الجمعة 30 / محرّم / 1442 - 18 / سبتمبر 2020
[17] من قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ} الآية 72 إلى قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} الآية 75.
تاريخ النشر: ١٨ / صفر / ١٤٢٨
التحميل: 2833
مرات الإستماع: 2228

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [سورة الأنفال:72].

ذكر تعالى أصناف المؤمنين وقسمهم إلى مهاجرين -خرجوا من ديارهم وأموالهم وجاءوا لنصر الله ورسوله وإقامة دينه، وبذلوا أموالهم وأنفسهم في ذلك- وإلى أنصار وهم المسلمون من أهل المدينة إذ ذاك آووا إخوانهم المهاجرين في منازلهم وواسوهم في أموالهم ونصروا الله ورسوله بالقتال معهم، فهؤلاء بعضهم أولياء بعض، أي كل منهم أحق بالآخر من كل أحد، ولهذا آخى رسول ﷺ بين المهاجرين والأنصار كل اثنين أخوان، فكانوا يتوارثون بذلك إرثاً مقدماً على القرابة حتى نسخ الله تعالى ذلك بالمواريث، ثبت ذلك في صحيح البخاري عن ابن عباس -ا.

روى الإمام أحمد عن جرير -هو ابن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله ﷺ: المهاجرون والأنصار أولياء بعضهم لبعض، والطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة[1]، تفرد به أحمد، وقد أثنى الله ورسوله على المهاجرين والأنصار في غير ما آية في كتابه فقال: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ [سورة التوبة:100] الآية، وقال: لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ [سورة التوبة:117] الآية. 

وقال تعالى: لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ۝ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [سورة الحشر:8، 9] الآية، وأحسن ما قيل في قوله: وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا أي: لا يحسدونهم على فضل ما أعطاهم الله على هجرتهم، فإن ظاهر الآيات تقديم المهاجرين على الأنصار، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء لا يختلفون في ذلك.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.

فسر الحافظ ابن كثير –رحمه الله- قول الله –تبارك وتعالى: أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ [سورة الأنفال:72] بتفسير فيه شيء من الإجمال، فقال: "أي كل منهم أحق بالآخر من كل أحد"، فتحتمل العبارة أن يكون المراد أحق بالآخر أي من جهة الميراث، هذا يشعر به ما أورده بعده من المؤاخاة التي عقدها النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، فهذه أخوة خاصة يحصل بها التوارث، كما أن العبارة تحتمل أنهم أولياء بعض من جهة النصرة والمعونة.

وقد حمل طائفة من السلف الآية على التوارث في الميراث فقالوا: بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ، أي: في التوارث في الميراث، كما كان الأمر عليه في أول الأمر، فكان الأنصاري يرثه أخوه من المهاجرين دون قراباته من الأنصار، وهذا القول هو ظاهر كلام ابن كثير –رحمه الله- ويحتمل أن معنى قول الله –تبارك وتعالى: بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ، أي: في النصرة والإعانة وغيرها من المعاني الداخلة تحت الموالاة وهو اختيار ابن جرير –رحمه الله.

وحمل الآية على المواريث يدل على أنها منسوخة بقول الله-تبارك وتعالى: وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا [سورة الأحزاب:6]، ويحتمل أن يكون الناسخ هي الآية التي في آخر هذه السورة وهي قوله –تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [سورة الأنفال:75]

أما إذا حملنا الآية على النصرة والإعانة، فالتوارث الذي كان بين المهاجرين والأنصار ثبت بالسنة النبوية ونسخ بقول الله-تبارك وتعالى: وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا [سورة الأحزاب:6]، وبقوله: وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [سورة الأنفال:75]، وهذا من نسخ القرآن للسنة، كما في نسخ التوجه إلى بيت المقدس، فقد نسخ بالقرآن.

ولعل هذا هو الأقرب -والله تعالى أعلم- وهو أن قول الله –تبارك وتعالى: أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ليس في المواريث، وإنما هو في الموالاة، ولهذا قال بعدها: وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [سورة الأنفال:73].

وقد أورد المصنف قول الله –تبارك وتعالى: وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً [سورة الحشر:9]، وقال في معناها: "أي: لا يحسدونهم على فضل ما أعطاهم الله على هجرتهم" وهذا كلام مجمل من العلامة ابن كثير –رحمه الله.

