تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الخميس 21 / ذو الحجة / 1440 - 22 / أغسطس 2019
[10] قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ..} إلى {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}
تاريخ النشر: ٣٠ / رجب / ١٤٣٦
التحميل: 2452
مرات الإستماع: 1959

بسم الله الرحمن الرحيم

مجالس تدبر

سورة البقرة

[10] قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ.. إلى وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

الشيخ/ خالد بن عثمان السبت

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فلما ذكر الله - تبارك وتعالى - في صدر هذه السورة الكريمة سورة البقرة الفريق الأول وهم أهل الإيمان، وذكر أوصافهم، ثم بعد ذلك ثنى بذكر ما يُقابلهم، وهم أهل الكفر وما هم عليه من الضلالة التي لا ينزعون عنها، وأن الإنذار لا يُجدي معهم؛ لأن الله قد ختم على قلوبهم وعلى سمعهم وجعل على أبصارهم غشاوة فهم لا يؤمنون.

ثم ثلث بعد ذلك بذكر هذه الطائفة وهم كما شبههم النبي ﷺ بقوله: كالشاة العوراء تعور بين الغنمين [1] وهم أهل النفاق، فهم في الظاهر يُظهرون الإسلام فيُحسبون على المسلمين، وفي بواطنهم ينطوون على الكفر بالله - تبارك وتعالى - فهذه الطوائف الثلاث صُدرت بها هذه السورة الكريمة.

الآيات الأربع في أولها في صفات الفريق الأول من أهل الإيمان، وآيتان في صفة الكافرين، ثم بعد ذلك جاء وصف هؤلاء وأطنب في ذكرهم بأوصاف متعددة: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: 8] من الناس فريق يتردد مُتحيرًا بين المؤمنين والكافرين، يقول بلسانه ما ليس في قلبه، يدعي الإيمان: آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ [البقرة: 8] وحالهم لا تدل على إيمان بالله ولا باليوم الآخر، ولهذا نفى الإيمان عنهم، فالله - تبارك وتعالى - نبه بهذه الآية على صفات هؤلاء المنافقين؛ لئلا يغتر بهم أحد من أهل الإيمان، لئلا يغتر بظاهرهم ودعواهم التي ادعوها فيقع بسبب ذلك من الفساد ما لا يُقادر قدره.

فهذه الأوصاف لهؤلاء المنافقين التي يُجلي الله بها حالهم، وظواهرهم، وبواطنهم، كل ذلك من أجل أن يُحترز ويُحتاط؛ لأنهم الفئة الأخطر هم الذين يعرفون جوانب القوة وجوانب الضعف عند المسلمين، هم الذين يعرفون أحوال المسلمين من الداخل فيطلعون على ما لا يطلع عليه الكفار فهؤلاء يُلابسونهم صباح مساء، ويُخالطونهم ويحضرون مجامعهم ويعرفون أهل الإيمان الراسخ من ضعفاء الإيمان، ويعرفون الفئة المؤثرة القوية في الصف المؤمن ويعرفون من هم دون ذلك، فإذا جاء العدو من الخارج فهؤلاء هم عينه وأدلائه عبر التاريخ، يدلون على عورات المسلمين، وعلى جوانب الضعف، فيفتك العدو، ويدلون على من لهم شأن وأثر في الأمة يدلون العدو عليهم، وعلى ما لهم من منزلة ومكانة ونحو ذلك، يُعرفونه بهم تعريفًا كاملاً ثم بعد ذلك العدو يجعلهم هدفًا من أجل ضرب الإسلام والمسلمين في مقاتل، كل هذا يكون على يد هؤلاء المنافقين، ولهذا يُحذر الله منهم، بل نزلت سورة باسمهم وهي سورة المنافقون.

وهذه الآية: وَمِنَ النَّاسِ [البقرة: 8] تدل على أن مُجرد الدعوى والقول باللسان لا تنفع صاحبها، فلابد أن يُصدق ذلك القلب، والعمل، فالعبرة بما يكون عليه الإنسان من حال وما ينطوي عليه قلبه من إيمان وخلافه، وما يكون عليه من العمل، أما الدعاوى فلا يعجز عنها أحد.

هؤلاء الذين تكلم الله فيهم وبين فسادهم وشرهم، وكذبهم رب العالمين الذي يعلم السر وأخفى يقولون: آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ [البقرة: 8] ونفى الله - تبارك وتعالى - عنهم الإيمان: وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: 8] فدل على أن حقيقة الإيمان ليست بمجرد الإقرار باللسان، وهكذا سائر الدعاوى.

