الإثنين 15 / ذو القعدة / 1441 - 06 / يوليو 2020
[185] قوله تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ..} الآية:230
تاريخ النشر: ٢٨ / جمادى الأولى / ١٤٣٧
التحميل: 1126
مرات الإستماع: 1284

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

لما ذكر الله -تبارك وتعالى- الطلاق الذي يملك فيه الرجل الرجعة: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [سورة البقرة:229]، ذكر بعد ذلك ما يكون بعد الطلقة الثالثة، فقال الله -تبارك وتعالى: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [سورة البقرة:230].

فإن طلقها، يعني: الزوج بعد الطلقتين طلقة ثالثة فعندئذ لا تحل له لا يملك المراجعة، حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، يعني: حتى تتزوج زوجًا غيره، والنكاح المراد به في هذا الموضع خاصة بصورة صريحة هو مجموع العقد الصحيح، إضافة إلى الوطء هذا أكمل إطلاقات النكاح.

النكاح في القرآن أُطلق بهذا الإطلاق على أكمل معانيه في هذا الموضع، وأُطلق مرادًا به العقد فقط، كما قوله -تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [سورة الأحزاب:49]، فهذا صريح بأن المراد بالنكاح مجرد العقد، الثالث وهو إطلاق النكاح مرادًا به الوطء فقط، وهذا لا يوجد له مثال في كتاب الله يدل على هذا المعنى دلالة واضحة صريحة، وإنما هو أحد الأقوال في قوله -تبارك وتعالى- في سورة النور: الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ [سورة النور:3]، فقد فُسر النكاح هنا بالوطء، بمعنى أنه لا يقع إلا على موافقة له فهي زانية، أو تكون مشركة، لا تُقر بشرع الله وحكمه، وتستحل الزنا فهذه مشركة، هذا أحد الأقوال في تفسير هذا الموضع، وقد قيل: بأن النكاح المقصود به التزوج والعقد وهو قول مشهور.

على كل حال، في هذه الآية: فَإِنْ طَلَّقَهَا، طلق الرجل امرأته الطلقة الثالثة فلا تحل له إلا إذا تزوجت رجلاً آخر أن يكون نكاحًا صحيحًا، يعني: بعقد صحيح، وأن يكون معه الوطء ولابد، فلو أنه عقد عليها من غير وطء، فإن ذلك لا يُبيحها للأول، ولو أنه عقد عليها وباشرها واستمتع بها فيما دون الوطء فإن ذلك أيضًا لا يُبيحها للأول حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، ويدل على أن الوطء لابد منه قول النبي ﷺ: حتى تذوقي عُسيلته، ويذوق عُسيلتك[1]، يعني: المقصود به الاستمتاع بالجماع.

فَإِنْ طَلَّقَهَا، هذا الرجل الذي تزوجها برغبة، لابد من هذا، لا يتزوج هذه المرأة من أجل أن يُحللها للأول، ولو كان نكاحًا مستوفيًا للشروط من جهة الولي وما إلى ذلك مما يُطلب فيه والمهر والجماع، إذا كان يقصد بذلك التحليل للأول، فإنها لا تحل لزوجها السابق، حتى لو كانت المرأة غير مواطأة لهذا الزوج الجديد، وحتى لو كانت غير مواطأة، حتى لو كان الولي غير مواطأ للزوج الجديد، يعني على هذه النية ليس هناك اتفاق.

فالصور في هذا فيما لو اتفق المرأة والرجل الزوج الجديد على أن يكون هذا النكاح للتحليل، تزوجها من أجل أن يُحللها للزوج الأول، فهذا بالإجماع لا يجوز، ولا يصح، ولا تحل للأول، والصورة الثانية فيما لو كان القصد من قِبل الزوج الجديد فهي لا تحل للأول؛ لأنه هو الذي يملك عُقدة النكاح هذا الزوج الجديد، فهو تزوجها لهذا الغرض: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى[2]، فلا تصح نيته هذه ولا تحل للأول، لو أنه رأى مثلاً عنده أولاد أو شدة تعلق زوجها بها أو شدة تعلقها بالزوج، فبزعمه أراد أن يفعل خيرًا من أجل أن ترجع إلى زوجها وبيتها وأولادها، رأى أن هذه المرأة لا صبر لها عنه، أو لا صبر لها عن هؤلاء الأولاد، فتزوجها ليُحللها للأول، فهذا لا تحل معه، ولا يجوز له هذا النكاح.

