تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الخميس 21 / ذو الحجة / 1440 - 22 / أغسطس 2019
[3] قوله تعالى: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ}
تاريخ النشر: ١٦ / رجب / ١٤٣٦
التحميل: 2908
مرات الإستماع: 2372

بسم الله الرحمن الرحيم

مجالس تدبر

سورة البقرة

[3] قوله تعالى: الم ۝ ذَلِكَ الْكِتَابُ

للشيخ/ خالد بن عثمان السبت

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فسيكون الكلام على ما تيسير من الهدايات من هذه السورة الكريمة التي تضمنتها في آياتها وجُملها، فأسأل الله - تبارك وتعالى - أن ينفعنا وإياكم بما نقول ونسمع.

هذه السورة "سورة البقرة" فواصلها تجتمع في هذه الحروف التي رُكبت بـ "قُم فلنتدبر"، نحن قلنا: بأن سورة الفاتحة فواصلها تدور على النون والميم، يعني: آخر حرف في كل آية، أما فواصل سورة البقرة "قُم فلنتدبر"، القاف، والميم، والفاء، واللام، والنون، والتاء، والدال، والباء، والراء.

وقد اُفتتحت هذه السورة بالحروف المقطعة حروف التهجي، وجاء هذا الافتتاح بألف لام ميم، في ست سور، وعدد الحروف المقطعة في أوائل السور جميعًا بحذف التكرار تبلغ أربعة عشر حرفًا، ومع التكرار تبلغ ثمانية وسبعين من الحروف، هذه الحروف غير المُكررة الأربعة عشر مجموعة في قولك: "طرق سمعك النصيحة".

وهذه كل الحروف المقطعة في القرآن في أوائل السور من غير تكرار، أو في قولك: "نص حكيم قاطع له سر"، هذه الحروف المقطعة ذكر بعضهم فيها نحوًا من أربعين قولاً، وذكر بعضهم واحدًا وعشرين قولاً، ونحن في مثل هذه المجالس لا نذكر التفسير ولكني أُشير إلى بعض اللفتات واللطائف لأتوصل إلى ما يمكن أن يُقال في هذه الحروف المقطعة من لفتة ربما تكون مقصودة، - والله تعالى أعلم -.

لكن حاصل المعاني التي ذكروها في الحروف المقطعة يمكن أن ترجع إلى ثلاثة رئيسة، يتفرع من كل قول منها الأقوال الأخرى، يعني: من قال: إنها تبلغ واحدًا وعشرين قولاً أعاد ذلك إلى ثلاثة أقوال رئيسة:

الأول: أنها رموز من كلمات أو جُمل، وهذا تحته ثمانية أقوال، هذه الثمانية ترجع إلى أن ذلك من قبيل الرموز، رموز من كلمات أو جُمل، يعني: الحرف يرمز لكلمة، أو يرمز لجملة.

الثاني: أنها أسماء أو أفعال أو أوصاف، يعني: هل هذا اسم للنبي ﷺ مثلاً: طه، وهكذا قاف هل هو اسم لشيء اسم لجبل أو غير ذلك، فتحت هذا أربعة أقوال.

الثالث: أن ذلك من قبيل حروف التهجي جيء بها لمعنى، ما هذ المعنى الذي قُصد؟ هذا تحته تسعة أقوال.

لكن بصرف النظر عن هذه الأقوال المتعددة، فإن هذه الحروف وغيرها من الحروف المقطعة في أوائل السور تشير إلى قضية وهي الإعجاز، إعجاز القرآن الكريم، فالله - تبارك وتعالى - تحدى بهذا القرآن فعجز أولئك الذين طرق سمعهم القرآن لأول وهلة عن الإتيان بمثله مع فصاحتهم وبلاغتهم مع ما عندهم من الأنفة مع شدة الحنق والعداوة ومع ذلك عجزوا، ولا زال الناس في حال من العجز البالغ إلى يومنا هذا إلى يوم القيامة، وكل من يطعن في القرآن أو يتكلم في دين الإسلام، أو يُشكك أو يُلبس فيه، نقول: بيننا وبينك هذا القرآن هات سورة مثل أقصر سورة منه ثم بعد ذلك نتناقش فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [البقرة: 24] هذا الذي بيننا وبينهم، كل طاعن في الإسلام كل مُشكك كل مُلبس بيننا وبينه شيء واحد، هات أقصر سورة، هات ما يعدل أو هات مثل أقصر سورة في القرآن، أقصر سورة، وهذه السور نازلة على سبعة أحرف، هذا القرآن نازل على سبعة أحرف هات على وجه واحد؟