الدعاوى سهلة، قد يقول الإنسان بأنه على حق، على إيمان، على سنة، على استقامة؛ ولكن الواقع قد لا يُسعفه ولا يُصدقه، وهكذا فيما يتصل بمُفردات الأعمال القلبية، أو أعمال الجوارح، وما إلى ذلك مما يتصل بالسلوك وغيره فقد يدعي الإنسان أنه صادق، أو أنه على أمانة، أو أنه على خُلق أو أنه كريم أو نحو ذلك؛ ولكن الواقع قد يُكذبه ويرد دعواه، وهكذا في سائر الأوصاف التي يدعيها الإنسان لنفسه إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً [الأحزاب: 72] وعامة الناس لا يُنصفون من أنفسهم، الإنصاف عزيز ولو وجه إليه الوصف الذي يليق به لغضب، ولكن الحال هي التي تدل على صدق الإنسان من كذبه.

وفي قوله - تبارك وتعالى - هنا: وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: 8] تأكيد شديد على عدم إيمانهم، لم يقل وما آمنوا، فما جاء بالفعل، وإنما عدل عنه إلى الاسم بمؤمنين مؤمن هذا اسم، ولم يُعبر بالفعل فلم يقل: وما آمنوا، وإنما: وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: 8] فهذا يُخرج حتى ذوات هؤلاء من عِداد المؤمنين، يعني: لم يكتف بنفي الإيمان عنهم فقط؛ بل نفى عنهم أيضًا كونهم في جملة أهل الإيمان، ليسوا من أهل الصف المؤمن، بل هؤلاء نبت طفيلي يعيش على مصالح الأمة وآلامها ويقتات على جسمها وجسدها، كما قال الله - تبارك وتعالى - : وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ [المنافقون: 4] أجسام ما شاء الله، لماذا؟ لأن كل العناية كانت بالأجسام، والذي أوقعهم في النقاق ما هو؟ هو من أجل حفظ المُهج والأموال، فهم مع من غلب كما قال الله : وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ يعني: المدينة مِنْ أَقْطَارِهَا من نواحيها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا [الأحزاب: 14] على هذه القراءة التي نقرأ بها: لَآتَوْهَا يعني: سألوا الكفر على الراجح من أقوال المفسرين بذلوه وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا [الأحزاب: 14] يعني: لا يحتاج إلى تفكير وطول نظر وتقليب الأمور مُباشرة هو مع من غلب، على دين من غلب، وفي سورة المنافقون: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ [المنافقون: 4] أجسام ما شاء الله نامية مُمتدة نظارة، المؤمن لربما يبدوا فيه شيء من التعب من العبادة ومن ألوان البذل والعمل الذي يعمله ابتغاء مرضات الله - تبارك وتعالى - لكن هؤلاء أبدًا، كما قيل: "ترعى وهي رابضة"، جالس هكذا يأخذ من الغنيمة ومن الفيء وما إلى ذلك في عِداد المسلمين في الظاهر، ولكنه لا يُكلف نفسه جُهدًا: وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ [التوبة: 42] إذا كان السفر بعيد، الغزو بعيد مع رسول الله ﷺ أحجموا: لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا [التوبة: 81] هم ليس عندهم استعداد أن يُرهقوا هذه الأبدان وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ [المنافقون: 4] كلام جميل، ومُنمق، ومُصفف، ولكنه كملمس الحية أملس ناعم، ولكنه ينطوي على شر فاتك.

وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ [المنافقون: 4] خُشب هذا الخشب والبليد البعيد يُقال له: لوح لا يفهم كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ [المنافقون: 4] الخشبة قد تكون هكذا في عمود يُنتفع به، قد تكون في سقف يُنتفع به، لكن هؤلاء نبتة طفيلية هكذا، مُسندة على غيرها، مُتكأة على غيرها، لا تقوم بنفسها، هي فقط تُضيق المكان تحجز مكان ولكن بلا جدوى بلا فائدة - نسأل الله العافية - يدخل ويخرج مجلس رسول الله ﷺ وإذا خرج بكل بلاهة ماذا قال آنفا؟، نزلت آيات: أَیُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِیمَـٰنࣰا يقوله ساخرًا، يقول: ما رأينا شيء، هذه الآيات من منكم زادته إيمانًا يا شُطار، فهؤلاء هم الشر المحض.

قال: وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: 8] فعبر بهذا الاسم وعدل عن الفعل وأكده بالباء للمُبالغة، ولم يقل: وما هم أهل إيمان أو نحو ذلك، وإنما قال: وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: 8] مُبالغة في نفي الإيمان عنهم، وتسلط النفي على اسم الفاعل الذي ليس مُقيدًا بزمان؛ ليشمل النفي في جميع الأزمان: وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: 8] لأنه لو قال: وما آمنوا، فهذا في الماضي، وما يؤمنون يعني في الحاضر أو في المستقبل: وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: 8] مؤمن فجاء النفي هنا على الاسم اسم الفاعل؛ ليشمل ذلك جميع الأوقات، جميع الأزمان وما هم، لا آمنوا في الماضي، ولا هم على إيمان الآن، وليسوا أيضًا بمؤمنين في المستقبل.

