تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الإثنين 18 / ذو الحجة / 1440 - 19 / أغسطس 2019
[7] قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ..}
تاريخ النشر: ٢٧ / رجب / ١٤٣٦
التحميل: 2963
مرات الإستماع: 1838

بسم الله الرحمن الرحيم

مجالس تدبر

سورة البقرة

[7] قوله تعالى:  وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ..

الشيخ/ خالد بن عثمان السبت

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فيمكن أن يُستحصل من الفوائد في قوله - تبارك وتعالى - : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة: 4] الذين يؤمنون ويصدقون ويُذعنون ويُقرون وينقادون بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك، ما أُنزل إليك من الوحي القرآن والسنة، وما أُنزل على الأنبياء قبلك من الكتب والصُحف، وكذلك أيضًا يوقنون بالآخرة، بدار الجزاء، بالحياة بعد الموت، وما يكون فيها من الحساب، والأهوال، والأوجال، والجزاء على الأعمال.

فقوله - تبارك وتعالى - : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [البقرة: 4] بدأ هنا بما أُنزل على النبي ﷺ مع أنه آخر هذه الكتب، هو آخرها، ومع ذلك بدأ به؛ وذلك - والله أعلم - لأنه مُهيمن على سائر الكتب، فهو الحاكم عليها قد نسخ منها ما نسخ، وأقر وأثبت ما أقر، وأبان عن ما وقع فيها من تحريفات وإضافات إلى غير ذلك من المعاني الداخلة تحت هيمنة هذا القرآن على الكتب الأخرى، فهذا الكتاب هو أعظمها، وأجلها، وهو الذي منعه الله - تبارك وتعالى - من التبديل والتحريف، فما أقره مما جاء في تلك الكتب فهو حق، وما أبطله وأبان عن كونه مُحرفًا فهو باطل، وما بين رفعه ونسخه فهو منسوخ، فهو المرجع وعليه المعول فبدأ به، فهو أشرف هذه الكتب فلا غرو أن بدأ بالأشرف والأكمل.

وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [البقرة: 4] والتعبير هنا بلفظ الإنزال أُنزل، والنزول لا يكون إلا من أعلى إلى أسفل، وهذا يدل على إثبات صفة العلو لله - تبارك وتعالى - على ما يليق بجلاله وعظمته، ثم أيضًا التعبير بالإنزال في القرآن وما أُنزل على الأنبياء قبل النبي ﷺ فهذه الكتب هي كلام الله - تبارك وتعالى - وجبريل كان يتلقى القرآن من الله مُباشرة، فينزل به على النبي ﷺ وما كان جبريل يفهمه عن الله فهمًا من غير أن يسمعه، وما كان جبريل ينقله من اللوح المحفوظ ولا من الصحف التي بأيدي الملائكة، وإنما يتلاقه من الله مباشرة.

ثم عبر بالماضي بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ [البقرة: 4] مع أنه حينما نزلت هذه السورة لم يكن نزول القرآن قد استتم، وذلك أن هذه السورة من أوائل السور النازلة في المدينة، بل بعض أهل العلم يقولون: إنها أول سورة نزلت في المدينة، يعني: أن كثيرًا من القرآن لم ينزل بعد، وأيضًا من ذلك جملة من السور الطِوال كسورة المائدة، والنساء، وغير ذلك من السور كثير ،كل ذلك لم ينزل في ذلك الحين فعُبر بالماضي مع أن كثيرًا منه كان نزوله مُترقبًا لم ينزل بعد، فيكون ذلك من باب تغليب الموجود على ما لم يوجد يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ [البقرة: 4] أو يكون ذلك باعتبار تنزيل المُنتظر نزوله منزلة المُتحقق الواقع بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ [البقرة: 4] فالشيء المُتحقق الوقوع في المستقبل قد يُعبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه، كما قال الله : أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: 1] مع أن القيامة لم تقع بعد، لكن لما كانت مُتحققة الوقوع عُبر بالماضي أَتَى أَمْرُ اللَّهِ [النحل: 1] هنا: بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [البقرة: 4] وكذلك أيضًا "ما" هذه تفيد العموم بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ [البقرة: 4] يعني: بكل ما أُنزل إليك، فهم لا يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، ليس إيمانهم واقعًا على سبيل التخير والتشهي، ما وافق أهوائهم قبلوه وما خالفها دفعوه ورفضوه، وإنما يؤمنون بكل ما أُنزل على النبي ﷺ والذين أُنزل عليه - عليه الصلاة والسلام - إنما هو وحي شامل يُعالج مناحي الحياة بأكملها فهو يُبين لهم ما يتصل بصفات المعبود ويُبين لهم دلائل الوحدانية، وكذلك أيضًا يأمرهم بعبادته وحده لا شريك له، وما إلى ذلك مما يتصل بتوحيده والإيمان به.

