الإثنين 13 / ذو الحجة / 1441 - 03 / أغسطس 2020
الآية 34 من سورة النساء
تاريخ النشر: ١٠ / رمضان / ١٤٢٦
التحميل: 2188
مرات الإستماع: 2314

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد،وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فمن الآيات التي قد تُفهم على غير مراد الله -تبارك وتعالى- في سورة النساء قوله : الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا [النساء:34]، الله يقرر في هذه الآية أن القوامة للرجل، وهي من القيام على الشيء بالحفظ والتدبير والرعاية، فالرجل هو الذي يرعى المرأة ويحفظها، ويغار عليها، وذلك لأمرين:

"بما فضل الله بعضهم على بعض"، وذلك أن الله فضل الرجل في كثير من الملكات، في عقله، قدرات الرجل العقلية أكمل من قدرات المرأة، وهذا أمر معروف لدى الأطباء وغيرهم، وتلافيف المخ الموجودة لدى الرجل أكثر، وحجم دماغ الرجل تشريحيًّا أكبر من حجم دماغ المرأة، كذلك قدرة الرجل على رباطة الجأش والضبط للمشاعر وما أشبه ذلك أقوى بكثير من المرأة، إلى غير ذلك من المعاني كقوة الجسم، وما أعطاه الله فيه من البسطة مما يصلح لمعافسة الحياة، وطلب الرزق وما أشبه ذلك.

"وبما أنفقوا من أموالهم"، فالرجل هو الذي يجب عليه أن ينفق على المرأة وليست المرأة هي التي تنفق على الرجل، ليس هذا هو موضع الشاهد، وإنما المراد أن الله  قال: فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ [النساء:34]، يعني: طائعات مديمات للطاعة لأزواجهن.

حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ [النساء:34]، أي: تحفظه في غيبته، وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ [النساء:34]، وهو ترفّعها على الزوج، لأن القوامة له ويجب على المرأة أن تطيع الزوج بالمعروف؛ لأنه سيدها ووليها والقائم على شأنها فتطيعه في غير معصية الله ، والنبي ﷺ ثبت عنه أنه قال: لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها[1]، وصح عنه: "أنه لو كان في جلده قُرحة فلحستها ما أدت حقه"[2].

وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ [النساء:34]، يعني: تترفع، الشيء الناشز المرتفع، أرض ناشزة يعني مترفعة، تترفع على طاعة الزوج، تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ النساء:34، يكلمها يذكرها بالله وبحقه عليها، فإن قبلت فبها ونِعمت، وإن لم تقبل وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ [النساء:34]، وهذا انتقال من الأدنى من الأسهل إلى الأشد بالتدريج، يبدأ بالأسهل فيبدأ بالوعظ فإن لم ينفع الوعظ فالهجر، وهذا هو الشاهد الذي أوردت من أجله هذه الآية، وذلك أن الله قال: وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ [النساء:34]، ما قال: واهجروهن، ما قال: فعظوهن واهجروهن، وإنما قال: وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ [النساء:34]، ثم قال: وَاضْرِبُوهُنَّ [النساء:34]، فالهجر هنا مقيد وليس بمطلق، مقيد في المضجع وهو الفراش؛ ولذلك فإن عامة أهل العلم سلفاً وخلفاً يقولون: الهجر إنما يكون في الفراش، وإن اختلفوا في توصيفه، بعضهم يقول: يدير ظهره، وبعضهم يقول: المقصود أن لا يجامع، فكونه يدير ظهره معناه أنه لا يجامع، وبعضهم يقول: إنه لا يجامع إن كانت محتاجة لذلك؛ لئلا يضيع حقه، ولهذا فسره بعضهم قال: يجامع ولا يكلمها في الفراش؛ لأن المتعة تكون أبلغ إذا كان معها المقال والكلام.