ولما فتح الله عليه النضير، خيَّر النبي ﷺ الأنصار، أن يبقى المهاجرون في أرضهم فيقسمها النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، أو أن يخرج المهاجرون من أرضهم، فيقسمها بين المهاجرين خاصة، فقالوا: بل يبقون في أرضنا وتقسمها بينهم خاصة دوننا، ولهذا قال الله : وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [سورة الحشر:9].

وقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم [سورة الأنفال:72]، قرأ حمزة وِلايتهم بالكسر، والباقون بالفتح وهما واحد كالدِّلالة والدَّلالة، مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ [سورة الأنفال:72] هذا هو الصنف الثالث من المؤمنين، وهم الذين آمنوا ولم يهاجروا بل أقاموا في بواديهم، فهؤلاء ليس لهم في المغانم نصيب، ولا في خمسها إلا ما حضروا فيه القتال. 

كما روى الإمام أحمد عن بريدة بن الحصيب الأسلمي قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميراً على سرية أو جيش أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيراً، وقال: اغز باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال، أو خلال، فأيتهن ما أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم، ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين، وأن عليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم فإن أبوا فاستعن بالله ثم قاتلهم[2]، انفرد به مسلم وعنده زيادات أخر.

قوله: مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ [سورة الأنفال:72] يحتمل أن يكون المراد بهذه الآية الميراث، ويحتمل أن يكون المراد بها النصرة، وابن جرير -رحمه الله- حملها على الأمرين، ولم تكن مسألة التوارث متعلقة بالهجرة، وإنما كانت تتصل بالمؤاخاة، فالآية –والله أعلم- يراد بها النصرة، ويكون المعنى ما لكم من أمر ولايتهم ونصرتهم من شيء حتى يهاجروا.

(مسألة)

قول النبي ﷺ: لا هجرة بعد الفتح[3] لا يدل على انقطاع الهجرة فحكمها باقٍ إلى قيام الساعة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، وقد يهاجر الإنسان من بلد الإسلام إذا لم يجد مجالاً للدعوة إلى الله –تبارك وتعالى- والتعريف المشهور للهجرة -أنها الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام- فيه نقص، وهو نوع من أنواع الهجرة.

وقوله: وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ [سورة الأنفال:72] الآية، يقول تعالى: وإن استنصركم هؤلاء الأعراب الذين لم يهاجروا في قتال ديني على عدو لهم فانصروهم، فإنه واجب عليكم نصرهم؛ لأنهم إخوانكم في الدين، إلا أن يستنصروكم على قوم من الكفار بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أي: مهادنة إلى مدة، فلا تخفروا ذمتكم ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم، وهذا مروي عن ابن عباس -ا.

الأعراب الذين بقوا في بواديهم ولم يهاجروا، والذين بقوا بين الكفار ولم يهاجروا إلى النبي ﷺليس لهم من الغنيمة ولا الفيء، ولهم النصرة بشرط ألا يكون بين المسلمين وبين الكفار ميثاق.

وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [سورة الأنفال:73]، لما ذكر تعالى أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض قطع الموالاة بينهم وبين الكفار، كما روى الحاكم في مستدركه عن أسامة عن النبي ﷺ قال: لا يتوارث أهل ملتين، ولا يرث مسلم كافراً، ولا كافر مسلماً. ثم قرأ: وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ[4] ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

قلت: الحديث في الصحيحين من رواية أسامة بن زيد -ا- قال: قال رسول الله ﷺ: لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم[5] ومعنى قوله: إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [سورة الأنفال:73]، أي: إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين وإلا وقعت الفتنة في الناس، وهو التباس الأمر واختلاط المؤمن بالكافر، فيقع بين الناس فساد منتشر عريض طويل.

قوله –تبارك وتعالى: وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ [سورة الأنفال:73]، حمل بعض أهل العلم هذه الآية على المواريث، وإيراد المصنف-رحمه الله- لقول النبي ﷺ: لا يتوارث أهل ملتين يشعر بهذا، وإن كان المصنف في آخر كلامه حملها على المحبة والنصرة، والراجح أن الآية ليست في المواريث، وإنما هي في الموالاة المعروفة من المحبة والمودة والنصرة، ولكن حينما تتحقق الموالاة للمؤمنين والبراءة من الكافرين فينقطع التوارث؛ لأن مقتضى البراءة من الكفار هو عدم التوارث، وقطع الموالاة له صور كثيرة، ولهذا كان من أبلغ صور معاداة الكفار وقطع الموالاة عنهم الهجرة من بلادهم ومقاتلتهم، وهذا الذي حققه المسلمون مع نبينا ﷺ فقد قدموا الرابطة الإيمانية على رابطة النسب، وهذه المعاني أصول للدين، لا يجوز المساس بها والعبث بها تحت أي عذر كان، وينبغي أن تربى الأجيال عليها، والوقوف عندها، لا يجوز لأحد أن يتجاوزها، ولا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا أن يسمي الأشياء بغير مسمياتها، فقد وصل الأمر بالبعض أن يستكثر على الكافر أن يقال عنه الكافر، فيقول له: الآخر.

وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ۝ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [سورة الأنفال:74، 75] لما ذكر تعالى حكم المؤمنين في الدنيا عطف بذكر ما لهم في الآخرة، فأخبر عنهم بحقيقة الإيمان كما تقدم في أول السورة، وأنه سبحانه سيجازيهم بالمغفرة والصفح عن الذنوب إن كانت، وبالرزق الكريم وهو الحسن الكثير الطيب الشريف، دائم مستمر أبداً لا ينقطع ولا ينقضي ولا يُسأم ولا يُمل لحسنه وتنوعه.

في كلام ابن كثير -رحمه الله- تفريق بين قول الله –تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [سورة الأنفال:72]، وقوله: وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [سورة الأنفال:74] فالآية الأولى بيّنت الحكم في الدنيا من جهة التوارث -على تفسيرها بالتوارث، والآية الثانية بيّنت ما للمؤمنين من الأجر في الآخرة، ويمكن أن يقال أيضاً بأن الآية الأولى تتحدث عن قضية الموالاة، والآية الثانية عن الثناء عليهم ومدحهم، والله تعالى أعلم.

قوله: وَرِزْقٌ كَرِيمٌ أي: ليس فيه تنغيص بحال من الأحوال.

ثم ذكر أن الأتباع على ما كانوا عليه من الإيمان والعمل الصالح فهم معهم في الآخرة، كما قال: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ [سورة التوبة:100] الآية، وقال: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ [سورة الحشر:10] الآية، وفي الحديث المتفق عليه بل المتواتر من طرق صحيحة عن رسول الله ﷺ أنه قال: المرء مع من أحب[6]، وفي الحديث الآخر: من أحب قوماً فهو منهم وفي رواية حشر معهم[7].

قوله: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ [سورة الحشر:10].

جعل الله هذه الأمة منقسمة إلى مهاجرين وأنصار، ومن يسيرون على طريقتهم، فقال سبحانه: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [سورة التوبة:100] فمن لم يكن من المهاجرين، ولا من الأنصار، ولا من الذين اتبعوهم بإحسان ممن يقولون: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ [سورة الحشر:10]، بل يمتلئ قلبه غلاً على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، فماذا سيكون؟ ولهذا قال الإمام مالك -رحمه الله: إن الرافضة لا نصيب لهم في الفيء؛ لأن الله جعل الطوائف التي تستحق الفيء ثلاثاً، والرافضة ليست منهم.

وأما قوله تعالى: وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ [سورة الأنفال:75] أي: في حكم الله، وليس المراد بقوله: وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ خصوصية ما يطلقه علماء الفرائض على القرابة الذين لا فرض لهم ولا هم عصبة، بل يُدلون بوارث كالخالة والخال والعمة وأولاد البنات وأولاد الأخوات ونحوهم، كما قد يزعمه بعضهم ويحتج بالآية، ويعتقد ذلك صريحاً في المسألة، بل الحق أن الآية عامة تشمل جميع القرابات كما نص عليه ابن عباس -ا- ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة وغير واحد على أنها ناسخة للإرث بالحلف والإخاء اللذين كانوا يتوارثون بهما أولاً، وعلى هذا فتشمل ذوي الأرحام بالاسم الخاص، ومن لم يورثهم يحتج بأدلة من أقواها حديث: إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث[8] قالوا: فلو كان ذا حق لكان له فرض في كتاب الله مسمى، فلما لم يكن كذلك لم يكن وارثاً، والله أعلم.

قوله: وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ [سورة الأنفال:75] أي: في حكم الله، وقال بعض أهل العلم: فِي كِتَابِ اللّهِ يعني القرآن، وقال بعضهم: فِي كِتَابِ اللّهِ يعني اللوح المحفوظ، وهذه المعاني لا منافاة بينها فإن قول الله: وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا [سورة الأحزاب:6] هو حكم لله ومثبت في كتاب الله وفي اللوح المحفوظ.

