تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأحد 16 / شعبان / 1440 - 21 / أبريل 2019
[31] قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ}
تاريخ النشر: ٠٤ / رمضان / ١٤٣٦
التحميل: 1466
مرات الإستماع: 1617

بسم الله الرحمن الرحيم

مجالس تدبر القرآن 

سورة البقرة

[31] قوله تعالى: وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ

الشيخ/ خالد بن عثمان السبت

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

يقول الله - تبارك وتعالى - في خطابه لبني إسرائيل في هذه السورة الكريمة (سورة البقرة) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة: 43] هذا أمر لهم بإقام الصلاة على الوجه الصحيح المشروع، مستوفية لشروطها، وأركانها، وواجباتها، وكذلك أيضًا بإيتاء الزكاة المفروضة على الوجه المشروع، وأن يكونوا في جملة الراكعين المصلين وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة: 43] وهذا أمر لهم في الواقع أيضًا بالدخول في الإسلام؛ لأنهم لا يمكن أن يأتوا بذلك على الوجه المشروع في وقت هذا الخطاب إلا بدخولهم في الإسلام، فإن الكفار لا يُقبل منهم صلاة ولا زكاة ولا عبادة من العبادات - كما هو معلوم - إلا إذا دخلوا في الإسلام.

والله - تبارك وتعالى -: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: 85] فالله - تبارك وتعالى - لا يتقبل أعمال الكفار على جميع مِللهم ونِحلهم وأديانهم ومذاهبهم، والله - تبارك وتعالى - يقول: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان: 23] وشبّه أعمالهم بالرماد وبالسراب.

ويُؤخذ من هذه الآية وهي قوله - تبارك وتعالى -: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة: 43] أن الصلاة والزكاة كانتا واجبتين على هؤلاء من بني إسرائيل، وهما واجبتان في شرائع الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وذكرت في بعض المناسبات بأن أصول الدين العِظام، ومبانيه الكِبار قد اتفقت عليها الشرائع يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران: 43] فهذا موجود في خطاب هؤلاء الذين خُوطبوا به، وكما قال الله - تبارك وتعالى - في الصيام: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: 183] وقد بينا الكلام في ذلك مفصلاً في شرح آيات الصيام وتفسيرها، وقلنا: إن التشبيه في قوله: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: 183] في أصل الفرضية، كما ذهب إلى ذلك طوائف من أهل العلم، وقلنا: إن مثل هذا يُخفف العبادة ويهونها على النفوس، كأنه يقول: لستم ببدع في هذا الأمر، فلستم أول من يُصلي، أو أول من يُزكي، أو أول من يصوم، وإنما كان ذلك مفروضًا على من قبلكم، والإنسان حينما يُكلف بالتكاليف الشاقة، ثم يُقال له هذا الطريق قد سلكه سالكون قبلك وهذا العمل قد فُرض على أُمم قبلك، فإن ذلك يُخففه، وهكذا في سائر المزاولات الصعبة الشاقة، الإنسان حينما يُريد أن يسلك طريقًا في سفر مخوفة، أو حينما يُريد أن يتعاطى لونًا من العلاج لا يخلو من مخاطر أو عملية جراحية، أو نحو ذلك، فيُقال: هذا عمله فلان، وهذه الأدوية قد تعاطاها فلان، وهذه المزاولات قد زاولها قبلك فلان وفلان وفلان، فيخف أثر ذلك عليه، ويهون، بخلاف ما إذا كان هو الطارق الأول لهذا السبيل، فإن ذلك يشق عليه، فإذا عرف المؤمن أن هذه العبادات والفروض الكِبار قد فُرضت على هذه الأمم قبلنا، فإن ذلك يُخففها عليه، وهكذا الحج فقد كان مفروضًا عليهم، وقد أخبر النبي ﷺ أن مسجد الخيف الذي في مِنى قد صلى فيه سبعون نبيًا[1] وذكر النبي ﷺ يونس بن متى في طريقه إلى مكة، قال: كأني أنظر إلى يونس على ناقة حمراء، عليه جبة صوف، خطام ناقته ليف خلبة، مارًا بهذا الوادي، ملبيًا[2].

