الإثنين 09 / شوّال / 1441 - 01 / يونيو 2020
(005) من قوله تعالى (.. أو لتعودن في ملتنا) الآية 88– إلى قوله تعالى (..واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم) الآية 116
تاريخ النشر: ٢٨ / جمادى الآخرة / ١٤٣٩
التحميل: 529
مرات الإستماع: 527

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، أما بعد:

فاللهم اغفر لنا، ولشيخنا، والحاضرين، والمستمعين، ولجميع المسلمين.

قال المصنف - رحمه الله تعالى -:

"قوله تعالى: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا [الأعراف: 88] أي: ليكونن أحد الأمرين: إما إخراجكم، أو عودكم إلى ملة الكفر، فإن قيل: إن العود إلى الشيء يقتضي أنه قد كان فُعِلَ قبل ذلك، فيقتضي قولهم: لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا أن شعيبًا، ومن كانوا معه كانوا أولًا على ملة قومهم، ثم خرجوا منها، فطلب قومهم أن يعودوا إليها؛ وذلك محال، فإن الأنبياء معصومون من الكفر قبل النبوة، وبعدها، فالجواب من، وجهين:

أحدهما: قاله ابن عطية: وهو أن (عاد) قد تكون بمعنى (صار)، فلا تقتضي تقدم ذلك الحال الذي صار إليه[1].

والثاني قاله الزمخشري: وهو أن المراد بذلك الذين آمنوا بشعيبٍ دون شعيب[2] وإنما أدخلوه في الخطاب معهم بذلك، كما أدخلوه في الخطاب معهم في قولهم: لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ [الأعراف: 88] فغلَّبوا في الخطاب بالعود الجماعة على الواحد، وبمثل ذلك يجاب عن قوله: إن عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ وقوله: وَمَا يَكُونُ لَنَا أن نَعُودَ فِيهَا".

قوله: أو لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا مضى في الكلام على الغريب أن الملة مشتقة من أمللت؛ لأنها تبنى على مسموعٍ، ومتلو، وأنه إذا أريد الدين باعتبار الدعاء إليه، قيل: ملة، وإذا أريد باعتبار الطاعة، والانقياد فيقال له: دين أو لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا أي: في ديننا.

وهذه المسألة التي ذكرها المؤلف، وهي هل كان شعيب  على ملتهم؟ بمعنى هل الأنبياء - عليهم الصلاة، والسلام - على دين قومهم قبل الرسالة، والنبوة؟

وهذه المسألة سبق الكلام عليها في بعض المناسبات، كما في سورة الأنعام في قوله - تبارك، وتعالى - عن إبراهيم : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي [الأنعام: 76] هل كان ناظرًا، أو مُناظرًا؟ يعني هل كان يقول ذلك معتقدًا ربوبية الكوكب في أول الأمر، أو قاله على سبيل التنزُّل؟ وقد ذكرتُ في هذا، وفي التعليق على المصباح: أن الأقرب أن الأنبياء - عليهم الصلاة، والسلام - لم يكونوا على دين قومهم، وإبراهيم نفى الله عنه الإشراك بفعل الكون الماضي: وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [البقرة: 135] ومثل هذا يكون في الزمن الماضي، وكذلك في، وقته الحاضر، وفي مستقبله، فهو لم يكن منهم قط، وهكذا الأنبياء - عليهم الصلاة، والسلام - وهذا هو الأقرب.

والجواب على مثل هذا الذي يحتج به من يقول بأن الأنبياء - عليهم الصلاة، والسلام - كانوا على دين قومهم، هو أن لفظ (العود) من الأضداد، فيقال: لرجوع الشيء إلى حاله الأولى، كما تقول: عاد فلان إلى طبيعته، أو إلى عمله، أو نحو ذلك.

ويأتي بمعنى الصيرورة، بمعنى صار إلى كذا، وذكرنا أمثلةً لذلك، كقولهم مثلًا: عاد الماء ثلجًا، ولم يكن كذلك، وعاد الطين خزفًا، ولم يكن كذلك، وعاد الصبي شيخًا، ولم يكن كذلك، فهو من الأضداد كما ذكر الثعالبي[3] وكذلك الذي أشار إليه ابن عطية فيما سمعتم قبل قليل، وهو القول الأول، وجوَّز الزجَّاج أن يكون العود بمعنى الابتداء[4] يعني على المعنى الآخر للعود.

والمعنى الثاني الذي ذكره المؤلف نقلًا عن صاحب الكشَّاف: أن ذلك جاء على سبيل التغليب في العبارة، بمعنى أن ذلك باعتبار قومه، فجاء الخطاب عامًا، فغُلِّبَ فيه الأكثر، ولا شك أن قومه الذين آمنوا منهم كانوا على دين قومهم، فجاء ذلك بهذا الاعتبار.

وبنحو هذا المعنى الذي قاله صاحب الكشاف قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله -[5].

وأما شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - فحمله على ظاهره، وأنه كان على دينهم، وأنه لا غضاضة عليه في ذلك، والله يقول: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: 15] وأن الله - تبارك، وتعالى - يختار للرسالة، والنبوة خيار الناس عن علمٍ، وحكمةٍ، ومن كان معروفًا بالصدق، والأمانة، قد تكون الخيرية من جهة النسب.

