الجمعة 24 / ذو الحجة / 1441 - 14 / أغسطس 2020
[40] تتمة قوله تعالى: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ} الآية 97
تاريخ النشر: ١٦ / ذو القعدة / ١٤٢٥
التحميل: 4574
مرات الإستماع: 2908

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ [سورة البقرة:102] أي: فيتعلم الناس من هاروت وماروت من علم السحر وما يتصرفون به فيما يتصرفون من الأفاعيل المذمومة ما إنهم ليفَرِّقُون به بين الزوجين مع ما بينهما من الخلطة والائتلاف، وهذا من صنيع الشياطين، كما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله -ا- عن النبي ﷺ قال: إن الشيطان ليضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه في الناس، فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة، ويجيء أحدهم فيقول: ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا. فيقول إبليس: لا والله ما صنعت شيئًا، ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله قال: فيقربه ويدنيه ويلتزمه ويقول: نِعْم أنت[1].

وسبب التفرق بين الزوجين بالسحر ما يخيل إلى الرجل أو المرأة من الآخر من سوء منظر أو خلق أو نحو ذلك أو حقد أو بَغضة أو نحو ذلك من الأسباب المقتضية للفرقة، والمرء عبارة عن الرجل، وتأنيثه امرأة، ويثنى كل منهما ولا يجمعان، والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ذكرنا قبلُ بأن قوله -تبارك وتعالى: وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ [سورة البقرة:102] أنه قد يرجع إلى أول الآية، وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ [سورة البقرة:102]، أي: واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما أنزل على هاروت وماروت، فعلى هذا الذي أنزل على هاروت وماروت هو ما كانوا يتلقونه منهم -عند بعض أهل العلم- مما يفرقون به بين المرء وزوجه، فكأن المعنى: اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما يفرقون به بين المرء وزوجه مما تعلموه من هاروت وماروت، أو واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما يفرقون به بين المرء وزوجه. 

هذا إذا قلت: بأنه يعلمون الناس السحر وما أنزل يعود إلى هذا، فيكون السحر مما يتلقونه عن الشياطين على الأول، فالذين اتبعوا يعني اليهود، اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان، واتبعوا ما أنزل على الملكين، وإن شئت أن تقول: واتبعوا ما يفرقون به المرء وزوجه.

وعلى الثاني يكون: ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين، وهذا باعتبار أن هاروت وماروت بدل من الشياطين، فنحن قلنا: إما أن تكون بدل من الناس أو بدل من الشياطين، فيكون على هذا هاروت وماروت من الشياطين، وإذا قلنا: إنها بدل من الناس يكون هاروت وماروت إما ملكين من ملوك الدنيا أو كما قيل: هما علجان، أو غير ذلك.

وقوله تعالى: وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ [سورة البقرة:102] قال سفيان الثوري: إلا بقضاء الله، وقال الحسن البصري: وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ قال: نَعَم، من شاء الله سلطهم عليه، ومن لم يشأ الله لم يسلط ولا يستطيعون ضر أحد إلا بإذن الله، كما قال الله تعالى.

قوله: وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ: الإذن يأتي بمعنى الأمر الذي لا يقيد بإلزام، أي مطلق الأمر، يقال: هذا مأذون فيه، وفلان أذن له في كذا.

ويأتي بمعنى التخلية بينك وبين الشيء، إذا خلَّى بينك وبين الشيء ولم يمنعك منه فهذا إذن منه لك به.

ويأتي بمعنى العلم بالشيء.

فهل يمكن تفسيره بالأول، أي وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله بمعنى إلا بأمره غير الملزم، أي الأمر الكوني؟

الجواب: ليس بأمر غير ملزم بل الأمر الكوني أمر ملزم، فلا يمكن أن يفسر بالأول.

وإن قلنا: وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله، أي: إلا أن يخلي بينهم وبينه، بمعنى لا يمنعهم منه، فهذا يحتمل، ولو شاء الله لم يحصل ذلك.

والمعنى الثالث: إلا بإذن الله أي إلا بما سبق في علمه، لا يحصل شيء إلا بعلم الله وهذا العلم هو العلم الأزلي الذي قدر الله فيه مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء، فلا يحصل في الكون تحريكة ولا تسكينة إلا بقدره .

