تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الجمعة 21 / محرّم / 1441 - 20 / سبتمبر 2019
[25] قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ..}
تاريخ النشر: ١٩ / شعبان / ١٤٣٦
التحميل: 1915
مرات الإستماع: 1827

بسم الله الرحمن الرحيم

مجالس تدبر القرآن

سورة البقرة

[25] قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ..

الشيخ/ خالد بن عثمان السبت

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ما زال الحديث متُصلاً بخبر الله - تبارك وتعالى - عن آدم مع عدوه إبليس فيما قص الله - تبارك وتعالى - في هذه السورة الكريمة.

فالله - تبارك وتعالى - لما بين فضل آدم بتعليمه الأسماء كل الأسماء، وكما عرض هذه الأسماء على الملائكة فلم يعرفوها، وفوضوا علم ذلك إلى الله وتقدست أسماؤه، فلما ظهر فضله بالعلم أمر الله - تبارك وتعالى - ملائكته أن يسجدوا لهذا المخلوق المُكرم: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة: 34] فالله - تبارك وتعالى - أمر الملائكة أن تسجد سجود تكريم لآدم وليس بسجود عبادة، وكما قص الله من خبر يوسف حينما رفع أبويه على العرش وخروا له سُجدا تصديقًا لرؤياه التي قصها على أبيه من قبل: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [يوسف: 4] فتحقق هذا بسجود أبويه وإخوته له، فكان ذاك من قبيل سجود التكريم.

والله - تبارك وتعالى - قد شرع لنا في هذه الشريعة ألا نسجد لغيره، لا سجود تكريم، ولا سجود عبادة، والنبي ﷺ يقول: لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها[1] لعِظم حق هذا الزوج وما يتطلبه هذا الحق من التكريم والنهوض بحقوقه والخضوع الكامل له، فيما لا يُعارض خضوعها لربها - تبارك وتعالى - ولا يُزاحمه.

فهنا واذكر إذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس، منعه الكِبر من أن يسجد امتثالاً لأمر الله - ، وتقدست أسماؤه -.

لاحظوا هذا الخطاب: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة: 34] بصيغة الجمع "قلنا" واذكر إذ قلنا للملائكة، وقبل ذلك وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: 30].

ففي سياق قص الخبر على النبي ﷺ: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ بالإفراد، وإضافة اسم الرب - تبارك وتعالى - إلى النبي ﷺ .

وهنا: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ [البقرة: 34] فما الفرق بين المقامين؟ هناك في سياق خبر للنبي ﷺ والفرق بين المقامين ظاهر، هنا أمر بالسجود، وهو عنوان الخضوع، أن يسجد الملائكة الذين كانوا يقولون: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [البقرة: 30] فلم يقف الأمر عند خلق آدم بل أُمروا أيضًا بالسجود له، فهذا مقام يقتضي تعظيم الآمر وهو الله - تبارك وتعالى - ؛ ليكون ذلك أدعى إلى تنفيذ أمره وتحقيقه لما له من العظمة في النفوس.

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ [البقرة: 34] هنا ليس في مقام الأمر، وإنما هو مقام خبر يُخبر الله نبيه ﷺ عن غيوب مضت قبل أن يخلقه، وقبل أن يخلق آدم وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: 30] فهذا فيه تفنن في الخطاب، هذا بالإضافة إلى ما ذكرت من الفرق بين المقامين، ينضاف إلى ذلك أيضًا أن ذكر هذا الاسم الكريم "الرب" في الموضع السابق وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: 30] فاسم الرب يتعلق بتدبير أمور المربوبين من أهل العالم العلوي، والعالم السُفلي، فيدخل في ذلك خلق آدم ويدخل في ذلك أيضًا الأمر أمر الملائكة بالسجود له، فكل ذلك من معاني ربوبيته، ومن مُقتضياتها فهو يتصرف بخلقه ويُدبر شؤونهم أمرًا ونهيًا وفعلاً وخلقًا، كل ذلك يرجع إلى ربوبيته وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ [البقرة: 30] وهنا وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة: 34] فهذا من وجوه الفرق بين المقامين.