وهؤلاء الله - تبارك وتعالى - أخبر عن بواطنهم، وعن هذه المُمارسات والمزاولات التي عليها قِوامهم وهي منشأ تصرفاتهم وأعمالهم: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [البقرة: 9] يُخادعون الله يعتقدون بجهلهم أنهم يُخادعون الله والذين آمنوا بإظهار الإيمان وإضمار الكفر، وما يخدعون إلا أنفسهم؛ لأن عاقبة هذا الخِداع تعود عليهم لفرط جهلهم، لكنهم لا يشعرون ولا يُحسون بذلك لفساد قلوبهم وانطماس بصائرهم وانعدام شعورهم - كما سيأتي - ومشاعرهم.

فهذه الآية تذكر هذه الأوصاف التي هي مبعث الأفعال والأقوال التي تصدر عنهم أن ذلك مبناه على الخِداع المُخادعة، لكن المُخادعة لمن؟ يُخادعون الله، ابتدأ بذكره - تبارك وتعالى - ؛ لأن مُخادعته أشد وأعظم، وما ظنكم بأحد من الناس من البشر من المساكين من الضعفاء يُخادع ربه، ما حاله؟ وما مآله؟ لا شك أنه إنما يخدع نفسه، فهذه التصرفات وهذه الأعمال التي يُخادع بها الواقع أنه يحفف بها قبره، ويُهلك بها نفسه، ويبحث فيها عن حتفه، فهو يصول ويجول في هلاك نفسه.

ثم انظروا في ما تُفيدة هذه الآية الكريم: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا [البقرة: 9] أن ذلك يُفيد المزيد من الاحتياط والحذر منهم، هؤلاء يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا [البقرة: 9] إذا قيل لك فلان مُخادع، فلان صاحب خِداع، فلان ماكر صاحب مكر، مجرد ما تسمع باسمه تحتاط، بمجرد ما تراه تنقبض وتحتاط في كل شؤونك؛ لئلا تقع في حبائله، فهؤلاء ربنا - تبارك وتعالى - يُحذرنا منهم، مهما تجملوا به من الأقوال، إن كان هؤلاء في الجيش فهم يعطون الكفار المعلومات التي يكون بها الضرر على المسلمين، عدد المسلمين، وما معهم من أنواع السلاح، ويُخبرونهم عن قياداتهم، وعن مواقعهم، وما إلى ذلك كل التفاصيل، يُقدمونها بالمجان للعدو؛ لأنهم أعداء فهم يدلون على عورات المسلمين، ولكن كما قال الله : وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ [البقرة: 9] وهذا يؤخذ منه أن المكر السيء لا يحيق إلا بأهله.

فهؤلاء الذين يُخادعون الله يظنون أنهم قد نجحوا أو غلبوا حينما قُبل ذلك منهم في الظاهر - يعني الإسلام - فحُقنت دمائهم، وأعطوا من الغنيمة أو أعطوا من الفيء أو نحو ذلك الواقع أن هذا الخداع عائد إليهم: وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ [البقرة: 9] فجاء بأقوى صيغة من صيغ الحصر، التي جاءت بها كلمة التوحيد لا إله إلا لله أقوى صيغة النفي والاستثناء، النفي والاستثناء هذه صيغة الحصر، الحصر يكون بإنما تقول: إنما الكريم زيد، يعني: ليس هناك كريم غير زيد، إنما الشجاع زيد، لكن حينما تقول: لا شجاع إلا زيد، ولا كريم إلا زيد، هذه أقوى في الحصر، حصرت الكرم فيه، فهنا يقول الله : وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ [البقرة: 9] فهذا يدل على أن هذه المُخادعة لا يضرون بها إلا أنفسهم، لا يضرون الله، ولا رسوله ﷺ ولا يضرون أهل الإيمان إنما ذلك يعود إليهم، فهؤلاء مثل الذي يلتذ بلعق دمه، القِط الذي يلعق مسن الجزار يتشقق لسانه ويلعق دمه الذي ينزف ثم ما يلبث أن يسقط وكان قبل ذلك يتلذذ بهذا الفعل يظن أنه يلعق دمًا من بقايا لحم في هذا المِسن، وهذا من أعجب الأمور؛ لأن المُخادع عادة كما يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله - [2] إما أنه يحصل له مراده من هذه المُخادعة يحصل على بُغيته ومطلوبه، أو يسلم لا له ولا عليه، أما هؤلاء فلا سلامة، ولا حصول مُبتغى، وإنما عاد هذا الخداع عليهم وكأنهم يعملون ما يعملون من المكر لإهلاك أنفسهم، وإضرارها وكيدها؛ لأن الله تعالى لا يتضرر بذلك، ولا أهل الإيمان، وكذلك النبي ﷺ.