وهذا القدر على أربع مراتب كما هو معلوم، أولها: العلم المحيط الشامل الذي لا يخرج عنه شيء، فلا يحصل أثر هذا السحر إلا لمن سبق في علم الله أن ذلك يحصل له، وهذا المعنى هو الذي اختاره كبير المفسرين ابن جرير الطبري -رحمه الله.

فهذه ثلاثة معاني للإذن، أولها لا يصح هنا وإن كان يصح في معنى اللفظة، وإن شئت أن تفسر ذلك بمعنى أوسع لما بين هذه الأمور من الملازمة في باب القدر، وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ أي إلا بإرادته سبحانه فيخلي بينهم وبين هذا فينفذ السحر ويؤثر وإن شاء لم يحصل كما أن النار لم تحرق إبراهيم ﷺ مع أن من طبيعتها الإحراق، ولكنه لا يقع في الكون شيء إلا بإرادته وعلمه وتقديره وقضائه، فالملك ملكه والأمر أمره، ومن ثَمَّ يجب التوكل عليه وتفويض الأمر إليه والالتجاء إليه والتعوذ به من أجل أن يحفظ الإنسان من مثل هذه الأمور.

والسحرة يعرفون ذلك جيداً، فهم يعرفون أن سحرهم لا ينفذ في كثير من الأحيان، فهم يعملون أعمالاً من السحر كثيرة ينفذ بعضها وبعضها لا ينفذ إما من غير سبب ظاهر. 

وإما أن يكون ذلك لسبب ظاهر معلوم تخبرهم به الشياطين وهو أن هذا الإنسان محصن بالذكر، فما استطاعوا الوصول إليه بمثل هذا السحر، ولذلك يخبرون بعجزهم أحياناً لمن طلب السحر منهم لأحد ويصرحون بهذا، فيقولون: ما تمكنا منه حتى في الحمام، وهذا مع أن الحمام ليس مكاناً للذكر. 

وقد حدثني بعض من تاب من هذه الأعمال ممن كان يتصل على السحرة فذكر أنهم كانوا يتصلون بسحرة في بعض البلاد البعيدة المعروفة بالسحر ويرسلون لهم أموالاً عن طريق الحوالات ويعملون أعمالاً من السحر وكانوا يخبرونهم أحياناً بأنهم مع تكرار المحاولات ما استطاعوا. 

فالحاصل أن عملهم كثير جداً فهم ليس لهم شغل إلا هذا، ولكن الذي ينفذ منه قليل أو جزء منه، وصدق الله: وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ [سورة البقرة:102] وهذا أيضاً يذكر بقول الله -تبارك وتعالى: وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [سورة طـه:69]، وبقوله تعالى: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا [سورة النساء:76] فكيد الشيطان ضعيف، ولذلك فإن مثل هذا المسحور إذا رقي ظهر ضعف الشيطان ورأيت كيف هذا العاتي المارد يبكي ويتوسل أعظم التوسل إلى هذا الراقي ليطلقه ويتركه ولا يلحقه الأذى منه، بينما من ضعف يقينه وضعف توكله لربما عبد هؤلاء الشياطين رجاء نفعهم أو خوف ضررهم فيتلاعبون به غاية التلاعب، قال تعالى: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [سورة الجن:6].

وقوله تعالى: وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ [سورة البقرة:102] أي: يضرهم في دينهم، وليس له نفع يوازي ضرره.

في قوله تعالى: وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ ردٌّ على الذين قالوا: إن السحر لا تأثير له أصلاً، وهؤلاء في مثل هذه المسألة وفي غيرها من المسائل التي تشبهها هم يدورون على انحرافات في الاعتقاد عندهم في باب القدر، ولا أريد أن أدخل الآن في تفصيل هذه المسألة لكن أشير إلى المأخذ والأمر الذي وقع منه فساد التصور عند هؤلاء الناس وهو فساد اعتقادهم؛ لأنهم يقولون: لا مؤثر في الكون إلا الله، وهذه عبارة مجملة؛ إذ لا يقع شيء في الكون إلا بأمر الله وبإرادته وهذا أمر معلوم، فلا يقع في ملكه ما لا يريد. 

لكن هم يسلبون ذلك تماماً، ويقولون: إن دعوى أن شيئاً يؤثر بنفسه في الكون فمعنى ذلك ادعاء أن ثمة رباً مع الله يدبر معه، وهذا شرك في الربوبية، فهم هكذا تصوروا القضية، ولذلك يأتون بالعجائب، فيقولون مثلاً: بأن الانكسار لم يحصل بالكسر وإنما حصل عنده، والنار ليس فيها خاصية الإحراق وإنما حصل الاحتراق عند مقاربة النار وملابستها، فالنار لا تحرق بطبعها، وإنما الله هو الذي جعل هذا يحترق حينما دخل النار ولابسها، وكذلك يقولون: التجمد لم يحصل بسبب البرودة وإنما خلقه الله عند ملابسة البرودة، وكل هذا بناء على هذا الأصل الفاسد.