هذا الموضع أيضًا أخذ منه طوائف من أهل العلم: تفضيل آدم على الملائكة، باعتبار أن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم، والسجود إنما يكون من المفضول للفاضل، وتكلم العلماء في هذا الموضع من كتب التفسير، وألم به طوائف منهم في كتب الاعتقاد وغيرها في الكلام على مسألة معروفة، وهي المُفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر، إذا أُمروا بالسجود لآدم فالنبي ﷺ أفضل من آدم فإذا كان آدم أفضل من الملائكة؛ فإنه يوجد في ذرية آدم من هو أفضل من آدم ومعلوم أن رسول الله - عليه الصلاة والسلام - هو أفضل البشر، وأفضل الأنبياء والمرسلين، وهو أشرفهم، فإذا كان الأمر كذلك فيكون أيضًا غير آدم ممن له فضل ومنزلة كآدم، أو أفضل من آدم - عليهم صلوات الله وسلامه - فيكونون أيضًا أفضل من الملائكة.

فالعلماء يتكلمون على هذا، ويتكلمون على عبودية الاختيار، وهي عبودية البشر، ومن ثَم قيدوا ذلك بالصالحين من البشر، لكنها مسألة لا طائل تحتها، ولا يترتب عليها عمل؛ وذلك كان المُحققون من أهل العلم ينأون بأنفسهم عن الخوض في ذلك، والاشتغال به؛ لأنه لا يترتب عليه عمل، وإنما يشتغلون بالمسائل التي ينبني عليها عمل، إذا عرفت أن صالحي البشر أفضل من الملائكة، أو أن الملائكة أفضل من صالحي البشر ما الذي يترتب على هذا؟ لا شيء، من الناحية العملية، لا شيء، لكن يكفينا هذا السجود أنه يدل على تشريف آدم وكما ذكرنا من قبل بأن المِنة والنِعمة الواصلة إلى الآباء تلحق الأبناء؛ ولهذا فالله يقص علينا هذا القصص امتنانًا وإخبارًا، وأيضًا لنقوم بمُقتضيات هذا التكريم، من عبادته وحده، وعدم طاعة الشيطان، والله المستعان.

ثم تأمل قوله - تبارك وتعالى -: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا [البقرة: 34] الفاء تدل على التعقيب المُباشر، فهذا يدل على سرعة الامتثال والاستجابة بلا تردد، لكن من الذي توقف وامتنع؟ هو إبليس، كما قال الله - تبارك وتعالى -: إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ [البقرة: 34] فهذا الاستكبار يعني الاستزادة والتطاول، والتمادي في الكِبر، فالسين والتاء هنا في استكبر بعض أهل العلم يقولون: هي للمُبالغة، وليست للطلب، يعني: تمادى في تكبره وترفعه، فحصل منه هذا الامتناع، فجاءت بهذه الصيغة الاستفعال الاستكبار، ومن هنا ذهب بعض أهل العلم إلى أن هذه المادة: "الكِبر" لا تأتي في القرآن إلا بهاتين الصيغتين استكبر وتكبر، بمعنى أنه كأنه يتكلف ذلك وليس بكبير، لكن هذا ليس على إطلاقه؛ لأن أصل هذه المادة فيما يُعبر به ويوصف به المعبود يُقال: الله المُتكبر وهو كبير حقًا، وهو أكبر من كل شيء فجاءت على هذه الزِنة والبناء، ولكن بالنسبة للمخلوق لا شك أنها نقص؛ لأنه عبد لا يصلح له الترفع والكِبر، فهذا المعنى الذي أشار إليه بعض أهل العلم كالطاهر بن عاشور[2] على جلالته وقدره في هذه العلوم البلاغية إلا أن ذلك قد لا يتأتى في ما يتصل بوصف الله فإنه يُشكل على ما ذكر.

