تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأحد 16 / محرّم / 1441 - 15 / سبتمبر 2019
[17] قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ..}
تاريخ النشر: ٠٩ / شعبان / ١٤٣٦
التحميل: 2047
مرات الإستماع: 2017

بسم الله الرحمن الرحيم

مجالس تدبر

سورة البقرة

[17] قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ..

الشيخ/ خالد بن عثمان السبت

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فبعد أن ذكر الله - تبارك وتعالى - الطوائف الثلاث أهل الإيمان والكفار وأهل النفاق، وجه الخطاب بعد ذلك إلى عموم الخلق فقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ۝ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 21 - 22].

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة: 21] هذا نداء من الله - تبارك وتعالى - لجميع الخلق لجميع البشر يأمرهم بعبادة الله وحده دون ما سواه، يعبدونه؛ لأنه هو الرب الذي يستحق العبادة فهو الذي رباهم بالنِعم الظاهرة والباطنة خلقهم وخلق الذين من قبلهم وأوجدهم من العدم الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 21] أي: من أجل أن تكونوا من المتقين من الأتقياء.

فيؤخذ من هذه الآية في هذا الخطاب الذي هو أول أمر في المصحف، أول أمرٍ أمر الله - تبارك وتعالى - به عباده في المصحف هو هذا: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: 21] فهو الأمر بعبادة الله - تبارك وتعالى - وحده.

وهذا أول نداء في المصحف يوجه إلى الناس جميعًا كل ذلك بشأن هذا الموضوع الكبير، والأمر العظيم الذي من أجله خُلقت الخليقة، الذي من أجله خلق الله الإنس والجن وهو عبادة الله وحده لا شريك له: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ۝ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ۝ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: 56 - 58] فخلقهم من أجل عبادته وحده، فهذا أول نداء يوجه إليهم أن يعبدوه، وعلل هذا بكونه - تبارك وتعالى - هو الخالق الذي أوجدهم من العدم، ولهذا فإن ذلك يكون كالتعليل للأمر بعبادته فإن العبادة إنما تكون لمن خلق، ولهذا يقول الله - تبارك وتعالى - : وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ [الفرقان: 3] كيف اتخذوهم آلهة وهم لا يخلقون شيئًا بل هم يُخلقون، وهكذا في قوله: أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ [الأعراف: 191] كيف يقع منهم ذلك؟! فهذا كله كالتعليل للأمر بعبادته، أن الذي خلق هو الذي يستحق أن يُعبد وحده، فتوجيه العبادة إلى غيره يكون من أعظم الظلم وحقيقة الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، فمن وضع العبادة في غير من خلق فهو ظالم، ولهذا قال الله - تبارك وتعالى - : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13].

ومن هنا أيضًا يؤخذ من ذلك أن توحيد الربوبية مُستلزم لتوحيد العبادة لتوحيد الإلهية، فذكر الرب هنا يدل على الربوبية الَّذِي خَلَقَكُمْ فالذي خلقكم ينبغي أن يكون هو المعبود دون من سواه، فتوحيد الربوبية إذا كنت تُقر أنه هو الخالق وحده، وهو الرازق واحده، والنافع والضار وما إلى ذلك إذن فلماذا تتوجه إلى غيره، لماذا تعبد غيره؟ لماذا تسأل غيره؟!

فينبغي أن يكون التوجه إليه وحده دون ما سواه اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: 21].