وكذلك أيضًا قص عليهم الأخبار، وذكر لهم العِبر، وضرب الأمثال، هذا بالإضافة إلى بيان تفاصيل الصراط المستقيم الذي ينتظم كل ما يكون سبيلاً وسببًا للفلاح والوصول إلى الله والدار الآخرة، فهذا كله بينه الله - تبارك وتعالى - في أحكام العبادات والمعاملات وما يتعلق بعلاقة المسلمين بغيرهم، وما يتعلق بحربهم وسلمهم إلى غير ذلك مما ينبغي مُراعاته والعمل بمُقتضاه مما شرعه الله وتقدست أسماءه، فهم يؤمنون بذلك جميعًا، لا يقولون: نحن نأخذ بعضًا من ذلك، يعني: الأشياء المتعلقة مثلاً بالعبادات ونترك المُعاملات، نفعل ما نشاء في أموالنا، ولا يأخذون ما يتعلق بالمعاملات ويقولون: لا شأن للقرآن بتنظيم أمور الحياة الأخرى، أو يأخذون أحكامه فيما يتعلق بالأحوال الشخصية كما يُقال ويتركون الحكم بشرعه بين الناس، فإذا عُرض ذلك أو طالب به من يُطالب به رفع أقوام عقيرتهم يُنكرون ذلك غاية الإنكار، وكأن الذي يدعو إلى تحكيم شرعه - تبارك وتعالى - قد قال مُنكرًا من القول، فهؤلاء لا يتحقق فيهم هذا الوصف وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ [البقرة: 4] بكل ما أُنزل إليك، فالذي عنده تردد في قضايا مما شرعه الله وحكم به لا يكون قد آمن بكل ما أُنزل على النبي ﷺ.

والذي يرفض السنة ويقول: نحن نقبل القرآن ونُؤمن بالقرآن ونتبع القرآن لكن السنة لا نقبلها ثم يأتي بعد ذلك بأمور غريبة عجيبة في الفهم، ويُلقيها هكذا على الناس، يُنكر حدود الله قطع يد السارق يقول لا تُقطع يد السارق، لماذا؟! الله قال: فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة: 38]؟ قال: نعم، مثل: اقطعوا عني لسانه، يعني: كفوا هؤلاء عن السرقة بما يحصل به ردعهم من سجن أو غيره، هذا تحريف، يقول هكذا نفهم الآية، مثل هذا لا شك أنه مُنكر لأنه مُنكر للسنة التي توضح القرآن وتشرحه مع أن قوله: فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا صريح في بيان الحكم، ولكنك تجد المُبطلين يُحلون ما شاءوا ويتلاعبون حينما يُنكرون سنة رسول الله ﷺ فيُحلون الربا، يقولون: المحرم هو أن تأخذ الربا أضعافًا مُضاعفة كما قال الله، أما إذا أخذت نسبة 7% أو 10% أو 5% فهذا ليس بأضعاف مضاعفة، فهؤلاء لكونهم يُنكرون سنة رسول الله ﷺ استحلوا الربا، واستحلوا أنواع المعاملات المحرمة، وأنكروا حدود الله - تبارك وتعالى - وشرائعه، ولا أدري كيف يُصلي هؤلاء القوم وكيف يعبدون الله - تبارك وتعالى - بعيدًا عن سنة رسوله ﷺ التي تشرح القرآن بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ [البقرة: 4] كل ما أُنزل إلى النبي ﷺ فالمؤمن لا يتخير.