وليس المراد بقوله: وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ ما يطلقه علماء الفرائض من أن الأرحام هم القرابة الذين ليسوا من أصحاب الفروض ولا من العصبات.

(مسألة)

هذا جمع لما ذكره المفسرون في قوله تعالى: إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ [سورة الأنفال:49].

وكان المفسرون -رحمهم الله تعالى- في كلامهم على هذه الآية على قسمين، فمنهم من يجمل الكلام على الآية ولا يفصل، ومنهم من يفصل فتجده يتكلم عن قوله تعالى: إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ ثم يتكلم بعد ذلك عن الذين في قلوبهم مرض، قال الكاتب وفقه الله: وسأذكر أولاً -إن شاء الله- خلاصة أقوال القسم الأول بالإضافة إلى بعض النقولات عنهم ثم أقوال القسم الثاني والنقولات على ذلك.

أولاً: من تكلم عن الآية إجمالاً ولم يفصل، ولهم في الآية أقوال:

الأول: أن المراد هم المشركون، قال ابن جرير: حدثني حجاج عن ابن جريج في قوله: "إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض" قال: لما دنا القوم بعضهم من بعض فقلل الله المسلمين في أعين المشركين، فقال المشركون: غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ، وقال السيوطي في الدر المنثور: وقال عتبة بن ربيعة وناس معه من المشركين يوم بدر: غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ فأنزل الله: إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ.

غير أن هذه الروايات لا تصح.

الثاني: أن المراد هم المنافقون بمكة، قال ابن جريج في قوله: إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ هم قوم من المنافقين كانوا بمكة قالوه يوم بدر وهم يومئذ ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، ذكره ابن جرير وابن كثير وليس عند ابن كثير "وهم يومئذ".

وهذا القول غير صحيح؛ لأنه لم يكن في مكة نفاق، بل كان فيها شدة وتعذيب وأذى للمسلمين، ولم يكن أحد بحاجة إلى النفاق

الثالث: أن المراد بهم قوم أسلموا بمكة ولم يهاجروا ثم خرجوا مع المشركين يوم بدر، قال ابن جرير: قال معمر: وقال بعضهم: هم قوم كانوا أقروا بالإسلام وهم بمكة فخرجوا مع المشركين يوم بدر.

قال السيوطي في الدر المنثور: وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن الشعبي في الآية قال: كان أناس من أهل مكة تكلموا بالإسلام فخرجوا مع المشركين يوم بدر، فلما رأوا قلة المسلمين قالوا.

قال الثعالبي في تفسيره: قال المفسرون: إن هؤلاء الموصوفين بالنفاق إنما هم عسكر الكفار، فمن كان الإسلام داخل قلوبهم خرجوا مع المشركين إلى بدر، منهم مكره وغير مكره، فلما أشرفوا على المسلمين ورأوا قلتهم ارتابوا وقالوا مشيرين إلى المسلمين: غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ.

الرابع: أن المراد هم المنافقون بالمدينة، قال ابن جرير: حدثنا محمد بن الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن الحسن في هذه الآية قال: هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر، فسموا منافقين.

وهذا غير صحيح؛ لأن الناس لم يطالبوا بالخروج في غزوة بدر؛ لأن النبي ﷺ خرج من أجل العير وبقي كثير من الصحابة في المدينة لم يخرجوا، فلا تُلحَق بأحد تهمة أو لوم أو معاتبة على التخلف.

قال الثعالبي في تفسيره: وقد يحتمل أن يكون منافقوا المدينة لما وصلهم خروج قريش في قوة عظيمة قالوا هذه المقالة.

قال أبو الليث السمرقندي في تفسيره -بحر العلوم: قوله تعالى: إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض. وقال الضحاك: نزلت في عبد الله بن أبي وأصحابه.

الخامس: أن المراد هم ضعاف الإيمان من المؤمنين، قال ابن سعدي -رحمه الله: إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ [سورة الأنفال:49]، أي: شك وشُبه من ضعفاء الإيمان للمؤمنين حين أقدموا مع قلتهم على قتال المشركين مع كثرتهم.

ثانياً: من تكلم عن الآية بالتفصيل، أقوالهم في المراد بالمنافقين:

الأول: أن المراد هم المنافقون في المدينة، قال ابن الجوزي في زاد المسير: وقوله تعالى: إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ قال ابن عباس -ا: هم قوم من أهل المدينة من الأوس والخزرج.

