الثلاثاء 21 / ذو الحجة / 1441 - 11 / أغسطس 2020
(237) قوله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا..} الآية:275
تاريخ النشر: ٠٦ / رمضان / ١٤٣٧
التحميل: 902
مرات الإستماع: 1181

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فلما ذكر الله -تبارك وتعالى- في الآيات السابقة الإنفاق ورغب فيه وضرب الأمثال للمنفقين ابتغاء وجه الله، ولأولئك الذين يُعرضون إنفاقهم للمُبطلات، ذكر بعد هذا أضداد المنفقين، أولئك أهل الإنفاق يبذلون أموالهم طلبًا لما عند الله -تبارك وتعالى، وهؤلاء الذين يقابلونهم وهم أكلة الربا، المرابون هؤلاء لا ينفقون أموالهم رجاء ما عند الله، ولا يقرضون الناس فيرجع إليهم المال، ولكنهم يستغلون حاجة الناس، وضرورتهم، فهؤلاء يأكلون أموال الناس بغير حق، فهذا في غاية المناسبة، وهذا نوع منها وهو المناسبة بين المقطع والمقطع.

يعني: هناك مناسبة بين الآية والآية، هناك مناسبة بين الجملة والجملة، هناك مناسبة بين الآية وخاتمتها موضوع الآية وخاتمتها، هناك مناسبة بين مطلع السورة وخاتمتها، وهناك عند بعض أهل العلم مناسبة بين السورة والسورة، هذا النوع هو مناسبة بين المقاطع، هذا الكلام على الإنفاق في جملة من الآيات ثم بعده يأتي الكلام عن الربا.

فقال الله -تبارك وتعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [سورة البقرة:275].

الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا، يعني: يتعاملون بالربا، ولكنه عُبر بالأكل باعتبار أنه غالب وجوه الانتفاع، يعني: أنه هو المقصود الأول لهؤلاء، وكذلك أيضًا لمعانٍ يأتي الإشارة إليها، فكل من يتعامل بالربا فهو داخل في ذلك أكله أو لم يأكله، الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ، يعني: في الآخرة من قبورهم على الراجح من أقوال المفسرين، وبعضهم اعتبر ذلك في الدنيا أنه يصور نهمهم وجشعهم وتهالكهم على المال واستغلال حاجة الناس فهم يجرون خلفه كالمجانين، بلا عقل، ولا نظر صحيح، ولا بصيرة ولا روية، ولكن الذي عليه عامة أهل العلم سلفًا وخلفًا أن ذلك في الآخرة حينما يقومون من قبورهم، فهم لا يقومون إلا بهذه الصفة كقيام المصروع الذي يتخبطه الشيطان من المس، يعني: من الجنون.

لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ، من المس يحتمل أن يكون يرجع إلى قوله: يَقُومُونَ، لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ، يحتمل أنهم لا يقومون من المس، لكن هذا لا يخلو من إشكال، ولعل الأقرب -والله أعلم- أن ذلك يرجع إلى قوله: يَتَخَبَّطُهُ، يعني: يتخبطه الشيطان من المس، لكن بعضهم يقول: لا يقومون إلا كقيام الممسوس الذي يصرعه الشيطان، ذلك ما هو السبب الذي أدى بهم إلى هذه الحال أنهم قالوا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا، يعني: أنها معاطاة ومعاملة حلال فكما أنه يبيع السلعة ويربح فكذلك يُقرض ويأخذ الزيادة ونحو ذلك.

فهذا كله يؤدي إلى زيادة المال والكسب عندهم، وبالغوا فيه هذه المُبالغة كما سيأتي حيث عكسوا القياس وجعلوا البيع مثل الربا، والأصل أن يُقال أن الربا كالبيع؛ لأن الربا هو الذي حصل فيه النزاع بين أهل الإيمان وهؤلاء الكفار، فهم عكسوا القضية وقالوا: إنما البيع مثل الربا كما سيأتي إن شاء الله، وأكذبهم الله فقال: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا، فالبيع فيه نفع للناس ومعاوضات وكسب وتبادل للسلع ويدور المال، وأما هذا فهو استغلال لحاجة الناس لا بيع ولا نفع للمجتمع وإنما إرهاق لهذا البائس الذي لا يزداد إلا بؤسًا؛ تُستغل حاجته من قِبل هؤلاء الذين قد ماتت قلوبهم، وتحجرت مشاعرهم، وتصحرت نفوسهم.