وهذه الآية في صدر هذه السورة وما جاء في آخرها وهذا الذي يسميه العلماء المُناسبة يعني العلاقة وجه الارتباط بين صدر السورة وخاتمتها ففي صدر هذه السورة: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ۝ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ۝ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة: 2 - 4] وفي آخرها: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ [البقرة: 285] يعني: آمنوا كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة: 285] هذا هو الإيمان الحقيقي بمعنى الإذعان والإقرار والانقياد والتسليم التام لله - تبارك وتعالى - ولأحكامه وشرائعه، سمعنا وأطعنا، وما يحصل من التقصير والخطأ والسهو ونحو ذلك الذي لا يخلو منه إنسان: غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة: 285].

وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة: 4] لأنهم آمنوا بالآخرة وأيقنوا بها قال: وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة: 285] ليس أمامنا إلا الإذعان والتسليم والإقرار والانقياد والعمل على مُقتضى أمر الله - تبارك وتعالى - فلاحظوا هذا المعنى في هذه الآية بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ [البقرة: 4] فالسنة داخلة في هذا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [البقرة: 4] على الأنبياء السابقين فالواجب الإيمان المُجمل أن الله أنزل كُتبًا على الأنبياء السابقين، هذا الإيمان يكفي، لكن لو أنه آمن الإيمان المُفصل يعني بأسماء هذه الكتب التوراة والزبور والإنجيل ما سمى الله منها كصحف إبراهيم وصحف موسى - عليهما السلام - فهذا يُقال له الإيمان المُفصل، يكفي الإيمان المُجمل بما أُنزل من قبل، لكن من بلغه شيء من ذلك فلا يجوز له بحال من الأحوال أن يُنكره، يعني: لو أنه قال مثلاً: التوراة لم يُنزلها الله، أو الإنجيل لم يُنزله الله لا يكون مؤمنًا، لكن لو أن أحدًا من أهل الإيمان لم يسمع أصلاً بالزبور أو بصحف إبراهيم لكن يؤمن أن الله أنزل كتبًا على أنبيائه ورسله - عليهم الصلاة والسلام - فهذا الإيمان المُجمل يكفيه، لكن إذا بلغه الكتاب المُعين يجب عليه أن يؤمن به.

وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة: 4] فهذا التعقيب بالإيمان بالآخرة يدل على أهمية الإيمان باليوم الآخر؛ لأن ذلك هو الذي يحصل به الاستعداد للقاء الله - تبارك وتعالى - بالعمل بطاعته واجتناب معصيته، فالإيمان باليوم الآخر هو المُحرك والدافع وهو الرادع الذي يدفع أهل الإيمان إلى العمل والامتثال ويردعهم عن مُقارفة ما لا يحل؛ لأنهم يعلمون أنهم سيوافون يومًا يُجازيهم الله فيه على أعمالهم الكِبار والصِغار: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: 49] فهنا تُجزى كل نفسه بما كسبت، تُجزى بما تسعى، بعملها وسعيها من أوله إلى آخره، والجزاء بمثاقيل الذر.

فهذه الخاتمة تربط الدنيا بالآخرة، والمبدأ بالمصير، والعمل بالجزاء، وهي التي تُشعر الإنسان أنه لم يُخلق هملاً، وأن ربنا - تبارك وتعالى - لن يتركنا سُدى، وأن مُقتضى العدل الذي يتصف به ربنا - تبارك وتعالى - يقتضي أن يكون ذلك اليوم تُقام فيه الموازين، ويُجازى الناس فيه بأعمالهم، ويُقتص للمظلوم من ظالمه، ويُجزى المحسن بإحسانه والمُسيء بإساءته، وهنا يطمئن قلب الإنسان، ويعلم أنه لا يضيع شيء من كسبه وإن جحده الناس في الدنيا، وأن الله - تبارك وتعالى - لن يُضيع حقه الذي سُلب وصُدِر، وما وقع عليه من المظالم فالدنيا هي دار عمل والآخرة هي دار الجزاء وسيوافي كل أحد عمله ويُجازى عليه؛ فيأخذ المظلوم حقه كاملاً، والظالم يقتص منه، هنالك يتحقق العدل ولا تُظلم نفس شيئا.