ثم تأمل قوله - تبارك وتعالى -: إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ [البقرة: 34] يعني لم يأب فقط؛ بل استكبر وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة: 34] وهذا يدل على أن إبليس كان مع الملائكة حينما أُمروا بالسجود دخل في الأمر معهم، ومن هنا فهم بعض أهل العلم أن إبليس كان من الملائكة فكفر، وهذا أمر، وإن قال به جمع من أهل العلم بما فهموا من هذه الآيات التي جاء فيها الاستثناء، وقالوا: إن الأصل في الاستثناء الاتصال، وليس الانقطاع، ومعنى الاتصال في مثل هذا الموضع والمواضع الأخرى بمعنى أنه حينما يكون استثناء فالأصل أن المُستثنى من جنس المُستثنى منه، تقول: جاء القوم إلا رجلاً، فالرجل من القوم، تقول: رأيت المُصلين إلا زيدًا، فزيد من المصلين، ومن جُملتهم لكني ما رأيته، وهكذا، فالأصل أن المُستثنى من جنس المُستثنى منه، لكن لما تقول جاء القوم إلا بعيرًا، فالبعير ليس من القوم، فهذا يسمونه الاستثناء المُنقطع الذي لا يكون المُستثنى من جنس المُستثنى منه، تقول: أخذت النقود إلا صاعًا من تمر، صاع التمر ليس من النقود، فهذا استثناء مُنقطع، بمعنى لكن، لكن صاعًا من تمر لم آخذه، جاء القوم لكن بعيرًا لم يصل، بهذا المعنى، هذا يُقال له استثناء مُنقطع.

فبعض أهل العلم لما نظروا إلى القاعدة، وأن الأصل في الاستثناء هو الاتصال وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ فهذا أمر للملائكة اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قالوا: فالأصل في الاستثناء أن المُستثنى من جنس المُستثنى منه، إذًا: إبليس من الملائكة، لكن هذا يُشكل عليه ويُرد عليه هذا الفهم الذي لا شك أن هذه القاعدة تؤديه، لكن القرآن يُفسر بعضه بعضا، ففي جميع المواضع جاء الاستثناء هكذا إلا في آية الكهف إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف: 50] فهذه صريحة، ولكن بقي أولئك على قولهم أنه كان من الملائكة، طيب وكان من الجن؟ قالوا: الجن قبيل من الملائكة، صنف من الملائكة يُقال لهم الجن، وأن ذلك هو المُراد بقوله - تبارك وتعالى -: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا [الصافات: 158] قالوا الملائكة، أن المشركين نسبوا الملائكة إلى الله - تبارك وتعالى - وهذا الكلام غير صحيح؛ لأنه خلاف الظاهر المُتبادر، والأصل حمل الكلام على الظاهر المُتبادر إلا لدليل يوجب الرجوع إلى معنى آخر، وهو التأويل، كما يقولون، فهنا لا يوجد دليل، فيُقال: هذه الآيات تُفسرها آية الكهف، فإبليس لم يكن من الملائكة، لكنه كان معهم في الملأ الأعلى؛ ولذلك أمره الله بالخروج وطرده وأبعده وأهبطه، فهبط من السماء إلى حيث شاء الله - تبارك وتعالى - إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى ما سبب هذا الإباء؟ هو الكبِر استكبر، فهذا الكِبر هو سبب البلاء والشر والشقاء، هو الذي جعل هؤلاء الكفار الذين عرفوا صدق ما جاء به النبي ﷺ يردون دعوته، ويؤثرون الخلود في النار على الاستجابة يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [البقرة: 146] إذا كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، إذًا هم يعلمون أنهم سيدخلون النار، وسيُخلدون فيها، ومع ذلك أصروا؛ فإن الكِبر يدفع صاحبه دفعًا، ويستفزه إلى ركوب المعاطب والمهالك، ويُعميه عن النظر فيما يُصلحه وينفعه ويرفعه.

وهكذا فإن الإنسان قد يرد الحق الذي جاء على يد غيره ممن يرى أنه دونه، وكما قال الشيخ عبد الرحمن المُعلمي اليماني - رحمه الله - في كتابه جليل النفع، عظيم القدر "التنكيل" والذي أُفرد أوله المعروف بكتاب "القائد إلى تصحيح العقائد" فذكر جُملة من الأسباب في رد الحق، ومداخل الهوى الدقيقة التي لا تكاد تخطر على بال في ذلك، فمما ذكره الكِبر[3] ففرعون كان يقول عن موسى أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ [الزخرف: 52].

وهكذا كان أولئك الكفار منذ أمد طويل وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا [هود: 27] لو كان هذا الذي جاء به الرسل - عليهم الصلاة والسلام - حقًا خيرًا، يقولون: ما سبقونا إليه، يرون أن المقاييس والمعايير هي بمقاييسهم هم لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: 31] ينزل على هذا اليتيم! أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الزخرف: 32].

أبو سفيان لما سمع هرقل يقول ما قال بعد السؤالات المعروفة التي وجهها إليهم يسألهم عن النبي ﷺ وعن دعوته، وعرف أن ذلك حق، وأنه سيملك ما تحت قدميه، ماذا قال أبو سفيان حينما خرج من عنده؟ قال: "لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر"[4].

