تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الخميس 20 / محرّم / 1441 - 19 / سبتمبر 2019
[102] قوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا..} إلى {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}
تاريخ النشر: ٢٤ / محرّم / ١٤٣٧
التحميل: 1222
مرات الإستماع: 2539

بسم الله الرحمن الرحيم

مجالس في تدبر القرآن

سورة البقرة

[102] قوله تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا.. إلى فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

الشيخ/ خالد بن عثمان السبت

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

نواصل الحديث فيما يتصل بالهدايات المستخرجة من هذه الآيات من سورة البقرة؛ وذلك في جملة ما خاطب الله به بني إسرائيل، أنهم قالوا: كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا [البقرة: 135] فردّ الله - تبارك وتعالى - عليهم بقوله: قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [البقرة: 135] .

ثم أمر أهل الإيمان أن يقولوا ما جاء في الآية بعدها: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة: 136] فبعد الإجمال السابق في قوله: قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا [البقرة: 135] جاء هذا التفصيل فيما يتصل بالإيمان ومتعلقاته.

قولوا أيها المؤمنون لهؤلاء من أهل الكتاب آمنا بالله، وأقررنا وأذعنا، وانقادت قلوبنا وجوارحنا، وأقرت ألسنتنا بأن الله - تبارك وتعالى - هو الواحد الحق المعبود بحق، وكذلك آمنا بما أُنزل إلينا من القرآن، ومما أوحى الله - تبارك وتعالى - به إلى رسوله ﷺ من الوحي الآخر الذي يشرح هذا القرآن، وهو سنة رسول الله ﷺ فهي وحي من الله.

قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا [البقرة: 136] فـ(ما) هذه تفيد العموم، فيشمل ذلك القرآن والسنة وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ [البقرة: 136] من الصُحف وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ [البقرة: 136] وهم الذرية ليعقوب الأنبياء من قبائل بني إسرائيل، يُقال لهم: الأسباط، وهم من نسل يعقوب ولم يكن أولاد يعقوب سوى يوسف والراجح أن أولاده البقية لم يكونوا أنبياء، فالأسباط يُقال لقبائل بني إسرائيل الذين تفرعوا من هؤلاء الأولاد من أولاد يعقوب فكان فيهم أنبياء، يعني في ذرية يعقوب على مدى أزمان مُتباعدة، كان بنو إسرائيل يسوسهم الأنبياء، كما قال النبي ﷺ حتى إنهم قتلوا في يوم واحد سبعين نبيًا، فهذا يدل على كثرة هؤلاء الأنبياء في بني إسرائيل.

فما أوتي موسى من التوراة، وعيسى من الإنجيل، وما أوتي جميع الأنبياء من الوحي من الله - تبارك وتعالى - وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة: 136] فعمّ بعد أن خصّ؛ وذلك أنه - تبارك وتعالى - هنا ذكر ما أُنزل إلى هذه الأمة، وذكر ما أُنزل إلى إبراهيم وولده، وما كان في ذريته من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -لأن هؤلاء ينتسبون إليهم، فلم يذكر لهم ما أُنزل على نوح وهود وصالح - عليهم السلام - وغير هؤلاء من الأنبياء، وإنما ذكر هؤلاء خاصة، ثم عمّ بعد ذلك: وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ.

لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ [البقرة: 136] بمعنى أننا لا نؤمن ببعض، ونكفر ببعض، وإنما نؤمن بالجميع، فالواجب هو الإيمان المُجمل بالرسل الكِرام - عليهم الصلاة والسلام - وبالوحي والكتب المُنزلة عليهم إجمالاً، ومن بلغه شيء من أسماء هؤلاء الأنبياء بأعيانهم، أو هذه الكتب كالتوراة والإنجيل، فيجب عليه أن يؤمن بأنها كتب منزلة من عند الله على سبيل التخصيص والتحديد، وإلا فالإيمان المُجمل يكفي، يعني: لو أن أحدًا من عامة المسلمين، لم يعرف أسماء هؤلاء الأنبياء، يعرف سورة الفاتحة، وقِصار السور، ويعرف نبينا ﷺ لكنه لا يعرف أسماء الأنبياء، فهو يؤمن إيمانًا مجملاً، ولا يعرف أسماء الكتب غير القرآن، فهل يُقال: إن إيمانه الواجب قد نقص؟ وأن إيمانه لم يتم؟ الجواب: إن إيمانه صحيح، لكن إذا بلغه شيء من ذلك وجب عليه الإيمان به، هذا معنى الإيمان المُجمل، والإيمان المفصل.

وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة: 136] فهذا إسلام القلوب والجوارح، فلا يكون في القلب أدنى معارضة، وتستسلم الجوارح وتنقاد، ويستسلم اللسان.

ويُؤخذ من هذه الآية قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ [البقرة: 136] أي: بألسنتكم، وهذا الأصل في القول أنه يكون باللسان، لكن مع مواطأة القلب؛ لأن الإيمان لا ينفع بمجرد نُطق اللسان، فالمنافقون كانوا ينطقون بألسنتهم بكلمة التوحيد، لكن من غير مواطأة القلب، فكان ذلك من النفاق.

كما أنه لا ينفع التصديق القلبي دون انقياد القلب، ودون الإذعان والإقرار القلبي، يعني مجرد التصديق وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ [النمل: 14] فهذا الذي وقع في قلوبهم من التصديق سواء كان ذلك فيمن بُعث إليهم الرسل - عليهم الصلاة والسلام - أو في المشركين الذين بُعث فيهم النبي ﷺ فالتصديق وحده لا يكفي، وليس هو الإيمان المطلوب شرعًا، بل المطلوب التصديق الانقيادي يعني تصديق خاص، فالإيمان ليس بمعنى التصديق حتى في لغة العرب، وقد ذكر الشيخ تقي الدين ابن تيمية - رحمه الله - نحو سبعة أوجه من الفروقات بين الإيمان والتصديق في اللغة[1] ولذلك الإيمان هو تصديق خاص، تصديق انقيادي بمعنى الإقرار والإذعان ونحو ذلك، فهنا قولوا بألسنتكم مع مواطأة القلوب، هذا القول الذي ذكره الله - تبارك وتعالى - .

ولاحظوا هنا: قالوا آمنا بالله قُدم الإيمان بالله؛ لأنه هو الأصل في جميع الشرائع، ثم أيضًا قدم قولوا آمنا بالله وما أُنزل إلينا مع أن الذي أُنزل على هذه الأمة جاء مُتأخرًا بالنظر إلى من ذكر من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - من لدن إبراهيم إلى عيسى  وذلك أن الإيمان بما جاء به النبي ﷺ شرط في صحة إيمان هؤلاء، فإن إيمانهم بهذه الكتب المُنزلة عليهم، وبهؤلاء الرسل الكِرام - عليهم الصلاة والسلام - لا يكفيهم، ولا يُغني عنهم شيئًا إن لم يؤمنوا بما أُنزل على النبي ﷺ .

ثم بالنسبة لهذه الأمة، وهم لا شك أن الذين أدركوا النبي ﷺ هم من جملة أمته حتى أهل الكتاب، فهم من أمة الدعوة، ممن يتوجه إليهم الخطاب، فهم مطالبون بالإقرار بالنبي ﷺ فقدّم ذلك قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وقوله هنا: قُولُوا آمَنَّا وفي خطاب النبي ﷺ : قُلْ آمَنَّا [آل عمران: 84] فوجّه الخطاب إليه ﷺ لمزيد الاختصاص بمُباشرة الرد على هؤلاء من أهل الكتاب فدعوته تشملهم، وجاء بجمع الضمير قُولُوا آمَنَّا هذا لعموم الأمة تعليمًا لها.

وأيضًا في قوله - تبارك وتعالى - : قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ [البقرة: 136] جاء على نسق من الترتيب بحسب الزمان إلا فيما يتعلق بما أُنزل على محمد ﷺ وهذا يدل على أن الترتيب في القرآن في جملة المذكورات لا يدل على الترتيب بحسب الوقوع في الزمان، فتارة يكون كذلك، وتارة يكون على غير هذا المعنى.

وأيضًا فيه إشارة إلى البداءة بالأهم، وإن كان مُتأخرًا وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ [البقرة: 136] فقدم ما أُنزل إلى هذه الأمة لأنه الأهم.

وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة: 136] والذي أوتيه النبيون من ربهم - عليهم الصلاة والسلام - هو الوحي والنبوة والكتاب، فهذا هو المهم والمطلوب، وهذا الذي يجب الإيمان به، والعناية به، ولم يقل: وما أوتي النبيون من ربهم من الرزق والمال والبلاد التي فتحوها، ونحو ذلك، وإنما الوحي والعلم والنبوة، فهذا هو ميراث الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فإنه لم يورث الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أراد ميراث النبوة فعليه أن يشتغل ويُقبل على العلم، وأن يعتني به، ولُباب العلم وخُلاصته ما جاء في هذا الوحي، فيتعلم علوم الوحي من الكتاب والسنة، وما يُطلب لذلك مما يكون مرقاة له، ومما لا بد له منه، من أجل أن يفهم نصوص الكتاب والسنة من العلوم المساعدة وهي علوم الوسائل.

