تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الإثنين 02 / جمادى الآخرة / 1441 - 27 / يناير 2020
الآية 158 من سورة البقرة
تاريخ النشر: ٠٩ / رمضان / ١٤٢٥
التحميل: 3202
مرات الإستماع: 2829

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فمن الآيات وهي السادسة مما قد لا يُفهم على وجهه من كتاب الله وذلك من سورة البقرة مما أشرنا إليه في المقدمة السابقة وهو قوله -تبارك وتعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158]، فإن ظاهر هذه الآية قد يفهم منه بعضهم كما فهم عروة بن الزبير -رحمه الله- لما سأل عائشة أم المؤمنين -ا- سألها عن هذه الآية، حيث فهم منها أن السعي بين الصفا والمروة أنه غير واجب[1]، فالحاصل أنها بينت له أن ذلك غير مراد، وقد سبق الكلام على هذا المعنى.

والآية السابعة: وهي قوله -تبارك وتعالى: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ [البقرة:173]، وفي سورة المائدة: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [المائدة:3]، وفي سورة الأنعام: قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ [الأنعام:145]، وفي سورة النحل: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [النحل:115]، فهذه أربع آيات، ثلاث منها يُفهم منها الحصر، بأن المحرمات إنما هي في هذه الأمور: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، والرابعة: وما أُهل لغير الله به، هذه أربعة أمور، في أربع آيات.

وأما الآية الرابعة منها، وهي آية المائدة: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ [المائدة:3]، فليس فيها ما يدل على الحصر فلا إشكال، إنما الكلام على ما ظاهره حصر المحرمات بهذه الأمور، وزاد في المائدة: وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [المائدة:3]، فما هو المقصود بهذه الآية أو الآيات؟ هل المراد حصر المحرمات في هذه فقط وما عداها فإنه يجوز؟ ما حكم أكل لحوم السباع التي ليست من الميتة ولا من الدم ولا من لحم الخنزير، ولا من الموقوذة -وهي التي رُميت بحجر أو صُدمت بسيارة، ولا من المتردية -وهي التي سقطت من شاهق، ولا من النطيحة -التي كان حتفها بطريق النطح، ولا مما أكل السبع، ولا مما ذُبح على النصب، فما حكم أكل لحم السباع؟.

ما حكم أكل لحم الحمار الأهلي؟.

ما حكم أكل الحشرات؟.

ما حكم أكل الحيات والضفادع؟.

ما حكم أكل الطيور الكواسر؟.

يقال: إن هذه الآيات وإن كان ظاهرها الحصر فإنه قد جاء ما يدل على تحريم غير المذكورات، فمن أهل العلم كالإمام الشافعي -رحمه الله- قال: "إنما سيق ذلك في مساق الرد على الكفار الذين حرموا أشياء من عند أنفسهم، فقالوا: هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [الأنعام:136]، وقالوا أيضاً: هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ [الأنعام:138]، إلى آخر ما ذكر الله ، فكانوا يحرمون من عند أنفسهم، فجاء الرد عليهم بهذه القوة والوضوح قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ [الأنعام:145]، فهذا كما لو كان إنسان يتحكم من عند نفسه يحلل ويحرم فقيل له: الحلال هو عين ما حرمت، والحرام هو عين ما أحللت، على سبيل الرد"، هذا الذي وجه إليه الشافعي -رحمه الله- هذ الآيات.

وأحسن من هذا -والله تعالى أعلم- أن يقال: إن هذا وإن كان أسلوبه الحصر بأقوى صيغة "ما وإلا" التي جاءت بها لا إله إلا الله، و"إنما" إلا أن ذلك ليس بمراد؛ لأن النصوص يجب أن تُجمع في كل مكان من الكتاب والسنة ثم بعد ذلك توضح الأحكام بفهم مجموعها، فالنبي ﷺ قد قال: ألا ويحرُم عليكم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير[2].

فكل ما له ناب فإنه حرام، ويدخل بهذا جميع أنواع السباع القط سبُع كما جاء في الحديث[3]، وكذلك الأسود والفهود، والذئاب، والثعالب وغير ذلك، كل ذوات الأنياب، يُستثنى من ذلك الضبع فإنه ثبت أنه صيد[4] فيجوز أكله فقط، مع أن له نابًا، ويُستثنى من الطيور ذوات المخالب وهي الكواسر كالصقور والنسور وما أشبه ذلك، يبقى هناك أشياء ليست من ذوات المخالب ولا من ذوات الأنياب وليست من المذكورات في هذه الآيات الأربع، مثل ماذا؟ الوَبَر ما حكمه؟ لم يرد فيه نص إطلاقاً لا في الكتاب ولا في السنة، ورد في الأرنب، لكن الوَبَر يقال: الأصل الحِل في المطعومات، الأصل الحِل، بخلاف الذبائح الأصل فيها المنع التحريم "إلا ما ذكيتم"، فالأطعمة الأصل فيها الحِل، لو أتيت لي بأي نوع من أنواع الأسماك البحرية وقلت لي: كلب البحر وأسد البحر وإنسان البحر أقول: كل هذا يجوز، لماذا؟ لأن الأصل في المطعومات الحِل، تأتي تقول مثلاً: الذي يشبه الجمل اللَّأمة تشبه الجمل لكنها أصغر منه وليس لها سنام، ما حكمها؟ نقول: جائزة كالجمل، أكلها هل يوجب الوضوء؟ نقول: لا؛ لأن النص ورد في الجمل وليست منه، لا عرفاً ولا لغة ولا شرعاً، هناك أشياء ليست من هذا ولا هذا ولا هذا مثل الحشرات، الفقهاء يذكرون كل أنواع الحشرات، ما حكم أكل الوزغ -أكرمكم الله- والعقرب وغيرها من الأشياء التي لا داعي لذكرها؟، يذكرونها في كتب الفقه، هنا لا يوجد نص، ليست من ذوات السباع، ولا من ذوات المخالب، وليست من الأربع المذكورة في الآية، فما الحكم؟.