فالله -تبارك وتعالى- يقول: فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ [سورة البقرة:275]، من بلغه التحريم فإنه إن ترك الربا فله ما سلف قبل نزول الحكم، أو قبل علمه به، لكن لا يأخذ ما تبقى من أقساط الربا، فإن استمر على هذه التوبة فالله -تبارك وتعالى- يغفر ويرحم ويتجاوز: فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ [سورة البقرة:275]، "عاد" قيل: إلى استحلال الربا، وقيل: عاد إلى أخذه بعد التحريم، فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [سورة البقرة:275]، والذين حملوه على الاستحلال احتجوا بأمرين:

الأمر الأول: أنه قال قبله: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا [سورة البقرة:275] فهذا استحلال بل تبجح في الاستحلال ومُبالغة.

الأمر الثاني: أنه قال: فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ومعلوم أن أكل الربا من الكبائر لكنه لا يوجب الخلود في النار، والله يغفر ما دون الشرك لمن يشاء، فهاتان قرينتان احتج بهما من قال بأن قوله: وَمَنْ عَادَ، يعني: إلى استحلال الربا، فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ، وأصحاب النار هم الملازمون لها، وأصرح من ذلك هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.

يؤخذ من هذه الآية الكريمة هذا التصوير القبيح لحال المرابين، وما هم فيه من الجشع والنهم والحرص الشديد والجري خلف المال فكان الجزاء من جنس العمل، يعني: عاقبهم الله عقوبة في الآخرة أنهم يقومون كالمجنون؛ لأنهم في الدنيا كالمجانين يجرون خلف المال بأي وجه كان، يعبدون المال، ولو كان على حساب المجتمع، ولو كان على حساب الناس ومصالحهم، وضرورات حياتهم، ليس في قلوبهم رحمة.

ومن قال: بأن ذلك في الدنيا، أو قال: في الدنيا والآخرة كما حاول بعض أهل العلم أن يجمع بينهما فهي تصور حالهم في الدنيا في الجري خلف المال، وكذلك عاقبهم بمثله بمثل هذا الصنيع في الآخرة فصاروا يقومون من قبورهم، الناس يُبعثون من القبور ويوجد من يتخبط ويُصرع: يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [سورة البقرة:275]، والتخبط هو الضرب على غير اهتداء، يعني: تقول فلان يكون في الأمور المعنوية ويكون في الأمور الحسية وأصله في الحسي المحسوسات، يعني: في الأمور المعنوية تقول: فلان يتخبط في آراءه، يتخبط في اختياراته في حياته وسيره فيها.

وأما بالنسبة للأمور الحسية فالذي يتخبط هذا المصروع يضرب بيديه ويضرب برجليه ونحو ذلك على غير اهتداء، يعني: من غير قصد، حركاته غير موزونة، يعني: يُقال: لا إرادية، فهذا يُقال له: تخبط، فلان يتخبط، فهذا تصوير لحال هؤلاء بهذه الصورة.

الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا [سورة البقرة:275]، عبّر هنا بالأكل كما أشرنا؛ لأنه مُعظم المقصود أكثر وجوه الانتفاع، ولا شك أن غالب ما يدور الناس حوله في هذه الحياة في الكسب والطلب هو من أجل هذا البطن في النهاية، من أين أعيش ومن أين أعيّش أولادي؟ نريد أن نأكل نريد أن نعيش فهي ترجع إلى هذا الأكل، غالب هذا العمل والاحتراف سواء كان حلالاً أم حرامًا هو في النهاية في الغالب من أجل هذا البطن إلا من وفقه الله وهداه وفتح بصيرته في الحياة أكبر وأعظم وأجل من هذا، لكن هذا فيه من التقبيح لحالهم والتشنيع عليهم ما لا يخفى، كأنهم يأكلون الربا أكلاً، يأكلون هذا المال، وكل منتفع ومستغل للمال بأي وجه كان يُقال: أكله، فلان يأكل السُحت، فلان يأكل الحرام، فلان يأكل أموال الأيتام: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا [سورة النساء:10]، فعبر بالأكل، مع أنه لو تصرف في مال اليتيم بسفر أو سياحة أو في نُزهة وملاهي، أو اشترى به سيارة أو نحو ذلك فالحكم واحد أكله، أو لم يأكله.

