الإثنين 22 / ذو القعدة / 1441 - 13 / يوليو 2020
الآية 29 من سورة الفتح
تاريخ النشر: ٢١ / رمضان / ١٤٢٨
التحميل: 2066
مرات الإستماع: 3591

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فمن الآيات التي قد تُفهم على غير مراد الله -تبارك وتعالى- آيةٌ في سورة الفتح وهي في آخرها حيث وصف الله أصحاب محمد ﷺ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح:29]، هذه الآية تصف أصحاب محمد ﷺ، كما تصفه هو ﷺ، وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ، هذا وصفهم في التوراة، وهو من أعظم الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه ورسله -عليهم الصلاة والسلام، صفتهم في التوراة أنهم أشداء على الكفار، يغلظون على الكفار، وفيما بينهم يتراحمون ويرقون، ويكون السائد بينهم والوصف الظاهر هو الشفقة على إخوانهم المؤمنين.

أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا، فوصفهم بكثرة العبادة، كثرة الركوع، وكثرة السجود، وهذا يدل على أن هذا من الخصائص والأوصاف الكاملة التي اتصف بها أصحاب محمد ﷺ، خلافاً لمن يزعم أن كثرة العبادة من عمل أهل البدع، فهؤلاء لربما لم تنهض هممهم لطاعة الله فصاروا يبررون ضعفهم وعجزهم وتقاعدهم عن طاعة مولاهم ومليكهم بمثل هذه التعليلات، والنبي ﷺ: "كان يقوم الليل حتى تتفطر رجلاه"[1]، فالله يصفهم هنا بكثرة العبادة.

تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا، هذا وصف لهم بالإخلاص، زكاهم الله ، يفعلون ذلك طلباً لمرضاته لا لشيء آخر.

ثم قال -وهو محل الشاهد: سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ، وقد أشرت إلى شيء من معنى هذه الآية عند الكلام على آية النور، أعني قوله -تبارك وتعالى: اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ [النور:35]، وقلنا: إن الأقاويل التي ذكرها السلف في قوله: مَثَلُ نُورِهِ، داخلة تحت الآية، مثل نوره في قلب المؤمن، وهكذا ما يظهر من أثر هذا النور من استنارة الوجه، وإشراقه وظهور أثر الطاعة على المطيعين، وما شابه ذلك، كل هذا داخل فيه مع استقامة الظاهر، وحُسن السمت إلى غير ذلك، وفي هذا الموضع من سورة الفتح يأتي الكلام على هذه القضية على وجه الاختصاص، وذلك في قوله -تعالى: سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ، إن الكثيرين يظنون أن المقصود بهذه الصفة هو ما يظهر في جبين الإنسان من أثر السجود من سواد ونحوه؛ ولهذا لربما تكلف بعضهم ذلك بمزيد من ضغط جبهته على الأرض؛ ليظهر ذلك الأثر فيه، ولربما بلغ الأمر ببعض الناس أنه يضع لوناً أو شيئاً من أجل أن يبدو بهذه الصفة.

والله -تبارك وتعالى- هو الذي يعلم أحوال العباد ومقاصدهم، ويعلم أعمالهم من طول صلاة بالليل ونحو ذلك، لكن إن وُجد هذا الأثر بسبب كثرة العبادة وكثرة السجود فلا شك أنه أمارة على خير، وأما إن جاء ذلك من التكلف فإن ذلك يكون مذموماً، لكن المقصود هنا أن نعلم المراد بقوله : سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ، ماذا قال السلف في هذه الآية؟.

منهم من قال بأن ذلك في يوم القيامة في الآخرة وليس في الدنيا، بحيث تكون وجوههم منيرة، مضيئة مشرقة من أثر السجود، والنبي ﷺ أخبر أنه يعرف أمته بالغُرّة والتحجيل[2].

والغُرة ما يكون في الوجه أو في الجبين من البياض، والتحجيل، وذلك يكون في الأطراف من آثار الوضوء، فلا شك أن هذه السيما موجودة في الآخرة يُعرفون بها من بين سائر الناس.

ومن أهل العلم من قال: إن ذلك في الدنيا، وهذا قول الجمهور، الزهري -رحمه الله- يقول: "إنها في يوم القيامة"[3]، وعامة أهل العلم سلفاً وخلفاً يقولون: "في الدنيا"[4]، لكن بماذا فسروها؟ جاءت عباراتهم متقاربة، ابن عباس -ا- يقول: "السمت الحسن"[5]، وهذا صحيح؛ فإن السمت الحسن من سيما المؤمن كما سيأتي.