ومن هنا فإن المؤمن يعيش مطمئنًا ساكنًا مرتاح البال، يعلم أن الله - تبارك وتعالى - مُطلع عليه وعلى عمله، وأنه هو الذي سيُجازيه وأن الله سيُعطيه حتى يرضى؛ فالأعمال يوجهها إلى الله فيُخلص الأعمال لربه وخالقه ولا ينتظر من الآخرين من الناس لا ينتظر منهم جزاء ولا شكورا، فهم بالآخرة يؤمنون فيعملون لها، كما قال الله - تبارك وتعالى - : وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ [ص: 45] فجمعوا بين العلم والبصيرة النافذة والعمل والجلد في الدعوة إلى الله والعمل بطاعته وعبادته، بالإضافة إلى: إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ [ص: 46] ومن أشهر الأقوال في معنى هذه الآية أن الآخرة بين أعينهم لا تفارقهم أبدًا، فهم يتذكرونها دائمًا، وإذا كان الإنسان يتذكر الآخرة دائمًا فإنه لا يمد يده على شيء لا يحل أبدًا، ولا يأخذ شيئًا مما حرمه الله عليه ولا يخطو خطوة إلا وقد حسبها ولا يتكلم بكلمة أو يكتب حرفًا إلا وقد أحضر الجواب بين يدي الله - تبارك وتعالى - على ما قال أو على ما كتب؛ لأنه سيُحاسب، قلت كذا، ما هو الدافع لك أن تقول هذا الكلام، وهل هذا الكلام صحيح؟ وهل ذكره وكتابته وإذاعته تقتضيها المصلحة؟ أم أن دفنه هو الذي يُطلب أو يحب؟

يُحاسب الإنسان على كل شيء، على الأموال من أين؟! وكيف صرفت؟! هل أديت حق الله فيها، في أي شيء بذلت هذا الريال، وفي أي شيء بذلت هذا الدرهم، في أي شيء بذلت هذه العشرة آلاف، ومن أين جاءتك هذه المائة ألف؟! يُجازى على هذا كله فيبقى الإنسان مُحاسبًا لنفسه دائمًا؛ لأنه حينما يتكلم الملك لا يضع القلم يكتب، يكتب أعماله وما يصدر عنه: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: 18] فهنا يكون العبد على حال من الاستقامة، ولذلك يُذكر الإيمان باليوم الآخر كثيرًا مع الإيمان بالله، ويُعلل حال أولئك المردة على الله - تبارك وتعالى - وعلى شرعه بكونهم لا يؤمنون بالآخرة، لا يرجون لقاء الله وتقدست أسمائه، فهنا ذكر الإيقان بالآخرة، مع أنه داخل في جملة الغيب الذي ذكره الله : هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ۝ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: 2 - 3] ومن الغيب الآخرة، لكن لأهمية الإيمان باليوم الآخر وما يكون ذلك متسببًا عنه من دفع المُكلف للعمل والامتثال ولزوم الجادة والصراط المستقيم، هناك يوم ستُحاسب عليه، اعمل ما شئت الآن، وكل شيء يُحصى عليك، والله سريع الحساب، ومما قيل في معنى سريع الحساب أن الله - تبارك وتعالى - يُحصي كما قال ابن جرير[1] عليهم الأعمال جميعًا الصِغار والكِبار من غير حاجة إلى عد ولا عقد أصابع ولا غير ذلك على كثرة الأعمال وكثرة الخلق الله يُحصيها، وكذلك يُحاسبهم في الآخرة كنفس واحدة، وكذلك المعنى الثالث أن كل ما هو آتٍ فهو قريب، فحسابهم قريب.