كذلك أيضًا يؤخذ من هذه الآية: لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ [سورة البقرة:275]، يدل على أن الشيطان يصرع الإنسان، والصرع نوعان:

النوع الأول: يعرفه الأطباء ويكون لأسباب معروفة مُدركة عندهم، تارة أبخرة تتصاعد إلى الدماغ، وتارة يكون بسبب أمور أخرى كورم في الدماغ ونحو ذلك، هذا مُدرك عند الأطباء، وقد يجد علاجًا عندهم أو تشخيصًا.

النوع الثاني: هذا غير مُدرك من ناحية الطب وهو ما يكون بسبب تخبط الشيطان، هذا الإنسان ليس به ورم ولا أبخرة ولا شيء، تقرأ عليه الآيات وأحيانًا بدون قراءة الآيات ثم تُفاجأ بأنه يسقط ويتخبط ويبدأ يتكلم ذلك الشيطان الذي قد تلبس فيه -نسأل الله العافية، وهذا أمر مُشاهد، فالحس والمشاهدة من أعظم البراهين الدالة على ذلك، وهذا الذي عليه أهل العلم حيث يقررونه سلفًا وخلفًا وتدل عليه هذه الآية.

لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ [سورة البقرة:275]، وهذا يدل على أن الشيطان يتسلط على بعض الناس فيوقعهم في مثل هذه الأمور، وتعتل أبدانهم، ولربما عطّل بعض أعضاءهم، ولربما كان ذلك بالتسلط على النفوس فيصيبهم بالحزن ونحو ذلك، كما قال الله في قوله: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ۝ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ۝ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ [سورة آل عمران:173-175].

يعني: هذا الذي يُلقي مثل هذه في النفوس هو الشيطان، "إنما"، وأتى بثاني أقوى صيغة من صيغ الحصر في اللغة وعند الأصوليين، إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ، ماذا يفعل؟ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ، يعني يُضخمهم من أجل أن يخافهم الناس، هذا معنى الآية يخوف أولياءه يعني يخوفكم أولياءه، يخوفكم من أولياءه يُعظمهم، ويجعل لهم هالة ينفخهم في نفوسكم من أجل أن تخافهم، إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [سورة آل عمران:175]، فهذه المخاوف التي يلقيها الشيطان في نفوس الناس يخوفهم من أعداء الله ، من أولياء الشيطان هذا عمله، فهنا يتخبط الإنسان بالصرع.

فينبغي للإنسان أن لا يُصغي لخواطر الشيطان ووساوس الشيطان فقد يتسلط عليه بأي شيء كان، تارة يوهمه بالمرض، تارة يوهمه بأمور أخرى يتخوفها، يخوفه من الموت، أحيانًا يصور له أن الموت قد حلّ به فيبتأس، ويكون في حال من الكرب والضيق والشدة، ونحو ذلك وليس به علة، وليس به بأس، وقد سمعت من كثيرين يصيرون إلى حال يظنون أن الروح ما بقي إلا أن تخرج، كنت أسأل بعض هؤلاء كم مرة حصل لك هذه المشاعر وبرودة الأطراف ونحو ذلك؟ قال: مرارًا وما مت ولا مرة، إذًا ليس هذا هو الموت، فإذا جاءك مثل هذا فقل للشيطان بأن هذا لا يضرني ولا تكترث به.

وكذلك أيضًا: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [سورة البقرة:275]، يفتضح عند أهل المحشر فضيحة كبيرة، هناك فضائح في المحشر كما قال النبي ﷺ في الغادر بأنه يُغرز له لواء يقال: هذه غدرة فلان[1]، يعني: عنده، هذه غدرة فلان بن فلان، ويأتي بعض الناس يحمل على عاتقه أو على ظهره بقرة، وآخر يحمل جملاً، وآخر يحمل شاة، وليست صامتة بل تسمع الثغاء والرُغاء، وسائر الأصوات بحسب ما غل وأخذ بغير حق.

