الجمعة 14 / ذو الحجة / 1445 - 21 / يونيو 2024
[11] من قوله تعالى: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ} الآية 94 إلى قوله تعالى: {وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} الآية 100
تاريخ النشر: ١١ / ربيع الآخر / ١٤٢٨
التحميل: 2594
مرات الإستماع: 2323

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر في تفسير قوله تعالى:

فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ۝ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ ۝ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ ۝ وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ [سورة يونس:94-97].

قال تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ [سورة الأعراف:157] الآية، ثم مع هذا العلم الذي يعرفونه من كتبهم كما يعرفون أبناءهم يلبسون ذلك ويحرفونه ويبدلونه، ولا يؤمنون به مع قيام الحجة عليهم، ولهذا قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ ۝ وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ [سورة يونس:96، 97]. 

أي: لا يؤمنون إيماناً ينفعهم بل حين لا ينفع نفساً إيمانها، ولهذا لما دعا موسى على فرعون وملئه قال: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ [سورة يونس:88]، كما قال تعالى: وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ [سورة الأنعام:111].

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى: فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ، اختلف العلماء في الخطاب في الآية من المراد به، فمن أهل العلم من قال: إن الخطاب للكافر المكذب بما أنزل الله -تبارك وتعالى، المكذب بالوحي والرسالة، فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ يعني أيها الكافر المكذب فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ خطاب للشاكين في الوحي.

لكن هذا القول وإن قال به بعض السلف إلا إنه بعيد جداً؛ لأن ظاهر الخطاب لا يدل على ذلك، والسياق لا يدل عليه، ثم أتى بعده بقوله -تبارك وتعالى: لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ۝ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ وهذا القول قال به الإمام اللغوي ثعلب، والمبرد.

ومن أهل العلم من قال: إن المراد بهذا الخطاب هو النبي ﷺ، والمقصود غيره، قالوا: هذا يرد في القرآن، فيخاطب النبي ﷺ باعتبار أنه الموحى إليه، وهو القدوة -عليه الصلاة والسلام، فيخاطبه الله بمثل هذا وإن كان هذا الأمر لا يرد عليه، كما في قوله تعالى: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ [سورة الإسراء:23]، مع أنه لم يكن له عند نزول الآية أحد من الأبوين قطعاً، فالخطاب موجه إليه والمراد غيره، قالوا: هذا من باب إياك أعني فاسمعي يا جارة، فالأمة تخاطَب في شخص رسولها -عليه الصلاة والسلام، وهذا قول له وجه، ونظائره في القرآن كثير.

ومن أهل العلم من قال: إن المراد بذلك هو النبي ﷺ ولكن القاعدة: أن التعليق بالشرط لا يقتضي تحقق الوقوع، مثل قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [سورة الزخرف:81] والله لا يكون له ولد، على خلاف في معنى قوله: فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ فمن أهل العلم من قال: فأنا أول العابدين لله، ومنهم من قال: المراد فأنا أول العابدين لهذا الولد.

فالمقصود أياً كان المعنى: لكن قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ وهذا غير وارد أصلاً، فالمعلق على شرط لا يقتضي هذا التعليق تحققه ووقوعه، وقوع هذا المعلق، وله أمثلة أخرى على كل حال في القرآن، فقالوا هذا من هذا الباب.

وهذا قول جيد: إن المعلق على شرط لا يقتضي هذا التعليق تحقق الوقوع، فالله يخاطب نبيه ﷺ: فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ ولم يكن -عليه الصلاة والسلام- في شك بحال من الأحوال، وإنما كان متحققاً بكمال اليقين -عليه الصلاة والسلام، وابن القيم -رحمه الله- أطال في الكلام على هذه الآية، وكذلك كبير المفسرين ابن جرير، وأقوالهم لا تخرج عن هذا الذي ذكرته.

ابن القيم -رحمه الله- يرى أن هذه الآية فيها تعليم لمن وقع عنده تردد وشك في مثل هذا كيف يستبين الحق ويخرج من هذا الشك، فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ يعلّمهم، وهذا يشبه قول من قال: إن الخطاب إلى النبي ﷺ والمراد غيره.

ثم قال تعالى: فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ [سورة يونس:98].

يقول تعالى فهلا كانت قرية آمنت بكمالها من الأمم السالفة الذين بعثنا إليهم الرسل، بل ما أرسلنا من قبلك يا محمد من رسول إلا كذبه قومه أو أكثرهم، كقوله تعالى: يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُون [سورة يــس:30]، كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [سورة الذاريات:52]، وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ [سورة الزخرف:23].

