الإثنين 13 / ذو الحجة / 1441 - 03 / أغسطس 2020
الآية 88 من سورة النمل والآية 19 من سورة القصص
تاريخ النشر: ١٦ / رمضان / ١٤٢٨
التحميل: 1886
مرات الإستماع: 1904

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فمن الآيات التي قد تفهم على غير مراد الله تعالى آيةٌ في سورة النمل وآية في سورة القصص، فأما الآية الأولى فهي قوله : وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ [النمل:88].

هذه الآية بعض من يتكلم على الإعجاز في هذا العصر يقولون: إن هذه الآية تدل على دوران الأرض، وإن ذلك لم يُعرف ولم يُكتشف إلا في هذا العصر، ويقولون: إن سير الجبال المشار إليه في هذه الآية هو في هذه الحياة الدنيا، وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً [النمل:88]، تحسبها لا تتحرك والواقع أنها تتحرك بدوران الأرض التي هي جاثمة عليها.

وهذا المعنى الذي ذكروه لا تدل عليه هذه الآية، نحن ليس من شأننا هنا أن نتحدث عن قضية كروية الأرض، الله أخبر أنه جعل الأرض قرارًا، أي: مستقرة وذلك لا ينافي أن تكون الأرض تتحرك؛ لأن حركة الجِرم الكبير لا تظهر لمن يعيش في داخله كما هو الحال في الأرض، ثم إن قول الله -تبارك وتعالى: جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا [النمل:61]، أي: مستقرة تستقرون عليها، وتقيمون فيها معايشكم، وتتناقلون من غير اضطراب، وهذا شيء مشاهد، فنحن لا نشعر بحركة الأرض فهي مستقرة بالنسبة إلينا.

فالمقصود أن القرآن لا أعلم فيه ما يعارض أن الأرض تدور، أو أنها لا تدور، ليس الحديث عن هذه القضية، الحديث الآن عن قوله تعالى: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً [النمل:88]، هل معنى هذه الآية أن حركة الجبال في قوله: وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ [النمل:88]، أن ذلك في الدنيا الآن؟

الجواب -والله تعالى أعلم: لا، وهذا الذي عليه إطباق المفسرين فيما وقفت عليه من كلامهم، ومما يدل على أن هذا المعنى غير صحيح أمران:

أحدهما: وهو قرينة في الآية.

والثاني: وهو دليل من القرآن، أما ما يتعلق بهذه الآية فإن الله قال بعدها: وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ [النمل:87]، وهذا يكون يوم القيامة، فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ [النمل:87]، وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا [النمل:88]، متى؟ يوم ينفخ في الصور، ولهذا فإن الواو عاطفة على ما قبلها، فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ [النمل:87]، يوم ينفخ في الصور يحصل الفزع لمن في السموات ومن في الأرض، وتُسير الجبال، وترى الجبال، يعني: حينما يُنفخ في الصور، وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ [النمل:88]، هذه قرينة من نفس الآية، وأما من القرآن فجميع المواضع التي جاء فيها تسيير الجبال كلها في الآخرة، والموضع في كتاب الله  إذا كان محتملاً فإنه يُحمل على نظائره في القرآن، فما الذي في القرآن؟ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً هذا متى يكون؟ وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا [الكهف:47]، هذا في الآخرة، وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا [النبأ:20]، فهذه ونظائرها كل ذلك في اليوم الآخر، ولا يوجد موضع واحد من هذه المواضع في الدنيا.

المقصود أن قوله في هذه الآية: وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ [النمل:87]، إلى أن قال: وَتَرَى الْجِبَالَ [النمل:88]، كل ذلك واقع في الآخرة، إذن ما المراد بقوله -تبارك وتعالى: تَحْسَبُهَا جَامِدَةً [النمل:88]؟ هذه الأجرام الكبيرة كالجبال حركتها قد لا يُشعَر بها، ولهذا ترى الجيش العظيم الكبير حين تراهم وهم يمشون على الجمال مثلاً أو على أقدامهم كأنهم وقوف، وهذا معروف ومشاهد، فحركة الجِرم الكبير لا يشعر بها الإنسان ولا يدركها ببصره، ولذلك نحن لا نشعر بحركة الشمس حينما ننظر إليها، ولا حركات النجوم مع أنها تتحرك وتدور، والله يقول: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا [يس:38]، هذه هي الآية الأولى.

وما ذكرته قبل ذلك أؤكد عليه فيما يتعلق بقوله تعالى: وَتَرَى الْجِبَالَ [النمل:88]، وهو أنه ليس معنى ذلك أننا ننكر الإعجاز العلمي في القرآن، وإنما نثبت الصحيح منه، وأمّا ما لا يدل عليه القرآن فإنه لا ينبغي أن يُحمَّل القرآن ما لا يحتمل، ولا يجوز لأحد أن يتكلم بمثل هذه القضايا بلا علم، والقرآن كتاب هداية، ولا يصح أن يحول إلى موسوعة علمية تكلفاً، وتحميلاً لنصوصه وألفاظه ما لا تحتمل، والله تعالى أعلم.

والآية الثانية: وهي في سورة القصص، وذلك قوله -تبارك وتعالى- عما وقع لموسى من قتل القبطي واستنصار الإسرائيلي به مرتين، حينما قتل القبطي في أول مرة بعد أن استنصره الإسرائيلي بعد ذلك أصبح موسى في المدينة خائفاً يترقب، قال الله تعالى: فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ وهو الإسرائيلي، يَسْتَصْرِخُهُ [القصص:18]، يعني: يستنجد به، يستغيث، قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ [القصص:18]، أي: بيّن الغواية، كل يوم تقتتل مع واحد.

وبعضهم يقول: تقتتل مع من لا يكافئك.

والمعنى الأول أقرب، فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ [القصص:19]، أي: موسى ، أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا [القصص:19]، وهو القبطي، قَالَ يَا مُوسَى [القصص:19]، من الذي قال؟ إذا أعدت الضمير إلى أقرب مذكور فإنه يرجع إلى من؟، أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا [القصص:19]، من المتحدَّث عنه؟ القبطي، قال، يوجد ضمير هنا قال هو، قال، أي: القبطي، يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ [القصص:19]، إذا مشينا على هذه القاعدة بأن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، قلنا: إن الذي قال هذا هو القبطي، لكن هذا القبطي كيف عرف أن موسى هو الذي قتل القبطي بالأمس؟.  

القول الآخر: أن الذي قال ذلك هو الإسرائيلي، لما رأى موسى قد نهض ليقتل القبطي ظن أنه يريده، وأنه يهم بالبطش به فخاف، فذكّره، وقال له: يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ [القصص:19]، فأفشى ذلك، فتلقفها القبطي من فيه، لما سمع هذه الكلمة، وألقاها على باب الملك، ألقاها على باب فرعون، قال: أنا سمعت كذا وكذا؛ لأنهم يبحثون عن قاتل القبطي فأخبرهم بذلك، فعلموا به، ثم بدأ الطلب، فجاءه رجل كما في الآية التي بعدها: وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ [القصص:20]، فالآية تحتمل المعنيين: أن القائل هو القبطي، وتحتمل أن القائل هو الإسرائيلي، والذي عليه الجمهور -وهو اختيار كبير المفسرين ابن جرير وابن كثير- أن القائل هو الإسرائيلي، وهذا هو الأقرب، وإلا فالقبطي من الذي أعلمه؟، مع أن الآية تحتمل هذا، وتحتمل المعنى الآخر، والله تعالى أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

مواد ذات صلة