قال أبو حيان الأندلسي في تفسيره البحر المحيط: وظاهر العطف التغاير، فقيل: المنافقون هم من الأوس والخزرج، لما خرج الرسول ﷺ قال بعضهم: نخرج معه، وقال بعضهم: لا نخرج.

قال الزمخشري في الكشاف: إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ بالمدينة.

قال الرازي في التفسير الكبير: هم قوم من الأوس والخزرج.

الثاني: أن المراد هم المنافقون الذين كانوا يومئذ في المسلمين، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس -ا- في قوله: إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ قال: وهم يومئذ في المسلمين، الدر المنثور.

قال أبو حيان الأندلسي: ولم يذكر أن منافقاً شهد بدراً مع المسلمين إلا معتِّب بن قشير فإنه ظهر منه يوم أحد قوله: لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا [سورة آل عمران:154].

قال صاحب تفسير المنار: من المعلوم مما ورد في أهل بدر من آيات هذه السورة، ومن الأحاديث الصحيحة والحسنة: أنه لم يكن فيهم أحد من أولئك المنافقين ولا من الذين في قلوبهم مرض، فإن ضعفاءهم قد محصهم الله بما كانوا من جدالهم للنبي ﷺ ومصارحتهم له في كراهة القتال قبل وقوعه، وباقتناعهم بجوابه لهم، كما تقدم، ثم أتم تمحيصهم بخوضهم المعركة، فهم من الذين وصفهم المنافقون والذين في قلوبهم مرض بأنهم غرهم دينهم، وهل يعقل أن يقول أحد منهم في المؤمنين "غرهم دينهم" وهم تبرءوا من عد أنفسهم من أهل هذا الدين؟، فإن صح ما رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس -ا- أنه قال: هم يومئذ في المسلمين، يكون أراد بهم أنهم كانوا معدودين في جملتهم، لا أنهم كانوا في الغزاة، وإلا كان خطأً مردوداً، وابن عباس -ا- لم يكن في سنه يوم بدر يميز هذه المسائل بنفسه، والرواية عنه فيها كما علمت آنفاً.

أقوالهم في المراد بالذين في قلوبهم مرض: 

الأول: قوم كانوا قد تكلموا بالإسلام بمكة فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر كرهاً، فلما رأوا قلة المسلمين وكثرة المشركين ارتابوا ونافقوا وقالوا: غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ قاله أبو صالح عن ابن عباس -ا- وإليه ذهب الشعبي في آخرين، وعدهم مقاتل فقال: كانوا سبعة: قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن زمعة، وعلي بن أمية بن خلق، والعاص بن منبه بن الحجاج، والوليد بن الوليد بن المغيرة، والوليد بن عتبة بن ربيعة.

قال أبو حيان الأندلسي: وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ قوم أسلموا ومنعهم أقرباؤهم من الهجرة فأخرجتهم قريش معها كرهاً، فلما نظروا إلى قلة المسلمين ارتابوا وقالوا: غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ فقتلوا جميعاً.

ذكر الألوسي في روح المعاني: قيل: فتية من قريش أسلموا بمكة وحبسهم آباؤهم حتى خرجوا معهم إلى بدر، منهم: قيس بن الوليد بن المغيرة، والعاص بن منبه بن الحجاج، والحارث بن زمعة، وأبو قيس بن الفاكه، فالمرض على هذا: مجاز عن الشبهة.

قال الرازي في تفسيره: هم قوم من قريش أسلموا وما قوي إسلامهم في قلوبهم ولم يهاجروا ثم إن قريشاً لما خرجوا لحرب الرسول ﷺ قال أولئك: نخرج مع قومنا فإن كان محمد في كثرة خرجنا إليه، وإن كان في قلة أقمنا في قومنا.

قال الشنقيطي في العذب النمير: وذهبت جماعة من العلماء إلى أن الذين في قلوبهم مرض في هذه الآية من سورة الأنفال خُص بهم أناس معروفون، هم الذين بسط الله قصتهم في سورة النساء، وهم قوم تكلموا بكلمة الإسلام فقالوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله في مكة، ثم إنهم أبوا أن يهاجروا، وفي قلوبهم إسلام وإيمان ضعيف في قلوبهم، على حرف هكذا وهكذا.

قيل: إنه وصف للمنافقين، ذكر الألوسي: قيل: المراد بهم المنافقون، ويكون من باب تعاطف الصفات، كقوله –تبارك وتعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ۝ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ۝ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ۝ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى [سورة الأعلى:1-4] فذلك لموصوف واحد، يعني العطف تارة يكون من باب عطف الصفات، والمقصود الموصوف واحد، وتارة يكون العطف يقتضي المغايرة بتعدد الذوات، وينزل تعدد الصفات منزلة تعدد الذوات بهذا الاعتبار فيصح التعاطف، وقد تتعاقب مع حذف حرف العطف.

