابن القيم[10] بنفي الإدراك على إثبات الرؤية، باعتبار أن نفي الإدراك الذي هو الإحاطة يدل على أنه إذا رؤي لا تدركه الأبصار، يعني: تراه من غير إحاطة ولا إدراك، وأن الله -تبارك وتعالى- ذكر ذلك فقال: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ على سبيل التمدح، وإنما يكون المدح في الأوصاف الثبوتية، فلم يقل: بأنه لا يُرى، وإنما قال: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ فهو يُرى من غير إدراك ولا إحاطة.

قوله تعالى: اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام:103] أي: لطيف عن أن تدركه الأبصار، وهو الخبير بكل شيء، فهو يدرك الأبصار.

مضى الكلام في الأسماء الحسنى، في اسم الله (اللطيف) بأنه يدل على معنيين: فاللطف قد يراد به أنه يعلم دقائق الأمور، وكذلك يدل على معنى الرفق، وكلاهما ثابت لله -تبارك وتعالى-، فإذا قُرن بالخبير فالمتبادر أن اللطيف هو الذي يعلم دقائق الأشياء، والخبير هو الذي يعلم الخفيات، فالله -تبارك وتعالى- يعلم الدقائق، وهو أيضًا رفيق بخلقه بإيصال أنواع البر واللطف والإحسان بهم، بالطرق الخفية.

قوله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ [الأنعام:104] جمع بصيرة، وهو نور القلب، والبصر نور العين، وهذا الكلام على لسان النبي ﷺ لقوله: وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ [الأنعام:104].

يقول: "البصائر جمع بصيرة، وهي نور القلب" والمقصود هنا الحجج الظاهرة التي يُبصَر بها الحق والهدى، ويميز من الباطل.

فقوله: وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ [الأنعام:104] الحفيظ: هو الحافظ والرقيب، الذي يحصي عليهم أعمالهم، وهو إنما عليه البلاغ -عليه الصلاة والسلام-.

قوله تعالى: وَلِيَقُولُوا [الأنعام:105] متعلق بمحذوف، تقديره: ليقولوا صرفنا الآيات.

ووَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ متعلق بمحذوف تقديره: ليقولوا صرفنا الآيات، وهذه اللام فسرها كثير من أهل العلم بأنها لام الصيرورة والعاقبة، أي: ليكون عاقبة أمرهم تكذيبًا، كقوله -تعالى-: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص:8] وهم ما التقطوه من أجل أن يكون كذلك، ولكن اللام هذه للعاقبة، وإلا لو علموا أنه سيكون سببًا لما ذُكر لقتلوه، وإنما رجو أن يتخذوه ولدًا، أو أن ينفعهم، فهذه لام العاقبة، فتصريف الآيات هذا التصريف ليكون عاقبة ذلك التكذيب؛ فيأخذهم الله ويعذبهم على كفرهم وإعراضهم.

يقول: "وَلِيَقُولُوا متعلق بمحذوف، تقديره ليقولوا: صرفنا الآيات" يعني وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وصرفنا الآيات، ويحتمل أن يكون وَلِيَقُولُوا معطوف على محذوف، أي: نصرف الآيات لتقوم الحجة وليقولوا درست، مع أن بعض أهل العلم لم يستبعد أن تكون اللام في وَلِيَقُولُوا أن تكون للتعليل، يعني من أجل أن يقولوا ذلك صرفنا الآيات.

قوله تعالى: دَرَسْتَ [الأنعام:105] بإسكان السين، وفتح التاء، أي: درست العلم وقرأته، ودارست بالألف أي: دارست العلماء، وتعلمت منهم، ودرست بفتح السين، وإسكان التاء، بمعنى قدُمت هذه الآيات ودثرت.

قوله: وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ فيه هذه القراءات التي ذكرها المؤلف، وهي:

(دارست) وهذه قراءة ابن كثير وأبي عمرو.

و(دَرَسَت) هذه قراءة ابن عامر.

و(دَرَسْتَ) قراءة الباقين، وهي التي نقرأ بها[11].

يقول: "دَرَسْتَ بإسكان السين، وفتح التاء، أي: درست العلم وقرأته" أي: من كتب أهل الكتاب، وهذا ظاهر البطلان، باعتبار أن النبي ﷺ لم يكن يقرأ ولا يكتب وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت:48] فكيف يقولون: بأنك درست ذلك؟!

"ودارست بالألف؛ أي: دارست العلماء" يعني: أهل الكتاب "وتعلمت منهم" والمدارسة في الأصل: مفاعلة، فتكون بين طرفين وأكثر.

"ودرست بفتح السين، وإسكان التاء، بمعنى قَدُمت هذه الآيات ودثرت" ومعنى: دثرت: مضت وانمحت وتقادمت، وانمحى أثرها من القلوب، كما يقول القرطبي[12]، والشنقيطي[13]، يعني كأن هذه الآيات، طرقت أسماعهم منذ زمن، وزال أثرها ودرست، من دراس الشيء وهو محوه، وزوال أثره، فهذه قراءات متواترة صحيحة، وأما قوله -تبارك وتعالى-: (دَارَسْتَ) يعني: أهل الكتاب، كما يقولون: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النحل:103] وهكذا في قوله: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا ۝ وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً [الفرقان:4-5].

قوله تعالى: وَلِنُبَيِّنَهُ [الأنعام:105] الضمير للآيات، وجاء مذكرًا لأن المراد بها القرآن".

يعني باعتبار المعنى.

قوله تعالى: وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام:106] إن كان معناه: أعرض عما يدعونك إليه، أو عن مجادلتهم، فهو محكم، وإن كان عن قتالهم وعقابهم، فهو منسوخ، وكذلك وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ [الأنعام:104] و... بِوَكِيلٍ [يونس:108].

القول بالنسخ في مثل هذه الآيات معروف، وهو الإعراض والصفح والعفو عن المشركين، كما يقوله طائفة من أهل العلم بأن ذلك نسخ بآية السيف، وذكرتُ في مناسبات عدة بأن هذا غير صحيح، وأن هذه الآيات لم تنسخ، والأمر بالإعراض يعني ألا يكترث بهم، ولا يصده ذلك عما هو بصدده من البلاغ، ودعوة الخلق إلى الحق، وممن قال بأن هذه الآية منسوخة ابن جرير -رحمه الله-[14].

قوله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الأنعام:108] أي: لا تسبوا آلهتهم، فيكون ذلك سببًا لأن يسبوا الله، واستدل المالكية بهذا على سدّ الذرائع[15].

وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وهي الآلهة المعبودة، ولا شك أن سبها حق، ولكن لما كان هذا يُؤدي إلى مفسدة أعظم، وهي سب الله -تبارك وتعالى- كان ذلك محرمًا، فنهى عنه، والأصل أن النهي للتحريم، وقد جاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما- من طريق ابن أبي طلحة، قالوا: يا محمد لتنتهين عن سبك آلهتنا، أو لنهجون ربك، فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم[16].

