تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأربعاء 24 / صفر / 1441 - 23 / أكتوبر 2019
[4] قوله تعالى: {لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ}
تاريخ النشر: ١٧ / رجب / ١٤٣٦
التحميل: 5024
مرات الإستماع: 2212

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي الليلة الماضية تحدثنا عن هذه الآية الكريمة من سورة البقرة وهي قوله -تبارك وتعالى: ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [سورة البقرة:2] ذلك الكتاب، دخلت "أل" على الكتاب وذلك -والله تعالى أعلم- لبيان منزلة هذا الكتاب، لتفخيم أمره، لبيان علو مرتبته، كما قلنا: في الإشارة إليه بالبعيد ذلك فإن هذا يدل على ارتفاع مرتبته، فكذلك دخول "أل" على الكتاب.

ذَلِكَ الْكِتَابُ [سورة البقرة:2] الذي هو بهذه المثابة، وبهذه المنزلة لا رَيْبَ فِيهِ [سورة البقرة:2] فنفى عنه الريب، بعضهم يقف على قوله: لا رَيْبَ يعني: هذا الكتاب لا شك، يعني: أنه من عند الله -تبارك وتعالى- وأنه وحي أوحاه إلى رسوله ﷺ.

ثم قال: فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [سورة البقرة:2] ولكن الذي عليه عامة أهل العلم أن ذلك يوصل بما بعده ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [سورة البقرة:2] فيكون الوقف هنا هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [سورة البقرة:2] وهذا لا شك أنه أبلغ، ومواضع الوقف والابتداء في القرآن كثير منها يرجع إلى جهة النظر في المعنى، فيجتهد أهل العلم بحسب ما يلوح لهم من المعنى، قد يختلفون في مواضع الوقف والوصل والابتداء، فالمشهور عند أهل العلم وهو الأقرب والأوفى في المعنى أن يكون الوقف على قوله: لا رَيْبَ فِيهِ [سورة البقرة:2] ثم يكون بعد ذلك هذا الكتاب موصوفًا بأنه هدى هذا أبلغ من قولك: فيه هدى، فحينما يكون هذا الكتاب محكومًا عليه بأنه هدى بهذا الإطلاق فذلك أبلغ من قولك فيه هدى، وهذا ظاهر.

ونفي الريب عن هذا القرآن ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [سورة البقرة:2] فهذا يؤخذ منه هنا في النفي باعتبار أن النفي المتوجه لما يتصل بصفات الله أو بما يتصل بملائكته، أو ما يتصف برسله -عليهم الصلاة والسلام- أو ما يتصل بكتابه، هذه أربعة أشياء فإنه يتضمن ثبوت كمال ضده، يعني: لا يكون نفيًا مُجردًا فإن النفي المُجرد لا يكون مدحًا، فحينما يُقال مثلاً: بأن هذه السارية لا تجهل فليس ذلك فيه إثبات العلم لها، لكن حينما يقول ربنا -تبارك وتعالى- عن نفسه: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [سورة البقرة:255] هذا ليس مجرد نفي السِنة والنوم عن الله وإنما فيه إثبات كمال ضده، إثبات كمال حياته وقيوميته، وهكذا إذا نفى عن نفسه الظلم فهذا يدل على ثبوت كمال عدله، فإذا نفى عن ملائكته -عليهم السلام- بأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، فهذا يدل على ثبوت كمال طاعتهم.

وإذا نفى عن النبي ﷺ قال: وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ [سورة التكوير:24] في القراءة الأخرى: (بظنين)، يعني: ليس ببخيل فهو لا يترك شيئًا مما أوحي إليه إلا بلغه، وكذلك بظنين من الظن يعني ليس بمُتهم، يتكلم بالظنون إنما هو علم مُحقق ووحي ثابت، فعلى القراءة الأولى بظنين هذا يدل على كمال بذله ونُصحه وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ [سورة التكوير:24] هذا يدل على كمال تثبته وتيقنه، وعلى كمال صدقه -عليه الصلاة والسلام.