والقول بأن المنافقين كانوا في صف المسلمين في يوم بدر قول باطل، فهذه الآية إما أن تكون تحدثت عن القضية فيما بعد، بعدما ظهر النفاق، فبعد غزوة بدر وجد النفاق، ويمكن أن تكون هذه الآية تتحدث عن الذين خرجوا بمكة، قال الله  فيهم: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا [سورة النساء:97].

وقال الشوكاني -رحمه الله- في فتح القدير: قيل المنافقون: هم الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ هم الشاكون من غير نفاق، بل لكونهم حديثي عهد بالإسلام، فوافقوا المنافقين في قولهم بهذه المقالة أعني: غَرَّ هَؤُلاء أي: المسلمين دِينُهُمْ حتى تكلفوا ما لا طاقة لهم به من قتال قريش.

وقيل: الذين في قلوبهم مرض هم المشركون ولا يبعد أن يراد بهم اليهود الساكنون المدينة وما حولها، وأنهم هم المنافقون من أهل المدينة، قالوا هذه المقالة عند خروج المسلمين إلى بدر لما رأوهم في قلة من العدد، وضعف من العُدد، وذكر ابن عطية عن القاضي أبو محمد قال: إن النفاق أخص من مرض القلب؛ لأن مرض القلب مطلق على الكافر وعلى من اعترضه شبهة وعلى من بينهما.

وفرق الطاهر بن عاشور بين المنافقين وبين الآخرين فقال: فنظم الكلام هكذا: وزين الشيطان للمشركين أعمالهم حين كان المنافقون يقبحون أعمال المسلمين ويصفونهم بالغرور وقلة التدبير من اعتقادهم في دينهم الذي أوقعهم في هذا الغرور، ويجول في نفوس الذين في قلوبهم مرض مثل هذا، والقول هنا مستعمل في حقيقته ومجازه الشامل لحديث النفس؛ لأن المنافقين يقولون ذلك بألسنتهم، وأما الذين في قلوبهم مرض وهم طائفة غير المنافقين، بل هم ممن لم يتمكن الإيمان من قلوبهم فيقولونه في أنفسهم لما لهم من شك في صدقه.

وهذا غير صحيح؛ لأن القول كالكلام يطلق على مجموع اللفظ والمعنى، ولا يكون في حديث النفس إطلاقاً، ولا يقال: قول، ويراد به حديث النفس إلا بقيد، قال في نفسه، زورت في نفسي مقالة، أما أن يكون هكذا يطلق القول ويراد به حديث النفس، فهذا لا يعرف لا في اللغة ولا في القرآن وإنما هذا يتأتى على عقيدة الأشاعرة، والمؤلف -رحمه الله- كان على عقيدة المتكلمين.

وقال الألوسي -رحمه الله- في الجواب عن الأثر الذي رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس -ا- أنه قال هم يومئذ في المسلمين، قال: وفي القلب من هذا شيء، فإن الذي تشهد الآثار أن أهل بدر كانوا خلاصة المؤمنين.

  1. رواه أحمد (31 / 547)، برقم (19215)، وقال محققو المسند: صحيح.
  2. رواه مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها (3 / 1356)، برقم (1731).
  3. رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب وجوب النفير وما يجب من الجهاد والنية (3 / 1040)، برقم (2670)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام والجهاد والخير (3 / 1487)، برقم (1353).
  4. المستدرك، كتاب التفسير، باب قراءة النبي ﷺ مما لم يخرجاه وقد صح سنده (2/262)، برقم (2944).
  5. رواه البخاري، كتاب الفرائض، باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم (6/2484)، برقم (6383)، ورواه مسلم، كتاب الفرائض، (3 / 1233)، برقم (1614).
  6. رواه البخاري، كتاب الأدب، باب علامة الحب في الله (5 / 2283)، برقم (5816)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب المرء مع من أحب (4 / 2034)، برقم (2640).
  7. رواه الطبراني في المعجم الأوسط (6 / 293)، برقم (6450)
  8. رواه أبو داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء في الوصية للوارث (3 / 73)، برقم (2872)، وابن ماجه (2 / 905)، برقم (2713)، كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث، وصححه الألباني في إرواء الغليل (6 / 88).

مواد ذات صلة