وكما جاء عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: ولعن الله من لعن والديه[17]، ولما سُئل عن هذا: أو يلعن الرجل والديه؟ فقال: يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه[18]؛ فإذا سب والده فإن ذلك سيؤدي إلى سب والده، فعده سابًا لأبيه، واستحق على هذا اللعن والعقوبة، وإن لم يقصد هذا، لكن لما كان متسببًا نُزل منزلة المباشر هنا.

ويقول: "استدل المالكية بهذا على سد الذرائع" وقاعدة سد الذرائع قاعدة معروفة، وهي أن يمنع الشيء لما ينشأ عنه ويترتب عليه من الآثار والمفاسد، وهذا في كل شأن، حتى في الأمور العادية والدنيوية، على سبيل المثال هناك من يكابر ويرد هذه القاعدة، وبعض هؤلاء لا يفقهون في دين الله شيئًا، ولكنهم يريدون الشغب على أصول الشريعة، واستحلال حدود الله -تبارك وتعالى-، فلو نظرت إلى الأمور الحياتية، والأسوار التي يضعها الناس على بيوتهم؛ لماذا يضعونها؟ احتياطًا لها من أجل السراق، وهذا الحديد الذي يضعونه على نوافذهم؛ لماذا يضعونه؟ احتياطًا لها، وهذه الكاميرات التي توضع على المتاجر وغيرها؛ لماذا توضع؟ وإشارات المرور لماذا توضع؟ لأجل لا تكون حوادث، وتحديد السرعة من أجل ماذا؟ من أجل ألا يكون حوادث، والخطوط التي في الطرق من أجل ألا يضطرب سير الناس، فهذه ذرائع صحيحة، ولا إشكال فيها، وهي في الأمور الحياتية والدنيوية، وأمور الناس، توضع النظم والقوانين لتضبط للناس مصالحهم فيما لا يخالف شرع الله ، وقل ذلك: فيما يتعلق بتخزين الغذاء، وتخزين الدواء، ونقل ذلك بطرق مأمونة، وكتابة تاريخ الانتهاء والإنتاج، وجهة الإنتاج، وما أشبه ذلك، فكل هذا لسد الذرائع من أجل ألا يأكل الناس الأطعمة الفاسدة والأدوية الفاسدة، وما أشبه ذلك، وهذه أمور يتفق عليها العالم بأسره من أوله إلى آخره، وما يمكن لأحد أن ينكر هذا، ويقول: تبقى الطرق بلا إشارات مرور، وتبقى الأدوية بلا تاريخ، ولا جهة تصنيع وإنتاج، ولا ضبط، وتبقى البيوت بلا أسوار، لا أحد يقول بهذا، فما بال الشريعة إذن إذا حرمت شيئًا؟!

فهذه الذرائع منها ما هو منصوص، كما جاء من النهي للمرأة أن تخضع بكلامها، أو أن تمشي في الطريق متبرجةً، أو أن تضرب برجلها ليعلم ما تخفي من زينتها، أو نحو ذلك، فهذه نواهي صريحة في القرآن، لماذا نهي عنها؟ هل نهي عنها لذاتها؟ الجواب: لا؛ وإنما سدًا للذريعة؛ لأنها تؤدي إلى الزنا في النهاية، ولفت الأنظار، وانجذاب الرجال إليها، فيقع المحذور.

وكذا البناء على القبور هل نهي عنه لذاته؟ والصلاة إلى القبر، ونحو ذلك، لماذا نهي عن هذه الأشياء؟ نهي عنها سدًا للذريعة التي هي عبادة هؤلاء الموتى.

فبعض الذرائع منصوص، وبعض هذه الذرائع غير منصوص، ولكنه ظاهر، فيمنع الشيء لما يؤدي إليه من مفاسد أعظم، سدًا للذريعة، فهذا لا إشكال فيه، وهو دليلٌ صحيح، وأكثر من أعمل هذا الدليل من أرباب المذاهب هم المالكية، كما هو معلوم، وإلا فالأئمة من سائر المذاهب يُعْمِلُون هذه القاعدة.

والحافظ ابن القيم -رحمه الله- في كتابه (إعلام الموقعين) احتج لهذه القاعدة فيما يحضرني الآن بما يقرب من مائة وجه، وكلامه بديع، ولا يكاد يوجد مثله مجتمعًا في موضع واحد، لغير الحافظ ابن القيم؛ فمن أراد التفصيل في هذا، والاحتجاج له بقوة من وجوه كثيرة، عشرات الوجوه، فليرجع إلى كتاب (إعلام الموقعين)[19] فقوله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ هو أحد أدلة هذه القاعدة، وهذا يدل على أن المآلات معتبرة شرعًا، ومن ثم فإنه لا يجوز الإقدام على شيءٍ إذا كانت مآلاته من المفاسد المترتبة عليه أعظم من المصالح؛ ولهذا قالوا: بأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، على تفصيل من حيث النظر إلى مراتب المصالح والمفاسد، من حاجي وضروري وتحسيني، ومراتب الضروري أيضًا متفاوتة، كما هو معلوم، لكن هذه القاعدة صحيحة إذا نزلت تنزيلاً صحيحًا بحسب المرتبة.

قوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ [الأنعام:109] أي: هي بيد الله لا بيدي.

وَما يُشْعِرُكُمْ [الأنعام:109] أي: ما يدريكم، وهو من الشعور بالشيء، ومَا نافية، أو استفهامية أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ [الأنعام:109] من قرأ بفتح أنها فهو معمول يشعركم، أي: ما يدريكم أن الآيات إذا جاءتهم لا يؤمنون بها، نحن نعلم ذلك وأنتم لا تعلمونه، وقيل: لا زائدة، والمعنى ما يشعركم أنهم يؤمنون، وقيل: (أن) هنا بمعنى (لعل) فمن قرأ بالكسر فهي استئناف إخبار، وتم الكلام في قوله: وَما يُشْعِرُكُمْ أي: وَما يُشْعِرُكُمْ ما يكون منهم، فعلى القراءة بالكسر يوقف على وَما يُشْعِرُكُمْ وأما على القراءة بالفتح فإن كانت (أنَّ) مصدرية لم يوقف عليه لأنه عامل فيها، وإن كانت بمعنى (لعلَّ) فأجاز بعض الناس الوقف، ومنعه شيخنا أبو جعفر بن الزبير[20]؛ لما في (لعل) من معنى التعليل.

قوله: وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وهي رواية أيضًا عن عاصم من طريق شعبة بكسر الهمزة (إِنَّها) وفي قراءة ابن عامر وحمزة بفتح الهمزة، وبالتاء أَنَّهاَ (لَا تُؤْمِنُونَ)[21]، فيكون الخطاب هنا للمشركين، يعني: يا من طلبتم الآيات واقترحتموها، و(أن) هذه يقول بعضهم: هي بمعنى (لعل) على هذا الوجه؛ يعني: وما يدريكم أيها الكفار لعل الآيات إذا جاءت لا تؤمنون.