فهنا قال: وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة: 136] وفي سورة آل عمران لم يقل: وما أوتي، وإنما قال: وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ [آل عمران: 84] فلم يذكر الإيتاء، فيمكن أن يكون ذلك باعتبار أن آية آل عمران قال الله فيها: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [آل عمران: 81] ثم بعد ذلك جاء الأمر بالإيمان من غير ذكر الإيتاء، فأغنى ذكره أولاً عن إعادته ثانيًا، والله تعالى أعلم، بينما في سورة البقرة لم يُذكر الإيتاء قبل ذلك.

وفي قوله: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ [البقرة: 136] في هذا الموضع تنزيل المفرد منزلة الجمع، في تناوله الآحاد مطابقةً، باعتبار أن لفظ (أحد) هو مُفرد في لفظه، لكنه بمعنى الجمع، لا سيما أنه جاء في صيغة النفي، والنكرة في سياق النفي تُحمل على العموم؛ ولذلك صح دخول (بين) لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ [البقرة: 136] .

وفي قوله: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا [البقرة: 136] ... إلى آخره، جاء ذلك بهذه الصيغة أن يقولوا جميعًا، قولوا آمنا بالله، أن يقول ذلك كل أحد، وأن يقوله مجموع الناس، فنزلهم منزلة النفس الواحدة وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فأتى بضمير الجمع قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا [البقرة: 136] .

ثم قال الله : فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: 137] .

فإن آمن هؤلاء من أهل الكتاب وغيرهم بمثل الذي آمنتم به فَقَدِ اهْتَدَوا يعني: إلى الحق، وإن أعرضوا عنه فإنما هم في خلاف شديد، فسيكفيك الله شرهم، وسينصركم عليهم، وهو السميع لأقوالكم وأقوالهم، والعليم بأحوال الجميع.

فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ [البقرة: 137] يعني: بما آمنتم به، وهذا واضح، لكن حينما نشق الشعرة والشعيرة ونُشقق هذه الألفاظ هنا تأتي الإشكالات، يعني: هؤلاء الذين يُشققون الألفاظ يورثون الإشكالات بتشقيقهم هذا، وإنما أذكر ذلك للتنبيه عليه؛ لأنه كثير في كتب التفسير، فهذه الآية المعنى واضح، فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به، يعني بما آمنتم به، فإذا قيل: آمنوا بمثل ما آمنتم به، وهل الذي آمنا به له مثل؟ وهل يصح إيمانهم بهذا المثل أو أنهم يُطالبون أن يؤمن بما آمن به بعينه لا بمثله؟ وليس له مثل أصلاً، فهنا يتكلمون على حل هذا الإشكال، والجواب عنه، وهل (مثل) هذه زائدة أو ليست بزائدة؟ وهكذا في مثل قوله - تبارك وتعالى - : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: 11] وهل له مثل؟ وهل لمثله مثل؟ حتى تدخل الكاف، والكاف للتشبيه، ومثل للتشبيه، ليس مثل مثله شيء، وهل له مثل حتى يكون لمثله شيء؟ ليس هذا هو المراد، وإنما العرب تذكر ذلك وتُريد به عينه وذاته، فيقال: مثلك لا يفعل ذلك، يعني أنت لا تفعل ذلك فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ [البقرة: 137] يعني: بما آمنتم به، هذا هو المعنى، والله تعالى أعلم، وأما شق الشعرة والشعيرة فهو يورث مثل هذه الإشكالات، ويكثر الكلام في ذلك، والجواب عنه في كتب التفسير.

ثم تأمّل قوله - تبارك وتعالى - : فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا [البقرة: 137] قد هنا دخلت على الفعل الماضي؛ وذلك للتحقيق، يعني: أن هدايتهم متحققة، فقد اهتدوا، يعني: أنه لا يمكن أن يتحقق لهم الاهتداء إلا بأن يؤمنوا بهذا الذي آمنا به، وأن يؤمنوا برسول الله ﷺ وأن يؤمنوا بالكتاب الذي أنزله الله عليه، وإلا فهم في شقاق، وفي خلاف شديد وبُعد عن الحق، ومن ثَم فإن أولئك الذين يصححون أديان هؤلاء الكفار من أهل الكتاب أو غيرهم، مخالفون لنص هذه الآية ولغيرها من الآيات بهذا المعنى في كتاب الله فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا [البقرة: 137] معناها: أنهم إن بقوا على دينهم لا يمكن أن يُقال: إن هؤلاء يدخلون الجنة، كما يقوله بعض المفترين، فهذا تكذيب لنص القرآن.