وبعد أن ذكر الطوائف الثلاث ذكر ذلك على سبيل الغيبة هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 2] من هم؟ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ۝ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة: 3 - 4] أُوْلَئِكَ أي: هم عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة: 5] ثم قال الله - تبارك وتعالى - أيضًا على سبيل الغيبة إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة: 6] خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ [البقرة: 7] إلى آخر ما ذكر في أوصافهم، ثم ذكر أهل النفاق وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا [البقرة: 8] يعني: يقول هو آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: 8] كل ذلك على سبيل الغيبة، ثم بعد ذلك جاء الالتفات هذا يسمونه الالتفات يعني حول الخطاب من الغيبة إلى المُخاطب، كما ذكرنا في الفاتحة: الْحَمْدُ لِلَّهِ [الفاتحة: 2] هذا للغيبة رَبِّ يعني: هو رب العالمين، هو الرحمن الرحيم، هو مالك يوم الدين، فلما أثنى عليه حمده وأثنى عليه ومجده كأنه قد صار في حال من القُرب فوجه الخطاب إليه إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: 5] لم يقل: إياه نعبد وإياه نستعين، هذا يسمونه الالتفات في علم البلاغة، يحول الخطاب من غائب إلى مُخاطب والعكس أو من جمع إلى مُفرد والعكس، إلى غير ذلك من صنوف وصور الالتفات، فهو لا يختص بهذه الأمثلة التي ذكرتها.

فهذا التفات فيه تنويع الخطاب وتنشيط السامع حينما يُصرف الخطاب بهذا التصريف فتتأهل نفس المُخاطب للقبول، وفي الانتقال هنا من الغيبة إلى الخطاب أيضًا فيه ما فيه من حصول الشرف بالمُخاطبة الذي يُخاطبه هو ربه - تبارك وتعالى - : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 21] ويذكر لهم الدلائل الموجبة لهذا المطلوب وهو عبادته وحده لا شريك له، كل ذلك يدل على أن العبد إذا كان مُشتغلاً بهذه العبودية فإنه يكون في حال من الترقي أخذًا من توجيه الخطاب إليه، وكذلك أيضًا في هذا ما فيه من الاهتمام بشأن العبادة وتفخيم شأن هذه، فهذا يؤخذ من هذا الموضع.

وهكذا في قوله - تبارك وتعالى - : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة: 21] فأضاف الرب هنا إلى المُخاطبين اعْبُدُوا رَبَّكُمُ فهذا يدل على التفخيم والتعظيم لتأكيد موجب الأمر بالإشعار كما سبق بأن ذلك يكون عِلة للأمر بعبادته وحده، فمن يتصف بهذه الصفات صفات الربوبية هو الذي يستحق وحده العبادة يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة: 21] وقوله: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ هذا أمر والأمر للوجوب، فعبادة الله - تبارك وتعالى - واجبة، ويدخل في قوله: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ يدخل فيه الإيمان بالله فهو أجل عبادة، وأصله يكون في القلب، كما أن هذا الإيمان إذا استقر في القلب وثبت فإنه ينطق اللسان بالشهادتين، وهكذا تعمل الجوارح بطاعة الله - تبارك وتعالى - وكل ذلك إيمان فالإيمان اعتقاد بالجنان وتصديق باللسان وعمل بالأركان، فيدخل في قوله: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الإيمان به يدخل به التوحيد فهو أعظم الواجبات وأهم المُهمات، وأجل المطالب كما هو معلوم.

ويدخل في ذلك أيضًا سائر الطاعات، فالإيمان كما قال النبي ﷺ : بضع وستون[1] وفي رواية: بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق[2] فهنا ما بين شهادة أن لا إله إلا الله إلى إماطة الأذى كل ذلك من شُعب الإيمان فهو داخل في قوله: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ أعبدوه بقلوبكم فيدخل في ذلك جميع أعمال القلوب، أعمال القلوب من الخوف، والرجاء، والتوكل، والمحبة، والإنابة، والمُراقبة لله وما إلى ذلك.

ويدخل فيه أعمال الجوارح أيضًا من صلاة وأمر بمعروف ونهي عن منكر إلى غير هذا.