يقول ابن جزي -رحمه الله-: "من قرأ بفتح (أنها) فهو معمول يشعركم" يعني: وما يدريكم أن الآيات إذا جاءت لا يؤمنون بها؟ فالكلام متصل بعضه ببعض، وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ نحن نعلم ذلك وأنتم لا تعلمونه، باعتبار أن (أنَّ) على بابها، وأن (لا) في لا يُؤْمِنُونَ أصلية، وليست صلة، يسمونها زائدة إعرابًا، وليست كذلك، فيكون ردًا وجوابًا على من حكم عليهم بالكفر أبدًا، وأنهم لا تنفعهم الآيات ولو جاءت، يعني كأن المؤمنين عند ما اقترح الكفار الآيات، فقالوا: إذا فعلت لنا كذا آمنا، ودوا لو نزلت هذه الخوارق وتحققت، رجاءَ إيمانهم؛ فالله يأسهم من إيمان هؤلاء الكفار، على هذه القراءة.

يقول: "وما يدريكم أنها إذا جاءت لا يؤمنون؟ نحن نعلم ذلك، وأنتم لا تعلمونه". ويقول: "وقيل: (لا) زائدة، والمعنى: وما يشعركم أنهم يؤمنون؟" فتكون (أن) هذه وما عملت فيه في موضع المفعول الثاني، والتقدير: وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون، باعتبار أن (لا) صلة، زائدة، والمراد: أنها لو جاءت لم يؤمنوا، فتكون (ما) هذه استفهامية، والمعنى: وما يدريكم أنها إذا جاءت لا يؤمنون حتى تتمنوا نزول هذه الآيات؟

وأنا أسميها صلة؛ لأنه ألطف في العبارة، ومضى الكلام على ادعاء الزائد في القرآن، وأن من أهل العلم من منع ذلك تأدبًا، وهم يقصدون زائدة إعرابًا، وإلا فزيادة المبنى لزيادة المعنى، وكل لفظ جاء في القرآن فهو يدل على معنًى زائد، ليس في القرآن حشو؛ ولهذا تجدون في كتاب الزركشي في أصول الفقه (البحر المحيط) في نحو موضعين أو ثلاثة يذكر بابًا: "لا زائد في القرآن"[22]، فالقول بأن (لا) هذه زائدة هذا ذهب إليه الكسائي، والفراء[23]، مع أنه ليس محل اتفاق، فأصحاب كتب المعاني والإعراب اختلفوا في هذا، يعني مثلاً الزجاج والنحاس ردُّوا هذه الدعوة، وقالوا: فيه مقدر، وهو "لا يؤمنون أو يؤمنون" والتقدير: وما يدريكم أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون؟ لكن الأصل عدم التقدير، وكذلك دعوى الزيادة هو خلاف الأصل.

يقول: "وما يشعركم أنهم يؤمنون" هذا باعتبار أنها زائدة "وقيل: (أن) هنا بمعنى (لعلَّ)" وهذا قال به الخليل بن أحمد الفراهيدي[24]، وعليه: فالمفعول الثاني محذوف، والتقدير: وما يشعركم إيمانهم، والمعنى: وأي شيء يدريكم إيمانهم إذا جاءتهم الآية؟ لعلها إذا جاءتهم لا يؤمنون، لكن هذه التوجيهات لهذه القراءات في بعضها لا يخلو من إشكال، أو أن يكون ذلك خلاف الأصل، والله أعلم.

وقد ذكرت بعض ما قيل، وإلا فالأقوال والاحتمالات أكثر من هذا، وتطريق وجوه الإعراب كثيرة جدًا من جهة الاحتمال، وليس ذلك مقصودًا به البسط والتوسع، وإلا تحول الدرس إلى إعراب.

يقول: "وقيل: (إن) هنا بمعنى (لعل)، فمن قرأ بالكسر فهو استئناف وإخبار، وتم الكلام في قوله: وَما يُشْعِرُكُمْ" يعني: استئناف وإخبار بجملة جديد، والمفعول الثاني محذوف تقديره: وما يشعركم إيمانهم، وتقف، إنها إذا جاءت لا يؤمنون؛ جملة جديدة استئنافية، يقول: "وتم الكلام في قوله: وَما يُشْعِرُكُمْ أي: وَما يُشْعِرُكُمْ ما يكون منهم، فعلى القراءة بالكسر يوقف على وَما يُشْعِرُكُمْ" وحمل مجاهد بن جبر الخطاب فيه للمشركين[25]، على هذه القراءة، وحمله الفراء، وابن جرير[26] على المؤمنين، وهذا هو الظاهر، يعني باعتبار كأن المؤمنين ودوا ذلك فخاطبهم به، لكن على قراءة: (لا تؤمنون) بالتاء يكون الخطاب للمشركين، ولا يبعد أن يكون قول مجاهد -رحمه الله- باعتبار القراءة الأخرى (لا تؤمنون) فإنه قد يُنقل التفسير أحيانًا دون ربط بالقراءة؛ فيبدو كأنه قول آخر، والواقع أنه منزل على قراءة، ويكون لا إشكال فيه، أي: أنه من قبيل اختلاف التنوع، فكل قول منزّل على قراءة.

يقول: "وأما على القراءة بالفتح فإن كانت (أنَّ) مصدرية؛ لم يوقف عليه؛ لأنه عامل فيها" كما ذكرت أن الكلام يكون مرتبطًا بما قبله، "وإن كانت بمعنى (لعلَّ) فأجاز بعض الناس الوقف" وَما يُشْعِرُكُمْ ثم تقف، أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ، هذا باعتبار أن (أن) بمعنى (لعل) والتقدير: وما يشعركم لعلها إذا جاءت لا يؤمنون؟ لكن كأن الأول أولى، والله أعلم.

يقول: "ومنعه شيخنا أبو جعفر بن الزبير" هذا صاحب كتاب (ملاك التأويل) وهو الوحيد الذي وقفتُ عليه في لفظة (جوبوا) لم أجد في المكتبة الشاملة في كل الأبواب، ابتداءً من العقيدة وكتب التفسير، إلى الفهارس، أن أحدًا استعمل لفظة (جوبوا) إلا ابن الزبير هذا شيخ ابن جزي فقط، وكنتُ سألتُ عنها أستاذي في النحو، وهو رجل بارع في النحو، واللغة تجري في عروقه، نسأل الله أن يبارك له، وهو الدكتور أحمد الخراط، محقق الدر المصون، فأجابني بأنه لا يصح لغةً أن يأتي من أجاب جوب، ثم بعد ذلك استدرك وأرسل رسالة صوتية أخرى، وقال: تأملتها، فيمكن أن يكون من جاوب إذا بني للمفعول جوب.

قوله تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ [الأنعام:110] أي: نطبع عليها، ونصدها عن الفهم، فلا يفقهون.

وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ فسره بالمعنى، أي: نطبع عليها، ونصدها عن الفهم؛ فلا يفهمون، وإلا فأصل التقليب ليس هو الطبع، فالمراد: أن الله يصرفها عن الحق، فلا تكون هذه القلوب -نسأل الله العافية- مريدة للحق، ولا عالمة به؛ ولهذا كان النبي ﷺ يقول: يا مقلب القلوب[27]، يا مصرف القلوب[28]؛ فالله يصرف القلوب ويقلبها كيف شاء، وقال النبي ﷺ: القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف شاء[29].

قوله تعالى: كَما لَمْ يُؤْمِنُوا [الأنعام:110] الكاف للتعليل، أي: نطبع على أفئدتهم وأبصارهم عقوبةً لهم على أنهم لم يؤمنون به أول مرة، ويحتمل: أن تكون للتشبيه، أي: نطبع عليها إذا رأوا الآيات مثل طبعنا عليها أول مرة.

كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ يقول: "الكاف للتعليل أي: نطبع على أفئدتهم وأبصارهم عقوبةً لهم على أنهم لم يؤمنون به أول مرة" يعني: القرآن حين أتاهم وطرق أسماعهم لأول وهلة، ويحتمل أن يعود الضمير إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، وابن جرير -رحمه الله- أعاد ذلك إلى التقليب، أي: كما لم يؤمنوا بتقليبنا إياها قبل مجيئها مرةً قبل ذلك[30]، والأقرب -والله أعلم- أن الكاف للتعليل، سواء قلنا: بأن المراد النبي ﷺ، أو قلنا: إن المراد القرآن، فبينهما ملازمة، باعتبار أن الذي جاء بالقرآن هو النبي ﷺ والمراد: أنهم لم يؤمنوا بالحق أول مرة، فيكون ذلك عقوبةً لهم، وهذا استحسنه الحافظ ابن القيم[31]، وتحته معنًى كبير، حاصله: أن من رد الحق حينما بلغه فقد يكون ذلك سببًا للحيلولة بينه وبين الحق؛ فلا يرجع إليه بعد ذلك، ولا يهدى لاتباعه، عقابًا له جَزَاءً وِفَاقًا [النبأ:26] وهذا معنى: كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ أي: لكونهم لم يؤمنوا به أول مرة قلبنا أبصارهم وبصائرهم عنه، وصرفناها عن الهدى؛ فبقوا في ضلالتهم؛ لأنهم ردوه حينما بلغهم، فعوقبوا بالحرمان، يعني كما يقال في الأمثال المعاصرة، أو في بعض الأمم: بأن الفرصة لا تطرق بابك مرتين، إذا رد الحق خشي عليه أن يحال بينه وبين الحق، كما قال الله في الآيات التي سُمعتْ في الصلاة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [الأنفال:24] يعني: إن لم تستجيبوا فقد يحال بينكم وبين الحق، كما قال ابن جرير[32]: يريد أن يؤمن فلا يتحقق له ذلك، فيكون ذلك داعيًا للمؤمن أنه إذا بلغه شيء عن الله، أو عن رسوله ﷺ أن يقول: سمعنا وأطعنا، ويبادر للامتثال والعمل من غير تردد ولا تأخير.

قال: "ويحتمل أن تكون للتشبيه، أي: نطبع عليها إذا رأوا الآيات مثل طبعنا عليها أول مرة" وبهذا المعنى قال جماعة: كعكرمة، وعبد الرحمن بن زيد من التابعين[33].

وقال بعضهم: إن قوله: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ هذا يكون في النار، وابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: ولو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى كما حال بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا[34].

فهم طلبوا الرجعة فلو ردوا لحال بينهم وبين الحق والهدى، كما حال بينهم وبينه في المرة الأولى، وهذا ليس ظلمًا للعباد، وإنما كما قال الله : وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال:23] نسأل الله العافية.

قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ [الأنعام:111] الآية، ردٌّ عليهم في قسمهم أنهم لو جاءتهم آية لآمنوا بها، أي: لو أعطيناهم هذه الآيات التي اقترحوها، وكل آية لم يؤمنوا إلا أن يشاء الله.

قوله: (قِبَلاً) بكسر القاف، وفتح الباء، أي: معاينة فنصبه على الحال.

يعني حال كونهم يعاينونهم، قُبلاً أي: معاينةً، أي: وحشرنا عليهم كل شيء يواجهونه ويعاينونه.

وقُرئ بضمتين، ومعناه: مواجهة: كقوله: قُدَّ مِنْ قُبُلٍ [يوسف: 26] وقيل: هو جمع قبيل، بمعنى: كفيل، أي: كفلاء بتصديق رسول الله ﷺ.

(حَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قِبَلاً) بالكسر والفتح، وهذه قراءة نافع وابن عامر، وقرأ الجمهور بضمتين، حَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً[35][الأنعام:111].

ويقول: "ومعناه: قُبُلا، يعني: مواجهةً" وهذا مروي عن ابن عباس، وقتادة، وابن زيد[36]، يعني: يواجهونهم ويعاينونهم قُبُلا، ويقول بعضهم: إنه جمع قبيل، يعني: حَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قبيلاً قبيلاً، أي: جماعةً جماعةً، وصنفًا صنفًا، ولو أننا جمعنا لهم جميع الأشياء أمامهم؛ لتخبرهم بصدق ما جاء به النبي ﷺ، أو جمعناهم لهم فوجًا فوجًا، أو جماعةً جماعة؛ لتخبرهم بذلك لم يؤمنوا، كما قال الله : إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ۝ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [يونس: 96-97].

ونقل الحافظ ابن كثير -رحمه الله- عن مجاهد: قبلاً: أي: أفواجًا قبيلاً قبيلاً[37]؛ يعني: تعرض عليهم كل أمة بعد أمة، فيخبرونهم بصدق النبي ﷺ وبما جاء به، فلا يحصل منهم الإيمان -نسأل الله العافية-؛ يعني مهما كان ولو أحيي لهم الموتى، من آدم إلى آبائهم، وأخبروهم بصدق ما جاء به، فهم لا يؤمنون؛ لأنه حقت عليهم كلمة الله -تبارك وتعالى-.

وقيل: "هو جمع قبيل، بمعنى: كفيل" أي: كفلاء، بتصديق رسول الله ﷺ" والمعنى: ولو حُشر عليهم كل شيء، فكان كفيلاً لهم بصحة ما تقول ما كانوا ليؤمنوا.

قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا [الأنعام:112] الآية، تسلية للنبي ﷺ بالتأسي بغيره.