ويُؤخذ أيضًا من هذه الآية وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة: 43] أن الصلاة إنما يُطلب إقامتها، فلا نجد موضعًا واحدًا في كتاب الله: أدوا الصلاة، فإن إقامة الصلاة تعني أن يأتي بها على الوجه المشروع مستوفية لما يُطلب فيها من شرط وواجب ومندوب، فإذا جاء بها على هذه الصفة، فهي التي تؤثر الأثر المذكور المرتب عليها، وكذلك في قوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت: 45] فإن هنا تدل على التوكيد كما أنها تدل على التعليل، كأنه يقول: لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وذكرنا مرارًا القاعدة المعروفة، وهي أن الحكم المعلق على وصف يزيد بزيادته، وينقص بنقصانه، هنا وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت: 45] فالوصف إقام الصلاة، والحكم المرتب عليها أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، فبقدر إقامتها يكون أثرها، وبقدر ما نُقيمها يحصل هذا الأثر من نهيها عن الفحشاء والمنكر، فإذا نقص ذلك الوصف، يعني إقام الصلاة، يُصلي الإنسان بلا قلب حاضر، ولا يُقيم ركوعها وسجودها على الوجه المطلوب، فإن أثرها يضعف، فيكون نهيها عن الفحشاء والمنكر ضعيفًا، كما نُشاهد.

ثم أيضًا هنا هذه الزكاة تُحمل على المُتبادر إلى الأذهان وَآتُوا الزَّكَاةَ الزكاة المفروضة، وقد ذكرت عصر هذا اليوم في الكلام على الزكاة أن الزكاة قيل لها ذلك لأمرين:

الأمر الأول: أنها بمعنى النماء في أصلها اللغوي، فهذا يحصل به نماء المال، ما نقص مال عبد من صدقة[3].

والأمر الثاني: وهو الطهارة، طهارة النفس من الشُح والبُخل، وطهارة المال مما قد يشوبه من المكاسب التي ليست بتلك، فيحصل الطهارة لهذا وهذا، وأما زكاة الفطر فهي طُهرة للصائم، تلك التي يُقال لها زكاة الأبدان، أو زكاة النفوس، فهذه يحصل بها الزكاة لهذا الصوم، مما قد يُداخله، وأما الزكاة بإطلاق زكاة النفوس والأرواح والقلوب فذلك بالإيمان قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس: 9] وقلنا: بأن قوله - تبارك وتعالى -: وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ۝ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [فصلت: 6 - 7] وأن الأرجح أن المقصود به زكاة الأرواح والنفوس بالإيمان، والعمل الصالح، والمُباعدة عن الشرك ومساخط الله وتقدست أسمائه.

فهذه الأسماء الشرعية، الصلاة صِلة بين العبد وربه، فهي نعمة جليلة، ومِنة عظيمة يبقى صِلة بين هذا المخلوق الضعيف الهباءة في هذا الكون الواسع الشاسع، وبين العظيم الأعظم، إذا كانت الكرة الأرضية كحبة رمل في هذا الفضاء، فما بال الناس فيها، فتبقى هذه الصلاة صِلة بين العبد وربه، خمس فرائض، وما بين ذلك من النوافل ما شاء، فإذا قويت صلته بربه - تبارك وتعالى - فلا تسأل عن ألطاف الله النازلة عليه، فيكون في حال من المنعة والعزة والقوة والمهابة، ويحصل له من السمو والراحة والروح والنعيم، فيكون في جنة في الدنيا قبل جنة الآخرة؛ ولذلك كان النبي ﷺ يقول: يا بلال أقم الصلاة أرحنا بها[4] فانظروا أثر هذه الصلاة، وانظروا إلى حالنا قبل الصلاة حينما أتينا إلى المسجد، وإلى حالنا بعد الصلاة، فرق واضح، في النفوس، والوجوه، والأبدان.