تبقى صور مختلف فيها: كما لو أنه كان القصد من الزوجة، وأما الزوج الجديد لا يعلم، أو كان القصد من الولي ولي المرأة والزوج الجديد لا يعلم، فهذا فيه خلاف، وبعض أهل العلم يقول: إن وقع هذا القصد الفاسد من أحد الأطراف التي يدور عليها العقد، فإن ذلك لا يصح فهو قصد فاسد.

قال: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا، إن طلقها، يعني: الزوج الجديد، طيب لو مات عنها؟ كذلك، لو ما طلقها لكنه مات فحصلت الفرقة بطلاق أو بوفاة، فعندئذ إذا انقضت العدة فلا إثم على المرأة وعلى الزوج الأول أن يتراجعا بعقد جديد ومهر جديد، إن غلبا على ظنهما أن يُقيما حدود الله -تبارك وتعالى- التي شرعها للزوجين، أن تكون الحياة على حال مرضية، يؤدي كل واحد منهما حق الآخر، فإن غلب على ظنهما ذلك فلا بأس أن ينكحها الزوج الأول، وتلك أحكام الله المُحددة يُبينها لقوم يعلمون أحكامه وحدوده، ويفقهون ويفهمون عن الله؛ لأنهم المُنتفعون بذلك.

يؤخذ من هذه الآية الكريمة من الفوائد والهدايات: أن قوله -تبارك وتعالى: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [سورة البقرة:230]، هذا الإنسان الذي مضى عليه طلقتان أُعطي فرصتين، ثم بعد ذلك طلق الثالثة هذا يدل على أن الحياة أو على النظر هذا الرجل، أو على أن هذه الرابطة وهذه الوشيجة هشة، فتحتاج إلى لربما شيء من التأديب لهذا الزوج، أو التغيير لهذا النمط فتتزوج هذه المرأة رجلاً آخر، فقد تجد معه ما تطلبه من حياة هنية وراحة، وما إلى ذلك، وذاك الزوج حينما ينقطع السبيل إليها؛ فإنه بذلك يراجع نفسه مراجعة صحيحة، فهو لا يملك الإرجاع، وقد خرجت من يده سواء تزوجها رجل آخر أو لم يتزوجها، ثم بعد ذلك إن طلقها هذا الرجل فعند ذلك يمكنهما المراجعة.

يؤخذ من هذه الآية: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ [سورة البقرة:230]، أنه ينبغي للإنسان إذا أراد أن يدخل في أمر من الأمور لاسيما ما يتعلق بالولايات سواء كانت من الولايات الصغار أو الكِبار، أن ينظر في نفسه هل يجد قوة على ذلك فيُقدم وإلا أحجم، فلا يدخل في أمر، ثم بعد ذلك يكون التضييع والتفريط، ولا يُقيم حدود الله -تبارك وتعالى- في هذا الأمر الذي دخل فيه إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ.

ثم أيضًا يؤخذ من هذه الآية الكريمة الاكتفاء بالظن، المقصود بالظن هنا غلبة الظن، أن ذلك باعتبار الظن الغالب في الأمور المُستقبلية؛ لأن الإنسان لا يقطع بحصولها وتحققها، فيبني على غلبة الظن، ولا يُحمل ما لا يُطيق بالقطع بما يكون عليه في المستقبل إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ، يعني: إن غلب على ظنهما إقامة حدود الله -تبارك وتعالى.

ثم أيضًا يؤخذ من هذا الموضع من هذه الآية: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ، هذه الرجعة مُباحة لكن إن كان يترتب عليها التضييع لحدود الله -تبارك وتعالى- فهي محرمة، فالأمور المُباحة للإنسان أن يدخل فيها، لكن إن غلب على ظنه، أو عرف على نفسه أنه سيترتب على هذا الدخول تضييع لحدود الله ، فليس له أن يدخل في ذلك، قد يُقيم الإنسان مشروعًا، قد يدخل شريكًا مع أحد من الناس، ثم بعد ذلك يغلب على الظن أن هذا العمل لن ينضبط بالضوابط الشرعية، إما بسبب هذا الشريك، وإما بسبب طبيعة العمل، ففي هذه الحال يكون دخوله ممنوعًا.