والشيخ محمد الأمين الشنقيطي - رحمه الله - ذكر في آية الأنعام التي ذكرتها آنفًا أن إبراهيم قال ذلك مناظرا لا ناظرًا، يعني على سبيل التنزُّل في المناظرة[6] وتكلم على هذه المسألة على كل حال بنحوٍ مما ذكرت.

"قوله تعالى: قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ [الأعراف: 88] الهمزة للاستفهام، والإنكار، والواو للحال، وتقديره: أنعود في ملتكم، ونحن كارهون؟

قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إن عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ [الأعراف: 89] أي: إن عدنا فيها فقد، وقعنا في أمرٍ عظيمٍ من الافتراء على الله، وذلك تبرؤٌ من العود فيها.

وَمَا يَكُونُ لَنَا أن نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا [الأعراف: 89] هذا استسلامٌ لقضاء الله على وجه التأدب مع الله، وإسناد الأمور إليه؛ وذلك أنه لما تبرأ من ملتهم أخبر أن الله يحكم عليهم بما يشاء من عودٍ، وتركٍ، فإن القلوب بيده يقلبها كيف يشاء.

فإن قلت: إن ذلك يصح في حق قومه، وأما في حق نفسه فلا، فإنه معصومٌ من الكفر، فالجواب: أنه قال ذلك تواضعًا، وتأدبًا مع الله تعالى، واستسلامًا لأمره، كقول نبينا ﷺ : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك[7] مع أنه قد عَلِمَ أنه يُثبِّته".

قوله: وَمَا يَكُونُ لَنَا أن نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا [الأعراف: 89] يقول: "هذا من باب الاستسلام لقضاء الله على وجه التأدب مع الله، وإسناد الأمور إليه" وابن جرير - رحمه الله - يقول: إلا أن يكون سبق في علم الله أننا نعود إليها[8] والكلام هنا على تعليق ذلك بالمشيئة، ولا شك أن كل شيءٍ بمشيئة الله - تبارك، وتعالى - فيكون ذلك على سبيل التفويض، وقول ابن جرير - رحمه الله - لا ينافي ذلك، يعني إلا أن يكون قد سبق في علم الله - تبارك، وتعالى - فنحن تحت إرادته، ومشيئته، وتصرفه.

وما ذكره هنا من أن ذلك يصح في حق قومه أما هو فلا، فهو معصوم، قال: "فالجواب: أنه قال ذلك تواضعًا، وتأدبًا مع الله - تبارك، وتعالى - واستسلامًا لأمره، كما جاء في الحديث: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك[9] مع أن النبي ﷺ قد عَلِمَ أن الله يُثبِّته، فلا شك أن إرجاع الأمور إلى الله - تبارك، وتعالى - هو الأدب اللائق معه، وكل شيءٍ بمشيئته، وإرادتهِ.

ومضى القول عن كلام إبراهيم في قوله في الأنعام: وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا [الأنعام: 80] مع أنه هنا قيل أيضًا في المراد، والمعنى غير ذلك، لكن هذا على أحد الأوجه التي ذكرت.

"قوله تعالى: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا [الأعراف: 89] أي: احكم.

كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا [الأعراف: 92] أي: كأن لم يقيموا في ديارهم."

قوله: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا ذكرنا في الغريب، وفي التعليق على المصباح في قوله - تبارك، وتعالى -: إن تَستَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ [الأنفال: 19] أن أصل الفتح: إزالة الإغلاق، والإشكال، وذكر الشيخ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله - أن فتحه - تبارك، وتعالى - نوعان:

الأول: فتح العلم في تبيين الحق من الباطل، والمحق من المبطل.

والثاني: هو الفتح بالجزاء، وإيقاع العقوبة بالظالمين[10].

وسبق أن الفتح يكون بمعنى الحكم، والفصل، والفتَّاح يقال للحاكم، والقاضي، والحكم يقال له: فُتاحة، والمقصود: احكم بيننا.

فيما يتعلق بالفتح، وأن الفُتاحة بمعنى الحكم، ذكر الفرَّاء: أن أهل عُمان يسمون القاضي الفاتح، والفتَّاح، وبعضهم يقول لغة مراد[11] فلا شك أنها لغةٌ عربيةٌ فصيحة.

وقوله: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا يقول: "كأن لم يقيموا في ديارهم" وأصل المادة (غني) يدل على الكفاية، والاستغناء عن الغير، كأنهم استغنوا بأرضهم، وديارهم، والمعنى كأن لم يقيموا فيها، وكأن من نزل أرضًا، وأقام فيها، كأنه استغني فيها، فالغَناء بمعنى الكفاية، ونحو ذلك، تقول: فلان ليس به غَناء، والغِنَاء بالمد، والهمز هو الأصوات المطربة المعروفة، والغنى كثرة العرض، والمال، ونحو ذلك.

"قوله تعالى: فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ [الأعراف: 93] أي: كيف أحزن عليهم، وقد استحقوا ما أصابهم بكفرهم.

قوله تعالى: بِالْبَأْسَاءِ والضَّرَّاءِ [الأعراف: 94] قد تقدم".