نعم هذا تسلية للنبي ﷺ، وأيضًا كما يقول الشاطبي -رحمه الله-[38]، والحافظ ابن القيم، وشيخ الإسلام -رحمه الله-[39]: بأن مثل هذه المواضع يكون لأمته نصيب منها، بحسب اتباعهم، فيكون لهم أعداء أيضًا من شياطين الإنس والجن، في كل زمان، كما جعل للأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، وكذلك فيما يتعلق بالأمور المطلوبة والمرغوبة، ونحو ذلك، يكون لهم منها أيضًا نصيب حسب اتباعهم، كما في قوله -تبارك وتعالى-: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح:1] فالحافظ بن القيم -رحمه الله- يقول: هذا الشرح يكون لأتباعه بحسب اتباعهم، وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ۝ الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ ۝ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح:2-4] يقول: ويكون لهم من رفع الذكر بحسب اتباعهم للنبي ﷺ وهكذا، الشاطبي -رحمه الله- في الموافقات تكلم على مثل: نصرت بالرعب[40]، والأشياء التي يعطيها النبي ﷺ يقول: التي أعطيها الأنبياء أُعطي النبي ﷺ من جنسها، إما له، وإما لأحد من أتباعه[41]، حتى الحرق بالنار الذي حصل لإبراهيم وقع أيضًا لبعض أتباعه، وما يُسمى بالكرامة للأولياء فهو من جملة آيات الأنبياء، فهذا حاصل، وكذلك ما أعطيه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- من غير النبوة: من النصر بالرعب، ونحو ذلك يكون لأتباعه بحسب اتباعهم.

قوله تعالى: شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ [الأنعام:112] أي: المتمردين من الصنفين، ونصب (شياطين) على البدل من (عدوًا) إذ هو بمعنى الجمع، أو مفعول أول، و(عدوًا) مفعول ثان.

الشياطين يقول: "المتمردين من الصنفين" لأنه من شطن إلا بعد، أو من شاط يشيط، فكل عاتٍ متمرد فهو شيطان، يقول: "ونصب شياطين على البدل" فهو بدل من (عدوًا) يعني لو وضعته موضع المبدل منه لقلتَ: وكذلك جعلنا لكل نبي شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض.

يقول: "إذ هو بمعنى الجمع" يعني: عدوًا، بمعنى أعداء، واسم الجنس ولو كان مفردًا فإنه يكون بمعنى الجمع، سواء كان مضافًا، أو من غير إضافة، لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ [الممتحنة:1] يعني: أعدائي، هذا بالإضافة؛ ولهذا جمع فقال: أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ فهو بمعنى الجمع، كما في قوله: أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا [النور:31] قال: يظهروا، فَجَمَع، مع أن (الطفل) مفرد، لكنه جنس بمعنى الجمع، وهكذا.

قوله تعالى: يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ [الأنعام:112] أي: يوسوس ويلقي الشر.

هذا بعض معاني (الوحي) بإطلاقه العام في القرآن، فالوحي يأتي بالمعنى الخاص: وهو وحي الله إلى أنبيائه ورسله -عليهم الصلاة والسلام-، وهو الذي جاء في قوله: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا [الشورى:51] فيدخل فيه الإلهام، والإلقاء في الروع، والرؤيا الصالحة، أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الشورى:51] التكليم المباشر، أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً [الشورى:51] ملائكيًا إلى الرسول البشري، فيراه على صورته الحقيقية، أو بصورة رجل، أو يسمع مثل صوت الجرس، إلى غير ذلك من الأحوال والصور التي يأتي بها.

وبالمعنى العام يأتي الوحي لمعانٍ منها: وحي الشياطين وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ [الأنعام:121] وكما جاء عن ابن عمر وابن عباس -رضي الله عنهما- لما قيل لهما بأن الثقفي المختار يدعي أنه يوحى إليه، فقال: صدق، وذكر الآية، وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ [الأنعام:121][42]، وابن عمر كان زوجًا لأخت المختار، والمختار كان من قادة ابن الزبير، ثم بعد قتل مصعب بن الزبير في العراق، أظهر التشيع، وصار يدعي أنه يوحى إليه، وادعى عقيدة البداء، وأن الله بدا له كذا، وكان يخبرهم عن أمور غيبية، فإذا لم تقع قال: بدا لله.

قوله تعالى: زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا [الأنعام:112] ما يزينه من القول.

ما يزينه من القول، غرورًا، يقال: غره، يعني: أصابت غرته، وهي غفلته في اليقظة، أو أوقعه في شراكه، وأوقعه فيما يريد.

قوله تعالى: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ [الأنعام:112] الضمير عائد على وحيهم، أو على عداوة الكفار.

يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ [الأنعام:112] فالضمير في (فعلوه) يرجع إلى أقرب مذكور، والأقرب وهو الذي اختاره الواحدي[43]، والقرطبي[44]، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي[45]، وهو الوحي والوسوسة، والمعنى: ولو شاء ربك ما حصل هذا الوحي، أو أن ذلك يعود على عداوة الكفار، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ [الأنعام:112] باعتبار أن الكلام سيق لهذا أصلاً، وما بعده ذُكر للبيان يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ [الأنعام:112] يعني: ما حصلت هذه العداوة للرسل -عليهم الصلاة والسلام-، وهذا ظاهر اختيار ابن جرير[46]، وابن كثير[47]،باعتبار أن السياق في الكلام على بيان وقوع العداوة، وأنها أمر محتم، قضاه الله وقدره، فهذا لا شك أنه أبلغ في التسلية، فهذه العداوة والكيد الكُبار، والمحاربة للرسل -عليهم الصلاة والسلام- ولأتباعهم، أن ذلك أراده الله وقضاه، ولا بد من وقوعه، ولو شاء ما فعلوه، فلا يبتئس المؤمن من عداوة الكفار، وحربهم لله ورسوله -عليه الصلاة والسلام-، فهذا أمر لا بد من وقوعه، ولو شاء الله ما حصل.

قوله: فَذَرْهُمْ [الأنعام:112] وعيد، وَما يَفْتَرُونَ (ما) في موضع نصب على أنها مفعول معه، أو عطف على الضمير.

فَذَرْهُمْ وذر ما يفترون، إذا كان عطف على الضمير، وقوله: فَذَرْهُمْ وعيد؛ اعتبار أن المعنى: نحن نتولى حسابهم وعذابهم، وليس عليك إلا البلاغ، فذرهم لنا.

قوله تعالى: وَلِتَصْغى [الأنعام:113] أي: تميل، وهو متعلق بمحذوف، واللام لام الصيرورة.

يمكن أن يكون وَلِتَصْغى منصوب بإضمار (أن)، والمصدر المؤول من (أن) المضمرة والفعل في محل جر باللام، والجار والمجرور معطوف على غرورًا، وهو مفعول لأجله، والتقدير: يوحي بعضهم إلى بعض للغرور وللصغو.

يقول: "وَلِتَصْغى [الأنعام:113] أي: تميل، وهو متعلق بمحذوف، واللام لام الصيرورة" ليكون عاقبة ذلك، والمعنى: من أجل أن تصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة، ويحتمل أنها للتعليل: من أجل أن تصغى، وهذا ذكره ابن القيم -رحمه الله-، فهو اختار أنها للتعليل[48]، سواء كانت لتعليل فعل العدو، وهو إيحاء بعضهم إلى بعض، أي: ليغروهم بهذا الوحي، وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ من يُلقى إليه ليرضاه، ويحتمل أن يكون ذلك تعليلاً لجعله لكل نبيًا عدوًا، على القول الذي هو ظاهر اختيار ابن جرير، وابن كثير، فيكون ذلك من جملة الغايات والحكم المطلوبة لهذا الجعل، وهي حكمة مقصودة لغيرها.