ويدخل فيه أيضًا أقوال اللسان، فالتلاوة والذكر وما أشبه ذلك كله من أعمال اللسان، فهذا كله داخل في هذا والعبادة مُنقسمة على هذه الثلاث القلب واللسان والجوارح، لا يخرج عن ذلك شيء، ثم أيضًا تأملوا هذا الخطاب وما ذُكر فيه مما سمعتم آنفًا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة: 21] إذا كان هذا أول أمر وهذه هي دعوة الرُسل - عليهم الصلاة والسلام - هذا هو مسلك الأنبياء والمرسلين منذ أن بعث الله - تبارك وتعالى - وأرسل نوحًا فهو أول رسول إلى أهل الأرض إلى خاتمهم محمد ﷺ كانوا على هذا المهيع على هذا الطريق في دعوتهم، يدعون إلى عبادة الله - تبارك وتعالى - كل نبي كان يُخاطب قومه: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: 59].

فهذا أول دعوة الرسل التوحيد، وهذا الذي حصل به الفرقان بين أولياء الله وأولياء الشيطان، هذا الذي حصل به الفرق بين الرسل وأعدائهم: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص: 5] فأنكروا ذلك غاية الإنكار، ونفروا منه غاية النفور، ولو أنه جاءهم ودعاهم واقتصر على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات وما يكون به كمال المروءات لقبلوا ذلك، ومثل هذه الدعوة يمكن أن تُعرض على جميع الأُمم فلا يردها أحد، في أقل الأحوال من الناحية النظرية يقبلها الجميع، تعرض ذلك على اليهود وعلى الوثنيين وعلى النصارى وعلى المجوس تقول: نحن ندعوكم إلى الصدق والأمانة، وندعوكم إلى حُسن الخُلق والوفاء بالعهد والبِر والصِلة فكلهم سيقبل ذلك ويُرحب به، ولن تجد لك أعداء في هذا السبيل.

ولذلك أقول: بأن هذا المسلك في الدعوة إلى الله في هذه الآن، الطرح الجديد ما يسمى بالدعوة إلى القِيم، القِيم هذه القيم لا وجود لهذا الاستعمال لهذا اللفظ أو هذا المُصطلح لا في القرآن ولا في السُنة، ولا في أقوال السلف، ولا في أقوال أهل العلم، ولا في القواميس العربية، لا يوجد كلمة القيم بهذا المعنى، إنما هو لفظ مولد مُحدث فلا يصح أن يُجعل ذلك هو محور الدعوة ومُنطلق الدعوة، فهذه لربما تكون أشياء جميلة، ويُذكر فيها تقسيمات وأشياء وخِطط وبرامج، وتطوير، ومهارات، ودورات، ولن تجد من يُعارض ذلك فالكل يُرحب به، سيأتيك صنوف الناس من أهل الديانات والمِلل والمذاهب، كلهم يقول نُريد أن تُقيم هذه الدورة عندنا، هذا الكلام الجميل، وهذا الكلام سيقبلونه جميعًا، ولكن الرسول - عليهم الصلاة والسلام - جاءوا بالتوحيد: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: 59] ولذلك أول أمر بالقرآن هو هذا فقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 21] ثم تفرعوا عن ذلك الأشياء الأخرى كما في قوله - تبارك وتعالى - مثلاً في سورة الإسراء: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء: 23] فذكر البر، ثم ذكر الصلة بالقرابات، ثم ذكر بعد ذلك الإحسان في وجوهه المختلفة ونهى عن ضروب الفساد وصنوفه، كل هذا وحفظ مال اليتيم، وإيفاء المكاييل والموازيين، والتواضع في المشية كل هذا ذكره بعد أن ذكر هذا الأصل فهي مُتفرعة عنه.

وهكذا الوصايا التي في سورة الأنعام المُحكمات فإن الله - تبارك وتعالى - قال فيها: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [الأنعام: 151] فهنا في هذه السورة سورة الأنعام هي سورة مكية: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [الأنعام: 151] فبدأهم بهذه القضية فهذا هو الأصل، وهذا هو المُنطلق فيجب أن تكون الدعوة كما دلت عليه هذه النصوص، وكما هو طريق الرُسل - عليهم الصلاة والسلام - أن تبدأ بالأمر بتوحيد الله وعبادته، أن يُبدأ بالتوحيد فهو الأصل، فإذا وجد الصدق والأمانة والوفاء بالعهد ونحو ذلك فإنه أولاً يكون مُنطلقًا من إيمان يُراقب العبد فيه ربه، فلا يفي بالعهد إذا كان عليه الرقيب من البشر، ثم إنه يحتسب ذلك عند الله فإذا لم يرى من الناس شُكرًا يؤدونه إليه أو نحو ذلك مما يتقاضاه منهم فإنه لربما يتحول إلى خلاف ذلك.