ولاحظ الاختيار بعناية الاسم ابن أبي كبشة، يريد أن يغض من النبي ﷺ فالذي منعهم هو الكِبر، فهذا هو الذي في صدورهم كما أخبر الله : إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ [غافر: 56] فهذا التعالي والترفع والتعاظم يجعل الإنسان يرد الحق، وكما يقول المعلمي - رحمه الله - في كتابه الذي أشرت إليه آنفًا: إن الإنسان قد يرد الحق؛ لأنه يرى أنه قد جاء عن طريق من هو دونه، أو يراه دونه، أو لئلا يشعر أحد أو يشعر هذا الذي جاء بالحق أن ذلك أفضل منه، فيتكبر، أو أن يُنسب إلى ضلالة في سالف دهره، قضى دهرًا وهو يدعوا إلى هذا ثم بعد ذلك يخرج أنه كان على ضلال.

أو أنه يرجع إلى المُربع رقم صفر بمعنى أنه كل هذه المآثر التي حصلها، والمكاسب التي جمعها، والمنزلة الاجتماعية التي حصلها ستضمحل؛ لأنها بالباطل، فهذا صار له في الباطل شُهرة ومعيشة، فيرد الحق بسبب هذا، وهكذا أيضًا يرد الحق لئلا يُعير بهذا، كما فعل أبو طالب عم النبي ﷺ فكان كما ذكر الحافظ ابن كثير - رحمه الله - في قصيدته المشهورة أنه يقول:

ولقد علمت أن دين محمد # من خير أديان البرية دينا[5].

لكنه يعتذر عن اتباعه؛ لئلا يلحقه مسبة، ويُعير أنه ترك دين الآباء والأجداد، فأخذته الأنفة والحمية، لكن هل نفعته هذه الحمية؟ أبدًا، فمات وهو يقول: هو على دين عبد المطلب.

إذًا: الحق ينبغي أن يُقبل ممن جاء به، وقد أخذ أهل العلم في قصة سليمان معه الهدهد وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ [النمل: 22] بخبر سبأ، وسليمان ما منعه أن يرد هذا الخبر الذي ترتب عليه هذه الآثار الكِبار بسبب حقارة الهُدهد، أنه جاء بطريق هُدهد فلم يمنعه ذلك من النظر والتثبت والتحري، ثم بنى عليه ما قد علمتم مما أخبرنا الله - تبارك وتعالى - فالكِبر أحيانًا يمنع الإنسان من اتباع الحق، يمنعه من اتباعه مُطلقًا يرد كل الحق، يرد دعوة الرُسل، اليهود ردوا دعوة النبي ﷺ وكذلك قد يرد بعض الحق في مسألة في جُزئية الشيخ الأستاذ المُعلم، ونحو ذلك، قد يرد عليه تلميذ فقد يتكبر ويأنف ويغضب، فيمنعه ذلك من الرجوع إلى الحق ويُكابر، يأتي بأجوبة ركيكة وضعيفة وبعيدة من أجل أن لا يقول أخطأت، لا، هو يجب أن يقول بكل شجاعة أخطأت، أو إذا لا يعرف الجواب يقول لا أعرف، ثم بعد ذلك يقول أبحث أنظر أُراجع وهكذا، هذا هو الصحيح، وما قد يُقال في بعض طُرق التدريس، ونحو هذا بأن المُعلم الحاذق هو الذي يُحسن الخروج من السؤالات المُحرجة؛ فإذا سأله أحد الطلاب بسؤال لا يعرف جوابه لربما يُجرى هذا في مُقابلات وهذا خطأ، مُقابلة من أجل أن يُختار في التعليم، يُقال: ماذا تفعل إذا وجه إليك أحد الطلاب سؤالاً، فيأتي هذا ويتذاكى، فيقول: أقول له هذا سؤال مُهم ذكرني في آخر المُحاضرة، أو يقول: هذه مسألة مهمة ابحثها، فيشتغل هذا الطالب البائس المسكين بنفسه، لا، قبل أن تقول هذا الكلام، أو تقول آخر المحاضرة من أجل أن ينسى، قول: أول شيء قول أنا لا أعرف، هذا أول جواب، إذا كان مثل الإمام مالك، وغير الإمام مالك يقولون بملأ أفواههم لا أدري، فكيف بالمُعلم، وبالناس المساكين من أمثالنا، ومن هو على هذه الشاكلة؟

نقول: أول شيء لا أعرف، ثم بعد ذلك نقول: أبحث هذه المسألة، أو تبحثها أو أبحثها تُراجعها، أو أُراجعها، أو نُراجعها سويًا، حتى نتواصل إلى شيء، فهذه ينبغي أن نتذكرها.