وهكذا: وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ [سورة التكوير:22] يدل على كمال عقله -عليه الصلاة والسلام- وهكذا في القرآن، فإذا نفى الله عن كتابه وصفًا من الأوصاف الناقصة فإن ذلك يدل على ثبوت كمال ضده، فإذا قال عن القرآن: لا رَيْبَ فِيهِ فهذا يتضمن يدل على أنه مُضمن كمال اليقينيات، يعني: في مضامينه الأمور اليقينية المُحققة الثابتة، ليست بظنون ولا تخمينات، وليست أشياء من قبيل المحتملات للحق وضده، أو للصواب والخطأ، من جهة أخرى لا ريب فيه، فهذا أيضًا يتضمن أنه يورث كمال اليقين للناظر فيه ولمُلابسه وللقارئ؛ لأن الله -تبارك وتعالى- قد ضمنه الحُجج الواضحات والبراهين الساطعات التي لا تدع في الحق لبسا.

لا رَيْبَ فِيهِ والريب معروف هو شك خاص، هو نوع من الشك، الشك المُقلق يُقال له: لا رَيْبَ شك مع قلق، تقول: أنا في ريب من أمر فلان، مداخل الريب فلان مُرتاب في كذا، شك مع قلق، لكن يمكن أن تقول: أنا أشك هل مثلاً صليت الراتبة أو لم أُصليها، أنا أشك هل دخل الوقت، أو لم يدخل الوقت من غير قلق، لكن الشك المُقلق يُقال له: ريب، فلما كانت هذه القضايا التي تتصل بالاعتقاد والوحي والحقائق الكُبرى وهذا المُبلغ عن الله -تبارك وتعالى- فإن هذا الكلام الذي يُنسب إلى الله حينما يقع الشك فيه، أو في أخباره ومضامينه فهذا يوجب قلقًا لدى هذا الشاك، لكن الله -تبارك وتعالى- نفى ذلك عنه فهو يورث كمال اليقين لما تضمنه من البراهين والدلائل والحُجج التي تُجلي الحق وتوضحه وتكشف الباطل، فهذا معنى يُستخرج من هذا الموضع وهداية تؤخذ من هذه الجُملة في النفي ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [سورة البقرة:2].

وهذا يقتضي أن من نظر في كتاب الله وتدبره فإنه يحصل له من كمال اليقين ما لا يحصل لغيره، يعني: من أراد العلوم الثابتة واليقين المُحقق، والاعتقاد الراسخ بعيدًا عن الاعتقادات المُضطربة التي يتردد فيها ونحو ذلك فعليه أن يُكثر من تدبر هذا القرآن فإنه يورثه كمال اليقين، بخلاف النظر في غيره، النظر في كتب الشبهات، كتب علم الكلام، والجدل، فإن هذا يورث أصحابه الشك، ولذلك نجد أن هؤلاء كما ذكرت في بعض المناسبات في غير هذه المجالس علماء كِبار درسوا العلوم الفلسفية والكلامية وتبحروا فيها ثم بعد ذلك ماذا كانت نهايتهم؟

هذا يقول: أموت على دين عجائز نيسابور، يقول: "لقد خضت البحر الخِضم وتركت أهل الإسلام وعلومهم ودخلت فيما نهوني عنه، وها أنا أرجع إلى دين العجائز"[1] يعني الفطرة، هذا بعد دراسة الفلسفة دراسة موسعة مطولة.

وتجد أن بعضهم يذكر آلاف الكتب التي تدرسها مما تُرجم من كُتب اليونان، ثم بعد ذلك يرجع بالحيرة ما كان أحدهم يقول: "أضع الملحفة على وجهي، وأقابل بين أقوال هؤلاء وهؤلاء ولا أرجع بشيء"[2] يسأل صاحبه ما تعتقد؟ وهو في مرض الموت فيذكر له اعتقاده، ويقول: وأنت مطمئن القلب بهذا، يقول: نعم، ثم يبكي هذا الذي في حال الاحتضار يقول: "والله ما أدري ما أعتقد، الله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد"[3] هذا عالم كبير من علماء الكلام.