ثم أيضًا حينما ينطلق ذلك من إيمان واعتقاد فإنه أدعى للثبوت والاستمرار، وهو أدعى أيضًا لئن يحتسب ذلك عند الله - تبارك وتعالى - فلا يكون رياء ولا سمعة، ولذلك انظروا إلى الذين يُعلنون ويُشيعون ويزعمون أنهم أصحاب قيم ومبادئ ومُثل يُصدرونها للعالم من الغربيين ونحو ذلك، انظروا إذا تمكنوا كيف يفعلوا؟

وانظروا أيضًا إلى آحادهم وأفرادهم في الأعم الأغلب حينما تحصل لهم الفرصة ينطفأ الكهرباء في ليلة لمدة نصف ساعة ما الذي يحصل؟ تصدر إحصاءات بعدد الجرائم السرقة، والاغتصاب، والقتل وما إلى ذلك فقط حينما تنطفأ الكهرباء يتحول المجتمع إلى لصوص وإلى مُجرمين؛ لأن عين الرقيب قد غابت، لكن حينما تكون هذه المُثل هذه التي يسمونها بالقيم نابعة من توحيد وعقيدة وإيمان وعبادة لله - تبارك وتعالى - فإن ذلك يبقى بأي حال يكون عليها العبد.

ومن هنا أقول: إن المُنطلق الدعوة الصحيحة أن تكون دعوتنا إلى التوحيد وإلى عبادة الله وحده، وهذا يتفرع عنه كل ألوان البر والتقوى والمعروف والخير كما قال النبي ﷺ : الإيمان بضع وسبعون شعبة ، فحينما نفهم الإيمان بهذا الفهم نُدرك أن جميع هذه الأشياء هي متفرعة من شجرة الإيمان، فهي الشجرة الطيبة التي ينتج عنها الثمار اليانعة الطيبة المُستلذة هذه الشجرة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أُكلها كل حين بإذن ربها، أما أولئك الذين ليس لهم هذا الثبات ولا هذا الأصل فمثل هذه الأشياء تتفرع من شجرة خبيثة في نفوسهم، وهي شجرة الشرك بالله فما ظنكم بأخلاقهم ومبادئهم، إن من يزرع هذه الأخلاق والمُثل التي يسمونها القيم بعيدًا عن الإيمان، هو كمن يضع هذه الثُريات التي ترونها في هذه المسجد يعلقها هنا وهناك يُجمل بها سقف المسجد ولكن من غير وجود تيار كهربائي تتصل به فتُضيء المكان، إنما رأى شيئًا جميلاً فحاكاه لكن من غير روح، هذه الروح هي الإيمان.

فينبغي أن تكون دعوتنا على جادة صحيحة نسير عليها، طريق الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وأن يكون العلماء - رحمهم الله - هم الذين يُقررون مثل هذه الأمور ويُبينونها، ولا نندفع هنا وهناك تارة في موضة يُقال لها: البرمجة العصبية والدورات هذه التي لم تُجني على الناس خيرًا، ثم بعد ذلك إذا أفلت جاءنا وجه جديد، وإن لم يكن كتلك، نحن نقول: الدعوة إلى المعروف والأخلاق والبِر والصلاة والأمانة هذا خير، لكن هل هذا هو المُنطلق الصحيح في دعوة الرسل - عليهم الصلاة والسلام - ؟

الجواب: لا، حينما نجعل هذه قضية محورية ننطلق منها ونشتغل بها ونُدندن حولها لا نكون منُطلقين من المُنطلق الذي كان عليه الرسل - عليهم الصلاة والسلام - كانوا منهم ينطلقون، هذا هو المقصود وإلا فإن الدعوة على ذلك يؤجر عليها الإنسان، الدعوة إلى الأمانة والصدق والوفاء بالعهد هذا من الدين، ويؤجر عليه الإنسان، لكن أن تُجعل قوالب الدعوة بهذه الطريقة، وتربية الكِبار والصغار على هذا بهذه الطريقة لا.

