تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأربعاء 19 / محرّم / 1441 - 18 / سبتمبر 2019
[18] قوله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا..} إلى {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ}
تاريخ النشر: ١٠ / شعبان / ١٤٣٦
التحميل: 1875
مرات الإستماع: 1793

بسم الله الرحمن الرحيم

مجالس تدبر

سورة البقرة

[18] قوله تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا.. إلى فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْله

الشيخ/ خالد بن عثمان السبت

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فالله - تبارك وتعالى - لما أمر بعبادته: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة: 21] ذكر ربوبيته كما سبق وذلك أن الرب الذي قد خلق اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: 21] هو الذي يستحق أن يُعبد وحده دون ما سواه لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 21] أي: من أجل أن تتحقق التقوى وذكرنا أن هذه العبودية بقدر ما يتحقق منها يحصل للعبد من وصف التقوى لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 21].

ثم ذكر ما يوجب عبادته وحده لا شريك له وأنه المعبود وحده الذي ينبغي أن يُتوجه إليه بالرغبة والرهبة والعبادة والقربة والطاعة: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 22] فهناك أمر بعبادته، ثم ذكر موجبات هذه العبادة والتوحيد الخالص لله رب العالمين فقال: هو ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم، وهو الذي جعل لكم الأرض فراشا، جعلها بِساطًا مُمهدة تسهل عليها معايشكم وانتقالكم وحياتكم وما إلى ذلك، وجعل هذه السماء سقفًا، جعلها بناء مُحكمًا، وأنزل لكم الماء من السحاب: وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ [البقرة: 22] أخرج فيه من أنواع الثِمار، والنبات رزقًا لعباده، فمن كان هذا شأنه فلا يجوز أن يتوجه بالعبادة إلى غيره: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 22] لا تجعلوا لله - تبارك وتعالى - نُظراء تعبدونهم وتتقربون إليهم وأنتم تعلمون تفرده بالخلق والرزق، وأنه هو المُستحق أن يُعبد وحده.

هذه الآية يؤخذ منها أن الله - تبارك وتعالى - قد أنعم على عباده جميعًا مؤمنهم وكافرهم، فالله - تبارك وتعالى - يقول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: 21] ويقول هنا: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا [البقرة: 22] فهذا خطاب لجميع الخلق، فهذا من إفضاله وإنعامه على جميع العباد فهي فراش للمؤمن وللكافر تتحقق بها مصالحهم، وتقوم بها معايشهم وجعل لهم السماء بناء وسقفًا محفوظا، وكذلك أنزل لهم هذا المطر من السحاب، وأخرج به من أنواع النبات والثمار ينتفع به الإنسان، وينتفع به الحيوان فالكل يتقلب بنعمه، المؤمن والكافر، ولكن المؤمن يعرف نعمة الله - تبارك وتعالى - فيشكرها، وأما الكافر فإنه يعرف نعمة الله فيكفرها يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا [النحل: 83] فليس من أحد إلا وهو يعلم أن الذي خلقه هو الذي أنزل من السماء ماء وأنزل من البركات والخيرات وأخرج أنواع النبات الكل يعلم أن ذلك من الله - تبارك وتعالى - ولكن الشاكر قليل.

ويؤخذ من هذه الآية أيضًا أن مُخاطبة الناس بما تقوم عليهم الحجة ينبغي أن يُراعى فيه مثل هذا، يعني: حينما يُخاطبون بعبادة الله بطاعته بالاستقامة على دينه وشرعه ونحو ذلك فيحتاجون مع ذلك إلى تذكير بمثل هذه الأمور التي توجب لهم الانقياد والإذعان، فهذا الذي فعل بكم ذلك من الإنعام حقيق بأن يُعبد اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ [البقرة: 21] وأنتم لا تُنكرون هذا، والذين من قبلكم الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً [البقرة: 22] فكل ذلك من دواعي القبول والانقياد، فمثل هذا يُذكر به المخاطب بطاعة الله ومُراعاة حدوده.

ويؤخذ منها أيضًا من قوله - تبارك وتعالى - : وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 22] فهنا لم يذكر المُتعلق يعني المفعول وإنما حُذف، وحذفه كما هو معلوم حذف المُتعلق يفيد العموم النسبي، يعني: في كل مقام بحسبه، يعني: وأنتم من أهل العلم والمعرفة، تعلمون أنه خلقكم وأنه هو الذي رزقكم، وأنه هو الذي أنعم عليكم، وأنه هو الذي أعطاكم وهو الذي أولاكم، إلى غير ذلك، وأنتم تعلمون ذلك جميعًا، وهذا آكد في التوبيخ، وهذا أمر يُدركه المُخاطب حينما يطرق ذلك سمعه.