والزكاة هي زكاة على اسمها، تطهير للنفوس والأرواح، وتطهير للأموال، وهذا شيء لا شك أنه نعمة عظمية، ينبغي أن يغتبط بها العبد، وأن يستشعر أنها مِنة من الله، يُطهر بها نفسه وماله في آنٍ واحد، لا أنها من قبيل المغرم، فتثقل عليه، فإذا أراد أن يُخرج الزكاة بدأ يحسب ألف حساب، هذا فيه زكاة، أو هذا ليس فيه زكاة؟! هذه الأرض أنوي بها كذا أو أنوي بها كذا؟! وإذا جاء قبل الحول يبدأ يُفكر كيف يتخلص من هذه الزكاة، وإذا جاء الحج بدأ يُفكر كيف يأتي بحج لا هدي فيه، فيشعر أن هذه العبادات المالية أو البدنية، أو ما رُكب منهما: أثقال تُرهق كاهله، فإذا كان في صلاة يريد أن يتخلص منها، وإذا جاءت الزكاة يشعر أن ذلك قد قُطع من قلبه، فهذا المال الذي يخرج يشعر أنه غير مخلوف، وغير معوض، وأن هذا المال يذهب كأنه ضريبة قد فُرضت عليه، المؤمن يفرح ويُسر ويحمد الله ويُخبت، ويسأل الله - تبارك وتعالى - القبول، فهذا هو الصحيح لمن عقل عن الله - تبارك وتعالى - وانظروا اسم هذه العبادة: زكاة، فليست ضريبة، وليست مغرمًا، وإنما هي من قبيل المغنم بحق.

ثم أيضًا تأمّل قوله - تبارك وتعالى - في هذه الآية: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ هذا أمر، فدل على أنها كانت واجبة عليهم، وكذلك الزكاة، وهل كانت هناك واجبات أخرى عليهم؟ الجواب: نعم، وفي خطاب الله - تبارك وتعالى - لأهل الإيمان من أهل هذه الأمة يرد كثيرًا الاقتران بين الصلاة والزكاة، وقد ذكرت في بعض المناسبات كلام أهل العلم في الجواب عنه، وقلت: إن ذلك من وجهين:

الوجه الأول: أن الصلاة صِلة بين العبد وربه، والزكاة صِلة واصلة إلى الخلق من إخوانه، وأن سعادة العبد دائرة بين الأمرين، حُسن الصلة بالله، والإحسان إلى الخلق، هذه السعادة مُركب يدور على هذين الأمرين، صلة العبد بربه، كيف هي؟ والأمر الثاني: الإحسان إلى الخلق، فذكر الصلاة، والزكاة.

الوجه الثاني: هو أن هذه الصلاة هي رأس العبادات البدنية، والزكاة هي رأس العبادات المالية، والعبادات إما مالية، وإما بدنية في الأصل، فالعبادات البدنية أعظمها الصلاة، والعبادات المالية أعظمها الزكاة، فذكر رأس العبادات البدنية، ورأس العبادات المالية؛ ليدل على ما عدا ذلك، فقال: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فهذا وجه في الاقتران بين الصلاة والزكاة، وهو كثير في القرآن، وهذا يدل على أنهما أعظم شرائع الدين بعد الشهادتين.

كما قلنا في أول سورة البقرة ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 2] من هؤلاء؟ قال: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [البقرة: 3] فهؤلاء هم المتقون، والذي لا يُصلي ولا يُزكي ما حاله؟ قد ضيع هذه الأصول الكبار بعد الشهادتين، وأعظم أصلين، فما ظنك كيف تكون حياته في هذه الدنيا وراحته وسعادته وتوفيقه؟ كيف يكون؟! وكيف يأكل وينام ويستيقظ ويذهب ويجيء؟ وفي الآخرة فالنبي ﷺ أخبرنا: إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيء، قال الرب : انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك[5].