إذًا هؤلاء الذين يستجيبون ويقبلون، وينقادون لوحي الشياطين أراد الله غوايتهم، فقد هانوا عليه، وما ذاك إلا لأنهم لا يؤمنون بالآخرة، فلا يُؤسف عليهم، وتذهب النفس حسرات على عدم إيمانهم.

قوله تعالى: إِلَيْهِ [الأنعام:113] الضمير لوحيهم وَلِيَقْتَرِفُوا [الأنعام:113] يكتسبوا أَفَغَيْرَ اللَّهِ [الأنعام:113].

يعني كل هذا بإرادة الله ، ولو شاء ما حصل.

قوله تعالى: أَفَغَيْرَ اللَّهِ [الأنعام:113] معمول لقول محذوف، أي: قل لهم. قوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ [الأنعام:115] أي: صحت، والكلمات ما نزل على عباده من كتبه.

الكلمات هنا بمعنى الشرعية، وهذا اختاره ابن جرير -رحمه الله-[49]، ونسبه ابن عاشور للجمهور[50]، وقال به من السلف قتادة -رحمه الله-[51].

وقال بعضهم: المراد: القرآن، ولا منافاة، فيشمل ما نزل على عباده من كتبه، ومن ذلك القرآن، فالقول: بأنه ما نزل على عباده من كتبه أشمل، لكن عبارة قتادة وابن جرير، والذي أضافه ابن عاشور للجمهور هو بهذا أنه القرآن، لكن لا منافاة مع ما ذكره ابن جزي، فالمقصود: أنها ليست الكلمات الكونية على هذا التفسير.

قوله تعالى: صِدْقًا وَعَدْلاً [الأنعام:115] أي: صدقًا فيما أخبر، وعدلاً فيما حكم.

صدقًا في الأخبار، وعدلاً في الأحكام.

قوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام:118] القصد بهذا الأمر إباحة ما ذُكر اسم الله عليه، والنهي عما ذبح للنصب وغيرها، وعن الميتة، وهذا النهي يقتضيه دليل الخطاب من الأمر، ثم صرح به في قوله: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام:121] وقد استدل بذلك من أوجب التسمية على الذبيحة، وإنما جاء الكلام في سياق تحريم الميتة، وغيرها، فإن حملناه على ذلك لم يكن فيه دليل على وجوب التسمية في ذبائح المسلمين، وإن حملناه على عمومه كان فيه دليل على ذلك، وقال عطاء: هذه الآية أمر بذكر الله على الذبح والأكل والشرب.

جاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: أتى ناس النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، أنأكل ما نقتل، ولا نأكل ما يقتل الله؟ فأنزل الله: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إلى قوله: وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام:121][52]، وهذا ثابت عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، فهو سبب النزول، وهو دليل على أن ذلك نزل في الميتة، والميت: ما خرجت نفسه حتف أنفه، من غير تسبب، هذا حقيقةً، وحكمًا كما ذكر الله من الموقوذة، والنطيحة، وما أكل السبع، وكل ما تُسبِّب فيه، مما أكل السبع، أو وقذها أحد بحجر، أو صدمها بسيارة، أو غير ذلك، والمتردية التي سقطت في بئر، فهذه لا تؤكل؛ لأنها  في حكم الميتة، غير مذكاة، وإنما يُؤكل ما ذُكر اسم الله عليه؛ يعني: ما ذُكي، فهذا المعنى دل عليه سبب النزول، وسبب النزول داخل في العموم، ودخوله فيه أقوى وأولى من غيره، كما يقال بأن صورة السبب قطعية الدخول في العام، وإخراجها منه بالاجتهاد ممنوع، وصورة السبب هذه: ما مات من غير ذكاة، سواءً كانت حقيقةً، يعني هكذا لفظ أنفاسه من غير سبب ظاهر، أو كان بسبب لا يبيح الذكاة، كما لو صدمته سيارة، أو رمي بحجر، أو خشب، أو نحو ذلك، فهذا ميتة، لا يجوز، فهو داخل في مفهوم المخالفة فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام:118] يعني: لا تأكلوا ما ليس كذلك، وجاء النهي عن ذلك صريحًا وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام:121] فهذا في الميتة والذبائح، يعني ظاهر اللفظ العموم، فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يعني عند الذبح وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ هذا تفسير منطوق بمفهوم، يعني منطوق الآية فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ والمفهوم لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله؛ وهذا جاء مصرحًا به في الآية الأخرى، فيكون من قبيل تفسير منطوق بمفهوم بآيةِ أخرى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فهنا قوله: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ومفهومه المصرح به بقول: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يدخل فيه هذه التي لم تذك، ويدخل فيما ذكر عليه اسم غير الله، كاسم المسيح مثلاً، أو أسماء الشياطين، أو ما ترك التسمية عليه عمدًا، وتبقى صورة: ما ترك التسمية عليه نسيانًا، فالآية في ظاهرها تشمل ذلك جميعًا، وإن اختلفوا في متروك التسمية نسيانًا، فهل تحل الذبيحة أو لا؟ فيه خلاف بين الفقهاء معروف، فمن حمل هذه الآية على الميتات، وكذلك في قوله: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أو قال أيضًا: بأنه ما لم يذكر عليه غير اسم الله فيجوز الأكل منه، ولو لم يسم عليه عمدًا، المهم ألا يذبح ولا يهل به لغير الله، فبعض أهل العلم لا يوجب التسمية أصلاً؛ يعني: لو تركها عمدًا صحت الذبيحة عنده، وهذا أيضًا ليس محل اتفاق، والراجح أن التسمية واجبة، لكن يبقى النظر فيما لو تركت نسيانًا باعتبار أنها واجب يسقط مع النسيان مثلاً رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286].

يقول: "فإن حملناه على ذلك" يعني في الميتات "لم يكن فيه دليل على وجوب التسمية في ذبائح المسلمين" يعني لو تركها عمدًا لا إشكال "وإن حملناه على عمومه كان فيه دليل على ذلك، قال عطاء: وهذه الآية أمرٌ بذكر الله على الذبح والأكل والشرب" يعني: عممه أكثر من هذا، فليس فقط على الذبح؛ بل حتى لو أكل خبزًا، أو نحو ذلك، فإنه مأمور بالتسمية، وهو مأمور بالتسمية في قوله: يا غلام سمِ الله[53]، فهذا أمر، والأمر للوجوب، لكن الآية هذه فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ سياقها في الذبائح، وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ [الأنعام:121] فأصله في الميتة؛ لأنهم جادلوهم في الميتة فقالوا: ما ذبحه الله بيده الشريفة تقولون: حرام، وما ذبحتم بأيديكم تقولون: حلال، إذًا أنتم أفضل من الله، فقال الله : وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ [الأنعام:121] فهذا القول الذي ذكره عطاء وأن هذا العموم حتى في غير الذبائح، رده الشنقيطي -رحمه الله-[54]، وبيّن أنها تختص بالذبيحة عند الذكاة، أو العقيرة عند الصيد، إذا أرسل كلبه أو جارحه، أو أراد أن يرمي سهم ونحوه، فإنه يذكر اسم الله عند ذلك.