فإن عجز فنقول: إذن هذا كلام الله فعليك أن تُسلم به، وكل ما دل عليه من الهدايات والعقائد والأحكام والأخبار كل ذلك حق وصدق لابد أن تؤمن بهذا، والذي جاء به هو محمد ﷺ وهو نبي، وقد أخبر هذا القرآن أنه خاتم الرسل - عليه الصلاة والسلام - فلا نبي بعده، وجاء مُصدقًا لجميع الرسل - عليهم الصلاة والسلام -.

وقد أمر الله بطاعته وقرن طاعة هذا الرسول - عليه الصلاة والسلام - بطاعته، فمن كان يدعي الإيمان آمن بهذا القرآن فليُطع رسول الله ﷺ وليُذعن لسنته؛ لأنها الشارحة للقرآن، والذين نقلوا إلينا هذا القرآن هم أصحاب النبي ﷺ الذين اصطفاهم الله واختارهم لصحبته من بين العالمين عن علم، وهم الذين بلغونا هذا القرآن، فكل طاعن في السنة وفي النقلة من أصحاب النبي ﷺ وهم رواة هذا الدين وحملته، نقول له: هذا القرآن من أين جاء؟ من الذي نقله إليك؟ هذا الذي تقرؤونه إن كنتم تؤمنون به، فمن الذي نقله لكم؟ هل هم كذبة كفار؟!

فلابد أن يقبل ما جاء في القرآن من الثناء عليهم، وتزكيتهم في مواضع لا تخفى من كتاب الله وهكذا ما جاء في أم المؤمنين عائشة - ا - من براءتها كل هذا دل عليه القرآن.

وهكذا ما دل عليه من حقائق الآخرة والأسماء والصفات والإيمان وما إلى ذلك من قضايا الاعتقاد، هذا كله يُبطل المذاهب الباطلة الفاسدة، المذاهب الفلسفية والكلامية، ومذاهب الباطنية على اختلاف أنواعها ونِحلها؛ لأن هذا القرآن دل على هذه الحقائق بصورة واضحة، وهم يؤلونها ويحرفونها.

القرآن زكى هؤلاء الصحابة، زكى أم المؤمنين عائشة، فالطاعن فيهم طاعن في القرآن، لم يؤمن بالقرآن، هؤلاء نقلته، وهو الذي زكاهم، وهم أصحاب رسول الله ﷺ وهكذا، فلا نحتاج إلى أن نطول الكلام مع هؤلاء المُبطلين بصنوفهم ومِللهم ومذاهبهم، وإنما نقول لهم:

أولاً: أول شيء هذا القرآن، هاتوا سورة واحدة، فإن عجزوا فعند ذلك يكون إعلانًا للإفلاس والانقطاع فيكون بعد ذلك مُبطلاً يُريد إبطال الحق، أو ترويج الباطل الذي يحمله، ومثل هذا لا يستحق أن يُناقش، ولهذا قال الله : وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [العنكبوت: 46] فهؤلاء لا يطلبون الحق، فهؤلاء لا مجال للجدال معهم؛ لأنهم لا يُجدي معهم الجدل، إنما قصدوا إبطال الحق أو إقرار الباطل، ولذلك انظر إلى الردود القرآنية والجدل في القرآن تجد أنه يقطع ذلك أحيانًا، حينما قالوا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا [البقرة: 275] مُكابرة جاء الرد هكذا: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة: 275] لم يطول معهم في الحُجج العقلية والإقناع وضروب الجدال، وإنما قال هذا فقط، أحل الله البيع وحرم الربا، انتهى، تؤمن بالله الله حرم هذا، وأنتم عبيده وأحل هذا وأنتم عبيده ليس عليكم إلا الإذعان، فيُقطع المُبطل بهذه الطريقة، هذا الذي يُجادل في السنة ويقول: دعونا في القرآن والسنة فيها وفيها، نقول له: أخبرنا كم تصلي الظهر، وكم تصلي العصر، وكم تصلي المغرب، وكم تصلي العشاء وكم تصلي الفجر؟ وقبل كل شيء، وماذا تقرأ في الركعة الأولى، وماذا تفعل بالركوع، وكيف ترجع وتسجد، وكيف تفعل في هذه الصلاة، كيف تؤديها، فإذا قال: لا أُصلي، نقول: لا جدال معك، نحتاج أن نتحدث معك عن الإسلام، وعن وجوب الصلاة، وعن ما يُدخل به هذا الدين: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة: 5] وفي الآية الأخرى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة: 11] فإذا قال أنا أُصلي، نقول: كم صلاة تُصلي في اليوم والليلة، خمس صلوات، كم ركعة في هذه الصلوات؟ من أين أتيت بهذا؟

لابد أن يقول: هذا جاء مشروحًا في السنة إلا إذا كان قد بلغ في الجهل غايته، وقال: إن هذه الأشياء كلها مفصلة في القرآن فهذا يكون قد رفع راية ونصب علمًا يُنادي على نفسه بالجهل، فإذا قال: هذا في السنة، عندها يُقال له: إذًا أقررت على نفسك أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ [البقرة: 85] كيف تنتقي وتأخذ من السنة ما يوافق هواك وتترك الباقي؟! وتقول: لا حاجة إليه!، وهكذا.

فالمقصود أن هذا القرآن جاء مُعجزًا، وقد تحدى الله - تبارك وتعالى - هؤلاء العرب وغير العرب وهو تحدٍ قائم إلى قيام الساعة أن يؤتى بمثل هذا القرآن، هذا القرآن مُركب من هذه الحروف التي تركبون منها كلامكم فركبوا منه ما يُضاهي القرآن، فلما عجزوا وانقطعوا تبين أنه حق من عند الله - تبارك وتعالى - ولذلك لم يأت أحد في التاريخ يُحاكي القرآن أبدًا، وكل الذين حاولوا انقطعوا لم يستطيعوا، وكان بعضهم يكتب ثم يُمزق لا يُخرجه للناس، وقرأوا في أخبار هؤلاء، لم يجترئ أحد أن يتفوه إلا مُسيلمة الذي إذا ذُكر ذكر الكذب معه مُسيلمة الكذاب، نحن لا نعرف نسبه إلا أننا نعرف مُسيلمة الكذاب، يُنسب إلى الكذب، لا أحد يعرف نسب مُسيلمة من هو أبوه وجده إلى آخره، هو من بني حنيفة؛ لأنهم قتلوا في حروب الردة، بينما نسب النبي ﷺ يحفظه صغار التلاميذ لكن نسب مُسيلمة من يحفظه، إنما يُعرف نسبه إلى الكذب فقط: "والطاحنات طحنا، فالعاجنات عجنا، فالخابزات خبزا، فاللاقمات لقما"[1].

"الفيل ما الفيل وما أدراك ما الفيل، له خرطوم طويل وذيل قصير"[2].

"يا ضفدع نقي كما تنقين نصفك في الماء ونصفك في الطين"[3] هذه سورة الضفدع، والتي قبلها سورة الفيل، والتي قبلها سورة الطاحنات، طحنه الله في النار.

فهذا مُسيلمة الكذاب إذا ذُكرت هذه الأشياء تضاحك الناس، ومن لا يضحك فإنه يُداري ذلك ويدفعه عن نفسه، بينما إذا قُرئ القرآن خشعت له النفوس، وأذعنت، واطمأنت، وهكذا.