وأخبرنا في الزكاة عن ذاك الذي لا يُزكي إن كان صاحب غنم ماذا تفعل به هذه البهائم؟ وإن كان صاحب ذهب أو فضة، فإنه تُصفح بصفائح من نار، كما قال الله تعالى: يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة: 35] فلنعتني بهذا، ونرقب ربنا في هذه الفرائض، ولنحمل من تحت أيدينا على القيام بها على الوجه المطلوب وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه: 132] وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ [مريم: 55] فهذا مما يجب على الإنسان كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته[6] فلا يصح أن يبقى هؤلاء في فُرشهم، فيُتركون عطفًا، أو شفقة، أو يُتركون سآمة، أو انشغالاً عنهم، أو قلة مُبالاة، فإن الإنسان سيُحاسب.

وأيضًا تأملوا قوله - تبارك وتعالى -: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة: 43] أخذ منه جمع من أهل العلم وجوب صلاة الجماعة وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة: 43] وهذا المعنى ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -[7] وذكره الشيخ عبد الرحمن السعدي[8] وآخرون.

لكن هذا يمكن أن يُذكر على أنه من باب الاستئناس، ولكن عند التحقيق فإنه قد لا يكون دليلاً صريحًا في وجوب صلاة الجماعة، صلاة الجماعة دلت عليها أدلة صريحة واضحة، والنبي ﷺ هم أن يُحرق على أقوام بيوتهم، حيث تخلفوا عنه ﷺ فهذا يدل على الوجوب لا يمكن أن يُحرق على هؤلاء البيوت إلا أنهم تركوا واجبًا[9].

وكذلك في صحيح مسلم من أثر ابن مسعود لما ذكر هذه الصلوات الخمس، وأنها من سنن الهدى، ثم ذكر بعد ذلك في الإجابة إليها، ونحو ذلك، قال: "حيث يُنادى بهن"[10] وإنما يُنادى بهن في المساجد، فلا يُصلي الإنسان في بيته لا بمفرده ولا جماعة، وإنما يُصلي حينما يُنادي بهن، وما بُنيت المساجد إلا لهذا، فالأدلة على صلاة الجماعة الصريحة متحققة وموجودة، لكن هل هذه من الأدلة الصريحة الواضحة؟

الجواب: لا، لكن هذا يُذكر في حشد الأدلة؛ لماذا نقول بأن قوله: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة: 43] أنه ليس بصريح؟ لأن الله قال لمريم - كما سبق - قال: وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران: 43] فهل هي مأمورة بصلاة الجماعة؟

الجواب: لا، وهنا قال: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة: 43] أي في جملة الراكعين، يعني في جملة المصلين، فيكون داخلاً مع هؤلاء، يعني: أنه موصوف بصفتهم، وقد فعل فعلهم، وتحلى بحليتهم، هذا المقصود - والله تعالى أعلم - مع أن أهل العلم كثيرًا ما يذكرون هذا الدليل على وجوب صلاة الجماعة، ولكن هو ليس بصريح، ولا بأس أن يُذكر مع غيره، لكن عند التحقيق ليس من الأدلة الصريحة.

ثم هنا عبّر بالصلاة بماذا؟ بالركوع، وهو جزء منها، وإذا عُبر عن العبادة بجزء منها فإن ذلك يدل على أن هذا الجزء ركن فيها، فهذه قاعدة، فحيث عُبّر عن العبادة بجزئها، فهذا دليل على أنه رُكن منها، كما يُعبر عن الإنسان بالرقبة؛ لماذا؟ لأنه لا يمكن أن تنفصل عنه إلا بمفارقة الروح، فلم يُعبر عن الإنسان باليد أو بالرجل، أو بنحو ذلك، وإنما بالرقبة لأنها لا تنفك ولا تنفصل إلا بالانفصال عن الحياة، وكذلك هذه العبادات وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء: 78] المراد: القراءة في صلاة الفجر، تشهدها ملائكة الليل، وملائكة النهار، يشهدون صلاة الفجر، كما أخبر النبي ﷺ: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح، وصلاة العصر[11].

فهنا عُبر عن هذه الصلاة الفريضة (صلاة الفجر) بقرآن الفجر، فدلّ على أن القراءة رُكن فيها.