البأساء اسم للبؤس، وفُسِّر بالضرر، والشدة، والمكروه، وسوء الحال، وأصل هذه المادة (البأس) يدل على الشدة، وقد فَسَّره الحافظ ابن كثير - رحمه الله -: بما يصيبهم في أبدانهم من الأمراض، والأسقام[12] وعليه فتكون الضَّراء بسوء الحال من الفقر، والقحط، على تفسير ابن كثير.

وبعضهم عكس المعنى ففَسَّر الضراء بالمرض، والضُر، كما فُسِّرت البأساء بالفقر، والفاقة، وبعضهم يُقيِّد ذلك، فيجعل الضراء معها خوف، وأن أصلها من البأس، وهو الخوف.

"وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ والضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ [الأنعام: 42] وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ ومَا يَتَضَرَّعُونَ [المؤمنون: 76]

فالبأساء، والضراء متقاربان، وكلام أهل العلم يدور على أن أحد اللفظين: يدل على الشدة مما يتصل بالفقر، والفاقة، والأخر المرض، والضُر، وقد يكون المعنى أوسع من ذلك، فقد تكون البأساء - كما ذُكِر - معها خوفٍ بتسلط العدو، ونحو ذلك، وما يحصل من الحروب، والشدائد، وهذه قد يحصل معها الفقر، والشدة في أمورِ المعيشة - والله أعلم -.

"قوله تعالى: ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ [الأعراف: 95] أي: أبدلنا البأساء، والضراء بالنعيم، اختبارًا لهم في الحالتين".

يُقلِّبهم بين هذا، وهذا.

"قوله تعالى: حَتَّى عَفَوْا [الأعراف: 95] أي: كثروا، ونموا في أنفسهم، وأموالهم".

هذا اللفظ من الأضداد، يقال: عفا بمعنى كثُر، وبمعنى اندرس، والمراد به هنا حَتَّى عَفَوْا يعني: كثروا، ونموا في أنفسهم، وأموالهم، وهذا ابتلاء من الله - تبارك، وتعالى - كما قال الله : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ والْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: 35].

"قوله تعالى: وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ والسَّرَّاءُ [الأعراف: 95] أي: قد جرى ذلك لآبائنا، ولم يضرهم، فهو بالاتفاق لا بقصد الاختبار".

المس أصله: لجسِّ الشيء باليد، والمراد قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا أي: أصاب آباءنا، فيُقَال لكل ما ينال الإنسان من أذى: مس، وقولهم هنا فيما قص الله من مقالهم: قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ والسَّرَّاءُ فالضراء: عرفنا أنها الضُر بما يقع من الشدة، والسراء: السرور، والرخاء، من رغد العيش، ونحو ذلك، فهؤلاء يقولون مثل هذا هو أمرٌ مما تقتضيه الطبيعة، ولا علاقة له بعقوبة تقع للناس، كما يقول بعض الجاهلين فيما يقع لهم من الشدائد، ونحو ذلك: بأن هذه أمورٌ طبيعية تتكرر كل كذا، وكذا عام، نسأل الله العافية، فمثل هؤلاء لا يمكن أن يتفطنوا لما يُراد بهم، وما ينزل من العقوبات الإلاهية التي يبتليهم الله بها.

"قوله تعالى: بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ والْأَرْضِ [الأعراف: 95] أي: بالمطر، والزرع".

السماء هنا قال: المطر، والأرض: يعني الزرع، وقد يكون البركات النازلة من السماء أعم من ذلك، أعم من المطر، فالبركات تحصل بهذا، وتحصل بغيره.

وذكر بعض أهل العلم مما يكون من السماء: الرياح، والهواء، وكذلك أيضًا ضوء الشمس، وما يحصل فيه بسببه مما قدَّره الله - تبارك، وتعالى - من قيام هذه الحياة، بمعنى أن الشمس لو عُدِمَ ضوؤها لتجمد كل شيء، وهلك كل شيء، إلى غير ذلك مما يمكن أن يدخل في هذا المعنى: بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ والْأَرْضِ كما قال الله : وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا [الجن: 16].

وهكذا في قول نوح : فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ أنه كَانَ غَفَّارًا ۝ ​​​​​ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ۝ ​​​​​ ويُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ ويَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا [نوح: 10 - 12].

وهكذا في قوله - تبارك، وتعالى - عن بني إسرائيل: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ والْإِنْجِيلَ ومَا أُنْزِلَ إليهمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ ومِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [المائدة: 66] فكل هذا مثل قوله هنا: بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ والْأَرْضِ.

"قوله تعالى: أَوَ أَمِنَ [الأعراف: 98] من قرأ بإسكان الواو فهي (أو) العاطفة، ومن قرأ بفتحها فهي (واو) العطف، دخلت عليها همزة التوبيخ، كما دخلت على الفاء في قوله: أَفَأَمِنَ [الأعراف: 97]".

هذه القراءة بالإسكان للواو، (أَوْ أَمِنَ) هي قراءة نافع، وابن كثير، وابن عامر[13].

يقول: "فهي (أو) العاطفة" يعني كما تقول: أقمت، أو قعدت؟ ومن قرأ بفتحها فهي، واو العطف، وهي قراءة الجمهور أَوَ أَمِنَ واو العطف دخلت عليها همزة التوبيخ، التي هي همزة الاستفهام لكنه استفهامٌ بمعنى التوبيخ.