ومنهم من عبر كمجاهد عن ذلك بالخشوع والتواضع، سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ، بما يظهر عليهم من الخشوع والتواضع[6].

ومنهم من فسره بقوله -وهو يرجع إلى ما سبق أيضاً: إن للحسنة نوراً في الوجه، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، فالمطيع إذا رآه الناس أحبوه، وإن لم يعلموا حاله وعمله في السر، يأسر القلوب وتحبه وتقبل عليه، كما أن العاصي إذا رآه الناس أبغضوه وشنئوه ونفرت قلوبهم منه وما أطاقوه بحال من الأحوال وهم لا يعملون حاله في السر، وقد ذكرت كلاماً لابن الجوزي في الكلام على أعمال القلوب يرجع إلى هذا، ولا حاجة لذكره هنا.

ومنهم من قال كالضحاك: "إذا سهر الرجل بالليل أصفر وجهه بالنهار"[7]، يعني: ما يظهر عليهم من أثر الإجهاد في العبادة.

وقال بعضهم: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار"[8]، وابن جُريج فسر ذلك بالوقار[9]، وفسره سفيان الثوري بالبهاء في الوجه، وظهور الأنوار عليه[10]، وهكذا أيضاً ما قاله عثمان : "ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله على صفحة وجهه، وفلتات لسانه"[11].

فالإنسان لا يستطيع أن يُخفي شيئاً، فإن هذه الوجوه مرآة للقلب، إذا أظلم القلب أظلم الوجه، وإذا أشرق القلب واستنار أشرق الوجه واستنار، وذلك يكون في الدنيا كما يكون في الآخرة.

وكذلك أيضاً ما جاء عن ابن عباس -ا- مرفوعاً إلى النبي ﷺ: إن الهدي الصالح، والسمت الحسن، والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة[12]، وهو حديث حسن الإسناد، وكثير من الناس يتساهل في مثل هذا، لربما لا يظهر بصورة لائقة كما هو الحال بالنسبة لأهل المروءات فيفرط في ذلك كثيراً، ولكن ينبغي أن يعلم الإنسان أن مظهر الإنسان يؤثر في مخبره، وأن مخبره يظهر على حاله وزيه وحركاته ومشيته ومعاملته، كل ذلك يظهر عليه ما في قلبه جليًّا بلا مرية.

ولهذا أقول: ينبغي للناس أن يحفظوا المروءات، وما يقيمها من حُسن السمت، والوقار، والتؤدة، واللباس اللائق الذي يليق بأهل المروءة، ولا يصلح أن يخرج الرجل أو المرأة بلباس أهل الفجور، أو الغفلة، أو الجهالة، أو السفهاء ونحو ذلك، وينبغي أن يُربَّى على ذلك الأولاد والبنات منذ نعومة أظفارهم، والصحابة كما يقول الحافظ ابن كثير: "خلُصت نياتهم، وحسُنت أعمالهم، فكل من نظر إليهم أعجبوه في سمتهم وهديهم"[13]، اجتمع لهم هذا وهذا، حُسن الظاهر مع حُسن الباطن، كما قال الإمام مالك -رحمه الله: "بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة   الذين فتحوا الشام، يقولون: والله إن هؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا"[14]، والحواريون هم خاصة وخلاصة أصحاب المسيح .

فأقول: هذه معانٍ يحتاج الإنسان أن يقف عندها، ويعلم أيضاً أن التكلف لا يُجدي عنه شيئا، مهما حاول الإنسان أن يتصنع شيئاً ليس عليه حاله وعمله في السر فإن الله يفضحه، مهما حاول الإنسان أن يتزين للناس بعمل ظاهر أو بقول حسن أو نحو ذلك إن لم يكن ذلك مستمداً من عمل صحيح، وإيمان وتُقى لله فإن الله يهتكه ولابد، فينبغي للإنسان أن يدرك هذه المعاني، وأن يعلم أن إخلاص العمل لله  وتنقية السرائر والعمل على اتباع السنة سنة النبي ﷺ، والسير على منهاجه ظاهراً وباطناً أن هذا هو طريق الفلاح في الدنيا وفي الآخرة، ولا يتكلف الإنسان شيئاً ليس له.