فالحاصل أن هؤلاء قالوا ذلك، قالوا: لئلا يضيع حقه، فيكون هو المعاقب معها، ولكن هذا فيه بُعد، وبعضهم قال: يهجرها في الفراش بمعنى أن يبيت على فراش آخر، أمّا أن يقاطعها لا يكلمها في البيت فقد قال بعض أهل العلم: إن ذلك كغيره في باب الهجر، فإن كان الهجر لحظ النفس كهجر الزوج للزوجة، أو الجار لجاره ونحو ذلك فلا يحل فوق ثلاث؛ لأن حرارة المشكلة أو الغضب تنطفئ بعد الثلاث، ولهذا لا أعلم دليلاً على تحديد العزاء بثلاثة أيام، فطالما أن المصيبة حارة يُعزى بها، لكن الغالب أنها بعد ثلاثة أيام تبرد، فلا يُذكَّر بالمصيبة وتُنكأ جراحه من جديد، وتراه بعد ستة أسابيع أو شهر وقد نسي وتقول له: أحسن الله عزاءك بفلان، هذا ليس بعزاء، أنت تنكأ جراحه، لكن إذا كانت المصيبة حارة ثلاثة أيام، أربعة أيام ونحو ذلك يُعزى فيها، وقد أخذ الفقهاء -رحمهم الله- فيما أعلم- هذا التحديد الثلاثة الأيام من قال به من الهجر بأنه ثلاث، لكن لو هجرها لله، لذنوبها، لمعاصيها فإنه يهجرها حتى ترتدع إذا كان الهجر ينفع معها، لاحظتَ الفرق، الهجر لحظ النفس كونها ما تطيعه ونحو هذا لا يزيد عن ثلاثة أيام، وليس هذا هو المقصود بقوله: وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ [النساء:34]، هذه مسألة أخرى.   

فالهجر هنا في الفراش، والهجر في الفراش معروف، ما المراد به؟، يهجرها لا يضاجعها، أما أولئك الذين يجلس أحدهم أشهرًا، بعض النساء تقول: من سنتين لا يكلمني، من سنتين، وبعضهن تقول: من سنة، وبعضهن تبكي وتقول: من ستة أشهر ما يكلمني، وبعضهن تقول: هاجر البيت تماماً ما يجيء للبيت أصلاً من أجل كلمة رددتها عليه، وأخرى تقول: طول وقته لا يدخل علينا، يجلس في المجلس، مقاطع لي طول هذه المدة لا يكلمني، فهذا حرام، فالذي يُفهم في هذه الآية على غير مراد الله هو هذا الهجر، من أجله أوردت هذه الآية في الآيات التي قد تُحمل على غير معناها، الله يقول: وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ [النساء:34]، ما قال: واهجروهن، فليس هذا من الهجر المطلق، لا يكلمها، وإنما يهجرها في الفراش تأديباً لها، وهذا ينفع مع كثير من النساء وهو أبلغ من الموعظة، ولذلك المرأة إذا كانت سوية فإنه إن هجرها في الفراش فإن ذلك يحطمها، وهذا شيء مشاهد، امرأة تبكي وتقول: ماذا رأى مني؟، إذا كان لا يقربها تتحطم، فهي عقوبة بليغة، فالتي لا ترتدع بهذا هنا يأتي الضرب في الأخير فيضربها ضرباً غير مُبرح، يجتنب الوجه، ضرب تأديب، وليس ضرب تشفٍّ، ولا ضرب انتقام، لا ضرباً يكسر عظماً أو يجرح، ولا يجرح أيضاً مشاعرها بشتمها، وشتم أهلها ونحو ذلك.

فالإنسان إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، فالعلاقة تقوم على الاحترام والمحبة والتقدير، وإن لم يوجد محبة لكن الاحترام، وإلا وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ [النساء:130]، لا داعي للعناء والشقاء والحياة البائسة.

فالمقصود أن هذا يحتاج إلى تنبه؛ لأن كثيرًا من الناس إما لا يفهمونه على وجهه أو لا يطبقونه في واقعهم، -والله تعالى أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد،وآله وصحبه.

  1. أخرجه الترمذي، أبواب الرضاع عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء في حق الزوج على المرأة، برقم (1159)، والحاكم في المستدرك، برقم (7326)، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (5294).
  2. أخرجه النسائي في الكبرى، برقم (5365)، وأحمد في المسند، برقم (12614)، والحاكم في المستدرك، برقم (2767)، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (3148)، وبرقم (7725).

مواد ذات صلة