فالمؤمن يوقن بهذه الجُمل، وهنا أنه قدم الجار والمجرور وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة: 4] لم يقل يوقنون بالآخرة، فهذا حينما قدمه تقديم ما حقه التأخير في الكلام يدل على الاهتمام به، ويُشعر بالحصر، يعني: كأن الإيمان باليوم الآخر هو الذي عليه المعول؛ لما له من الأثر البالغ في سلوك الإنسان، ثم أيضًا أتى بضميري الفصل بين طرفي الكلام بين الجُملة بالآخرة لم يقل: وبالآخرة يوقنون، قال: "هم"، فدخول مثل هذا ضمير الفصل بين طرفي الكلام يُفيد تقوية النسبة؛ لقوة إيمانهم، لشدة إيمانهم، لوثوق إيمانهم، لكمال يقينهم فهؤلاء بالآخرة هم يوقنون، تقول: زيد هو الكريم، يمكن أن تقول: زيد كريم، زيد شجاع، زيد صابر، زيد عالم، لكن عندما تقول: زيد هو الصابر، زيد هو الكريم، فهذا يدل على تقوية النسبة بين طرفي الكلام، وهذا أمر معروف عند أهل العلم.

وهنا التأكيد بالجملة الاسمية، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [البقرة: 4] يؤمنون هذه جملة فعلية وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة: 4] مع أن هذه الجملة الاسمية الأخيرة معطوفة على جملة فعلية، فهذا آكد في الإخبار عن هؤلاء بالإيقان، ومُشعر بالاهتمام بهم، كذلك أيضًا ذكر هذا الضمير ضمير الفصل مع أنه موجود في الفعل يوقنون يعني يوقنون هم؛ لكن أبرزه لزيادة التأكيد هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة: 4] وهذا اليقين على درجات، اليقين على درجات كما أن العلم على درجات.

فاليقين من أعلى درجات بل هو أعلى درجات العلم، يعني: ليس عندهم تردد وعلمهم في الآخرة بوقوعها وثبوتها لا يقبل التشكيك، العلم أحيانًا يقبل التشكيك لو أُثيرت له شبهة بعض الناس الذين ورثوا ذلك وراثة من آبائهم دون تحقق وعلم وبصر ومعرفة يقع لهم شبهة ثم الواحد منهم يضطرب، لكن إذا وصل إلى مرتبة اليقين فهذا لا يقبل التشيك، وهذا اليقين على مراتب منه علم اليقين وهذا هو المُتاح لنا، الذي نجتهد ونُجاهد لنصل إليه، فهذا بمعنى العلم الراسخ الثابت الذي لا يقبل التشكيك، وفوقه في اليقين هي مرتبة عين اليقين حينما يُشاهد ما أُخبر به، فإذا رأى الجنة أو النار بعينه أو رأى القيامة فذلك عين اليقين، فإذا دخل الجنة فذلك حق اليقين، إبراهيم قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ [البقرة: 260] الآية، هو عنده علم يقين ثابت إبراهيم إمام الحنفاء، إيمانه راسخ لكن أراد أن ينتقل من مرتبة علم اليقين إلى مرتبة عين اليقين فيُشاهد إحياء الموتى بعينه، فهذه مرتبة أعلى من مُجرد العلم.

ثم بعد ذلك تأتي مرتبة حق اليقين، أنت لو سمعت بهذا المسجد من ثقة قال لك: يوجد مسجد اسمه مسجد الدعوة يقع في الناحية الفلانية في البلد، وتثق بالمُخبر فهذا اسمه علم اليقين، فإذا رأيت المسجد فقيل لك: هذا مسجد الدعوة فهذا يُقال له: عين اليقين، فإذا دخلته وبقيت في داخله فهذا حق اليقين، إذا وصف لك أحد من الناس شيئًا وصف لك عسلاً، وأخبر عن جودته ونحو ذلك فعلمت بذلك وتيقنته فهذا علم اليقين، فلان عنده عسل جيد عنده مناحل جيدة، فإذا رأيت هذا العسل فهذا عين اليقين، فإذا ذقته فهذا حق اليقين، نحن نؤمن بالكوثر فهذا علم اليقين، إذا كان الإيمان راسخًا ثابتًا لا تردد فيه، فإذا رأيناه فهذا عين اليقين، فإذا شربنا منه فهذا حق اليقين.

نسأل الله أن يسقينا وإياكم ووالدينا وإخواننا المسلمين شربة من حوض نبيه ﷺ لا نظمأ بعدها أبدا، - والله أعلم -.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. 

  1.  تفسير الطبري (4/246). 

مواد ذات صلة