أما نحن نقول: جعل الله في بعض الأشياء خاصية أودعها فيها إن شاء الله سلبها ولا يقع في كون الله إلا ما يريد، والخلق كله خلقه، والملك ملكه والأمر أمره، فالنار ألقي فيها إبراهيم ﷺ ولم يحترق؛ لأن الله سلبها هذه الخاصية، ولكن من طبيعتها التي أودعها الله الإحراق وهكذا السحر يحصل له تأثير، لكن لا يكون هذا التأثير خارجاً عن إرادة الله وتقديره، هذه هي خلاصة هذه المسألة ومأخذ هؤلاء أصحاب ذلك الأصل الفاسد.

يقول تعالى: وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ [سورة البقرة:102] قد يقول قائل: إن السحر يحصل لهم به منفعة في الدنيا مثل المال الذي يكتسبونه، ومثل تحصيل بعض مطالبهم كأن يسحر هذه المرأة من أجل أن تحبه، وهي تسحر زوجها من أجل أن يحبها، وهذا يسحر هذا الإنسان ليستحوذ على ماله فيكون مسلوب منقاداً له، وهذا كثير جداً، حيث تجد من يسحر شخصاً بأتفه الأمور كأن يشتري سيارة من إنسان فيكون ذلك سبباً لسحر يدمر حياته من أولها إلى آخرها، فبسبب سيارة اشتراها منه يسحره ويستحوذ على ما عنده من مال وقرابات وجعله يقترض دائماً من أجل أن يعطيه فهو لا يرد له طلباً.

 فالمقصود أنه يحصل لهم هذا النفع في بادئ الأمر، وبالتالي فالمراد بقوله تعالى: مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ كما حمله بعض أهل العلم منهم ابن جرير -رحمه الله- أن المقصود ما يضرهم في الدنيا ولا ينفعهم في الآخرة، وإن كان يحصل لهم بعض النفع في الدنيا لكن الضرر فيه أغلب.

ويمكن أن يقال: إن قوله: مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ هذا ليس نفعاً حقيقياً، وإنما هو كالنفع الذي يحصل للزاني من لذة والسارق من تمتع بهذا المسروق ولكنه في الواقع ضرر، فهو يتجرع ظلماً وسحتاً وناراً، فهذا ضرر وليس بنفع، كالذي يلعق السم ويتلذذ بهذا الطعام الذي فيه السم، فمثل هذا حصل على ما يضره ولا ينفعه.

يقول ابن كثير: وقوله تعالى: وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ [سورة البقرة:102] أي: يضرهم في دينهم، وليس له نفع يوازي ضرره: ابن كثير حمله على أنه ألغى هذا النفع الموهوم واعتبر الضرر المحقق الغالب فيه، فالنفع ألغاه وأهدره؛ لأنه لا قيمة له، فهذا الذي مشى عليه ابن كثير، وأما ابن جرير فعلى غير هذا، إذ يرى أنه يضر في الدنيا ولا ينفع في الآخرة، أي وإن حصل لهم به نفع في الدنيا قليل، في مقابل الضرر الكثير.

وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ [سورة البقرة:102] أي: ولقد علم اليهود الذين استبدلوا بالسحر عن متابعة الرسول ﷺ لمن فعل فعلهم ذلك، أنه ما له في الآخرة من خلاق، قال ابن عباس -ا- ومجاهد والسدي: من نصيب.

قوله: وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ بعض أهل العلم يقولون بأن "لـ" هذه جاءت لمعنى توكيد الكلام وتقويته فقط، و "من" اسم موصول، فيكون المعنى بهذه الطريقة: ولقد علموا الذي اشتراه ما له في الآخرة من خلاق.

وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ أي الذي اشتراه ما له في الآخرة من خلاق، يعني الذي اختاره وارتضاه بدلاً من اتباع الحق والوحي والعمل بما أنزل الله على أنبيائه ورسله -عليهم الصلاة والسلام.