"قوله تعالى: مَكْرَ اللَّهِ [الأعراف: 99] أي: استدراجه، وأخذه للعبد من حيث لا يشعر".

المكر هو تدبيرٌ خفي، يعني إيصال الضرر من حيث يظن الممكور به أنه نفع، كأن يعطيه من الدنيا على كفره، وعتوه، وتمرده على ربه - تبارك، وتعالى - وكلما عتى أعطاه، وكلما عصى زاده، فيكون ذلك استدراجًا، ومكرًا، كما قال الله : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وأُمْلِي لَهُمْ إن كَيْدِي مَتِينٌ [الأعراف: 182 - 183] وكقوله تعالى: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ولَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [آل عمران: 178] فما يُعطَاهُ الكفار من ألوان النعيم فهذا من باب الإملاء، والاستدراج، كما قال الله تعالى: لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وبِئْسَ الْمِهَادُ [آل عمران: 196 - 197].

فهذا العطاء في حال الكفر، والمعصية ليزدادوا إثمًا، والمكر صفة فعلية لله - تبارك، وتعالى - على الوجه اللائق بجلاله، وعظمته، فالمكر يكون كمالًا إذا كان ذلك فيمن يستحق، وليس من أسمائه - تبارك، وتعالى - الماكر، كما هو معلوم.

"قوله تعالى: أَوَ لَمْ يَهْدِ [الأعراف: 100] أو لم يتبين".

وجاء عن ابن عباس - ا -: أو لم نبين لهم[14]: أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم، وكذا جاء عن مجاهد[15] وابن جرير - رحمه الله - بلفظ: أو لم نبين لهم[16].

"قوله تعالى: لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ [الأعراف: 100] أي: يسكنونها".

هذا تفسير على المعنى، وإلا فأصل الوراثة - كما هو معلوم - قد مضى في مناسبات سابقة، يكون من بعد آخرين.

"أن لَوْ نَشَاءُ [الأعراف: 100] هو فاعل أَوَ لَمْ يَهْدِ ومقصود الآية الوعيد.

قوله تعالى: وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ [الأعراف: 100] عطفٌ على أصبناهم؛ لأنه في معنى المستقبل، أو منقطعٌ على معنى الوعيد".

وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ بمعنى نختم، يقول: "عطفٌ على أصبناهم" يعني أهلكناهم، وأخذناهم، وطبعنا على قلوبهم، فأصبناهم فعل ماضي، ونطبع فعل مضارع، فعُطِف هذا على هذا، فحمل بعض أهل العلم قوله: أَصَبْنَاهُمْ الذي بصيغة الماضي على معنى (نصيب)، وهذا الذي اختاره ابن عطية - رحمه الله -[17] أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم، ونطبع على قلوبهم، فيكون الطبع مُتوعَّدًا به أيضًا، يعني بإصابتهم بذنوبهم، والطبع على قلوبهم.

لكن ردَّه الزجَّاج باعتبار أن (أصبنا) ماضي، و(نطبع) مستقبل، وحمل الكلام على أنه بمعنى: ونحن نطبع على قلوبهم[18] فلا يكون من جملة ما توعدهم به، وإنما هو إخبارٌ بذلك.[19]

وذكر الطاهر بن عاشور - رحمه الله - أن ذلك يُفسد المعنى؛ وذلك أن هؤلاء الذين، ورثوا الأرض قد طُبِعَ على قلوبهم فلم تنفعهم دعوة النبي ﷺ يعني أنه ليس من قبيل الوعيد، وإنما هو إخبار[20].

"وأجاز الزمخشري أن يكون عطفًا على: يَرِثُونَ الْأَرْضَ [الأعراف: 100] أو على ما دلَّ عليه معنى: أَوَ لَمْ يَهْدِ [الأعراف: 100] كأنه قال: يغفلون عن الهداية، ونطبع على قلوبهم".

يقول: "أو منقطع على معنى الوعيد" ونطبع على قلوبهم، وهذا الذي قلنا: إنه اختاره الزجَّاج، وكذلك الطاهر بن عاشور، والشنقيطي[21] من المعاصرين، وقبل هؤلاء المعاصرين القرطبي - رحمه الله -[22].

وكما ذكرت يكون المعنى: ونحن نطبع على قلوبهم في المستقبل، كما طبعنا عليها في الماضي، ونقل هنا قول صاحب الكشاف: أن يكون عطفًا على (يرثون)، وجوَّز ذلك، أو على ما دلَّ عليه معنى أَوَ لَمْ يَهْدِ كأنه قال: يغفلون عن الهداية، ونطبع على قلوبهم، لكن ما ذكره الزجَّاج، ومن، وافقه كأنه أقرب - والله تعالى أعلم -.

"قوله تعالى: وَمَا وجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ [الأعراف: 102] الضمير لأهل القرى، والمعنى: وجدناهم ناقضين للعهود".

بمعنى لم يكن لهم، وفاء، والتزام بعهد الله: من توحيده، وطاعته، والإيمان به، واتباع رسله، وبنحو هذا المعنى قال أبو جعفر ابن جرير - رحمه الله -[23] وحمله الحافظ ابن كثير - رحمه الله - على ما جبلهم، وفطرهم عليه، وأخذ عليهم في الأصلاب أنه ربهم، وأنه لا إله إلا هو[24] فأقروا، وشهدوا: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف: 172].