ثم قال الله - تبارك وتعالى - : وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة: 23] لما أمرهم بهذا الأمر الأول وهو الخطاب الأول الموجه إلى الناس في القرآن الأمر بعبادته وحده، بعد ذلك ذكر لهم هذا الكتاب الذي هو المِنهاج الذي يُعرفهم بهذا الرب الواحد - ، وتقدست أسماءه، وهو الذي جاء به هذا الرسول من ربه - تبارك وتعالى - وهو الذي يُعرفهم بالطريق الموصل إلى الله الذي أومروا بعبادته، فقال: هذا البُرهان بين أيديم - وهذه المحجة البيضاء فإن كان عندكم تردد في شيء من ذلك أنه حق من عند الله - تبارك وتعالى - فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة: 23] إن كنتم أيها الناس أيها الكفار في شك من القرآن الذي أنزلناه على نبينا وعبدنا محمد ﷺ وتزعمون أنه ليس من عند الله فهاتوا سورة واحدة من مثله تُماثل هذا القرآن تُماثل سوره، واستعينوا بمن تستطيعون من أعوانكم إن كنتم صادقين في هذه الدعوى التي تدعونها أنه ليس من عند الله.

وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [البقرة: 23] وعرفنا عند الكلام على قوله - تبارك وتعالى - : ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة: 2] وموضع الوقف والوصل في الآية: لا رَيْبَ فِيهِ قلنا: إن الوقف هنا أحسن من الوقف على قوله: ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ [البقرة: 2] وعرفنا أن الريب هو شك خاص، شك مع قلق، الشك المُقلق يُقال له: ريب: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة: 23] فهنا العبد هو محمد ﷺ فأضافه الله - تبارك وتعالى - إلى نفسه، وذكره بوصف العبودية ولم يذكره بوصف آخر، ولم يذكره أيضًا باسمه، وإن كنتم في ريب مما نزلنا على محمد ﷺ وإنما قال: عَلَى عَبْدِنَا وذلك أن العبودية هي أشرف مقامات العبد، لما أمر بعبوديته يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: 21] وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [البقرة: 23] فهذه ذكرها هنا في مقام الإنزال، إنزال الوحي على النبي ﷺ وهو من أجل المقامات بل ذكر ذلك في مقام التحدي بالقرآن فذكره بهذا الوصف: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة: 23].

كما ذكره بوصف العبودية في المقامات العالية الرفيعة الشريفة كمقام الإسراء كما في قوله - تبارك وتعالى - : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى [الإسراء: 1] وذكر الليل باعتبار أن ذلك يُشير إلى مزيد من الإعجاز، مسافة شهر إلى بيت المقدس ثم يُعرج به إلى السماء ثم ينزل في ليلة واحدة، فيستيقظ الناس وإذا به قد ذهب وجاء - عليه الصلاة والسلام - فهناك قال: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [الإسراء: 1] وفي مقام الدعوة: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا [الجن: 19] فهذه العبودية هي أجل الأوصاف التي يصل إليها العبد، هي أشرف المقامات، ولو أن العبد يشرُف بغير هذا مما يكون أعظم من تحقيق العبودية لذكره الله - تبارك وتعالى - في حق نبيه ﷺ هنا، - والله أعلم -.

إذن إذا أراد العبد العزة والرفعة والكمال الذي يمكن أن يصل إليه البشر بألوان المُجاهدات بعد توفيق الله فعليه أن يجد ويجتهد في أن يكون عبدًا لله حقًا، كلما كان أكثر تكميلاً للعبودية كان ذلك أدعى إلى كماله ورفعة درجته، وبهذا يتفاوت الناس في الدنيا والآخرة، ولذلك كان الكِبر لا يصلح للعبد بحال من الأحوال، فهو يُنافي هذا المقام مقام العبودية، وقد ذكر شيخ الإسلام - رحمه الله - [1] أن لفظ العبد في القرآن يتناول من عبد الله، فأما عبد لا يعبده فلا يُطلق عليه لفظ عبده، هذا بالإضافة وإلا فكل من في السماوات والأرض كما في قوله - تبارك وتعالى - : إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: 93] فكلهم عباده، ولكن بالإضافة: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان: 63] فأضافهم إليه هؤلاء أصحاب العبودية الخاصة التي يُقال لها: عبودية الاختيار، أما عبودية الاضطرار فهذه التي تكون لجميع الخلق.