وفي الحديث الصحيح: عرض علي الأنبياء فجعل النبي يمر ومعه الفئام من الناس، والنبي يمر معه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي ليس معه أحد[1]، ثم ذكر كثرة أتباع موسى ، ثم ذكر كثرة أمته -صلوات الله وسلامه عليه- كثرة سدت الخافقيْن الشرقي والغربي، والغرض أنه لم توجد قرية آمنت بكمالها بنبيهم ممن سلف من القرى إلا قوم يونس، وهم أهل نينوى، وما كان إيمانهم إلا تخوفاً من وصول العذاب الذي أنذرهم به رسولهم بعدما عاينوا أسبابه، وخرج رسولهم من بين أظهرهم، فعندها جأروا إلى الله واستغاثوا به.

 قوله: فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا فلولا هذه إذا جاءت في أمر يمكن أن يستدرك فإنها تكون للتحضيض، يمكن أن يفعل، تقول: لولا صليت لولا أطعت والديك، وما أشبه هذا، ومن ذلك قوله -تبارك وتعالى: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا [سورة النور:12]، يعني ظنوا بإخوانهم خيراً، أو على القول الآخر: ظنوا بأنفسهم يعني رجعوا إلى أنفسهم أنا لا نفعله، فكذلك إخوانهم لا يفعلونه، وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا [سورة النور:16] فهذا للتحضيض.

أما إذا كان هذا يمكن أن يُفعل، والأمر قد فات ولا يمكن أن يستدرك، فعندئذ تكون للتبكيت، كما في هذه الآية فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ هؤلاء القرى أُهلكوا وانتهوا، عاقبهم الله وأخذهم، فهذا للتبكيت؛ لأنه لا يمكن أن يستدرك، فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ هذا في الأمم المهلكَة، فهو للتبكيت، والله تعالى أعلم.

وقال: إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ إلى آخر الآية، قال ابن كثير -رحمه الله: "والغرض أنه لم توجد قرية آمنت بكمالها بنبيهم ممن سلف من القرى إلا قوم يونس"، وظاهر كلامه -رحمه الله- أن الاستثناء في هذه الآية متصل، والاستثناء المتصل: هو ما كان فيه المستثنى من جنس المستثنى منه، مثل حضر الرجال إلا زيداً، والاستثناء المنقطع ما لم يكن فيه المستثنى من جنس المستثنى منه، نحو وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ [سورة البقرة:34] باعتبار أن إبليس من الجن -على القول الراجح- فاستثني من الملائكة فهو استثناء منقطع، والاستثناء المنقطع بمعنى لكن، يعني لكن إبليس لم يسجد.

وابن كثير -رحمه الله- ظاهر كلامه أن هذا الاستثناء من قبيل المتصل، ولا يوجد ما يمنع من هذا، بل قد يدل عليه ظاهر السياق، فالله يقول: فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ الأمم السابقة لم يوجد فيهم أحد آمن فنفعه إيمانه سوى قوم يونس -عليه الصلاة والسلام، إذ نزل العذاب أو أمارات العذاب أو عاينوه، أولئك لم يكونوا يؤمنون إلى آخر لحظة حتى يعاينوا العذاب، فهؤلاء لم يكونوا يؤمنون إيماناً ينفعهم إلا قوم يونس، فظاهر الكلام أن الاستثناء متصل.

وكثير من أهل العلم يقولون: هذا الاستثناء منقطع، ومنهم أئمة كبار في اللغة كالكسائي والفراء يقولون: الاستثناء منقطع بمعنى لكن فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا لكن قوم يونس لما رأوا العذاب وآمنوا نفعهم إيمانهم، رأوا أمارات العذاب، ويمكن أن يخرّج قولهم على اعتبار أن الأمم التي أهلكها الله كانوا يصرون على الكفر إلى آخر لحظة إلى الوقت الذي لا ينفع معه الإيمان مثل ما حصل من فرعون، حصل منه إيمان لكنه لم ينفعه هذا الإيمان فالأمم كما قال الله : فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ [سورة غافر:84]، فالإيمان لا ينفع عند معاينة العذاب.