فيقول هنا: "وَمَا وجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ يعني العهد الأول، وهم في الأصلاب، فلما أقروا، وشهدوا خالفوا، وهذا المعنى جوَّزه الطاهر بن عاشور[25] كما ذكره ابن كثير، وجوَّز أن يُراد أيضًا به الوعد الذي أعطاه الأمم لرسلهم كقولهم: فَأْتِ بِآيَةٍ إن كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الشعراء: 154] يعني: إن جئت بها آمنا بك، واتبعناك، وصدقناك.

وجوَّز أيضًا أن يكون، وعدًا، وثَّقه أسلاف الأمم من عهد آدم: ألا يعبدوا إلا الله أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [يس: 60] فكان لازمًا لعقابهم - والله أعلم -.

فلم يحصل منهم، وفاء بما أُخِذَ عليهم، أو أخذوا على أنفسهم، يعني أُخِذَ عليهم باعتبار ما كان من عهد لله سابق، إما في الأصلاب، وإما على الأمم، أو بما أخذوا على أنفسهم من تعهدهم بالإيمان، إذا جاءتهم الآية، ولم يكونوا كذلك.

"قوله تعالى: حَقِيقٌ عَلَى أن لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [الأعراف: 105] من قرأ (عَلَيَّ) بالتشديد على أنها ياء المتكلم، فالمعنى ظاهر، وهو أن موسى قال: حقيقٌ عليه ألا يقول على الله إلا الحق، وموضع أن لَا أَقُولَ على هذا رفعٌ بناء على أنه خبر حقيق، و(حقيقٌ) مبتدأ، أو بالعكس.

ومن قرأ (عَلَى) بالتخفيف، فموضع أن لَا أَقُولَ خفضٌ بحرف الجر، و(حقيقٌ) صفةٌ لرسول، وفي المعنى على هذا، وجهان:

أحدهما: أن (على) بمعنى الباء، فمعنى الكلام: رسولٌ حقيقٌ بألا أقول على الله إلا الحق.

والثاني: أن معنى حقيق: حريصٌ؛ ولذلك تعدى بـ(على)".

قوله: "حقيقٌ عليَّ" هذه قراءة نافع[26] وهي التي بنى عليها المؤلف - رحمه الله - الكتاب، فتكون ياء المتكلم، يعني كأنه يقول: حقٌ، واجبٌ عليَّ ألا أقول على الله إلا الحق، فيكون خبرًا لحقيق، يقول: "أو العكس" يعني: أن (حقيق) هو الخبر.

يقول: "ومن قرأ (على)" بالتخفيف، وهذه قراءة الجمهور[27] فـتكون (على) حرف جر، فيتغير المعنى: "فيكون أن لَا أَقُولَ مجرور بـ(على)، و(حقيق) صفة لرسول".

يقول: "وفي المعنى على هذا، وجهان:

الأول: أن (على) بمعنى الباء" يعني على التخفيف، فمعنى الكلام رسولٌ حقيقٌ بأن لا أقول على الله إلا الحق، وهذا يؤيده قراءة شاذة، وهي قراءة أُبيّ، والأعمش: حقيقٌ بألا أقول[28] فليس من التكلُّف، والقراءة الشاذة إذا صحَّ سندها تُفسِّر المتواترة، ومعروف أن حروف الجر تتناوب، وقال الفرَّاء: بأن العرب تجعل الباء في موضع (على)[29] تقول: رميتُ على القوس، وبالقوس، وجئتُ على حالٍ حسنة، وبحالٍ حسنة.

يقول: "الثاني: أن معنى حقيق مضمن معنى حريصٌ" أو جدير، أو خليق، وهذا اختاره ابن عطية[30] وأبو حيان[31] وشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -[32] وفسَّره بحريص أبو عبيدة معمر بن المثنى[33] والقرطبي أيضًا[34].

فابن عطية، والشنقيطي[35] استبعدوا تفسيره بحريص، يعني عبَّروا بمثل جدير، وخليق، وسبق الكلام على تضمين الفعل، وما في معناه معنى الفعل، يعني أولى من تضمين الحرف معنى الحرف، وقلنا: بأن ابن القيم - رحمه الله - وكذلك شيخ الإسلام - رحمه الله - يميلون إلى هذا[36] ويعزوه الحافظ ابن القيم إلى فقهاء النحاة، يعني بدلًا من أن يُفسَّر (على) بالباء، يقولون: بأن حقيق مضمن معنى جدير، وخليق.

والآخرون يقولون: مضمن معنى حريص، وجمع بين القولين بعضهم كالشيخ محمد رشيد رضا[37].

والشيخ محمد أمين الشنقيطي - رحمه الله - فسره بمعنى إني رسولٌ حقيق[38] أي رسالتي لا شك فيها.

وأما قوله: (عَلَىَّ أن لَا أَقُولَ) فيتعلق بمعنى الرسالة المشار إليها بالرسول، أي: أرسلني ربي على شرط، ووتيرةٍ معينة، وهي: ألا أقول عليه إلا الحق.

فهو يخاطب فرعون، ويقول: إني رسولٌ من رب العالمين حقيق، يعني رسالتي حقٌ ثابتٌ لا شك فيه، ولا امتراء، لكن على شرط: ألا أقول على الله إلا الحق.