والآخر كان يتمثل بالأبيات المشهورة:

نهاية إقدام العقول عِقال وغاية سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وكم من جبال على شُرفتها رجال فزالوا والجبال جبال[4]

ويُمثل الحيرة التي كان فيها، فهذا الذي انتهوا إليه، وذلك قالوا عن الغزالي الذي قال عنه تلميذه المُعجب به جدًا وهو أبو بكر ابن العربي قال: "بأنه دخل في جوف الفلسفة ولم يستطع الخروج منها، انتهى وصحيح البخاري على صدره"[5] هذه هي النهاية بعد مشوار طويل ورحلة طويلة مع الفلسفة وعلوم الكلام.

وكذلك الرازي في وصيته من نظر في هذه الوصية فإنه يستبين له أن الرجل قد رجع عن ذلك كله، وهو رأس من رؤوس هؤلاء، وكذلك الجويني، وكذلك الشهرستاني، بل قالوا عن ابن سيناء لما حضرته الوفاة: أعتق مماليكه، وجعل يختم في كل ثلاثة أيام ختمة، ذكروا أشياء عنه فالله أعلم بحاله[6] لكن مثل هؤلاء الذين دخلوا في هذه العلوم التي تورث الشكوك وتحيروا بها لم تورثهم يقينًا، وكانوا يبحثون عن اليقين، كانوا يعتقدون أنها نظريات عقلية تورث اليقين وكانوا يعتقدون أن النصوص لا تورث يقينًا؛ لأنها تفيد الظنون، وأن العقائد يجب أن تُبنى على اليقينيات، كانوا يظنون أن اليقين يحصل بالنظر العقلي، ولكنهم مع عقولهم ومع نظرهم في هذه المقررات التي يعتقدون أنها قواعد وأصول عقلية صحيحة إلا أنهم اختلفوا غاية الاختلاف فكانوا أكثر الناس تفرقًا، وريبًا، وشكًا.

وانظروا إلى الفكرة وما يُقابلها لما مر الرازي مع كوكبة من تلامذته على امرأة عجوز فقالت: من هذا؟ قالوا: هذا الذي يعرف على وجود الله ألف دليل، هو وجود الله يحتاج إلى ألف دليل!

وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل[7].

فقالت: لو لم يكن في قلبه ألف شك لما عرف ألف دليل، بالفطرة، لو لم يكن في قلبه ألف شك لما عرف ألف دليل؛ لأن هذه قضية مُسلمة، قضية وجود الله .

فالله -تبارك وتعالى- قال عن هذا الكتاب: لا رَيْبَ فِيهِ ولذلك أولئك الذين يبحثون عن الحقيقة في كتب مُترجمة من الفلسفات العصرية، أو يبحثون عنها بالنظر العقلي مع أن عقولهم لا تُقارن ولا تُقاس بعقول أولئك الأصاطين من علماء الكلام، وإنما الغاية عند الواحد منهم أنه قرأ بضع تغريدات، أو لربما بعض الكتيبات المترجمة ثم بعد ذلك اعتقد أنه مثقف، وأنه يحمل عقلاً يستطيع معه أن يُميز، وأن يعرض نصوص الوحي على عقله فما قبله عقله قبله، وما رده عقله رده، فهو في غِنى عن فهم علماء الأمة من أولهم إلى آخرهم من لدن الصحابة  إلى يومنا هذا لا ينظر في أقوالهم ولا يعرفها ولا يعرف مواطن الإجماع، ولا الخلاف، ولا يعرف الأصول ولا المبادئ التي يُبنى عليها الفهم، والعلم، وإنما يقول بعقله هذا أنه يعرض عليه النصوص فما قبله هذا العقل قبله، وماذا عسى أن يفهم ويُدرك هذا العقل الذي اتخذه إلهًا وطاغوتًا يرد به النصوص من الكتاب والسنة؟!

