الإثنين 02 / شوّال / 1441 - 25 / مايو 2020
[136] قوله تعالى {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ..} الآية:180 إلى قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} الآية:182
تاريخ النشر: ١٢ / ربيع الأوّل / ١٤٣٧
التحميل: 1051
مرات الإستماع: 1496

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

يقول الله -تبارك وتعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ۝  فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ۝ فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [سورة البقرة:180-182].

هذا خطاب موجه لأهل الإيمان كُتِبَ عَلَيْكُمْ والكتْب: بمعنى الفرض، أي: فُرض عليكم، إذا حضر أحدكم علامات الموت ومُقدماته إِنْ تَرَكَ خَيْرًا إن ترك مالاً، فالمال هنا هو المراد بالخير، كما قال الله -تبارك وتعالى: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [سورة العاديات:8] يعني: لحب المال، فإن كان قد ترك شيئًا من المال، فإنه يوصي بجزء من هذا المال للوالدين والأقربين بالمعروف، بما لا يحصل معه إجحاف بالوارثين.

وكذلك أيضًا لا يوصي للغني ويدع الفقير من هؤلاء، أو يوصي بالكثير للغني، وبالقليل للفقير، ولا يتجاوز الثلث، فإن ذلك لا يصح في الوصية، فهذا حق ثابت يعمل به أهل التقوى، وهذه الآية التي فيها الوصية للوالدين والأقربين.

من أهل العلم من يقول: إنها منسوخة بآيات المواريث، وبعضهم يقول: نُسخت بقول النبي ﷺ: إن الله أعطى لكل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث[1]، وهذا عند من يقولون: بأن السنة تنسخ القرآن، وهذه مسألة معروفة، والعلماء مختلفون فيها من جهتين: من جهة الجواز، هل يمكن أن تنسخ السنة القرآن؟ ولهم في ذلك قولان معروفان، وهو خلاف مُعتبر عند أهل العلم، ولكلٍ أدلة يستدلون بها.

وبعضهم يقول: يجوز ذلك ولكنه لم يقع، ولا يوجد ما يمنع من ذلك صراحةـ، والواقع أن الوقائع التي يذكرها القائلون بالجواز لا تخلو من اعتراضات قوية، فمن أقوى الأمثلة التي يحتج بها من يقول بالوقوع هذا المثال، وعليه اعتراضات من جهات عدة، منها: هل هذا منسوخ أصلاً أو ليس بمنسوخ؟ وهل في الآية نسخ؟ فالذين يقولون فيها نسخ، يقولون: نسختها آية المواريث، والشافعي -رحمه الله- يقول: لا تكون السنة ناسخة إلا ومعها قرآن عاضد[2]، يعني: لا تستقل السنة بالنسخ؛ لأنها مُبينة للقرآن، وليست رافعة له، هكذا قال الإمام الشافعي -رحمه الله- ووافقه على هذا جمع من أهل العلم.

وبصرف النظر عن هذه المسألة الأصولية، فإن من أهل العلم من يقول: إن الآية أصلاً ليست منسوخة، وأنها في الوالدين والأقربين غير الوارثين، وهل يكون الوالد غير وارث؟ قالوا: نعم، إذا اختلف الدين، فإذا كان الأب على غير دين الولد فإنه لا يرث، فيوصي له وفاء بحقه، وصلة له، وكذلك فيما لو كان الأب قاتلاً للولد، يعني أنه جنى عليه جناية تقتل عادة، وقبل أن يموت الولد أوصى لأبيه؛ لأنه لن يرث، ففي هذه الحال يوصي له؛ لأنه محروم من الميراث، إلى غير ذلك مما يقوله المانعون.

وبعضهم يقول: إن الآية غير منسوخة، ويوجهها ويحملها على غير ما ذكرت، لكن لا يخلو من بُعد، والأصل أن النسخ لا يثبت بالاحتمال، فلا بد من دليل يدل عليه، والجمع مطلوب ما أمكن، فإذا أمكن حمل الآية على معنىً صحيح من غير دعوى الجمع، فإنه لا يُلجأ إلى القول بالنسخ في هذه الحال.

وقال الله -تبارك وتعالى: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ [سورة البقرة:181] فمن غير وصية الميت بعد ما سمعها، فإنما الذنب على هذا المُغير المُبدل، والله -تبارك وتعالى- سميع للأقوال، عليم بالأحوال، وما تُخفي الصدور من الميل عن الحق، والعدل، أو الجور والحيف والتبديل والتغيير، وما إلى ذلك، وسيُجازي كلاً على عمله.

فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا [سورة البقرة:182] فمن علم من موصٍ ميلاً عن الحق، يريد أن يفضل بعض الورثة على بعض، أو أن يحرم بعض الورثة، أو نحو ذلك فينصح له، فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [سورة البقرة:182] ينصح له، ويُذكره بالله -تبارك وتعالى-، وبوجوب العدل، فإن لم ينفع معه ذلك، فيمكن أن يتفق مع الورثة على تغيير الوصية بما يوافق الشرع والعدل، وهذا لا يكون عليه فيه إثم، ولا مؤاخذة فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [سورة البقرة:182] إذا وجد الجنف والظلم في هذه الوصية، فلو أوصى الإنسان بكل ماله في أعمال البر، وترك الورثة بلا شيء، ففي هذه الحال يُنفذ الثلث، وما زاد عن الثلث فإنه لا يُنفذ.

وقوله -تبارك وتعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [سورة البقرة:180] يُؤخذ من هذه الآية كما يدل عليه ظاهر اللفظ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ سياق الكلام على أحد الوجوه في تفسيره: كُتب عليكم الوصية للوالدين والأقربين حال كون الإنسان قد ترك خيرًا (مالاً) يوصي به، فأُخرت الوصية هنا، وبعضهم يقول: لأجل التطلع والتشوف إليها، وهذه المحامل البلاغية قد لا تخلو من نظر أو إشكال أو تكلف، ويحتمل أن يكون المعنى على غير ما ذُكر، والإعراب على غير هذا المحمل، فيكون الوصية مُبتدأ، فلا تقديم ولا تأخير.

وقوله -تبارك وتعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ هذا يدل على وجوب الوصية إذا كان عنده ما يوصي به، فهذا حق على المُتقين، فالحق هو الثابت، فبناء على أن هذه الآية لم تُنسخ، فهذا مما يُستدل به على وجوب الوصية إذا كان الإنسان عنده شيء من مال، ونحو ذلك، والواقع أن الوصية واجبة إن كان عليه حقوق، وهذا تدل عليه السنة، وأما إن لم يكن له مال، وليس له شيء، فإن قيل: إن هذه الآية غير منسوخة، وله والد غير وارث، قام به مانع من موانع الإرث، أو بعض القرابة المحتاجين، ونحو ذلك، فإنه إن كان عنده مال يكفي للوصية وللميراث، فإنه يوصي لهؤلاء، ويُحسن إليهم، ويصلهم.

وأيضًا نلاحظ أنه قدم الوالدين هنا؛ لأن الوالدين أحق وأولى بالصلة والإحسان، وهذا أمر معلوم.

ويُؤخذ أيضًا من هذه الآية الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ قد يكون عنده غير الوالدين والأقربين ممن يريد أن يوصي لهم، من معارف أو جيران، أو نحو ذلك، وإنما خص الوالدين والأقربين؛ لأنهم الأولى والأحق، أو باعتبار أنهم كانوا يوصون لأولادهم في الجاهلية، وربما نسوا غيرهم من الوالدين والأقربين، فذكر بهم، وهذا قد يتأتى -على القول بأن الآية منسوخة- أن ذلك كان قبل نزول المواريث، فكانوا يورثون أولادهم، ويتركون من عداهم، فذكّر بهؤلاء وأحقيتهم بالوصية.

ويُؤخذ أيضًا من هذه الآية: أهمية البر بالوالدين، وعِظم الحق لهما، والإحسان إليهما في الحياة وبعد الممات؛ لأن الوصية تكون بعد الموت، حتى الدعاء، كما قال الله -تبارك وتعالى: وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [سورة الإسراء:24] فبعد ما أوصى بالبر والإحسان بجميع وجوهه وضروبه وصوره وأشكاله، جاء بعد ذلك بالدعاء؛ ليكون البر مُحققًا؛ وليستوفي ما وقع من نقص بالعمل الذي برهما به، فهو لا يستطيع أن يوفي مهما فعل، إلا ما جاء مُستثنىً في الحديث.

ويُؤخذ أيضًا من هذا: أهمية الوصية، وتأكد ذلك من قوله: كُتِبَ ومن قوله: حَقًا عَلَى المَتَقِينَ فهذا يُحرك النفوس للامتثال، والعناية بهذا الجانب، وخصّ المتقين؛ لأنهم هم الذين يقومون بحقوق الله -تبارك وتعالى-، ويُراعون حدوده.

إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ هنا تتأكد الوصية، لكن الأفضل أن الإنسان يُبادر فيها، فلا يبيت إلا ووصيته مكتوبة عنده إذا كان عند ما يوصي به؛ لأن الإنسان لا يدري ما يفجأه وينوبه، فقد يموت في لحظة في سكتة، وقد يموت في حادث، أو غير ذلك، ولا يستطيع حينها أن يوصي، وقد لا يكون بحضرته من يوصيه، وقد يكون في حال فيها لا يتمكن أصلاً من الوصية.

ويُؤخذ من قوله -تبارك وتعالى: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ [سورة البقرة:181] أن هذا التبديل قد يكون بالتحريف والتغيير، وقد يكون بالكتمان، ويكون بعد ذلك آثمًا، وقد جاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما- وغيره: أنه يكون قد وقع أجر الميت على الله، وتعلق الإثم بالذين بدلوا ذلك[3]

يعني: لو أنه مثلاً أوصى لبعض قرابته من غير الوارثين، فجاء من بدل هذه الوصية وألغاها، أو قلل من المقدار الذي أوصي به، فالأجر حاصل للموصي، وما قصده من الصلة والإثم على المُبدل، لو أنه أوصى ببناء مسجد، فجاء من ألغى ذلك، أو كتمه، فإن أجر الموصي على الله، والإثم يتحمله هذا المُبدل والمغير.

فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ [سورة البقرة:181]، فهذه الصيغة: فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ تدل على الحصر، فَإِنَّمَا إِثْمُهُ فيكون الإثم على هؤلاء فقط الذين بدلوا، ولا يكون على غيرهم شيء، وقد يكون بقية الورثة أولياء الميت لا علم لهم، وقد تكون هذه الوصية بيد الابن الأكبر، وقد يعلمون بذلك وأرادوا أن يُقيموه كما أوصى مورثهم، ولكن هذا الذي قد أخذ بالوصية، وكانت له الولاية أبى وامتنع، فمثل هذا لا يُلام ولا يُؤاخذ فيه بقية الورثة.

وأحيانًا يتحرجون؛ لأن والدهم مثلاً أوصى لبعض القرابة، أو أوصى ببناء مسجد، أو أعمال بر، ومثل هذا قد حجز عنهم هذه الوصية، ولم يُطلعهم عليها، وأبقى الأمر ربما حتى الميراث لم يوزع، وقد يمضي على ذلك أربعون سنة، بل سبعون سنة وأكثر، ويموت أولاد المورث وقد يكونون في غاية الحاجة والفقر وهذه ملايين لم تُقسم ولا تُوزع، بل قد تضييع، ثم يكثر الورثة بعد ذلك، ويكون الذي ينال هؤلاء ويطالهم أشياء قليلة فلا ينشطون بعد ذلك بالبحث عنها لكثرتهم، وتضييع، تبقى عشرات السنين ولا تُقسم، فيأتي الأحفاد يسألون عنها، وصية فيها أوقاف قد لا تُستخرج إلا بعد مائة سنة وأكثر، فيُضيعها من يُضيعها إما إهمالاً، أو أنه بخل بذلك على أعمال البر، أو على الورثة أن يُعطيهم حقوقهم، أو أن من طبيعته التسويف، وعدم الإنجاز لشيء من مهامه، أو من مهام غيره، فهذا هو الذي يتحمل الإثم، فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ أي: إثم هذا التبديل عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ [سورة البقرة:181] ونلاحظ أنه لم يقل: فإنما إثمه عليه، فأظهر في موضع الإضمار للإشهار، كأنه يُنادي عليهم بهذا الجُرم والذنب الذي هو التبديل.

مع أن المشروع أن يُعجل الناس بتقسيم الميراث؛ لأن الميراث هو انتقال للمال من المورث (الميت) إلى الوارثين انتقالاً جبريًا، يعني: الهبة والهدية تتوقف على قبول الموهوب، أو المُهدى، فلو أعطاك إنسان هبة أو هدية لا تكون داخلة في مُلكك إلا إذا قبلتها، والإنسان قد لا يقبلها، إذا رأى أن في هذا مِنة، أو تفضل أو إحسان، أو شيء من هذا القبيل، فلا تدخل في ملكه إلا إذا قبلها، وأما الميراث فإنه تمليك جبري، يدخل في مُلك الإنسان، ثم بعد ذلك إن أراد أن يتصدق به فهي صدقة له، أو يتبرع به، أو يجعله لبعض الوارثين، كأن يتنازل به لأمه، أو لأخته أو لأحد من الورثة، أو غير ذلك، فهذا شأنه.