وهكذا لو أنه أراد أن يعمل عملاً مُباحًا لكن في هذا العمل المُباح الذي يريد أن يتوظف به مُلابسة ومقارفة لشيء من المنكر والمحرم، فليس له أن يدخل فيه، مع أن أصل العمل في نفسه مُباح، لكن يترتب عليه تضييع لحدود الله .

وكذلك أيضًا فيما لو كان هذا الإنسان في طاعة، في عبادة، وليس في أمر مُباح، وقد ذكرت في بعض المناسبات أن الإمام مالك -رحمه الله- في مسألة الاعتكاف كره للإنسان أن يعتكف إذا كان يعلم أنه لن يحفظ هذا الاعتكاف، هو يعتكف هذه عبادة مشروعة، لكن هو يعلم أنه إذا اعتكف سيُضيع هذا الاعتكاف، كثرة الخروج من غير مُبرر شرعي مُعتبر.

وكذلك أيضًا بما يُقارفه ويُلابسه في هذا الاعتكاف، من نظر حرام، أو كلام حرام، أو كثرة الخلطة، أو نحو ذلك مما يُخالف مقصود الاعتكاف، ففي هذه الحالة لا يعتكف.

وهكذا من الناس من قد يذهب للحج أو العمرة، سفر مشروع في غير الفريضة، لكنه يعلم أنه إذا ذهب لن يقيم حدود الله -تبارك وتعالى- في هذا العمل، سيُضيع للعجلة مسابقة الناس، الرجوع قبل الناس، النأي بالنفس عن المشقات، فيترك ما أُمر به في أعمال الحج والعمرة ويُفرط، ويوقع بعض هذه الأعمال في غير وقتها الذي تُشرع فيه، ففي هذا الحال يقال ليس لك أن تدخل في هذا العمل، لكن كما قال الله : إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ، فلا تدخل في أمر إلا وقد غلب على ظنك أن تُقيم حدود الله -تبارك وتعالى- فيه على الوجه المشروع على الوجه المطلوب، قد يتعاقد الإنسان مع أحد، على عمل في تعليم، أو في غير ذلك من الأمور، وهو يعلم أنه لن يؤدي هذا العمل على الوجه الصحيح المطلوب، إذًا لا يدخل فيه.

وهكذا إذا أراد الإنسان أن يدخل في أمر من الأمور فالعاقل ينظر في المخرج منه أيضًا، فقد يدخل الإنسان في شيء ولا يستطيع الخروج منه، وهذا يكون بسبب العجلة، وقِصر النظر.

كذلك في قوله -تبارك وتعالى: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، هذا فضل العلم والفقه في الدين فالجاهل لا يضبط ذلك، ولا يرفع به رأسًا، ولا يتعاهده، إنما الذي يفقه عن الله ويعلم وينتفع بهذه الحدود والأوامر والنواهي والتوجيهات الربانية هم الذين يعلمون، وهذا مما يدل على شرف العلم، قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [سورة الزمر:9]، والاستفهام هنا مُضمن معنى النفي، يعني: لا يستوون.

فلا يعرف حدود الله -تبارك وتعالى- ويتبين ذلك على الوجه الصحيح إلا أهل العلم، وكلما كان هذا الوصف متحققًا في العبد بصورة أكمل، كان عقله عن الله -تبارك وتعالى- أعظم، يعقل الأوامر والنواهي، ويعرف حدوده، ويكون ذلك سبيلاً وسببًا لمزيد من الفقه والفهم والاستنباط، فيكثر بذلك العلم والفقه في الدين، فيكون بذلك في تجارة رابحة، لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.

والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري، كتاب الطلاق، باب إذا طلقها ثلاثا، ثم تزوجت بعد العدة زوجا غيره، فلم يمسها، رقم: (5317)، ومسلم، كتاب النكاح، باب لا تحل المطلقة ثلاثا لمطلقها حتى تنكح زوجا غيره، ويطأها، ثم يفارقها وتنقضي عدتها، رقم: (1433).
  2. أخرجه البخاري، كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ؟ رقم: (1).

مواد ذات صلة