قوله تعالى: وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا [الأنعام:119] المعنى: أي غرض لكم في ترك الأكل، مما ذكر اسم الله عليه، وقد بيّن لكم الحلال من الحرام، إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام:119] استثناء بما حرم.

يعني في حال الضرورة يجوز له أكل الميتة، ونحو ذلك.

انتهى الآن هذا الربع، هل عندكم سؤال؟

س: ...

نعم من جعلها شرطًا باعتبار أنها إذا تركت، بعضهم قال: عمدًا، فلا يصح أكلها، وبعضهم أدخل فيه الأحوال كلها، يعني حتى مع النسيان أنها لا تصح، والمقصود بكونها واجبة، يعني أنه لا يصح إسقاطها، وأما باعتبار أنها شرط فالشرط خارج عن الذات والماهية، بهذا الاعتبار يسمونه شرطًا، فالتسمية غير الذبيحة، الذبيحة تكون حرامًا، والتسمية خارجة عنها، لكن التسمية لها من الأثر ما بلغ أن تسري في هذه الذات التي هي الذبيحة فتكون طيبةً حلالاً، وإذا تركت تكون خبيثةً حرامًا، فلذكر اسم الله أثر على الذبيحة، كما لو ذُكر اسم غير الله؛ فيكون ذلك خبثًا فيها، وتكون غير مباحة، فيقال لها: شرط باعتبار أنها خارجة عن الماهية، مثل استقبال القبلة في الصلاة، هو خارج عن الماهية، والطهارة خارجة عن الصلاة نفسها فهي شروط، لكن ما حكم  الطهارة؟ واجبة، واستقبال القبلة واجب.

س:...

الله أباح الذبائح، لكن ما لم تذبح على غير اسم الله، فلو ذبحوا باسم المسيح لا يجوز أكلها، أو إذا كان غير مذبوحة أصلاً، فهذه لا يجوز أكلها، فيبقى أنهم إذا ذبحوا وما ذكروا اسم الله، فهذا لم يرد فيه تفصيل، إلا إذا قيل بأن وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ [المائدة:5] عام، والمقصود به الذبائح، كما سبق، وهنا: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ المراد: التسمية على الذبيحة، فيكون ذلك تخصيصًا للعموم هناك، لكن لو قيل بأن ذبائحهم الأصل فيها الحل، ونحن لا نعلم هل ذكروا، أو لم يذكروا، فتكون مباحة، إذا علم أنهم يذبحون ولا يذكرون غير اسم الله عليها، لكن لو شاهدناهم أو سمعناهم يذبحون على غير اسم الله، فلا يحل أكلها، والله أعلم.

س: في قول الله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ [الأنعام:108]........

فيترك هذا من أجلهم، لا، هو ما سب دينهم، إذًا إذَا عبدَ اللهَ قد يحمل الكفار هذا -كما حصل- على سب الله ، والقدح في الدين، إذا دعا إلى التوحيد والإيمان، فيكون ذلك سببًا لقبيح القول الذي يصدر عنهم، فبيان الحق والدعوة إليه، أو التمسك به، لا يجوز أن يترك من أجل أن ذلك يسبب لهؤلاء الأعداء الاشمئزاز، لكن نحن لا نكون متسببين بسب آلهتهم، وبسب دينهم، ونحو ذلك، فيسبون ديننا، أما إذا نحن تمسكنا بالحق فسبّب لهم هذا نوعًا من الاستفزاز، وسبوا الحق، وصدر عنهم ما لا يليق، فلا يعني ذلك أننا نترك الحق ونقول: سدًا لهذه الذريعة، إذًا لن نبقى على شيء، ولو وافقت هؤلاء لخالفت أولئك، وهكذا، وهذا لا ينتهي، وإنما يتمسك الإنسان بالحق ويعتز به، لكن لا يصدر منه سب ما عليه هؤلاء، فيكون ذلك سبب مقابلته بمثله.

س:...

الإيحاء وإلا الكرامة؟

س:...

أولاً: حسب ما يلقى في قلب الإنسان، يقذف في قلبه من الإلهام مثلاً إذا دل عليه الحق والكتاب والسنة، ونحو ذلك، فهذا لا إشكال فيه، لكن أن يلقى في قلبه أشياء تخالف للحق، ولما جاء به الرسول -عليه الصلاة والسلام- فهذا باطل يرد، مثلاً كما جاء عن بعض العباد أنه تمثل له في القبلة وهو يصلي، قد يظهر له نور، وقد يظهر له شيء، ويقول: أنا ربك، والله لا يرى في الدنيا، فقال له: اخسأ، أنت شيطان، وقد يقول له: لقد أسقطت عنك الصلاة، وأسقطت عنك التكاليف، ولا تسقط الصلاة لا عن نبي ولا عن غيره، فهذا يضلل به بعض الجهال.

وهكذا ذاك الذي ذكره ابن كثير، وذكرت خبره في بعض المناسبات في الكلام عن العبر من التاريخ، الذي ظهر في عهد بني أمية، وكان صاحب عبادة، وكتب لأبيه يقول: أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ [ص:41] فأدركني، فكتب له أبوه: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ ۝ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ [الشعراء:221-222] ولست بأفاك ولا أثيم، فامضي لما يأمرك، يقول: فزاده غيًا، فكان يُري الناس رجال على خيل بيض، وعليهم عمائم بيضاء، ويقال: هؤلاء رجال الغيب، يقصد الملائكة، وكان ينقر بيده -كما يقول شيخ الإسلام- على رخامة، أو غيرها، ويؤتيهم بفاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، وأمور من الشياطين تفعلها له، حتى ادعى أنه يوحى إليه، وأنه نبي، وقتل بعد ذلك، يعني حتى لما طعن بالرمح لم ينفذ فيه، فقال الخليفة للجندي الذي أمره بقتله: ويحك هل ذكرت اسم الله؟ قال: نسيت، فقال: بسم الله، فضربه بالرمح، فنفذ فيه؛ فالشياطين تحميه، فمثل هذا من وحي الشياطين، ومن إضلالهم، فكل ذلك يعرض على الميزان الحق، الذي لا يحيد ولا يميل، وهو ميزان الكتاب والسنة، ولا يلتفت إلى ما وراء ذلك، بعض الناس يذكر أشياء أنه يراها كثيرًا فيما يشبه اليقظة، يعني بين النوم واليقظة، وبعضهم في حال اليقظة، وبعضهم في حال النوم، ولربما يتخيل أشياء، وربما يكون فيه علة من العلل العقلية أحيانًا، أو نحو ذلك.