وهذه الآية أيضًا تدل على أن القرآن مُعجز من أوله إلى آخره، وبالإجماع أن أقل ما يصدق عليه الإعجاز أن ذلك يتحقق بسورة واحدة ولو بأقصر سورة منه، والسور أقصر السور هي السور ذوات الآيات الثلاث، هذه والعصر، وكذلك أيضًا الكوثر، وكذلك أيضًا إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر: 1] إلا أن أقلها في أقل الكلمات والحروف هي سورة الكوثر، ولذلك يُمثل العلماء عادة بسورة الكوثر يقولون: بأقصر سورة وهي الكوثر، لهذا السبب أنها الأقل في عدد الحروف والكلمات وإلا فهذه السور الثلاث كل واحد ثلاث آيات.

فهذا التحدي واقع بأقصر سورة على خلاف بين أهل العلم فيما يُعادلها من آيات أو آية، يعني ثلاث آيات من سورة البقرة هل تكون مُعجزة أو لا؟ آية طويلة مثل آية الدين تزيد على هذه السور الثلاث من ذوات الآيات الثلاث فهل تكون مُعجزة أو لا؟ هذا فيه خلاف معروف بين أهل العلم، لكن الذي جاء التحدي به صريحًا والتحدي بسورة، بأقل ما يكون: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة: 23] بسورة، وهنا أن هذه صيغة أمر فَأْتُوا وهذا الأمر معناه التعجيز، أنتم لا تستطيعون هذا أمر خارج عن قدرتكم، وتنكير السورة هنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ يُفيد العموم، أي سورة، ولاحظوا فيما يذكره أهل العلم في نزول القرآن على سبعة أحرف مما يذكرون من الحِكم في ذلك الإعجاز، باعتبار أن هذه السور يُصرفها الله - تبارك وتعالى - بهذه الأحرف فتأتي بوجوه مُتعددة وهم يعجزون أن يأتوا بوجه واحد، أتوا بشيء بقدر سورة منه، بأي وجه من هذه الوجوه النازلة، وهم يُعلنون إفلاسهم وعجزهم مع شدة حنقهم وعداوتهم المعروفة مع ما لهم من شدة الأنفة فإذا وجهوا بالتحدي مع شدة العداوة فإن ذلك يستفزهم ومع ذلك لم يجرؤ أحد، كِبار هؤلاء من الفُصحاء والبُلاغاء والشعراء لم يستطع أحد، كانوا يتبارون في الأسواق التي كانوا يُقيمونها ويتبادلون فيها ويتسامعون ويتبارون بالأشعار وغير الأشعار من الخُطب ونحوها، ويتفاخرون في ذلك ويأتي فُصحائهم ومع ذلك هم في غاية العجز، لم ينبري واحد منهم بمثل هذا ولم يتفوه، كل المحاولات كانت من أخرق كذاب، إذا ذُكر ذُكر الكذب معه وهو مُسيلمة الكذاب، فجاء بكلام فج، "الفيل ما الفيل وما أدراك ما الفيل له خرطوم طويل وذيل قصير"[2] هذه سورة الفيل، ما هذه القوالب اللفظية، وما الذي في مضامينها من المعاني والهدايات؟ لا شيء، إنما هي ركاكة تدل على ركاكة في التفكير وركاكة أيضًا في اللسان وخطل في الرأي وعمى في القلب، هكذا كانت سوره حتى إنه لما جاء لعمرو بن العاص قبل إسلامه مع شدة عداوة عمرو بن العاص وهو الذي ذهب وسافر إلى الحبشة؛ ليُكلم النجاشي في أولئك المساكين الذين هاجروا من أجل أن يردهم النجاشي إلى مكة، لقيه فقال له: ماذا أُنزل عليك يا مُسيلمة؟ فذكر له سورة ذكر له سورة الفيل أو ذكر له سورة الضِفدع: "نقي كما تنقين نصفك في الماء ونصفك في الطين"، فنظر إليه عمرو بن العاص، وقال: "والله يا مُسيلمة إنك تعلم أني أعلم أنك كذاب"[3] لكن كان الجامع المُشترك بينهما هو العداوة للنبي ﷺ.