ولهذا تجب على الوارثين الزكاة في هذا المال بعد موت المورث إن لم يكن قد تعلق به حق لله من زكاة لم تُخرج، لكن يبدأ حساب حول جديد بعد موته ما لم يقم مانع، مثل أن تكون هذه التركة محجوزة عند المحكمة، لأمر ومُلابسات، أو بالورثة مشاكل بينهم، فحُجزت عنهم، فهنا لا يخرجون الزكاة، وقد تُحجز عنهم عشر سنين وأكثر، ففي هذه الحال لا يخرجون الزكاة؛ لأنها ممنوعة منهم، لكن إذا كانت تحت تصرفهم لكنهم توسعوا وتساهلوا وتباطأوا في قسم الميراث، فإنهم يُخرجون الزكاة منها كل سنة، فهذا مُلك يحصل بغير موافقة الإنسان، أو إجازته، أو نحو ذلك، فينبغي أنه يصل إلى هؤلاء الناس حقوقهم، ويجب أن تصل إليهم أموالهم، فلا يجوز لأحد أن يؤخر أو يُماطل أو أن يتباطأ، أو يقول: أنا مشغول، فإن كان مشغولاً فيكل هذا إلى غيره، أما أن يبقى الناس في حال من شدة وحاجة، وعليهم حقوق، أو ديون أو نحو هذا، وأموال كثيرة هي من حقهم في هذا الميراث، وتذهب أعمارهم وهم يُكابدون العيش ربما في وظائف مردود مالي قليل، وهذه الأموال محجوزة عنهم بسبب هذا الوارث الذي يكسل أو يتباطأ أو يتهاون أو يسوف أو غير ذلك، هذا لا يصح، وهو من الظلم.

وهكذا ما يحصل من التصرف بهذه التركة من قِبل بعض الوارثين، يعني: قد يكون هذا الولد يسكن في فِلة تابعة للميراث والسيارة تابعة للميراث، وهي تابعة للمؤسسة أو الشركة التي تركها أبوهم، فهذا مشكلة، والمُفترض أن هذا يُحسب عليه بأُجرة المِثل، فالسيارة تُحسب عليه للورثة بأُجرة المِثل، والبيت الذي يسكنه من جملة الميراث فيُحسب عليه بأجرة المثل، كما تساوي هذه الفلة مؤثثة، فيُحسب عليها بأجرة المثل، وهكذا، فمثل هذه الأشياء يتورع فيها، والله المستعان.

وفي قوله -تبارك وتعالى: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [سورة البقرة:181] تهديد مُبطن، فهو سامع للأقوال، وعليم بالأحوال، وما تُكنه الصدور، فهذا الإنسان الذي يُبدل هذه الوصية التي سمعها الله -تبارك وتعالى-، والله سمع وعلم بحال هذا المُبدل المُغير الذي أبدى لهم غير الحقيقة، فالله يسمع كلامه وتبديله، وهو عليم بحقيقة الحال، فهذا وعيد مُغلف، فمعنى ذلك أنه يُجازيهم، وجاء بالتأكيد إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وجاء بالجملة الاسمية التي تدل على الثبوت، فهو يسمع كل المسموعات، وعليم بكل الأحوال، ولا يخفى عليه خافية.

فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ [سورة البقرة:182] في هذا فضيلة الإصلاح، وأهميته فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [سورة البقرة:182] كثير الغفر على كثرة العباد، وكثرة الجنايات والذنوب، رحيم عظيم الرحمة، فهذه كلها صيغ مُبالغة، فنفى عنه الإثم، وأثبت المغفرة والرحمة، وقد يكون هنا اجتهاد يُراد به الإصلاح، وقد تبقى بعض الأمور لا يتمكنون من تداركها وتلافيها، فالله -تبارك وتعالى- يغفر لهم ما يعجزون عنه، وهو رحيم بعباده، لكن ذاك الذي تولى كِبره، وبدل وغير، أو ضيع الوصية، وضيع الحقوق، أو لبس عليهم بأوراق أخرى، فهذا هو الذي يتحمل هذه الجناية، والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

  1. أخرجه الترمذي في أبواب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث برقم: (2120) وأبو داود في كتاب الوصايا، باب ما جاء في الوصية للوارث برقم: (2870) وابن ماجه في كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث برقم: (2713) وصححه الألباني.
  2. الرسالة للشافعي (1/ 138).
  3. تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (3/ 397).

مواد ذات صلة