تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الجمعة 21 / محرّم / 1441 - 20 / سبتمبر 2019
[26] قوله تعالى: {وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ..}
تاريخ النشر: ٢١ / شعبان / ١٤٣٦
التحميل: 1551
مرات الإستماع: 1732

بسم الله الرحمن الرحيم

مجالس تدبر القرآن

سورة البقرة

[26] قوله تعالى: وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ..

الشيخ/ خالد بن عثمان السبت

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

نواصل الحديث - أيها الأحبة - فيما قصَّ الله - تبارك وتعالى - من خبر آدم مع إبليس في هذه السورة الكريمة (سورة البقرة).

فالله - تبارك وتعالى - يقول: وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة: 35] يا آدم اسكن أنت وزوجك حواء الجنة، وتمتعا بما فيها من النعيم والثِمار، وما إلى ذلك تمتعًا هنيئًا رغدًا واسعًا، والرغد هو الذي لا مشقة فيه، ولا عناء، ولا كُلفة مع ما فيه من أنواع الملاذ والنعيم حَيْثُ شِئْتُمَا أي: في مكان تشاءان في الجنة وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ [البقرة: 35] وهي شجرة مُعينة، الله أعلم بها، ولا حاجة إلى الخوض في تحديدها؛ لأن ذلك لم يرد عن الله - تبارك وتعالى - ولا عن رسول الله ﷺ ولو كان في هذا مصلحة ونفع لأخبرنا الله عنه، وإنما جاء ذلك في بعض المرويات من أخبار بني إسرائيل التي لا يعوّل عليها فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة: 35] المتجاوزين لحدود الله وتقدست أسمائه.

يُؤخذ من هذه الآية وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [البقرة: 35] هذا الأمر لا شك أنه في حقيقته يدل على أن هذه السُكنى مؤقتة؛ لأن الله - تبارك وتعالى - قال قبل ذلك: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: 30] فخلقه الله - تبارك وتعالى - لذلك، وامتحنه بهذا الامتحان، فكان الله - تبارك وتعالى - يعلم قبل خلقه أنه سينتقل من الجنة، ويصير إلى الأرض اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [البقرة: 35] ولاحظوا التعبير هنا بذكر ضمير المُخاطب، فلم يقل: اسكن وزوجك الجنة، وإنما قال: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فهذا فيه مزيد تقرير وتأكيد لمعنى الضمير المُستتر في قوله: اسْكُنْ فقال: أنت ليصح العطف عليه؛ ولئلا يكون أيضًا تابعه المعطوف عليه أبرز منه في الكلام، يعني لو قال: اسكن وزوجك، فالزوج ظاهر، يعني الزوجة، فيكون المُخاطب أصالة هو آدم فيكون مُستترًا، والزوج - وهو حواء - ظاهر، فيكون أظهر منه، فقال: اسكن أنت، فأظهر الضمير هنا، وعطف عليه، والزوج يُقال للرجل، ويُقال للمرأة أيضًا، كل ذلك يُقال له: زوج، وقد ذكرنا في بعض المُناسبات في درس التسهيل وغيره: أن الأفصح في كلام العرب أن يُقال للمرأة: زوج، وأن هذا هو الذي جاء في التعبير القرآني في جميع المواضع، وكذلك أيضًا جاء في سنة رسول الله ﷺ وهو المعروف في كلام العرب، مع أن التعبير بزوجة صحيح من جهة اللغة العربية، إلا أنه قليل في الاستعمال، وليس هو الأفصح، لكنه ليس بلحن، وذكرنا في تلك المُناسبة قول الفرزدق، وهو شاعر يُحتج بشعره، قال:

وإن الذي يسعى ليُفسد زوجتي # كساعٍ إلى أسد الشرى يستبيلها[1].

قال: زوجتي، ولم يقل: زوجي، مع أن الأفصح والأشهر زوجي للمرأة، وهنا قال: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [البقرة: 35] اسكن هذا أمر، والمقصود به هنا الامتنان بالتمكين والتخويل بسُكنى الجنة، وليس هذا الأمر باعتبار أنه مُطالب بأن يسعى بنفسه لسُكنى الجنة، فهذا أمر لا قُدرة له عليه، هل يستطيع أحد أن يذهب ويسكن في الجنة؟ الجواب: لا، ولكن حينما قال الله لآدم اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فهذا يُقال على هذا السبيل، لا أن يسعى هو ليبحث عن الطريق الذي يتوصل به إلى الجنة، فيتخذ ذلك سكنًا، وإنما هو أمر تمكين له، وتخويل بسُكنى الجنة، وامتنان عليه بذلك.