فهذه الحروف ذُكرت في افتتاح السور، ولهذا لا تكاد تُذكر إلا ويُذكر معها القرآن بعدها أو الوحي إلا في مواضع يسيرة قد حملها بعض أهل العلم على محامل لتكون جارية على هذا المهيع، يعني انظروا في الحروف المقطعة في سورة البقرة: الم ۝ ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة: 1 - 2] وفي سورة آل عمران: الم ۝ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۝ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ ۝ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ [آل عمران: 1 - 4] وقل مثل ذلك في سائر السور: الم ۝ تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [السجدة: 1 - 2] لكن في مثل سورة نون مثلاً: ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ۝ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [القلم: 1 - 2] هنا لم يُصرح بذكر الكتاب، لكنه أشار إليه بذكر النِعمة وهي الوحي والنبوة، وهكذا.

يقول الله - تبارك وتعالى - : ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 2] ذلك الكتاب وهو القرآن العظيم الذي لا شك أنه من عند الله، فلا يصح أن يرتاب فيه أحد، وليس هو أيضًا بمبعث للريب فهو في غاية الوضوح والإحكام والتناسق والتناسب يُصدق بعضه بعضًا، ويُشبه بعضه بعضًا في بلاغته وفصاحته فهذا ينتفع به أهل التقوى المتقون الذين رزقهم الله العلم النافع والعمل الصالح فهؤلاء هم الذين يجعلون بينهم وبين عذاب الله وقاية بفعل ما أمر واجتناب ما نهى.

تأملوا هذه الآية: ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة: 2] الإشارة بذلك معروف أنها للبعيد، يقولون: هذا للقريب، ذاك للمتوسط، ذلك للبعيد ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة: 2] فهنا الإشارة بالبُعد تفيد علو مرتبته، هذا البُعد ليس ببُعد حسي ولكنه بُعد معنوي ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة: 2] رفيع القدر والمنزلة والمكانة، فهو ذو مرتبة عظيمة عالية، وما كان كذلك فينبغي أن يُعظم في النفوس، وأن يُجل وأن يُقدس ويُحترم فلا يُبتذل ولا يُمتهن، ولذلك العلماء يذكرون في آدابه:

ألا يمس المصحف إلا طاهر.

ولا يتوسد المصحف ولا يُتكأ عليه.

ولا يوضع فوقه شيء، حتى كتب العلم يوضع فوقها.

ولا تُمد الرجل نحوه.

ولا يحصل شيء من المزاولات التي يكون فيها ابتذال حسي أو معنوي للقرآن، يعني: مثل التمثل بالقرآن، الاستشهاد في بعض المواضع بعض المناسبات بجملة من القرآن، الراجح أن هذا يجوز ما لم يكن ذلك في مقام لا يليق أو مما يضحك منه الناس أو نحو هذا؛ لأنه يؤدي إلى ابتذال القرآن وامتهانه، فهنا أشار بهذه الإشارة إشارة إلى البعيد لعلو مرتبته.

وإذا كان بهذه المثابة عالي المرتبة فلابد أن يعود ذلك على مُلابسه ومُلازمه، فمن لازم هذا القرآن علا قدره وعُظمت مهابته وارتفعت منزلته ودرجته، المُقاربة والمُلابسة لمثل هذه، ولذلك انظروا إلى الأشياء الحسية التي يُلابسها الناس من الِمهن والصنائع، العرب معروف عندهم أن أهل الخيل فيهم من الشجاعة والإقدام ما ليس في غيرهم، أهل الغنم فيهم السكينة، أهل الإبل فيهم رعونة، وشدة، وغِلظة الذين يُكثرون من مخالطتها، أهل الزرع فيهم ضعف.

وهكذا كل صاحب صنعة أو مهنة فإنه يتأثر بصنعته ومهنته ولابد، تكلموا عن أشياء كثيرة، تكلموا عن من يُعلم الصبيان، تكلموا عن من يُزاول التعليم عمومًا، وأصحاب الفِراسة يذكرون من هذا أشياء يرى رجلاً يجلس في مكان وهو لا يعرفه فيقول: هذا مُعلم صبيان، فيُسأل الرجل أين تعمل؟