وكأن القول الذي ذكره عامة أهل العلم أقرب - والله تعالى أعلم -.يعني بمعنى خليق، وجدير ألا أقول على الله إلا الحق.

"قوله تعالى: قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [الأعراف: 105] أي: بمعجزةٍ تدل على صدقي، وهي العصا، أو جنس المعجزات.

قوله تعالى: فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الأعراف: 105] أي: خَلِّهم يذهبوا معي إلى الأرض المقدسة موطن آبائهم؛ وذلك أنه لما توفي يوسف غلب فرعون على بني إسرائيل، واستعبدهم، حتى أنقذهم الله على يد موسى، وكان بين اليوم الذي دخل فيه يوسف مصر، واليوم الذي دخله موسى أربعمائة عام".

هذا على ما ذكره بعض المؤرخين، وهذا يدل على أن ما ذكره بعضهم من أن فرعون الذي خاطبه مؤمن آل فرعون بقوله: وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا [غافر: 34] احتمالاً أنه هو فرعون الذي كان في زمن يوسف فخاطبهم مؤمن آل فرعون بهذا، لكن هذا فيه نظر، فبينهم قرون - على ما ذكره بعضهم - تصل إلى أربعمائة سنة، فلم يكن الذي كان في زمن موسى هو من كان في زمن يوسف -.

"قوله تعالى: وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ [الأعراف: 108] وكان موسى شديد الأدمة، فأظهر يده لفرعون، ثم أدخلها في جيبه، ثم أخرجها، وهي بيضاء، شديدة البياض، كاللبن، أو أشد بياضًا".

نزع يده يعني أخرجها، وأظهرها، قوله: شديد الأدمة، يعني السمرة.

"وقيل: إنها كانت منيرةً شفافة كالشمس، وكانت ترجع بعد ذلك إلى لون بدنه.

قوله تعالى: لِلنَّاظِرِينَ [الأعراف: 108] مبالغةٌ في وصف يده بالبياض، كأن الناس يجتمعون للنظر إليها، والتعجب منها".

كما قال الله : اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ [القصص: 32] يعني ليس به برص، وهذا يشعر بأن البياض على ظاهره، وليس كما قيل: بأنها شفافة كالشمس، وهذا غير قوله: وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ [القصص: 32] فهما آيتان.

"قوله تعالى: قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إن هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ [الأعراف: 109] حكى هذا الكلام هنا عن الملأ، وفي الشعراء عن فرعون، فكأنه قد قاله هو، وهم، أو قاله هو، ووافقوه عليه، كعادة جلساء الملوك في اتباعهم لما يقول الملك".

 

كما في قوله في الشعراء: قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ أن هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ [الشعراء: 34] هذا من قول فرعون، وفي آية القصص: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى [القصص: 36] هذا من قول الملأ، وهنا في آية الأعراف: قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أن هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ [الأعراف: 109] قد يكون ذلك صدر عنه، وتوافقوا على ذلك.

"قوله تعالى: يُرِيدُ أن يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ [الأعراف: 110] أي: يخرجكم منها بالقتالِ، أو بالحيل، وقيل: المراد إخراج بني إسرائيل، وكانوا خُدَّامًا لهم، فتخرب الأرض بخروج الخُدَّام، والعمار منها"

.

هذا يحتمل، وذكر الطاهر بن عاشور احتمالات أخرى، كأن يكون مثلا ًقاسوا ذلك عن قول موسي : فَأَرْسِلْ مَعِيَ[39] على قاعدة: ما جاز على المثل يجوز على المماثل، يعني أنه ما أظهر إخراج بني إسرائيل إلا ذريعة لإخراج كل من يؤمن به؛ ليقيم بهم ملكًا خارج مصر، فينثلم بذلك من ملك فرعون، ويكون ذلك، وهنًا فيه.

أو أن ملأ فرعون يحوي رجالًا من بني إسرائيل، يعني فيه بعض الكبراء أنهم من بني إسرائيل، يعني قارون على سبيل المثال كان من قوم موسى كما قال الله لكنه بغى عليهم، فهذا يحتمل أن يكون الملأ يحوي بعض الإسرائيليين، وأنهم من قُصِد بالخطاب، يعني يريد إخراج قومكم من أرضكم، أي: يخاطب الإسرائيليين الكبراء الذين يحضرون مجلسه، فيقول: يريد إخراج هؤلاء من قومكم الذين استوطنوا هذه الأرض منذ قرون متطاولة، أو باعتبار أنه إذا ظهرت حجته آمن به الناس، فيصبح هو الملك، ويأتي على ملك فرعون، أو أنهم خاطبوا فرعون بصيغة الجمع للتعظيم، فيكون الخطاب لفرعون، يعني يقولون لفرعون: يريد أن يخرجك، لكن على العادة الجارية في خطاب الكبراء بصيغة الجمع للتعظيم.

"قوله تعالى: فَمَاذَا تَأْمُرُونَ [الأعراف: 110] من قول الملأ، أو من قول فرعون، وهو من معنى المؤامرة أي: المشاورة، [وفي نسخة: أو المشاورة] أو من الأمر، وهو ضد النهي".