فهؤلاء من علماء الكلام الكِبار الذين درسوا هذه العلوم ما كان لهم بصر في علوم الوحي في الكتاب والسنة، ولذلك ذكرت في بعض المناسبات ما ذكره شيخ الإسلام -رحمه الله- عن واحد منهم يُقال له: الأصبهاني جيء له بالمصحف فأراد أن يقرأ في سورة الأعراف المص [سورة الأعراف:1][8] فقرأ المص، يقرأها هكذا المص، هو لا يعرف لا يُحسن قراءة القرآن أصلاً.

وكما قال شيخ الإسلام عن أحد كِبارهم لما نظر في كتاب من كُتبه لم يجد له إلا ثلاثة أحاديث، ويذكرها في سياق الرد حديث موضوع، وحديث ضعيف، يعني: يوردها ليرد أيضًا عليها، وإذا قرأت في كتبهم في العقائد كأنك تقرأ في كتاب من كتب المنطق تمامًا، وعندهم القاعدة والأصل أن كل "نص يُخالف العقل فهو مؤول"[9] بل قال بعضهم علماء الكلام كما ذكرت في الكلام على الاختلاف وعلى أسباب الاختلاف بأن هؤلاء لربما قال الواحد منهم من علماء المعتزلة: "بأن الحجة العقلية تنسخ النص"[10].

وقال: بأن اليقين والاعتبار إنما هو بالحُجج العقلية وأما النقل فهو تُهمة[11] يعني: العبرة والحجة بالمقاييس العقلية، والنقل تُهمة، النقل هو الكتاب والسنة تُهمة! والحجة في المقاييس العقلية.

فهؤلاء لا يعرفون الوحي ولم يشتغلوا به، ولم يدرسوه، فإذا كان هذا يُقال في أولئك، وهذه حالهم، وهذا ما انتهى إليه أمرهم فلا ينبغي لأحد أن يُغرر بنفسه، ويخطو بعض خطوات لا يبلغ بها شأوهم، ثم بعد ذلك يضيع ويضل، فلا حصل العلوم العقلية ولا أبقى على نفسه وعرف ما جاء في الكتاب والسنة.

وماذا عسى أن تنفعه كلمة مُثقف أن يوصف بها؟! ولربما كان أبعد ما يكون عن حقيقة العلم الصحيح الذي جاء به الرسول ﷺ فمن أراد كمال اليقين عليه بهذا، وما يشرحه من سنة رسول الله ﷺ على فهم السلف الصالح .

لا رَيْبَ فِيهِ [سورة البقرة:2] هذ الذي يورث اليقين وليس اليقين يُطلب فيه غيره، فمن تطلب ذلك في كتب الشرق أو الغرب، أو بفكره ونتائج فكره فإنه سيظل: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [سورة البقرة:38] فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى ۝ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ۝ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا ۝ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى [سورة طه:123- 126] العمى والجزاء من جنس العمل، لما عمي في الدنيا عن آيات الله -تبارك وتعالى- حُشر يوم القيامة في حال من العمى.

ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [سورة البقرة:2] حكم عليه بأنه هدى، هو بكامله من أوله إلى آخره بتفاصيله وجُمله وآياته وسوره هدى، وقد أطلق الله -تبارك وتعالى- ذلك فهو هدى في كل الشؤون والأبواب، لا يختص ذلك بباب دون باب، وسيأتي مزيدًا من الإيضاح لهذه القضية، لكن الله -تبارك وتعالى- أضاف هذا الهدى هنا للمتقين، فالذين يهتدون به هم من يكون الواحد منهم قابلاً للاهتداء، يعني يوجد عنده المحل القابل القلب الحي الذي عُمر بالتقوى وليس كل أحد، كما قال الله -تبارك وتعالى: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ [سورة فصلت:44] -نسأل الله العافية- عمى على هؤلاء بمقابل كونه هدًى للذين آمنوا وشفاء يشفي صدورهم من الشكوك، والريب، والحيرة، والجهل، والشرك، والشك، والكفر، وهو شفاء أيضًا لأبدانهم؛ لأن الله أطلق الشفاء وقال: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا [سورة الإسراء:82].