فهؤلاء حينما حقنوا دمائهم وأحرزوا أموالهم بهذه الدعوة دعوى الإيمان لم يكن ذلك بضرر على الله ولا على المؤمنين، ولكن الواقع أنه ضرر عليهم استمرؤوا هذا الفعل، كما قال الله - تبارك وتعالى - : اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً [المجادلة: 16] يعني: تُرسا، يتقون به ما يوجه إليهم من الاتهامات، تُرس جُنة: فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [المجادلة: 16] فالفاء تفيد التعليل وترتيب ما بعدها على ما قبلها، فصدوا، ما الذي جعلهم بهذا الصدود؟

اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً [المجادلة: 16] هم لما رأوا هذه الأيمان تروج، ويُقبل منهم هذا الحلف استمروا، صدوا هنا بمعنى صد اللازمة، يعني: صدوا في أنفسهم بقوا على النفاق والكفر وتركوا الإيمان، صدوا في أنفسهم، وتكون مُتعدية صدوا غيرهم، صدوا النبي ﷺ وأهل الإيمان عن إقامة حكم الله فيهم بهذه الأيمان الكاذبة، والله ما قلنا، فلم يُقم عليهم الحدود التي يستحقونها حد الردة مثلاً، حينما يسخرون بالنبي ﷺ أو بالقرآن أو نحو ذلك.

وكذلك أيضًا صدوا المؤمنين عن الجهاد، صدوهم عن الإنفاق في سبيل الله، صدوهم عن اتباع النبي ﷺ صدوا الكفار عن الدخول في الإسلام، كل هذه المعاني التي ذكرها العلماء - رحمهم الله - داخلة في هذا المعنى فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [المجادلة: 16] فلم يذكر نوعًا من الصدود وإنما أطلقه، فيدخل فيه جميع هذه الأنواع، فهنا إذا قاموا يوم القيامة فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ [المجادلة: 18] الناس يقومون من قبورهم ينفضون التراب عنهم وهؤلاء يقومون ويحلفون الأيمان أنهم على الإيمان، وأنهم لم يقولوا ولم يفعلوا، يظنون أن هذه الأيمان أنها تروج يوم القيامة عند الله، كما قُبلت منهم في الدنيا: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ [المجادلة: 18] يبعثهم الله جميعًا يجمعهم الطيور على أشكالها تقع، الأسراب يُجمع الناس، أهل النفاق مع بعض، وأهل الإيمان وهكذا، اليهود مع بعضهم، والنصارى مع بعضهم، فهنا يبعثهم الله: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ [المجادلة: 18] يعني: يظنون أن هذا الحلف ينفع، فحتى في يوم القيامة يظنون ذلك، ولذلك حينما يكون الناس على الصراط ينطفأ النور الذي مع المنافقين فيقولون لأهل الإيمان: انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد: 13] كنا معكم في الدنيا قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا [الحديد: 13] انظر إلى أثر الخداع الذي في الدنيا يُخدعون يوم القيامة يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء: 142] ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ۝ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ [الحديد: 13 - 14] كنا معكم في الدنيا نُصلي معكم قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ [الحديد: 14] فكان ذلك نتيجة، تصور على الصراط ظلمة شديدة وأحد من السيف وأدق من الشعرة وتحت الصراط جنهم، ويمشي في ظلام، الإنسان يمشي في أرض فسيحة في الظلام ويخشى أن يسقط، فكيف إذا كان يمشي على صراط وتحته جنهم، وإذا سقط سقط، وبهذه الدقة وبهذه الظلمة، فعند ذلك ينطفأ النور ولا ينفعهم الدعوى السابقة القديمة وما إلى ذلك كل ذلك يتلاشى، كله بسبب كفرهم، ونفاقهم وفجورهم، وهم لجهلهم وحماقتهم وما يحملون من النفوس الغليظة الجافة الجافية لا يشعرون، لا يشعرون أنهم يفعلون ذلك بأنفسهم، نفى عنهم الشعور وهو أول مبادئ الإدراك، فبنفي أول مبادئ الإدراك ينتفي كل إدراك، الشعور هذه البداية نُفيت عنهم، إذا الفقه من باب أولى.

فهؤلاء في ضياع بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، وهؤلاء في حال من الخزي؛ لأن هؤلاء ليسوا بأصحاب مبدأ، هم ليس لهم مبدأ يُدافعون عنه ويموتون عنه، ويحيون من أجله، هم يحيون من أجل البطن، والدين ليس بمُهم عندهم أينما توجه هذا البطن توجهوا معه، والله المستعان.

هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. 

  1.  أخرجه أحمد في المسند، برقم (4872)، وقال محققوه: "إسناده ضعيف". 
  2.  انظر: تفسير السعدي (ص: 42)، (ص: 210).

مواد ذات صلة