الإثنين 22 / ذو القعدة / 1441 - 13 / يوليو 2020
تتمة الآية 55 من سورة آل عمران مع الآية 156 و159 من سورة النساء والآية 73 من سورة آل عمران
تاريخ النشر: ٠١ / رمضان / ١٤٢٦
التحميل: 2402
مرات الإستماع: 2378

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فكنا نتحدث عن قوله -تبارك وتعالى- في الآية الخامسة والخمسين من سورة آل عمران، وذلك في قوله : إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [آل عمران:55]، إلى آخر ما ذكر الله ، وقد فرغنا من الحديث عنها؛ ومن أجل أن لا يكون في الكلام تكرار فإن مما يُستعان به على فهمها ما ذكره الله   في سورة النساء في أواخرها، وذلك في قوله -تبارك وتعالى: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا ۝ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ۝ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [النساء:156-158]، فهذه الآية توضح الاعتقاد الصحيح في هذا الموضوع.

بعد ذلك ننتقل إلى الآية الثالثة والسبعين من السورة نفسها من سورة آل عمران وذلك في قوله -تبارك وتعالى- عن اليهود: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يعني: اليهود، آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ [آل عمران:72]، يعني: أوله، وقيل له: وجه النهار؛ لأنه أحسنه، وأحسن الشيء يقال له: وجهه، وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [آل عمران:72]، فهذه خطة من أجل أن يثبطوا أهل الإيمان، فإذا رآهم الناس قد آمنوا قالوا: هؤلاء أهل علم وأهل كتاب، وقد دخلوا في الإيمان، ثم بعد ذلك في آخر النهار يعلنون الردة، فيقول الناس: ما تركوه إلا لعلمهم أنه باطل، وليس هذا هو المقصود آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ۝ وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ [آل عمران:72-73]، إلى آخر ما ذكر الله .

فهذه الآية ما معناها وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ؟ [آل عمران:73].

هذه جملة اعتراضية من كلام الله دخلت في ثنايا كلامهم، الله يقول عن هؤلاء: إنهم قالوا: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [آل عمران:72]، أي: من أجل أن يرجعوا عن دينهم، وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ [آل عمران:73]، هذا من كلام الله ، فإذا أردنا أن نسمع كلامهم متصلاً فإنه يكون هكذا: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، إلى آخر ما ذكر الله ، وكيف يكون المعنى بهذا الاعتبار؟ يكون هكذا: وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ [آل عمران:73]، أي: لا تنقادوا وتذعنوا وتصدقوا إلا لمن كان يهوديًّا، وأما هذا الذي بعثه الله من العرب فقد حسدوه كما قال الله : وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا [البقرة:89]، يستفتحون يعني أنهم كانوا يقولون: سيُبعث نبي ونقتلكم معه قتل عاد وإرم، نستأصلكم، يستفتحون يعني يطلبون النصر يستنصرون به على الذين كفروا، يعني: على العرب من الأوس والخزرج، فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ۝ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [البقرة:89-90]، يعني: الوحي والنبوة، عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا يعني: رجعوا، بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ [البقرة:90].

فالمقصود أن هؤلاء حسدوا النبي ﷺ، وحسدوا العرب، فقالوا: وَلا تُؤْمِنُوا، أي: لا تصدقوا ولا تنقادوا إلا لمن كان يهوديًّا، هذا من العرب لا تؤمنوا له؛ لأن هذا رفعة له ولقومه، وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، لاحظ: إذا وصلنا كلامهم أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ [آل عمران:73]، يعني: كراهة أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من النبوة والكتاب والوحي، والكتاب كان ينزل على بني إسرائيل حتى نقل الله ذلك منهم إلى هذه الأمة، كراهة أن يؤتى أحد مثلما أوتيتم فتستووا معهم، فالله يرد عليهم يقول: قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ [آل عمران:73]، أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا [النساء:54]، فهذه الآيات كلها تدل على هذا المعنى.

ومن أهل العلم من قال: إن المعنى وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ [آل عمران:73]، أي: لا تثقوا وتطمئنوا فتُظهروا ما عندكم من علوم، وأخبار، وحقائق لغير أهل دينكم فيستوون معكم في العلم، أو يحتجون بذلك عليكم في المآل عند الله ، يقولون: هذا موجود في كتبكم، والنبي ﷺ لما قال لهم في يوم قريظة: يا أحفاد القردة والخنازير[1]، عاتب بعضهم بعضاً قالوا: ما قال لكم هذا إلا لأنكم أنتم أظهرتم هذه الحقائق أن بعضكم قد مُسخ إلى قردة وخنازير، فما الذي أدراهم حتى يحتجوا عليكم بمثل هذه الأمور؟.

فهذا معنى ذكره بعض أهل العلم وهو اختيار الحافظ ابن كثير، والذي أظنه أن الأول أجود منه؛ لدلالة الآيات التي ذكرتها أنهم فعلوا ذلك -لم يؤمنوا-؛ لأنهم حسدوا النبي ﷺ وحسدوا العرب أن تنتقل الرسالة إليهم

لم يؤمنوا-؛ لأنهم حسدوا النبي ﷺ وحسدوا العرب أن تنتقل الرسالة إليهم

، أما المعنى الثاني فهو هكذا: وَلا تُؤْمِنُوا [آل عمران:73]، لا تطمئنوا وتثقوا فتُظهروا ما عندكم إلا لأتباع دينكم، إلا لمن تبع دينكم، لماذا؟.

كراهة أن يؤتى أحد مثلما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم، يعني يقولون: يستوون معكم في العلم، أو يحتجون بهذه المعلومات عليكم عند الله ، أن يؤتى، أي: كراهة أن يؤتى أحد مثلما أوتيتم، أو يحاجوكم عند ربكم، لا تفعلوا لئلا يقع ذلك؛ لئلا يؤتى أحد مثل الذي أُعطيتم من الوحي والنبوة، أو يحتجون بهذا عليكم عند الله .

فهذا مختصر وملخص لما يمكن أن تُوضح به الآية من أقوال السلف .

وأسأل الله أن ينفعنا بالقرآن الكريم.

  1. أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، برقم (574)، وأحمد في المسند، برقم (13531)، وقال محققوه: "حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف"، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم (691).

مواد ذات صلة