فأهل الإيمان هم الذين ينتفعون به ويكون هدى لهم وشفاء ورحمة يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [سورة يونس:57].

وهذه الآية في هذه السورة الكريمة هُدًى لِلْمُتَّقِينَ هو هدى للجميع يُرشدهم إلى ما فيه نفعهم وصلاحهم وفلاحهم في الدنيا والآخرة، لكن لما كان المُنتفع به هم أهل الإيمان خصهم بذلك.

ثم أيضًا هذا القلب إذا عُمر بتقوى الله -تبارك وتعالى- فإنه يكون قابلاً كما أسلفت لهذا الهدى كالمطر الذي ينزل على الأرض فإن كانت الأرض قابلةً أرض طيبة أنبتت وأمرعت واهتزت وربت، وأما إذا كانت الأرض سبخة فإنها لا تنبت شيئًا، ولا يظهر أثر ذلك المطر عليها.

وبهذا القيد الذي ذكره الله هنا: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [سورة البقرة:2] يظهر لنا السر والجواب في كون الكثيرين لا ينتفعون به، ثم إن هذا الحكم بأنه هدى للمتقين ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [سورة البقرة:2] حكم بأنه هدى وعلق ذلك بوصف وهو التقوى، والقاعدة أن "الحكم المعلق على وصف يزيد بزيادته وينقص بنقصانه"، فهو هدى للمتقين، وعليه فبقدر التقوى التي تعمر القلب بقدر ما يوجد منها في القلب يكون الاهتداء بالقرآن، والانتفاع بالقرآن، ننتفع بالقرآن بقدر ما في قلوبنا من التقوى هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [سورة البقرة:2] فإذا ضعُفت التقوى ضعف الانتفاع بالقرآن، وإذا عظُمت التقوى في القلب وعمُر بها عظُم الانتفاع بالقرآن، فالناس يتفاوتون، فمن أراد الانتفاع بالقرآن فعليه أولاً أن يجعل المحل قابلاً، يُصلح هذا القلب فيكون أرضًا طيبة للإنبات والزرع، يكون قلبه زكيًا طاهرًا لا يتعلق بغير الله، ولا يشتغل بمساخطه، هذا بالإضافة إلى أمور أخرى تُطلب في ذلك من الإقبال على القرآن، والإنصات له عند القراءة والاستماع، وكذلك التدبر له، وكذلك أيضًا إحضار القلب عند سماعه، أو قراءته.

ثم أيضًا هنا لما كان هذا القرآن بهذه المنزلة وهو أحسن الكلام وأعظم الكلام هدى فإنه لا يصلح له إلا القلوب النقية القلوب التقية، القلوب الصافية: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [سورة البقرة:2] وذكر صفة هؤلاء: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ۝ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ۝ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [سورة البقرة:3، 5] هدى للمتقين، من هم؟

أول صفة الذين يؤمنون بالغيب، فهذا الذي عنده توقف عنده تردد هذه قضية لا يقبلها العقل كيف تصدقون بمثل هذه الأشياء، الحديث في البخاري، قال: وإذا كان في البخاري! فمثل هذا لا يحصل له مثل الاهتداء بالقرآن، تورد عليه الآيات والنصوص ثم بعد ذلك يتعامل معها بطريقة غير لائقة، وهؤلاء يجدون من يقول لهم ومن يُربيهم على مثل هذه الأشياء، يجدون من يقول لهم كل شيء عندنا قابل للنقاش، والأخذ والرد بلا استثناء، هؤلاء عندما يُقال لهم في دورة أو في قناة فضائية أو نحو ذلك كل شيء قابل للنقاش، هؤلاء مساكين يظنون أنها طرح له بريق وكل شيء قابل للنقاش، وأن هذا من التجرد، وأنك تترك كل ما كان لك من خلفيات، ثم بعد ذلك تبقى على سطح جاف خاوٍ تتخلى عن مُعتقداتك، وعن إيمانك، ثم بعد ذلك يريد هذا الإنسان أن يصل إلى الصواب وإلى الحق، يترك إيمانه الذي هداه الله إليه، ويتخلى عنه ويجعل إيمانه خلف ظهره يقول من أجل أن أصل إلى الحقيقة.