وهكذا تجد من يطوق الأرض يوم القيامة إلى سبع أراضين[2]، هذا يوم القيامة، فكيف بعذاب النار.

كذلك أيضًا في قوله -تبارك وتعالى: لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ، هذا تأكيد يعني تخبط الشيطان هنا ما المراد به؟ قد يكون لأمر معنوي بالوسوسة ونحو ذلك، لكن هنا بيّن أنه تخبط حقيقي يسقط ويتلبط ويتخبط؛ لأنه قال: مِنَ الْمَسِّ، فالممسوس هذه حاله، ليست قضيته قضية وسوسة وخواطر بل سقوطه سقط شديد، وتخبط، وهذا أمر نعرفه ونشاهده -نسأل الله العافية للجميع.

كذلك أيضًا في قوله -تبارك وتعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ، هذا تعليل، هذا الذي حصل بهم، وهذا التعليل كثير في القرآن، فالله -تبارك وتعالى- عليم حكيم، ليس هناك شيء من غير تعليل أو حكمة، فالحكمة والتعليل ثابتان في أفعال الله -تبارك وتعالى- لا يفعل شيئًا إلا لحكمة، وهذا التعليل في القرآن كثير بصيغ مختلفة، يعني: لو جُمعت فإن ذلك يزيد على مجلد، ذكر التعليل والعِلل في القرآن تعليل الأحكام، يعني: مثلاً في الصيام: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [سورة البقرة:183]، أي: من أجل أنكم تتقوا، هذا تعليل، لما ذكر مصارف الفيء قال: كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ [سورة الحشر:7]، يعني: لئلا يكون المال حكرًا على الأغنياء فقط وتبقى طبقة مسحوقة لا يصل إليها المال، فهذا تعليل في صيغ متنوعة.

فكذلك أيضًا هنا في قوله -تبارك وتعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا [سورة البقرة:275]، لاحظ هذه المكابرة في الاستحلال، لم يستحلوه فحسب بل بالغوا في استحلاله فجعلوا القياس مقلوبًا، جعلوا البيع مُلحقًا ومقيسًا على الربا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا، وجه القياس بأن يُقال ذلك بأن الربا مثل البيع؛ لأن الأصل في القياس هو إلحاق فرع مختلف فيه بأصل ثابت في حكم الذي هو التحريم مثلاً أو الحِل لعلة جامعة بينهما، هذه أربعة أركان للقياس، لا يتحقق القياس إلا بها، قياس الفقهاء يسمونه: قياس التمثيل.

هؤلاء ما قالوا: إنما الربا مثل البيع فيكون إلحاق الفرع الذي حصل فيه المنازعة منهم من أجل أن يستحلوه فيُلحقونه بالبيع الثابت من جهة الحِلية، وإنما عكسوا قالوا: إنما البيع مثل الربا فألحقوا البيع بالربا، كأنهم من شدة استحلال الربا جعلوه أصلاً والبيع جعلوه فرعًا؛ وهذا في غاية المبالغة في استحلاله، وهذا شيء عظيم بلا شك أن يستحل الإنسان ويُبالغ في الاستحلال، وأن يتقدم بين يدي الله ورسوله ﷺ بمثل هذا، الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ [سورة الحجرات:1]، لا تُقدم برأي، ولا باجتهاد، ولا حكم فيما جاء فيه النص.

ثم انظر كيف جاء الرد على هذه المُبالغة في الاستحلال: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [سورة البقرة:275]، فقط، هذا هو الرد لم يذكر لهم وجوهًا من الإقناع من جهة النظر العقلي كما يقال، ولا وجوهًا من الإقناع من جهة الاقتصاد وأثر الربا على الاقتصاد، وكذلك من الناحية المجتمعية أثر الربا على المجتمعات، أثر الربا على الأمم، هذا ممكن أن تُسرد قائمة من الأضرار والمفاسد التي يُقر بها حتى الكفار اليوم بهذا الاضطراب الاقتصادي الذي وجد قبل سنين قريبة في العالم تكلم بعض كبار رجال الاقتصاد عندهم، وبينوا أن المخرج من ذلك هو في المعاملات الإسلامية، أن المخرج هو في الشريعة الإسلامية هذا قاله بعض الكبار من الاقتصاديين، الخروج من الأزمة الاقتصادية التي تضرب بأطنابها في أكبر الاقتصادات في العالم الغربي عُقلاؤهم يقولون: بأن المخرج هو في التشريع الإسلامي تحريم الربا.