ثم إن الله قال: ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ [الفتح:29]، ما سبق هو صفتهم في التوراة، ثم ذكر صفتهم في الإنجيل: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ [الفتح:29]، يعني أخرج فِراخه، أو أخرج أطرافه، فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ [الفتح:29]، آزره بمعنى قواه، فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ، الزرع آزر هذا الشطأ، آزر أطرافه، آزر فراخه، وقيل بالعكس: إن هذه الأطراف، أو الفِراخ هي التي قوّت هذا الزرع، فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ، اشتد وقوي.

فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29]، "يعجب الزراع" يعني المزارعين الذين يعرفون قيمة هذا الزرع وقدره، لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ واللام هنا تعليلية، لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ، هذه صفة أصحاب محمد ﷺ منذ أن بدأ الإسلام، بدأ قليلاً لم يدخل فيه إلا الواحد بعد الواحد، ثم بعد ذلك كان كالشمس في بداية بزوغها، وكالقمر في أول هلال الشهر، يبدو ضئيلاً قليلاً ثم يزداد شيئاً بعد شيء حتى يصل إلى الكمال، لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ، فالكفار يغتاظون من هؤلاء، فأصحاب محمد ﷺ كما وصفهم الله يزيدون ولا ينقصون، ولهذا سأل هرقل، سأل أبا سفيان السؤالات المعروفة، ومنها أنه سأله عن هذه القضية: "هل يزيدون أو ينقصون؟ قال: بل يزيدون"، فأخبر أن هذا هو الإيمان حتى يتم[15].

فأصحاب محمد ﷺ في زيادة، والإسلام في اتساع حتى يكتمل، فيظهر على سائر الأديان، قال: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ، وانتزع منها الإمام مالك -رحمه الله- أن أولئك الذين يلعنون الصحابة، ويسبونهم ويتغيظون منهم، ويقعون في أعراضهم، ويذمونهم أو يكفرونهم، في رواية عنه أنهم كفار؛ لأن الله قال لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ، فقال: كل من غاظه أصحاب محمد ﷺ فهو من الكفار بنص القرآن[16]، هذه رواية عن الإمام مالك -رحمه الله تعالى، وأما المؤمن فيحبهم، ويجلهم، ويعظمهم، ويتأسى بهم، فهم الذين نقلوا لنا هذا الدين، فإذا طُعن فيهم فإن ذلك الطعن يرجع إلى ذلك النقل الذي نقلوه، فيكون ذلك هدماً للإسلام من أصوله.

فاسأل الله -تبارك وتعالى- أن يلحقنا في زمرتهم، وأن يحشرنا معهم تحت لواء محمد ﷺ، وأن يرحمنا ويجبر كسرنا ويقوي ضعفنا، وأن يعيننا على ذكره، وشكره، وحسن عبادته.

اللهم ارحم موتانا واشفِ مرضانا، وعافِ مبتلانا، واجعل آخرتنا خيراً من دنيانا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

  1. أخرجه مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، برقم (2820).
  2. أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء، برقم (246).
  3. انظر: تفسير الطبري (21/ 321)، وتفسير البغوي (7/ 324)، والطبراني في المعجم الأوسط، برقم (4464)، وشرح السنة للبغوي (14/ 68).
  4. انظر: تفسير الطبري (21/ 321-322).
  5. تفسير الطبري (21/ 323)، وتفسير ابن كثير (7/ 361).
  6. تفسير الطبري (21/ 323).
  7. انظر: تفسير البغوي (7/ 324)، ومختصر قيام الليل وقيام رمضان وكتاب الوتر (ص: 51).
  8. أخرجه ابن ماجه، أبواب إقامة الصلوات والسنة فيها، باب ما جاء في قيام الليل، برقم (1333)، وتفسير ابن كثير (7/ 361)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، برقم (5816).
  9. فتح القدير للشوكاني (5/ 66).
  10. المصدر السابق.
  11. تفسير ابن كثير (7/ 361).
  12. أخرجه الطبراني في الأوسط، برقم (1017)، بلفظ: التؤدة والاقتصاد والسمت الحسن جزء من أربعة وعشرين جزءا من النبوة، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (3010).
  13. انظر: تفسير ابن كثير (7/ 362).
  14. انظر: المصدر السابق.
  15. أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي، كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، برقم (8)، وبرقم (2941)، كتاب الجهاد والسير، باب دعاء النبي ﷺ الناس إلى الإسلام والنبوة، وأن لا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب كتاب النبي ﷺ إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، برقم (1773).
  16.  تفسير ابن كثير (7/ 362).

مواد ذات صلة