يقول: أُعلم الصبيان، فيُسأل هذا القاضي صاحب الفراسة كيف عرفت؟ فيقول: جلس جلسة الملوك وليس بملك، يعني: هيئته ليست بهيئة ملك، ونظرت إليه فإذا مر به صبي سلم عليه، مُعتاد على الصبيان، فهو مُعلم في الكتاتيب، يجلس جلسة الملوك لكنه مصروف النظر إلى الصبيان، فعرف أنه مُعلم ومُعلم صبيان، فكثرة المزاولات والمُلابسات لا شك أنها تؤثر في طبيعة الإنسان، وفي حاله يعرف ذلك أهل الفراسة، وقد يظهر ذلك لكل أحد، فهذا المتُمسك بالقرآن المُلازم له بتلاوته والعمل به الذي يشتغل بتدبر هذا القرآن، ويتمثل ما جاء فيه من الهدايات هذا تعلو مرتبته، فهذا القرآن رفيع الجناب.

وهكذا ما وصف به القرآن من الكرم القرآن كريم عزيز عظيم، المُشتغل بهذا الكتاب له نصيب من هذا.

كذلك لما وصف بأنه كتاب مُبارك كما قال بعض أهل العلم: "اشتغلنا بالقرآن فغمرتنا البركات"[4] وهذا أمر مُشاهد في أهل القرآن الذين يعملون به، ويتدبرونه، ويتلونه آناء الليل وأطراف النهار.

هذه الإشارة إلى البعيد: ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة: 2] التي تدل على شرفه وعلو مرتبته هي أيضًا إشارة إلى ما سيؤول إليه أمر هذا القرآن من كونه مكتوبًا ومجموعًا في كتاب واحد ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة: 2] سماه كتابًا، وحينما نزلت هذه الآية لم يكن القرآن قد جُمع في مصاحف، فدل على أن ذلك إشارة - والله تعالى أعلم - إلى ما سيؤول إليه أمره، ولهذا قال بعض أهل العلم: "إن جمع عثمان وقبله كتابة أبي بكر القرآن في صُحف، ثم عُثمان جمعه في مصاحف أن هذا ليس من قبيل المصالح المُرسلة"، والأصوليون عادة يُمثلون على المصالح المُرسلة بجمع عثمان للمصاحف، لم يفعله رسول الله ﷺ دعت الحاجة إليه فجمعه فحُمد له ذلك، لكن من أهل العلم من يقول: لا، هذا ليس من المصالح المُرسلة بل هذا مأخوذ من النص بطريق من طُرق الدلالة الصحيحة أن الله سماه كتابًا فدل على أن ذلك مما سيؤول إليه أمره، بل قالوا: فيه مُعجزة للنبي ﷺ بأن الله - تبارك وتعالى - أوحى إليه ما سيكون من أمر المصاحف، وهذا كما قال الله - تبارك وتعالى - أيضًا: وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ [الأنعام: 92] سماه كتابًا.

وقال: وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ [الأنبياء: 50] وغير ذلك، فالنبي ﷺ مُنذ أن أوحى الله إليه كان له من أصحابه من كان يكتب الوحي، ولما جُمعت هذه المصاحف كُتبت في صُحف أولاً، كُتب القرآن في صُحف، ثم في مصاحف في عهد عثمان فالذي كُتب في عهد أبي بكر وكُتب في عثمان لم يكن يُكتب، أو يُقبل شيء إلا أن يشهد عليه شهيدان، قالوا: المراد الحفظ والكتابة، لابد أن يكون محفوظًا، وأن يكون مما كُتب بين يدي رسول الله ﷺ.

وبعضهم يقول: شهيدان يشهدان على أن هذه الرقِاع مما كُتب بين يدي رسول الله ﷺ فكانوا يطلبون الكتابة والحفظ، زيادة في التوثق.

هذا بعض ما يتعلق بهذه الآية من الهدايات.

أسأل الله أن يُبارك لنا ولكم في القرآن العظيم، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهُتدين، - والله أعلم -.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه. 

  1. منهاج السنة النبوية (4/490). 
  2.  غاية المرام في علم الكلام، للثعلبي (ص: 344). 
  3.  منهاج السنة النبوية (4/491).
  4.  العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (1/7).

مواد ذات صلة