وبعضهم يقول: إن هذه اللام تدل على القسم وأن هناك قسماً محذوفاً، وهذا يقول به ابن جرير -رحمه الله، أي: كأن الله تعالى يقسم بنفسه فيقول: والله لمن اشترى السحر ما له في الآخرة من خلاق.

أي: ولقد علم اليهود الذين استبدلوا بالسحر عن متابعة الرسول ﷺ.

هذا على أساس أن الكلام يرجع إلى اليهود، وَلَقَدْ عَلِمُواْ أي اليهود، ويحتمل أن يكون راجع إلى الشياطين باعتبار أن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت، وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر، فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله، وَلَقَدْ عَلِمُواْ: باعتبار أن هاروت وماروت من الشياطين فإنهم علموا لمن اشتراه.

 ويحتمل أن يكون ذلك يعود إلى الملكين باعتبار أن هاروت وماروت من الملائكة فهما يعلمان ذلك، ويُعْلمان به، يقولون: إنما نحن فتنة فلا تكفر، والله تعالى أعلم.

وسواء قلنا بأن هاروت وماروت ملكان أو أنهما من الشياطين فمجيئه بضمير الجمع في قوله: وَلَقَدْ عَلِمُواْ وهما اثنان لا إشكال فيه إما باعتبار الأتباع أو باعتبار أن الاثنين أقل الجمع كما سبق، والله أعلم..
ولقد علم اليهود الذين استبدلوا بالسحر عن متابعة الرسول ﷺ لمن فعل فعلهم ذلك أنه ما له في الآخرة من خلاق.

في قوله: الذين استبدلوا بالسحر: يريد أن يفسر لفظة الاشتراء الذي في قوله: وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ وقد سبق الكلام على معنى الاشتراء، ومثلنا بقول من قال: كما اشترى المسلم إذ تنصرا، وقلنا: إنه بمعنى استبدل النصرانية ولم يكن نصرانياً من قبل، ومثل ذلك اشتروا الضلالة بالهدى، ومثل ذلك قوله: لَمَنِ اشْتَرَاهُ أي: من اختار السحر على الإيمان واتباع الوحي.

مِنْ خَلاَقٍ [سورة البقرة:102] قال ابن عباس -ا- ومجاهد والسدي: من نصيب.

وقوله تعالى: وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ۝ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّه خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ [سورة البقرة:102-103]، يقول تعالى: وَلَبِئْسَ البديل ما استبدلوا به من السحر عوضًا عن الإيمان ومتابعة الرسول ﷺ لو كان لهم علم بما وعظوا به.

ويمكن أن يفسر وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أي: ولبئس ما باعوا به أنفسهم فضيعوها وأهلكوها وأوبقوها بتعاطي السحر وترك الوحي المنـزل، ويمكن أن يفسر على ما سبق، ولا منافاة بين هذين المعنيين.

ابن جرير -رحمه الله- يرى أن قوله: وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ أي: باعوه، وكلام ابن كثير جرى فيه على معنى الاستبدال في الموضعين، ولا إشكال في هذا الأمر.

وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّه خَيْرٌ [سورة البقرة:103] أي: ولو أنهم آمنوا بالله ورسله -صلى الله عليهم وسلم أجمعين- واتقوا المحارم لكان مثوبة الله على ذلك خيرا لهم مما استخاروا لأنفسهم ورضوا به.

قوله: واتقوا المحارم لكان مثوبة: يعني لثواب، فالمثوبة بمعنى الثواب، مثل العقوبة بمعنى العقاب، ومعنى الآية لثواب من عند الله خير في العاجل والآجل من هذا الذي اشتغلوا به لو كانوا يعلمون.

قوله: لَمَثُوبَةٌ اللام هذه جواب لو الأولى، وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ أي: لو آمن لكان ثواب الله خير له من هذا الذي اشتغل به.

 كما قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ [سورة القصص:80].

في قوله -تبارك وتعالى- هنا: وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّه خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ [سورة البقرة:103] هذه الآية مع التي قبلها: وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ [سورة البقرة:102]، الثانية: لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّه خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ [سورة البقرة:103] هذا الختم لهاتين الآيتين لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ لو كانوا يعلمون سيأتي الكلام عليه مع آية أخرى بإذن الله في الجمع بين هذا وبين ما قد يتوهم أنه يعارضه، والله أعلم.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

  1. أخرجه مسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - باب: تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة الناس وأن مع كل إنسان قريناً (2813) (ج 4 / ص 2167).

مواد ذات صلة