فالذي حصل لقوم يونس أنهم لما رأوا أمارات العذاب، وأن العذاب سينزل، ورأوا هذه العلامات تضرعوا إلى الله وخافوا وفرقوا بين الأم وولدها، وأخرجوا دوابهم وفرقوا بين الوالدة وولدها، وجعلوا يتضرعون إلى الله -تبارك وتعالى- فرحمهم وكشف العذاب عنهم، قبل أن ينزل وقبل أن يعاينوه، فالبقية ما كانوا بهذه المثابة، أما إذا نزل العذاب وعاينوه فعندئذ لا ينفعهم الإيمان، فمن قال: الاستثناء منقطع، يقول: لكن قوم يونس لما رأوا العذاب، يعني أمارات العذاب، فقوم يونس لم يصلوا إلى الحد الذي وصلت إليه الأمم، والحالة التي لا ينفع معها الإيمان، والله تعالى أعلم.

والغرض أنه لم توجد قرية آمنت بكمالها بنبيهم ممن سلف من القرى إلا قوم يونس، وهم أهل نينوى، وما كان إيمانهم إلا تخوفاً من وصول العذاب الذي أنذرهم به رسولهم بعدما عاينوا أسبابه وخرج رسولهم من بين أظهرهم، فعندها جأروا إلى الله واستغاثوا به وتضرعوا له واستكانوا، وأحضروا أطفالهم ودوابهم ومواشيهم، وسألوا الله تعالى أن يرفع عنهم العذاب الذي أنذرهم به نبيهم، فعندها رحمهم الله وكشف عنهم العذاب وأُخروا، كما قال تعالى: إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ.

وقال قتادة في تفسير هذه الآية: لم ينفع قريةً كفرت ثم آمنت حين حضرها العذاب فتُركت إلا قوم يونس لما فقدوا نبيهم وظنوا أن العذاب قد دنا منهم، قذف الله في قلوبهم التوبة، ولبسوا المسوح، وفرقوا بين كل بهيمة وولدها ثم عجُّوا إلى الله أربعين ليلة، فلما عرف الله منهم الصدق من قلوبهم والتوبة والندامة على ما مضى منهم كشف عنهم العذاب بعد أن تدلى عليهم، قال قتادة: وذكر أن قوم يونس بنينوى أرض الموصل، وكذا روي عن ابن مسعود ومجاهد وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف.

وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ۝ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ [سورة يونس:99، 100].

يقول تعالى: وَلَوْ شَاء رَبُّكَ يا محمد لأذن لأهل الأرض كلهم في الإيمان بما جئتهم به، فآمنوا كلهم، ولكن له حكمته فيما يفعله تعالى، كقوله تعالى: وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ۝ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [سورة هود:118، 119]، وقال تعالى: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَن لَّوْ يَشَاء اللّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا [سورة الرعد:31].

ولهذا قال تعالى: أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ أي: تلزمهم وتلجئهم، حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ أي: ليس ذلك عليك ولا إليك، بل الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء [سورة البقرة:272]، لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [سورة الشعراء:3]، إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [سورة القصص:56]. 

فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ [سورة الرعد:40]، فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ ۝ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ [سورة الغاشية:21، 22] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى هو الفعال لما يريد، الهادي من يشاء، المضل لمن يشاء، لعلمه وحكمته وعدله، ولهذا قال تعالى: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ وهو الخبال والضلال عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ أي: حججَ الله وأدلته، وهو العادل في كل ذلك، في هداية من هدى وإضلال من ضل.

الرجس قال: "هو الخبال والضلال"، ويقال: الكفر، وقد يطلق على نتيجته وأثره، وهو العذاب كما قال ابن جرير -رحمه الله- وهو تفسير بالأثر، كما يقال: الإثم، والإثم أحياناً يطلق على سببه، تقول مثلاً: الخمر إثم والزنا إثم والسرقة إثم، وهذه آثام، وتقول: اجتنب الآثام، ومنه قول الشاعر:

شربت الإثم حتى ضل عقلي كذاك الإثم تفعل بالعقول

يعني الخمر، ويطلق على أثره، وهو ما يحصل من التبعة والمؤاخذة، يقال له: إثم، تقول: من فعل هذا يأثم، فمن فسره بالعذاب فقد فسره بالأثر والنتيجة، ومن فسره بالضلال أو الكفر أو نحو هذا فهو تفسير، وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ الذين لا يعقلون عن الله -تبارك وتعالى- فهؤلاء هم المعرضون.

  1. رواه البخاري برقم (5378)، كتاب الطب، باب من اكتوى أو كوى غيره وفضل من لم يكتو، من حديث ابن عباس ولفظه قال رسول الله ﷺ: عرضت علي الأمم فجعل النبي والنبيان يمرون معهم الرهط والنبي ليس معه أحد...، ومسلم برقم (220)، كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب.

مواد ذات صلة