وقوله - تبارك وتعالى - هنا: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ۝ وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ [البقرة: 40 - 41] إلى أن قال: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة: 43] فرتّبها بهذا الترتيب، حيث بنى بعض الكلام على بعض، وجاء العطف هنا بالواو، مع أن الواو لا تقتضي الترتيب، فاُفتتح بذكر النِعم وأول الإنعام عليهم، تذكيرًا بالمِنة مما يقتضي الانقياد والاستجابة، واخُتتم أيضًا بالأمر بالانقياد للمُنعم وَارْكَعُوا والركوع يدل خضوع وتذلل للمُنعم المُتفضل وتقدست أسمائه، وذكر بين ذلك جملة من الأمور المُتصلة بالاعتقاد وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ [البقرة: 41] وقضايا أخرى وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً [البقرة: 41] إلى غير ذلك مما ذكره من التكاليف البدنية والمالية، مما يدعو إلى الاستجابة والانقياد والخضوع لله وتقدست أسمائه.

وهذه الأشياء التي أوردها - أيها الأحبة - هي إشارات، ووقفات قليلة، لا تفي بما تضمنته هذه الآيات من الهدايات، ولا تظن بحال من الأحوال أن هذا هو غاية ما يمكن أن يُستخرج، فالقرآن مليء بالهدايات، فنفتح قلوبنا له، ونُقبل عليه، ونتدبر كلام الله  فهذا الذي تسمعونه هو شيء قليل، مما تضمنته هذه الآيات، فهي تفتح آفاقًا، ويكون ذلك سبيلاً إلى مزيد من الإقبال والنظر والتأمل؛ ولذلك أعرض بعد كل مرة على الإخوان، أقول: من عنده إضافات على ما ذُكر؟ فلا تظن أن هذا نهاية المطاف، فيمكن أن يُجلس في الآية الواحدة مدة أضعاف هذا الذي يُذكر، وليس من عندي، ولا من كلامي، ولا من استنباطاتي، ولكن كلام أهل العلم.

القرآن كتاب عجيب، مليء بالكنوز، فأقبلوا عليه، واعرفوا قدره، ولا تقرأ بقلب معُرض مُشتغل، أو تقرأ قراءة من يُريد الأجر فقط بالقراءة والتلاوة، ولا يقف ولا ينتفع؛ وهذا القرآن الذي نسمعه في الصلاة، ولو تأمّل الإنسان الآيات التي تُقرأ لوجد ما لا يُقادر قدره من الهدايات، والمعاني العِظام، وعجبًا - والله - كيف تضل أمة، أو كيف يضل فئام من الأمة، وكتاب الله موجود، يُتلى كأنه قد أُنزل اللحظة.

أسأل الله - جل وعلا - أن ينفعنا بالقرآن العظيم، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين. 

  1.  أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط برقم: (5407) والمعجم الكبير برقم: (12283) وصححه لغيره الألباني في صحيح الترغيب والترهيب برقم: (1127).
  2.  أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات، وفرض الصلوات برقم: (166).
  3.  أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب الزهد، باب ما جاء مثل الدنيا مثل أربعة نفر برقم: (2325) وصححه الألباني.
  4.  أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب في صلاة العتمة برقم: (4985) وصححه الألباني. 
  5.  أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب الصلاة، باب ما جاء أن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة برقم: (413) وصححه الألباني.
  6.  أخرجه البخاري في كتاب العتق، باب كراهية التطاول على الرقيق، وقوله: عبدي أو أمتي برقم: (2554) ومسلم في الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر برقم: (1829).
  7.  الفتاوى الكبرى لابن تيمية (2/271).
  8.  تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 51).
  9.  أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب وجوب صلاة الجماعة برقم: (644) ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة باب فضل صلاة الجماعة برقم: (651).
  10.  أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب صلاة الجماعة من سنن الهدى برقم: (654). 
  11.  أخرجه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر برقم: (555) ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح والعصر برقم: (632). 

مواد ذات صلة