فبعضهم يقول: أرى طائرا أبيض دائمًا يتبعني، أو أني أسمع صوتًا يوجهني دائمًا، ويقول لي: انتبه سيأتيك فلان، ويأتي فعلاً، أو سيحضر فلان الساعة، ويحضر فعلاً، وأشياء كثيرة يقولون من هذا القبيل، نحن نقول: أعرض عن هذا ولا تلتفت إليه، ولا تشتغل به، فالشياطين لها طرق خفية في الإغواء والإضلال، وقد يعينونه في باب الرقية، ويذكرون له أشياء وأمور، والله أعلم بصحتها، فيظن أنه قد فتح له في هذا الباب، فيتوغل فيه ويتوسع، ثم بعد ذلك يطالبونه بأمور من عبادتهم، والتقرب إليهم، ولا يستطيع بعد مراحل الامتناع من ذلك، والله نهى عن اتباع خطوات الشيطان وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ [البقرة:168] وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [النور:21].

س:...

طبعًا الكفر والشرك موجود عندهم منذ نزلت هذه الآيات، لكن إذا عُلم أنه ملحد أصلاً لا يؤمن بدين أهل الكتاب، فهذا لا تؤكل ذبيحته، لكن إذا بقي ينتسب إليهم في الجملة، ولو كان منحرفًا في الاعتقاد بوجه أو بآخر، فهم منحرفون، والله يقول: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة:17] لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ[المائدة:73] وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [التوبة:30] فهذا كفر واضح، وشرك منذ القدم، من قبل بعث النبي ﷺ، وأبيحت ذبائحهم مع ذلك، وهم مشركون، والله أعلم.

س:...

هو الذي حملهم على القول بأن قوله: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً [الأنعام:115] أنها الكلمات الشرعية،  أنه ذكر الصدق، والصدق يكون في الأخبار، فقالوا: بأن هذه في الكلمات الشرعية، والعدل لا شك أنه متحقق في هذا وهذا، لكن في كلماته الكونية التي يكون بها الإيجاد والخلق، وتصريف أمر العالم العلوي والسفلي، ونحو ذلك، فهذا لا يُخبرهم به، من هذا الباب، لكن أعوذ بكلمات الله التامات[55] يحتمل الكلمات الشرعية، والأقرب أنها الكونية، ويصح أن يدخل فيها الشرعية؛ لأنه يجوز الاستعاذة بها؛ لأن كلام الله صفة من صفاته، فهو ليس استعاذة بمخلوق؛ لكن الملائم هنا أن يكون المراد: الكلمات الكونية؛ لأنه لا يجاوزها بر ولا فاجر، بخلاف الكلمات الشرعية، وكذلك هو يريد الحفظ وهو يكون بالكلمات الكونية.

  1. تفسير ابن كثير ت سلامة (3/ 307).
  2. أخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده برقم: (902) وقال حسين سليم أسد: "إسناده صحيح".
  3. أخرجه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر برقم: (554) ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح والعصر، والمحافظة عليهما برقم: (633).
  4. حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص:293).
  5. تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (12/ 14).
  6. أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب قوله: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} [ق:39] برقم: (4855).
  7. أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب في قوله -عليه الصلاة والسلام-: «نور أنى أراه» وفي قوله: «رأيت نورًا» برقم: (178).
  8. أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب في قوله -عليه الصلاة والسلام-: «إن الله لا ينام» وفي قوله: «حجابه النور لو كشفه لأحرق سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» برقم: (179).
  9. الصفدية (2/ 65).
  10. حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص:293).
  11. معاني القراءات للأزهري (1/ 376) وحجة القراءات (ص:264).
  12. تفسير القرطبي (7/ 59).
  13. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (1/ 489).
  14. تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (17/ 153).
  15. المقدمات الممهدات (2/ 39).
  16. تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (12/ 33-34).
  17. أخرجه مسلم في كتاب الأضاحي، باب تحريم الذبح لغير الله تعالى ولعن فاعله برقم: (1978).
  18. أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها برقم: (90).
  19. إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت: طه عبد الرؤوف (3/ 135).
  20. المراد: أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي، أبو جعفر (المتوفى:708هـ) صاحب كتاب: ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل.
  21. السبعة في القراءات (ص:265) ومعاني القراءات للأزهري (1/ 378-379) وحجة القراءات (ص:265).
  22. البحر المحيط في أصول الفقه (2/ 200).
  23. فتح القدير للشوكاني (2/ 173).
  24. التفسير الوسيط للواحدي (2/ 311).
  25. تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (2/ 333).
  26. تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (12/ 43).
  27. أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب القدر، باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن برقم: (2140) وصححه الألباني.
  28. أخرجه أحمد ط الرسالة برقم: (6610) وقال محققو المسند: "صحيح".
  29. أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب القدر، باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن برقم (2140) وابن ماجه في كتاب الدعاء، باب دعاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- برقم (3834) واللفظ للترمذي، وصححه الألباني.
  30. تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (12/ 45).
  31. الفوائد لابن القيم (ص:90) وزاد المعاد في هدي خير العباد (3/ 503).
  32. تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (13/ 472).
  33. تفسير ابن كثير ت سلامة (3/ 317).
  34. تفسير ابن أبي حاتم - محققا (4/ 1369).
  35. حجة القراءات (ص:267).
  36. تفسير ابن كثير ت سلامة (3/ 318).
  37. تفسير ابن كثير ت سلامة (3/ 318).
  38. الاعتصام للشاطبي ت الهلالي (1/ 484).
  39. منهاج السنة النبوية (8/ 487).
  40. أخرجه البخاري في كتاب التيمم برقم: (335) ومسلم في أول كتاب المساجد ومواضع الصلاة، برقم: (521).
  41. الموافقات (2/ 415).
  42. المعجم الأوسط برقم: (924) والبداية والنهاية ط إحياء التراث (6/ 265).
  43. التفسير الوسيط للواحدي (2/ 313) والوجيز للواحدي (ص:371).
  44. تفسير القرطبي (7/ 68).
  45. العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (2/ 156).
  46. تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (12/ 53).
  47. (تفسير ابن كثير ت سلامة (3/ 321).
  48. شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (ص: 191).
  49. تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (12/ 62).
  50. التحرير والتنوير (8-أ /18).
  51. تفسير ابن كثير ت سلامة (1/ 199).
  52. أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة الأنعام برقم: (3069) وصححه الألباني.
  53. أخرجه البخاري في كتاب الأطعمة، باب التسمية على الطعام والأكل باليمين برقم: (5376) ومسلم في الأشربة، باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما برقم: (2022).
  54. العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (2/ 208).
  55. أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره برقم: (2708).

مواد ذات صلة