ويقول: الكل عنده شيء من الحق، الكل!!، يعني: حتى البوذي والمجوسي واليهودي والنصراني عندهم جزء من الحق، إذًا لا يوجد أحد يحتكر -هكذا يزعمون- الحق والحقيقة، فعلينا أن نتجرد لنأخذ أحسن ما عند هؤلاء، أومتهوكون فيها يا ابن الخطاب [12] كما قال النبي ﷺ لمجرد أنه رأى معه صحيفة من التوراة، غضب -عليه الصلاة والسلام- فكيف لو سمع النبي ﷺ هذا المُبطل الذي يقول: الحقيقة موجودة موزعة، فينبغي أن نأخذ أحسن ما عند هؤلاء.

لم يعلم أن أحسن ما عند هؤلاء موجود في هذا الدين مع أشياء أخرى لا توجد عندهم ولا يعرفونها، سواء عند أصحاب الديانات المحرفة، أو أولئك الذين يعيشون في ضياع كامل من الوثنية، أو الإلحاد أو نحو هذا، ثم نقول: كل ما عند غير المسلمين من حق فيوجد عن المسلمين مثل أضعافه من الحق، لكن هؤلاء لا يعلمون حقائق ما جاء به الرسول ﷺ ويظنون أنهم يطرحون طرحًا متجردًا وأنهم يبحثون عن الحقيقة، هؤلاء لم يعرفوا قدر ما عندهم من الوحي، فأوقعهم ذلك في مثل هذا: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [سورة البقرة:3] لم يقل ويؤدونها، وسيأتي الكلام على هذا، هذه أوصاف الذين ينتفعون بالقرآن ويهتدون به، هؤلاء الذين يتفاعلون مع هداياته هدى.

وهنا هُدًى مصدر وضعه موضع اسم الفاعل هادي للمتقين، للتأكيد على دوام هدايته واستمرارها، وجاء مُنكرًا هُدًى للتعظيم، وأن هذه الهداية هداية مُطلقة في كل ما يحتاج إليه الخلق للوصول إلى السعادة في الدارين في الدنيا والآخرة، هدى في جميع الأبواب، ماذا تريد؟ تريد المنشأ والبداية الغاية التي من أجلها وجِدنا، تريد المصير والمُنتهى، تريد شرح السبيل والطريق الموصل إلى الله، تريد ما وقع فيه أولئك من المتهوكين الشاكين الضالين المحرفين، أو من أهل الغضب وما وقع لهم من أمور اختلفوا فيها واضطربوا، فيأتي هذا القرآن ليُجلي ذلك كله.

وكذلك أيضًا إذا كان الإنسان يريد الهدى في الأبواب المتصلة بصفات المعبود بوحدانيته بربوبيته إذا كان يريد الهدى في ما يتعلق بأمر الأسرة، أو الاجتماع أو ما يتعلق بقضايا التعبد ونحو ذلك كل هذا هو هُدى، من اتبعه ضمن الله له فلا يضل ولا يشقى، لا يحصل له ضلال لا يضيع، ولا يحصل له شقاء، لا يحصل شقاء لا في الدنيا ولا في الآخرة.