ثم أيضًا حينما أمره بهذا قال: وَكُلا مِنْهَا يعني: من الجنة رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا [البقرة: 35] هذه الجنة كلام أهل العلم فيها معروف، وهل هي الجنة المعروفة، أو أنها جنة أخرى؟ الذين يقولون: إنها جنة أخرى، لا دليل على قولهم هذا، فـ(أل) هذه تُفيد العهد، وهذا العهد هو العهد الذهني، فالجنة المعهودة في أذهان المُخاطبين ما هي؟ هي الجنة المعروفة، ولا يُقال: إنها جنة أخرى ليست الجنة التي يصير إليها أهل الإيمان في الآخرة، وهذا يدل أيضًا على أن الجنة موجودة ومخلوقة، وقد سمع النبي ﷺ خصف نعلي بلال في الجنة، وذكر النبي ﷺ من صفتها وأحوالها، وكذلك جاء في القرآن، فالجنة موجودة مخلوقة الآن، وفيها الحور والولدان، وأرواح الشهداء في أجواف طير خُضر تسرح في الجنة، وفي أنهار الجنة، وأرواح أهل الإيمان أخبر النبي ﷺ أيضًا أنها تعلق بالجنة[2].

على كل حال هذا يدل على أن الجنة موجودة، وكذلك النار أيضًا مخلوقة وموجودة الآن، وقد وصفها النبي ﷺ ورأى بعض ما فيها، رأى فيها عمرو بن لُحي الخُزاعي، الذي غير دين إبراهيم وهو أول من جاء بالأصنام إلى جزيرة العرب، وأول من سيب السائبة، ورأى فيها صاحب المِحجن الذي كان يسرق الحاج، ويسرق المتاع بمحجنه، وهي عصا لها نهاية معكوفة، يضعها خلفه، فيسرق متاع الناس، فإذا تفطنوا له، قال: هذا مما تعلق بالمحجن، يعني: من غير قصد، فإن لم يتفطنوا له انطلق وذهب به، فأخبر النبي ﷺ أنه رآه في النار[3].

فهنا قال: وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا [البقرة: 35] الأكل من أعظم أنواع النعيم والملاذ التي تطلبها النفوس، وهنا أباح الله - تبارك وتعالى - لآدم ولزوجه أن يأكلا من الجنة من حيث شاءا، فـ(حيث) هنا تدل على المكان المُبهم، يعني من غير تحديد ولا حصر، فهذا يدل على الإطلاق في الإباحة من أجل أن يأكلا من ثمر الجنة، من أي نوع، ومن أي صنف، ومن أي موضع، سوى الشجرة التي نهى الله - تبارك وتعالى - عن الأكل منها، فهذا يدل على التوسعة في الأكل.

وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة: 35] فهذا نهي، والنهي للتحريم وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة: 35] فزاد في المنع والحضر، ببيان الصفة، يعني إن أكلتما من هذه الشجرة فإنكما تكونان من الظالمين، والظالم هو الذي قد وضع الشيء في غير موضعه، وكل من عصى الله - تبارك وتعالى - فقد ظلم، وأعظم ذلك هو الإشراك بالله وتقدست أسمائه إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13] فهذا علق الله - تبارك وتعالى - به النهي عن هذه الشجرة، مُبالغة في تحريم الأكل منها، ووجوب الاجتناب.

ويلاحظ أن النهي هنا جاء بهذه الصيغة وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ [البقرة: 35] ولم يقل: ولا تأكلا، وإنما قال: وَلا تَقْرَبَا والقاعدة: أن النهي عن قُربان الشيء ومُقاربته أبلغ من النهي عنه، فإذا قيل: لا تقرب كذا، فهو نهي عنه وزيادة، مُبالغة في النهي، ويكون ذلك أيضًا نهيًا عن كل سبب يُوصل إلى هذا المنهي عنه، ولا شك أن مُقاربة الشيء المحظور والممنوع أدعى إلى فعله، وانجذاب النفس إليه، فهذه المُقاربة يوجد معهما من دواعي النفس، لا سيما مع محبة الشيء، والرغبة به، والنفس الأمارة، وما تأمر به، وما يأمر به الشيطان، ويُزينه من الخواطر والوساوس، وكذلك شياطين الإنس، فإن ذلك يكون داعية إلى الوقوع فيه، ومُقارفته، فإذا كان الإنسان يألف مُقاربة هذا الشيء، فهذه المُقاربة حينما يألفها تكون سببًا للمحبة، وتدعوه نفسه إلى مواقعة ذلك، ويغفل عن نهي الله - تبارك وتعالى - وتحريمه؛ ولهذا قال النبي ﷺ بأنه: كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه[4] وقد ذكر أهل العلم كالشاطبي - رحمه الله - بأن التوسع في المُباحات يُفضي إلى الوقوع في المُشتبهات، وأن الوقوع في المُشتبهات يُفضي بصاحبه إلى مواقعة ما حرم الله - تبارك وتعالى -[5].