كذلك أيضًا الإنسان حينما يُقدم له نصيحة، ولو ممن هو دونه لربما تُقدم له زوجته، أو ولده، أو جاره، أو صديقه، أو من هو أقل منه لا حاجة للبحث عن حيل كثيرة، وطريق طويل، ومُقدمات حتى توصل إليه هذه النصيحة؛ خوفًا من ردود الأفعال العنيفة أن جاءت هذه النصيحة على يد من يتصور أنه أقل منه، لا، فإن الكبير يُكمل نفسه دائمًا ويفرح بما يُكمله وينفعه ويرفعه، أما النفوس الصغيرة فتلك التي إذا أُلقي فيها حجر فهي كالفنجان طفح، فلا يحتمل، ولا يتمالك، وأما البحر فإنه على اسمه لو ألقيت فيه الجِبال؛ فإنه يستوعبها، ويحولها إلى شُعب مرجانية ونحو ذلك، لكن الصغير لو قيل له رُبع كُليمة لأكلت معه وشربت دهرًا، نفوس الكِبار هي كالبحار، الإنسان الكبير كالفلاة قلبه واسع، فهو ينتفع ويستفيد مما عند الآخرين من ملحوظاتهم ونحو ذلك.

لاحظ ثم هنا قال: وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة: 34] لاحظ لم يقل وكان كافرا، وإنما جعله في جُملتهم؛ وذلك لأن إثبات الوصف لموصوف بعنوان كون الموصوف واحد، يعني: موصوف بعنوان فيكون هذا الموصوف هو واحد من جُملة هؤلاء الذين عرفوا بهذا وهم الكافرون مثلاً، ذلك أثبت وأعلق وأدعى إلى بيان حاله في الانغماس في جُملتهم وأنه قد ولغ في ذلك ولوغًا عظيمًا، وأنه قد صار بحيث يكون هذا الوصف ألصق ما يكون به، والله تعالى أعلم.

هنا أتوقف ولكن أختم بفائدة لا علاقة لها بهذا الموضوع، فائدة جميلة كنت ذكرتها في رمضان قبل سنتين أو نحو ذلك في الكلام على التدبر وطُرق الدلالة، فاليوم كنت أقرأ في ذلك الذي ذكرته فمرت بي هذه الفائدة وهي تصلح في مثل هذه الأيام ونحتاج إليها.

في قوله - تبارك وتعالى -: فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا ۝ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا ۝ وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا [الشمس: 13 - 15].

لاحظ فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ [الشمس: 14] ما هو الذنب؟ عقر الناقة مع شركهم بالله وتكذيبهم لنبيهم - عليه الصلاة والسلام - يقول شيخ الإسلام - رحمه الله -: "إذا كان هذا عذابه لهؤلاء وذنبهم مع الشرك عقر الناقة التي جعلها الله آية لهم فمن انتهك محارم الله، واستخف بأوامره ونواهيه، وعقر عباده، وسفك دمائهم كان أشد عذابًا"[6].

وهذا الوصف أصدق ما يكون اليوم على هؤلاء الذين اتخذهم الشيطان مطية للإفساد والفساد في الأرض، مُستحلين ذلك تحت راية عنوانها الجهاد ويحسبون أنه على شيء.

نسأل الله العافية يكون العبد بهذه الحال مما زُين له سوء عمله.

والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

  1.  أخرجه الترمذي، باب ما جاء في حق الزوج على المرأة، رقم: (1159)، وابن ماجه، كتاب النكاح، باب حق الزوج على المرأة، رقم: (1852). 
  2.  انظر: التحرير والتنوير (1/425). 
  3.  القائد إلى تصحيح العقائد (ص: 13). 
  4.  أخرجه البخاري، كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ؟ رقم: (7). 
  5.  البداية والنهاية (3/56). 
  6.  مجموع الفتاوى (16/250). 

مواد ذات صلة