فنحن نقول: الإيمان هو المُنطلق، نُربيهم على الإيمان فعند ذلك تستقيم الألسن، وتستقيم الجوارح، وتستقيم الأبصار، وتستقيم الأسماع على طاعة الله - تبارك وتعالى -.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: 21] وهذا الأمر الذي هو أول أمر في القرآن يدل على أن هذه القضية الأساسية المحورية التي من أجلها وجد الخلق هي التي ينبغي أن تكون العناية رقم واحد متوجه إليها، لا كما يزعمه بعضهم يقولون: ينبغي أن نُعنى بعمارة الأرض، العناية بعمارة الأرض، العناية بالأمور الدنيوية المادية، فإن الله أوجدنا من أجل عمارة الأرض، الله أوجدنا لعمارة الأرض العمارة المادية الدنيوية بعيدًا عن الإيمان، وعن عبادة الله هذا حال من لا يعرفون الله، حال الذين ذمهم الله - تبارك وتعالى - : يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الروم: 7].

الله - تبارك وتعالى - استعمرنا في الأرض من أجل أن نعمرها بطاعته بالإيمان، بأن يُعبد الله وحده لا شريك له، وخلقنا وأوجدنا من أجل أن نُحقق هذا المعنى وهذا الأصل الكبير: العبادة، خلقنا من أجل هذا، لا أن ننغمس في الدنيا؛ ولذلك من الخطأ أن يتحول الدعاة إلى الله أن يتحولوا إلى موجهين للناس في أمور دُنياهم، الدنيا لابد منها، ولا يمكن أن تُهمل، لابد من الأخذ بأسباب القوة وأسباب الحضارة من العلوم المادية النافعة، هذه من فروض الكفايات، لكن أن يتحول الاهتمام ويُقال: نحن ينبغي أن نُعنى ونهتم وأوجدنا الله من أجل العمارة الحسية المادية للأرض هذا الكلام غير صحيح، وهو خلاف ما دل عليه القرآن.

فالقرآن دل على أن الله أوجدنا من أجل أن نعبده، لكن لابد لنا من هذه الحياة من أجل أن يكون لنا قِوام من العيش فيها، فعند ذلك تحصل مصالح الناس وتقوم معايشهم وتحصل أسباب القوة المادية لهم، لابد لهم من هذا ولا يقول أحد بأنها تُهمل، لكن الخطأ أن تُجعل هي القضية الأساس التي توجه الاهتمامات إليها كما يقوله بعضهم، هناك من يدعوا إلى هذا، ويُنظر له، وليس عندهم شيء يستدلون به على هذا، ولو نظرت إلى سائر النصوص وأحوال الرسل - عليهم الصلاة والسلام - : وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ [ص: 45] الأبصار بماذا؟ بالدنيا؟

إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ [ص: 46] الآخرة بين أعينهم وليس الدنيا بين أعينهم، والكلام في هذا يطول ويتفرع لكن نتأمل في التقوى لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 21] أي: من أجل أن تتقوا اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 21] هذا يدل على أن هذه التقوى مرتبة عالية لا يحصل عليها العبد إلا إذا حقق العبودية لله - تبارك وتعالى - فبقدر تحقيقه للعبودية يكون له من تحقيق التقوى، وهكذا.

والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. 

  1.  أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب أمور الإيمان، برقم (9)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب شعب الإيمان، برقم (35). 
  2.  أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب شعب الإيمان، برقم (35). 

مواد ذات صلة