فأقول يمكن أن تُذكر وجوه الإقناع، لكن هنا جاء الرد مباشرًا بهذه الطريقة وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [سورة البقرة:275] يؤخذ من هذا في الجدال وعلم الجدل والمناظرة أن المُكابر هؤلاء قالوا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا [سورة البقرة:275] هم في غاية المكابرة لا يريدون الحق أصلاً ولا يُذعنون لحكم الله وإنما يريدون الجدل للجدل وإلا فهم ماضون وسادرون في غيهم، يريدون استحلال ما حرم الله بأي طريق كان، فمثل هؤلاء لا مجال لمجادلتهم، فإن المُبطل الذي يقصد بجداله إبطال الحق أو إقرار الباطل أو يقصد الجدل للجدل فإن هذا ليس بمُسترشد ولا مُريد للهدى والحق، فلا يُجادل، بل يُقال له: أحل الله البيع وحرم الربا، وانتهى.

هذه طريقة في الرد دل عليها القرآن، فما كل من تكلم يُجادل، ما كل من أراد المناظرة يُناظر، هناك أُناس يريدون إقرار الباطل، هناك أُناس يريدون التشويش على الحق، هناك أُناس يريدون الشهرة فيتكلم على ثوابت الدين ونحو ذلك، فما كل من تكلم يُرد عليه، فبذلك لربما يحصل مقصوده وقد لا يعرفه أحد ولا يسمع بمقالته أحد ثم يرد عليه بعض من يُشهره وتروج مقالته وتصل إلى كل مكان، وتطرق كل سمع، العامة والخاصة الكبار والصغار، رجال، نساء، عجائز، يسمعون هذه الكلمة من الباطل، فما كل من تكلم يُجاب ويُجادل ويستحق أن تقضي الوقت معه.

ولذلك بعض السلف ما كان يسمح للمُبطلين من أهل الضلال والبدع أن يُجادلوه، وأن يقضي وقتًا معهم، فكان يرفضهم ويقول: اذهب إلى شاكٍ مثلك فجادله، وكلامهم في ذلك كثير، ومن شاء فليُراجع الإبانتين الكبرى والصغرى لابن بطة -رحمه الله، كتاب الشريعة للآجُري، وأصول السُنة للآلكائي، ومقدمة الدارمي للسُنن، ونحو ذلك من المصنفات، مليئة بالآثار عن السلف في الامتناع من مجادلة المبطلين.

ليس ذلك منعًا للمناظرة مطلقًا، المناظرة موجودة وقد مضى مناظرة إبراهيم مع ذلك الرجل الذي آتاه الله الملك، فهذه مناظرات، مناظرة إبراهيم مع عبدة الكواكب في سورة الأنعام هَذَا رَبِّي [سورة الأنعام:76]، قاله على سبيل التنزل في المناظرة قاله مُناظرًا لا ناظرًا، يعني: لم يكن يعتقد بربوبية الكوكب ، فهذه المناظرة لا إشكال فيها لكن بشروط، فما كل أحد يصلح لها من المناظرين، وما كل أحد يستحق من المُبطلين ثم إذا قامت موجباتها وأسبابها ومسوغاتها، فهناك أيضًا مطالب فيما يتعلق بهذه المناظرة من حيث ما يدور فيها من الشروط والواجبات والآداب والمحاذير، قضايا كثيرة تتعلق بالزمان والمكان والحال والأسلوب وما إلى ذلك، فهذه قضية فائدة مهمة حاصلها ليس الأمر إليكم وإنما الأمر إلى الله، وأحل الله البيع وحرم الربا، وانتهى.

أسأل الله أن ينفعني وإياكم بما سمعنا، ويجعلنا وإياكم هداة مهتدين، والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب ما يدعى الناس بآبائهم، برقم (6177)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب تحريم الغدر، برقم (1735).
  2. أخرجه البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب إثم من ظلم شيئا من الأرض، برقم (2453)، ومسلم، كتاب المساقاة، باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها، برقم (1610).

مواد ذات صلة