قال الله:وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157]، فكل مستخبث فهو حرام، يبقى النظر ما هو المقياس في المستخبثات، ما هو؟ فكثير من الفقهاء يقولون: إن ذلك يرجع إلى الذوق السليم، طيب ما هو الذوق السليم؟ قالوا: ذوق العرب الذي لم يتندس حينما نزل الوحي، فما استخبثوه لا يؤكل، فالعرب كانوا يستخبثون الحشرات والأشياء هذه التي تأكلها بعض الأمم الشرقية والغربية اليوم، فلا تؤكل ولا يجوز أكلها، ولا عبرة بمن شذ، الأصمعي -رحمه الله- سأل أعرابيًّا قال له: ما تأكلون في الصحراء، قال: "نأكل ما هب ودب ودرج إلا أم حُبين، فقال: لِتَهْنِ أم حُبين العافيةُ"[5]، وأم حُبين دويبة صغيرة مثل الوزغ في الصحراء.

يعني: يأكلون كل شيء إلا أم حُبين فسلمت منهم، فالمقصود أن هذه من الآيات التي تحتاج إلى إيضاح، ليس المقصود بذلك أن كل شيء غير هذه المذكورات في الآيات يُباح.

ومن الآيات وهي الثامنة -أشير إليها إشارة سريعة: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:180]، هل يجوز للإنسان أن يكتب وصيته، يوصي لأبويه، يوصي لقرابته الورثة، يوصي لأمه، يوصي لأولاده؟.

الجواب: لا، مع أن ظاهر الآية الجواز، الوصية للوالدين والأقربين ظاهرها الجواز، ولكن النبي ﷺ قال: إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث[6]، الورثة ليس لهم شيء، طيب هذه الآية "الوصية للوالدين"؟ قالوا: بأنها منسوخة بالحديث، وبعضهم قال: منسوخة بآيات المواريث التي بعدها: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11].

وهذه أيضاً وجّهها بعض أهل العلم بأن المراد غير الورثة من الوالدين والأقربين، كيف يكون الوالد غير وارث؟ يكون في حالات منها: إذا كان على غير دين الولد، لا يتوارث أهل ديانتين شتى فإنه لا يرث، فيمكن للولد أن يوصي له، إذا كان الأب كافراً فإنه لا يرث الابن المسلم، كذلك إذا كان الوالد قاتلاً لا يرث من الولد، فماذا يُصنع لو أنه طعنه أو ضربه بسلاح ضربة قاتلة فأوصى الولد عرف أن أباه لن يرث فقال: أوصي له بالثلث، فإنه تنفذ الوصية؛ لأنه مُنع من الميراث.

كذلك لو كان هذا قام به مانع من الموانع مثلاً الجد لو كان الأب موجودًا الجد لا يرث لوجود الأب، فإنه يُوصَى له، كذلك الإخوة لوجود الأبناء فإنهم لا يرثون، فيمكن أن يوصي لهم، فالمقصود بهم غير الورثة.

هذا، وأسأل الله أن ينفعنا وإياكم بالقرآن الكريم.

  1. أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب وجوب الصفا والمروة، وجُعل من شعائر الله، برقم (1643)، ومسلم، كتاب الحج، باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به، برقم (1277).
  2. أخرجه مسلم، كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، برقم (1934).
  3. ورد النهي عن أكل الهر وثمنه عند أبي داود، كتاب الأطعمة، باب النهي عن أكل السباع، برقم (3807)، والترمذي، أبواب البيوع عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء في كراهية ثمن الكلب والسنور، برقم (1280)، وضعفه الألباني في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، برقم (2487).
  4. أخرجه أبو داود، كتاب الأطعمة، باب في أكل الضبع، برقم (3801)، عن جابر بن عبد الله قال: سألت رسول الله ﷺ: عن الضبع، فقال: هو صيد، ويُجعل فيه كبش إذا صاده المحرم، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (3899).
  5. انظر: الحاوي الكبير (15/ 135)، وكفاية النبيه في شرح التنبيه (8/ 231)، والمغني لابن قدامة (9/ 406).
  6. أخرجه أبو داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء في الوصية للوارث، برقم (2870)، والترمذي، أبواب الوصايا عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء لا وصية لوارث، برقم (2120)، والنسائي، كتاب الوصايا، باب إبطال الوصية للوارث، برقم (3641)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (1720).

مواد ذات صلة