ولما جاء وفد مُسيلمة إلى أبي بكر الصديق في حروب الردة فسألهم أبو بكر فقال: أسمعوني شيئًا مما يقول؟ يعني مما يوحى إليه فيما يزعم، فذكروا له بعض هذه التُراهات، فقال أبو بكر : "أشهد أن هذا لم يخرج من إل"[4] يعني: من رب، من إله، قال: وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاً وَلا ذِمَّةً [التوبة: 8] الإل فُسر بمعاني قيل الرحم وقيل العهد وقيل القرابة وقيل الله، وكل هذه المعاني داخلة تحت معنى الآية والله تعالى أعلم، وقد مضى الكلام على هذا في التعليق على "المصباح المنير".

لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاً [التوبة: 8] فقال: "أشهد أن هذا لم يخرج من إل"، واضح لذووا الفِطر.

والفيلسوف الكندي المعروف حينما قال له تلامذته: هات مثل هذا القرآن؟ فاحتبس أيامًا ثم خرج إليهم، وقال: نظرت في سورة المائدة فوجدته في آية واحدة قد خاطب، وأمر، وأحل، واستثنى، ثم استثنى بعد استثنى، ثم يقول: هذا لا يتأتى لأحد"[5] في آية واحدة في سطرين، لا يتأتى لأحد، فلم يستطع أن يأتي بكلمة واحدة، هذا فيلسوف عند قومه عند أصحابه عند تلامذته أنه كبير عظيم ومع ذلك كان في غاية العجز.

ونحن نقول: كل من كان لديه شك أو يطعن في الإسلام، أو يُشكك في الوحي والنبوة، هؤلاء الذين يُشككون الناس في ثوابتهم وما إلى ذلك، نقول: بيننا وبينكم شيء واحد، يا معاشر الكفار في مشارق الأرض ومغاربها بيننا وبينكم شيء واحد: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة: 23] سورة واحدة فقط إذا استطعتم، فإنكم بهذا تستطيعون الاحتجاج على القرآن، وهم منذ بُعث النبي ﷺ باقرأ إلى يومنا هذا إلى قيام الساعة لم يستطع أحد، فالنتيجة ما هي؟ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة: 24] إن لم تفعلوا فابحثوا عن المخرج الذي تسلم به نفوسكم وأجسامكم من عذاب الله - تبارك وتعالى - وهو النار، ولن يحصل ذلك إلا بالإذعان والإيمان واتباع النبي ﷺ والقرآن، هو هذا، هي قضية واحدة لا تحتاج إلى تطويل في المناظرة والنقاش ووجوه في الردود والإقناع، هات سورة واحدة، أقصر سورة، تستطيع أو لا تستطيع؟ لا تستطيع، إذًا هذا وحي من الله، هذا الآن تحدي مُعجزة ثابتة أمامك، فإن عجز فهو مُنقطع بهذا العجز، فهذه السورة هنا مُنكرة لإرادة العموم والشمول والإفراد أو النوعية، يعني: بسورة واحدة من نوع السور، وذلك بأقل ما يصدق عليه أنه سورة تُرجمت باسم يخصها، السورة معروفة.

أختم بُملحة من المُلح وليست بما يُبنى عليه حكم أو معنى لكن المُلح على اسمها؛ فالعلم منه ما هو من صُلب العلم كما يقول الشاطبي - رحمه الله - [6] فهذا الذي عليه المعول، ومنه ما يكون من مُلح العلم، ومنه ما يكون من فضول العلم، فهنا في سورة البقرة: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة: 23] في ترتيب المصحف سورة البقرة قبلها سورة واحدة فقط سورة الفاتحة، وفي سورة هود: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ [هود: 13] وقبل سورة هود من بعد هود إلى الفاتحة عشر سور، يعني: هود هي الحادية عشرة، هذه من المُلح لا يُبنى عليها حكم، - والله تعالى أعلم -.

وإلا فإن سورة هود كما هو معلوم هي من السور المكية، وقبلها سور مدنية مثل: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة، وكذلك أيضًا: الأنفال والتوبة، كل هذه السورة مدنية، لكن هي مُلح، والعلم عند الله .

أسأل الله أن ينفعنا بالقرآن العظيم، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، اللهم ارحم موتانا وعاف مبتلانا، واجعل آخرتنا خير من دنيانا.

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

  1.  انظر: بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (6/536). 
  2.  غاية المرام في علم الكلام، للثعلبي (ص: 344). 
  3.  تاريخ دمشق، لابن عساكر (46/154). 
  4.  انظر: منهاج السنة النبوية (4/491)، و(8/322). 
  5.  انظر: معارج القبول بشرح سلم الوصول (3/1100 - 1101). 
  6.  انظر: الموافقات (1/110)، و(1/117). 

مواد ذات صلة