وكذلك في هذه الآية رد على من يدعون إلى الجمع بين الأديان، أو ما يُسمى بالدعوة إلى توحيد الأديان، أو الدعوة إلى تقريب الأديان، أو نحو ذلك، وهذه دعوة معروفة، ولهم مراكز في العالم، ولهم مؤسسات ومُنشئات، فتجد في بعض هذه المسجد والكنيسة ومعبد اليهود في مجمع واحد، وفي بعضها يوجد معبد أيضًا للبوذيين، فهذه الدعوة دعوة باطلة، ومُخالفة لنصوص القرآن، ومخالفة لنصوص السنة، والنبي ﷺ يقول: والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار[2] فلا يصح أن يُقال: إن هؤلاء يؤمنون بالله، ويصيرون إلى الجنة، ويتورع بعض هؤلاء من إطلاق الكفر عليهم، بل هم كفار بنص القرآن لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ [المائدة: 73] لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة: 17] وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [التوبة: 30] فهذا كله كفر صريح، وهذه قضية لا تحتاج إلى تنبيه، ولكن للأسف وجد في بعض من ينتسب إلى الإسلام من يُجادل ويُغالط في مثل هذه المسلمات.

ويقول الله هنا: وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ [البقرة: 137] فجاء بهذه الصيغة، والتوكيد بـ(إنما) ودخول ضمير الفصل بين طرفي الكلام لتقوية النسبة، هم في شقاق، فهذا يدل على أن هذا الشقاق مستمر إن بقوا على دينهم، وأنهم في خلاف شديد معنا، لا يمكن الاجتماع، ولا يمكن المُقاربة مع هؤلاء بحال من الأحوال، والله يقول: وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ [البقرة: 217] ويقول الله - تبارك وتعالى - : وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة: 120] فرضاهم لن يتحقق، وقتالهم لن يتوقف إلا بتركنا للدين، وأما الرضا فلن يتحقق إلا إذا اتبعنا ملة هؤلاء، وليس بتركنا للدين فحسب، فلاحظ التأكيد هنا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ وأيضًا جعلهم في شقاق (في) هذه تفيد الظرفية، يعني كأنهم مظروفون في الشقاق، وكأنهم في داخل الشقاق، فهم متوغلون ووالغون وواقعون ومُنغمسون فيه إلى النُخاع، يعني: أن ذلك لا يمكن أن ينفك، أو أن يُفارقهم بحال من الأحوال، فهو مستولٍ عليهم من جميع جوانبهم كالظرف الذي يُحيط بالمظروف.

ثم أيضًا هذا يدل على أنه لا حجة لأحد ممن يدع دين رسول الله ﷺ وهو دين الإسلام، الذي اختاره الله واصطفاه على سائر الأديان، إلا أن يكون في شقاق، يعني: ليس عنده إلا الشقاق، وليس هناك شيء آخر وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ [البقرة: 137] إذًا: ليس إلا الاهتداء بهذا الحق الذي حبانا الله به، أو الشقاق، وليس هناك قسم ثالث.