فهنا جاء النهي عن مُقاربة هذه الشجرة، فالسبب الداعي إلى الشر منهي عنه، فمُقاربتها تدعو إلى الأكل منها، ويُؤخذ من هذه الآية: أنَّ الله - تبارك وتعالى - قد يمتحن العبد، فينهاه عن شيء قد تتعلق به نفسه، وتُحبه، ابتلاء واختبارًا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ [البقرة: 35] بل قال الله - تبارك وتعالى -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ [المائدة: 94] فالصيد إذا رآه الإنسان استفزته رؤيته، فينبعث في نفسه من الدواعي والإقدام والاندفاع لطلب هذا الصيد ما لا يخفى، فكيف إذا كان من القُرب بمكان، بحيث تناله اليد من غير حاجة إلى مُطاردة ومُلاحقة ووسائط بهذه الجوارح التي يصيد الناس بها، بل هذا يأتي، ويستعرض بين يديه تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ [المائدة: 94] فلا يحتاج إلى مُلاحقة ومُطاردة، يأخذه بيده، أو ينخسه ويطعنه برُمحه، فهو قريب جدًا بين يديه، ابتلاء واختبارًا، كما ابتلى الله بني إسرائيل إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا [الأعراف: 163] ظاهرة، تأتي على الشاطئ وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [الأعراف: 163] كذلك الاختبار يختبرهم الله - تبارك وتعالى - فالإنسان قد يُختبر ويُبتلى بصفقة، أو بمال يتحصل له، بشيء مُحرم، وقد يُبتلى بنظر مُحرم، يتيسر له، وهذه الوسائل والوسائط اليوم التي أصبحت في يد الصغير والكبير، يُشاهد فيها ما حرم الله، فهذا ابتلاء من الله ليعلم الله من يخافه بالغيب تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ [المائدة: 94] فهذه المشاهد قريبة المنال، ربما تنجذب إليها بعض النفوس، ويُغري بها الشيطان والنفس الأمارة بالسوء لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ [المائدة: 94] فهنا جاء الامتحان بهذه الشجرة فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة: 35] فالفاء هنا تدل على التعليل، وترتيب ما بعدها على ما قبلها، وهذا الذي يُسميه الأصوليون: بدلالة الإيماء والتنبيه، يعني: أن الأكل من الشجرة ومعصية الله - تبارك وتعالى - تكون سببًا للظلم؛ ليصير العبد ظالمًا؛ فيستحق الوصف بالظُلم فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة: 35] يعني: في جُملة الظالمين، وهذا أعلق بهذا الوصف - كما ذكرنا في الليلة الماضية - عن إبليس الذي استكبر، وكان من الكافرين، أي في جُملتهم؛ وذلك لعلوق الوصف به، فهنا: فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة: 35] ومن ثَم فإن من ارتكب محارم الله، وانتهك حدوده، أو ترك ما أمره الله به، فإنه من الظالمين، فإن الظلم يكون بين العبد وربه، ويكون بين العبد ونفسه، ويكون بين العبد وإخوانه؛ ولهذا قال آدم وحواء - رحمها الله - بعد الأكل من الشجرة، وما تبين لهما من الظلم: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا [الأعراف: 23] فعرفوا أنهم وقعوا في مثل هذا، فاستفاقا بعد هذه المعصية، فهذا كله يدعونا - أيها الأحبة - إلى الوقوف عند هذا المعنى، فإذا أرادت النفس أن تطلب شيئًا حرمه الله عليها، فليتذكر أن هذا ليس له، وأنه إن أقبل عليه فهو ظالم، وموصوفًا بالظلم، فيكون من الظالمين.

أسأل الله أن ينفعنا وإياكم بالقرآن العظيم، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، اللهم ارحم موتانا، واشف مرضانا، وعاف مُبتلانا، واجعل آخرتنا خيرًا من دنيانا.

والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

  1.  البيت له في إصلاح المنطق (ص: 235) والصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (1/320). 
  2.  أخرجه ابن ماجه في كتاب الجنائز، باب ما جاء فيما يقال عند المريض إذا حضر برقم: (1449) ولفظه: إن أرواح المؤمنين في طير خضر، تعلق بشجر الجنة وضعفه الألباني. 
  3.  أخرجه مسلم في كتاب الكسوف، باب ما عرض على النبي ﷺ في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار برقم: (904). 
  4. أخرجه مسلم في كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات برقم: (1599). 
  5.  الموافقات (3/526). 

مواد ذات صلة