قوله: فَمَاذَا تَأْمُرُونَ [الأعراف: 110] من قول الملأ، أو من قول فرعون، والثاني هو الذي اختاره أبو جعفر ابن جرير[40] والزجَّاج[41] والواحدي[42] والبغوي[43] والقرطبي[44] أنه من قول فرعون فَمَاذَا تَأْمُرُونَ [الأعراف: 110].

وعلى كل حال يقول في معنى تأمرون هو من معنى المؤامرة، يعني المشاورة، يعني بماذا تشيرون؟ وحمله ابن عاشور على أنه خطاب صدر من بعضهم لبعض، يتشاورون[45] وهذا الذي اختاره ابن عطية[46] ومن المعاصرين الشيخ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله -[47]: أن الملأ يتشاورن، فيقول بعضهم لبعض: بماذا تشيرون؟ وبماذا تأمرون؟

يقول: "أو من معنى الأمر، وهو من ضد النهي" وكأن بين المعنين نوع ملازمة، فالشيء الذي يشيرون به كأنهم يأمرون به - والله أعلم -.

وعلى قول ابن جرير السابق، ومن، وافقه بأن فَمَاذَا تَأْمُرُونَ [الأعراف: 110] من قول فرعون لكن السياق: قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أن هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ۝ ​​​​​ يُرِيدُ أن يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ [الأعراف: 109 - 110] ظاهره أنه من قول الملأ، فهم يخاطبون فرعون، أو أنه يخاطب بعضهم بعضًا على سبيل المشاورة، لكن القرينة التي حملت هؤلاء على القول بأنه من قول فرعون: ما جاء بعده: قَالُوا أَرْجِهْ وأَخَاهُ وأَرْسِلْ [الأعراف: 111] قالوا: هذا جواب لفرعون فهو الذي قال لهم: فَمَاذَا تَأْمُرُونَ [الأعراف: 110] فأجابوه: قَالُوا أَرْجِهْ وأَخَاهُ وأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ [الأعراف: 111] لكن إذا كان ذلك من خطاب الملأ بعضهم لبعض، فتكون التوصية هي ما ذُكر: أَرْجِهْ وأَخَاهُ [الأعراف: 111] إلى آخره، يعني أنهم خرجوا بهذه النتيجة، والمشورة.

"قوله تعالى: أَرْجِهْ [الأعراف: 111] من قرأه بالهمز فهو من أرجأت الرجل إذا أخَّرته، فمعناه: أخرهما حتى ننظر في أمريهما.

وقيل: المراد بالإرجاء هنا السجن، ومن قرأ بغير همزٍ، فتحتمل أن تكون بمعنى المهموز، وسُهِّلت الهمزة، أو أن تكون بمعنى الرجاء، أي: أطمعه، وأما ضم الهاء، وكسرها فلغتان، وأما إسكانها فلعله أجرى فيها الوصل مَجرى الوقف".

قوله: أَرْجِهْ [الأعراف: 111] يقول: "من قرأه بالهمز" وهذه قراءة ابن كثير، وهشام، وابن عامر[48] بالهمز مع الإشباع: (أرجئُهُ) يعني كأن فيها الواو.

وفي قراءة أبي عمرو: (أرجئهُ)[49]  يعني من غير إشباع، مع الضم.

وفي قراءة ابن عامر، من رواية ابن ذكوان: (أرجئهِ)[50] بالكسر من غير إشباع.

يقول: "فهو من أرجأت الرجل إذا أخَّرته" يعني أخرهما حتى ننظر في أمريهما، باعتبار مجيء السحرة، ومقابلة هذه الآية بالسحر.

وقيل: "المراد بهذه الآية هنا السجن" بمعنى أن هذا الذي حُبِس كأنه أُخِّر، وأُبعد فلا يختلط بالناس، ولا يرونه، لكن هذا فيه بُعد؛ لأنهم قَالُوا أَرْجِهْ وأَخَاهُ وأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ [الأعراف: 111] يعني أخِّر أمره حتى تأتي بالسحرة، فيقابلون ذلك بالسحر.

يقول: "ومن قرأ بغير همزٍ" وهو عاصم، وحمزة أَرْجِهْ[51].

وفي قراءة نافع، والكسائي (أَرْجِهِ) بإشباع الكسرة[52] فتحتمل أن تكون بمعنى المهموز، وسُهِّلت الهمزة بمعنى واحد أو يكون بمعنى الرجاء أَرْجِهْ بمعنى أطمعه، ليكف، ويركن إلى ما تعطيه من العطاء المادي، فيترك ما هو فيه.

وأما ضم الهاء، وكسرها فلغتان: (أرجُهُ)، و(أرجِهِ) سواء بإشباع، أو بدون إشباع، فهاتان لغتان.

"قوله تعالى: حَاشِرِينَ [الأعراف: 111] يعني شُرط، أي: جامعين للسحرة".

أصل الحشر هو سوقٌ، وبعث، ويقال لإخراج الجماعة عن موضعهم، أو مقرهم، إما إلى حرب، أو غير ذلك، يعني يرسل إليهم شُرط، أو نحو ذلك، يحشرون هؤلاء، ويجمعونهم إليه، ويُحضرونهم بالإلزام.

"قوله تعالى: وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ [الأعراف: 113] قبل هذا محذوف يدل عليه سياق الكلام، وهو أنه بعث إلى السحرة".

القرآن - كما يذكر ابن جرير، وغيره - يطوى فيه بعض الكلام ثقةٍ بفهم السامع، فيُختصر، وهذا تجده كثير في القصص.

"إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا [الأعراف: 113] فمن قرأه بهمزتين".

وهذه قراءة الجمهور[53].

"فهو استفهام، ومن قرأه بهمزةٍ واحدة فيحتمل أن يكون خبرًا، أو استفهامًا حُذِفت منه الهمزة".

هذه قراءة نافع، وابن كثير، وحفص[54] إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا [الأعراف: 113] فيمكن أن يكون من قبيل الخبر، يعني كأنهم يستوثقون، ويريدون أن يقرَّهم على هذا، كأن يقول: لكم أجر "أو أنه استفهام حُذِفت منه الهمزة".

"والأجر هنا الأجرة، طلبوها من فرعون إن غلبوا موسى، فأنعم لهم فرعون بها، وزادهم التقريب منه، والجاه عنده.

قوله تعالى: وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [الأعراف: 114] عطفٌ على معنى نعم، كأنه قال: نعطيكم أجرًا، ونقربكم، وأخَتُلِف في عدد السحرة اختلافًا متباينًا، من سبعين رجلاً إلى سبعين ألفًا، وكل ذلك لا أصل له في صحة النقل".

مبني على أخبار بني إسرائيل، وبعضهم يذكر أكثر من هذا العدد.

"قوله تعالى: إِمَّا أن تُلْقِيَ وإِمَّا أن نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ [الأعراف: 115] خيَّروا موسى بين أن يبدأ بالإلقاء، أو يبدؤوا هم بإلقاء سحرهم، فأمرهم أن يلقوا، وانظر كيف عبَّروا عن إلقاء موسى بالفعل، وعن إلقاء أنفسهم بالجملة الإسمية، إشارةً إلى أنهم أهل الإلقاء المتمكنون فيه".

مما يدل على ثقتهم بأنفسهم أنهم خيَّروه، وكذلك أيضًا حينما طلبوا من فرعون الأجر، وسألوه عن ذلك، يدل على أنهم كانوا في حالة من الرجاء قوي بأنهم سيغلبون موسى فهم يسألون عن الأجرة لثقتهم بالغلبة.

"قوله تعالى: وَاسْتَرْهَبُوهُمْ [الأعراف: 116] أي: خوفوهم بما أظهروا لهم من أعمال السحر".

الرهبة هي خوف خاص، فليس مطلق الخوف يقال له الرهبة، وإنما خوف خاص، قد يكون معه شيء من التعظيم، أو غير ذلك، وسيأتي - إن شاء الله - .

  1.  تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (2/427).
  2.  تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (2/129).
  3.  تفسير الثعالبي = الجواهر الحسان في تفسير القرآن (3/55).
  4.  معاني القرآن، وإعرابه للزجاج (2/355).
  5.  تفسير ابن كثير ت سلامة (3/448).
  6.  أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (1/486).
  7.  أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب القدر، باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن برقم: (2140)، وصححه الألباني.
  8.  تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (12/562).
  9.  سبق تخريجه.
  10.  تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 297).
  11.  تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (12/563).
  12.  تفسير ابن كثير ت سلامة (3/449).
  13.  حجة القراءات (ص: 289).
  14.  تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (12/580).
  15.  تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (12/580).
  16.  تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (12/580).
  17.  تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (2/433).
  18.  معاني القرآن، وإعرابه للزجاج (2/361).
  19.  تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (2/134 - 135).
  20.  التحرير، والتنوير (9/28).
  21.  العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (4/31).
  22.  تفسير القرطبي (7/254). 
  23.  تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (12/10).
  24.  تفسير ابن كثير ت سلامة (3/452).
  25.  التحرير، والتنوير (9/32).
  26.  الحجة للقراء السبعة (4/56).
  27.  الحجة للقراء السبعة (4/56).
  28.  البرهان في علوم القرآن (4/285)، وتفسير القرطبي (7/256).
  29.  معاني القرآن للفراء (1/503).
  30.  تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (2/435).
  31.  البحر المحيط في التفسير (5/127).
  32.  الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (1/141).
  33.  مجاز القرآن (1/224).
  34.  تفسير القرطبي (7/256).
  35.  العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (4/67).
  36.  الفتاوى الكبرى لابن تيمية (1/277).
  37.  تفسير المنار (9/38).
  38.  العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (4/66).
  39.  التحرير، والتنوير (9/42).
  40.  تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (13/20).
  41.  معاني القرآن، وإعرابه للزجاج (2/364).
  42. الوجيز للواحدي (ص: 406).
  43.  تفسير البغوي - إحياء التراث (2/219).
  44. تفسير القرطبي (7/257).
  45.  التحرير، والتنوير (9/42).
  46.  تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (2/437).
  47.  تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 299).
  48.  السبعة في القراءات (ص: 287)، ومعاني القراءات للأزهري (1/415)، والعنوان في القراءات السبع (ص: 96).
  49.  العنوان في القراءات السبع (ص: 96).
  50.  السبعة في القراءات (ص: 288).
  51.  حجة القراءات (ص: 290). 
  52.  حجة القراءات (ص: 290).
  53.  حجة القراءات (ص: 292).
  54.  حجة القراءات (ص: 292).

مواد ذات صلة