ثم انظر ماذا قال بعد ذلك؟ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ [البقرة: 137] فهؤلاء لن يدعوك، وسيبقون في شقاق، فإن لم يهتدوا بهذا، فهم سيعملون جاهدين على صدكم عن الدين ومحاربتكم، كما قال الله في أول سورة الأحزاب: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الأحزاب: 1] ثم قال لما نهاه عن اتباعهم وطاعتهم: وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [الأحزاب: 2] ثم قال: وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً [الأحزاب: 3] إذا لم تطع هؤلاء، واتبعت الحق سيكيد لك هؤلاء، إذًا توكل على الله، وسيكفيك، فهنا قال: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ [البقرة: 137] فيُؤخذ منه توكل الدعاة، والرُسل، وأهل الإيمان، على الله - تبارك وتعالى - ولا يضرهم بعد ذلك كيد الأعداء، والله أخبر عن الأموال الطائلة التي يُنفقونها للصد عن سبيل الله إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ هذا في الدنيا وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال: 36] فهذا هو النتيجة المُحققة، فلا يهولنّك تلك الأرقام الضخمة، والتريليونات التي يُنفقونها في حرب الإسلام بأنواع الحروب، فهذه كلها كما قال الله : فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً [الأنفال: 36] لا تكون ضياعًا وهباءً فقط، لا، بل حسرة ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال: 36] فيجب الاعتماد على الله، والثقة به وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: 3] يعني: كافيه، وهذا ظهر مصداقه في زمن النبي ﷺ حينما وعده الله بهذا فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ [البقرة: 137] فغلب النبي ﷺ اليهود في جميع المواقع، في قريظة والنضير وفي بني قينقاع وفي خيبر، ولم تنزل أحكام الفيء إلا في حروب اليهود، ولم يكن مواجهة مع اليهود قط في حرب مع المسلمين، وإنما كان التسليم والنزول عن أموالهم من غير قتال؛ ولهذا يقول الله - تبارك وتعالى - : فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ [الحشر: 6] هذه الأموال التي حصلتم من هؤلاء اليهود في النضير وغيرها ما أوجفتم عليه من خيل، والخيل تُشير إلى الإغارة والهجوم، والرِكاب السفر الطويل، يعني: كأنه يقول: ما بذلتم مشقة، ولا قطعتم شُقة، ليس لكم شيء من هذا الفيء، وإنما صار ذلك إلى المسلمين من غير كدكم وجُهدكم وقتالكم، فالغنيمة أربعة أخماس للمقاتلين، بينما الفيء ليس للمقاتلين منه شيء، فكفاه الله ذلك كله فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ [البقرة: 137] فالتعقيب بالفاء تدل على التعقيب المُباشر بعد هذا الشقاق، ومجيء السين، يعني لم يقل: فسوف يكفيكهم الله، فالسين للتنفيس، لكن ليست كسوف، فهي أقرب منها، فدل على قُرب هذه الكفاية، والله تعالى أعلم.

وإن كان الخطاب في قوله: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ [البقرة: 137] للنبي ﷺ لكن كما قال الشاطبي - رحمه الله - والحافظ ابن القيم أيضًا في غير هذا الموضع: بأن مثل هذا الوعد الذي يكون للنبي ﷺ هو لأمته من بعده، فهذه الكفاية تكون لأتباعه بقدر اتباعهم له تحصل لهم من الكفاية أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر: 36] فـ(عبد) مُفرد مُضاف يُفيد العموم، وفي القراءة الأخرى المتواترة (عباده) فهذا يشمل الجميع، وكذلك في قوله - تبارك وتعالى - : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: 5] ويقول: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ۝ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ۝ الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ ۝ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ۝ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: 1 - 6] والحافظ ابن القيم يقول: هذه جميعًا تكون له ولأمته أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: 1] فيكون لأتباعه من شرح الصدر بقدر اتباعهم له وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ [الشرح: 2] يكون لهم من حط الأوزار بحسب اتباعهم له، ولزومهم ما جاء به الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ ۝ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح: 3 - 4] أنه يحصل لهم من رِفعة الذكر بحسب ما يكون لهم من الاتباع للنبي ﷺ والاقتداء به، فهذه حاصلة لأتباعه، والشاطبي يقول: كل ما كان من هذه التي أُعطيها النبي ﷺ من الخصائص إلا ما لا يكون إلا له، كالوحي والنبوة، ما عدا ذلك، فإنه يكون لأتباعه منه نصيب بقدر ما يكون لهم من الاتباع، مثل نُصرت بالرعب مسيرة شهر[3] فهذا لا يختص بالنبي ﷺ وإنما يكون لأتباعه أيضًا، وجُعل رزقي تحت ظل رُمحي، وجُعل الذُل والصغار على من خالف أمري[4] وهكذا.

وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: 137] لا يخفى عليه شيء من الأصوات، ولا يخفى عليه شيء من الأحوال، فهو مُحيط بهم، وبمكرهم، ويسمع كلامهم، وقولهم، وما يُبيتون، فيتوكل أهل الإيمان عليه، فنواصي الخلق بيده.

وأسأل الله - تبارك وتعالى - أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين.

والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

  1.  المنتخب من كتب شيخ الإسلام (ص: 62).
  2.  أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس، ونسخ الملل بملته برقم: (153).
  3.  أخرجه البخاري في كتاب التيمم برقم: (335) ومسلم في أول كتاب المساجد ومواضع الصلاة برقم: (521).
  4.  أخرجه أحمد ط الرسالة برقم: (5667) وقال محققو المسند: "إسناده ضعيف".

مواد ذات صلة