هذا الذي يُعاني ويقول: عندي مشكلة، عندي ضيق، عندي غم، عندي هم، عندي كآبة، فلا يضل ولا يشقى، هذا وعد من الله فإذا أعرض عنه حصل له الشقاء بكل صوره وأنواعه، وانظروا إلى الشقاء الذي يلوح على وجوه هؤلاء الكفار الضُلال، ترى الشقاء في وجوههم، يراه كل أحد لكن كثير من أبناء المسلمين لا يعرفون قدر هذه النعمة التي حباهم الله بها، فهنا لم يُقيده بقيد لم يقل هدى للمصلحة الفلانية، وذلك من قبيل حذف المُتعلق، وحذف المتعلق يفيد العموم، حذف المتعلق يعني حذف المُقدر، لم يقل هدى في كذا، هدى للمتقين في موضوع الاقتصاد، هدى للمتقين في موضوع السياسة، هدى للمتقين في موضوع الأسرة والمجتمع، هدى للمتقين في موضوع العبادات أو الأحوال الشخصية، أو نحو ذلك، لا، هدى للمتقين في كل شأن من شؤون حياتهم، فهو يُبين لهم كل ما يحتاجون إليه في قضايا الأصول والفروع، يُبين يُميز الحق من الباطل، والهدى من الضلال، ويُبين لهم كيف يسلكون الطريق الموصل إلى النجاة والسعادة.

ثم أيضًا أختم بهذه وذلك أن هذه الجُمل الأربع: الم ۝ ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [سورة البقرة:1، 2] فيها تناسق وقد جاء بها من غير عطف، فكانت بهذا التناسق والترابط والتآخي آخذ بعضها بحُجز بعض، لم يُحتاج إلى الوصل بينها بحرف عطف، كل جملة فيها من الهدايات والمعاني الجزلة على قِصر ألفاظها فهذا الذي يُسميه البلاغيون بالفصل وهو عدم عطف الجُمل بالواو؛ لكمال الاتصال بينها.

فقوله: الم [سورة البقرة:1] يُشير إلى إعجاز هذا القرآن، هذا القرآن المُعجز لا ريب ذلك الكتاب صاحب المنزلة العالية لا ريب فيه، وهذا الكتاب الذي بهذه المثابة، ولا ريب فيه هو هدى للمتقين.

أسأل الله أن يهدينا وإياكم بالقرآن العظيم، وأن يجعله ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وذهاب أحزاننا، وجلاء همومنا، وأن يُذكرنا منه ما نُسينا، وأن يُعلمنا منه ما جهلنا، وأن يرزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يُرضيه عنا.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. 

  1.  انظر: مجموع الفتاوى (4/ 73)، وشرح الطحاوية ت الأرناؤوط (1/ 245).
  2.  انظر: درء تعارض العقل والنقل (1/ 165)، وشرح الطحاوية ت الأرناؤوط (1/ 247). 
  3.  مجموع الفتاوى (9/ 228)، وشرح الطحاوية ت الأرناؤوط (1/ 246). 
  4.  وفيات الأعيان (4/ 250)، وشرح الطحاوية ت الأرناؤوط (1/ 244). 
  5.  انظر: شرح فتح المجيد للغنيمان (52/ 9، بترقيم الشاملة آليا). 
  6.  انظر: وفيات الأعيان (2/ 160). 
  7.  مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (1/ 82). 
  8.  انظر: مجموع الفتاوى (4/ 96). 
  9.  نقل عن الكرخي نحوه كما في إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد (ص:17). 
  10.  تأويل مختلف الحديث (ص:94)، والثبات والشمول في الشريعة الإسلامية (ص:187)، ونص العبارة: "وذكر أن حجة العقل قد تنسخ الأخبار". 
  11.  نُقل عن أبي الحسن الكرخي الحنفي أنه قال: "كل آية تخالف ما عليه أصحابنا فهي مؤولة أو منسوخة وحديث كذلك فهو مؤول أو منسوخ". انظر: إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد (ص:17). 
  12.  أخرجه أحمد في المسند، برقم (15156)، وقال محققوه: "إسناده ضعيف لضعف مجالد: وهو ابن سعيد"، وحسنه الألباني في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (6/ 34)، برقم (1589). 

مواد ذات صلة