الجمعة 17 / ذو الحجة / 1441 - 07 / أغسطس 2020
[42] من قوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ} الآية 106إلى قوله تعالى: {وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} الآية 107
تاريخ النشر: ١٨ / ذو القعدة / ١٤٢٥
التحميل: 5407
مرات الإستماع: 3312

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله تعالى: نهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم، وذلك أن اليهود كانوا يُعَانُون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص -عليهم لعائن الله- فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا يقولون: راعنا، ويورون بالرعونة، كما قال تعالى: مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا [سورة النساء:46].

وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار عنهم، بأنهم كانوا إذا سَلَّموا إنما يقولون: السامُ عليكم، والسام هو الموت، ولهذا أمرنا أن نرد عليهم بـ"وعليكم"، وإنما يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا.

والغرض أن الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولًا وفعلًا فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [سورة البقرة:104].

وروى الإمام أحمد عن ابن عمر -ا- قال: قال رسول الله ﷺ: بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يُعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعلت الذلة والصَّغارُ على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم [1].

وروى أبو داود عنه -من تشبه بقوم فهو منهم [2] ففيه دلالة على النهي الشديد والتهديد والوعيد على التشبه بالكفار في أقوالهم وأفعالهم ولباسهم وأعيادهم وعباداتهم، وغير ذلك من أمورهم التي لم تشرع لنا ولم نُقَرر عليها.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فذكرت في الدرس الماضي خلاصة ترجع إليها أقوال أهل العلم في معنى هذه الآية: لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا [سورة البقرة:104] والذي مشى عليه الحافظ ابن كثير -رحمه الله- كما هو ظاهر هنا أن ذلك من أجل أن لا نشابه اليهود، حيث أطلقوا هذه الكلمة وأرادوا بها معنىً من المعاني السيئة قصدوه، وذهب بها -رحمه الله- إلى أنهم قصدوا بها الرعونة.

وعلى كل حال سواء كان ذلك مما يعبرون به عن الرعونة باللغة العربية أو أنها كلمة كانوا يقصدون بها السب والشتم بلغتهم العبرية، فكل ذلك يجري على النهي عن مشابهتهم ومضاهاتهم من جهة، وأن لا يعبر الإنسان بالعبارات المحتملة للحق والباطل. 

وذكرنا أن المسلمين حينما يطلقون هذه الكلمة أنهم يذهبون بها إلى معنى رعى، أي ارقبنا وما أشبه ذلك، فعلموا كلمة بديلة لا تحتمل للباطل؛ لئلا يقعوا في هذه المضاهاة وإن لم يقصدوا المعنى السيئ، وهذا من التأديب الذي أدبهم به الشارع في عباراتهم وألفاظهم.

وعرفنا أن ابن جرير -رحمه الله- ذهب بها إلى معنىً آخر لا يخرج عن حد التأديب، ولكنه لم يربط ذلك باليهود وإنما فسرها بأن المقصود هو أن هذه اللفظة لا تليق من جهة أنها بمعنى المفاعلة -ارقبنا نرقبك، واسمع منا نسمع منك، وراعنا نراعك، وما أشبه ذلك- وأن هذا لا يليق وإنما الواجب على الإنسان أن يسمع ويطيع ويتأدب مع رسول الله ﷺ ولا يكون ذلك على سبيل المقابلة والمقايضة أو ما أشبه ذلك مما يطلب فيه من المخاطب فعلًا كفعله هو، بحيث يقول: إن فعلت ذلك فافعل ذلك، افعل كذا وأفعل كذا، هذا لا يليق.

هذا الذي ذهب إليه ابن جرير، وهو غريب؛ وذلك أن ابن جرير -رحمه الله- من كلام الله عن قصة آدم ﷺ وهو يقرر أن ذلك جميعًا مما خوطب به اليهود، أي من قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ [سورة البقرة:34]، فهو يقول: إن الله يذكِّر اليهود بهذه القضية، وهكذا في كل قضية بعدها يقول: إن المراد بها اليهود، ثم جاءت قضية النسخ كما سيأتي، مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا [سورة البقرة:106] وكان المقصود بها الرد على اليهود، ثم جاءت قضية القبلة أيضًا، فقال: والمقصود بها الرد على اليهود، ثم جاءت قضية الولد، وقوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ [سورة البقرة:118]، فجعل مجموعة من الآيات بعدها في النصارى. 

فالمقصود أنه يجري ذلك على أهل الكتاب، وأغلب هذه الآيات أجراها على اليهود وإن لم يكن لليهود ذكر فيها، فهذه الآية أولى وأحرى أن تجعل في اليهود أو أن يجعل علة النهي من أجل عدم مضاهاة اليهود؛ حيث أطلقوا هذه الألفاظ، لا أن ذلك بسبب أن هذه اللفظة في ذاتها تقتضي المفاعلة، وإنما لأن اليهود قالوا كلمة قصدوا بها معنىً سيئًا، كما قال الله مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ [سورة النساء:46]، فمعنى ذلك أن اليهود كانوا يطلقون كلمة وظاهرها السلامة أو يحتمل السلامة وقصدوا بها غير ذلك، والله تعالى أعلم.

وقال الضحاك عن ابن عباس -ا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا [سورة البقرة:104] قال: كانوا يقولون للنبي ﷺ: أرعنا سمعك، وإنما رَاعِنَا كقولك: عاطنا.

قوله: رَاعِنَا كقولك: عاطنا: عاطنا من المعاطاة يعني أنها تقتضي المفاعلة.

وقال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي العالية وأبي مالك والربيع بن أنس وعطية العوفي وقتادة نحو ذلك، وقال مجاهد: لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا لا تقولوا خلافًا.

قوله: وقال مجاهد: لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا لا تقولوا خلافًا: كأنه يقول: لا تقولوا مخالفة، أي لا تقولوا قولًا فيه مخالفة، لا تقولوا شيئًا يخالف ما أمركم الله به، وإنما ينبغي أن تكونوا على حال من الطاعة والانقياد والاستقامة.

فقوله: لا تقولوا خلافًا: كما تقول: لا تقل نكرًا، يعني لا تقل منكرًا، وهذا التفسير إذا أخذ من حيث هو أي بظاهره هكذا على أنه تفسير "راعنا" ففيه إشكال؛ لأن لفظة راعنا، رعى، والمراعاة، ليس من معانيها المخالفة، وإنما الملاحظة، والمراقبة، والنظر وأشباه ذلك من المعاني الذي تدل عليها هذه اللفظة أو تفسر بها، أما المخالفة فليس ذلك من معانيها. 

لكن يمكن أن يوجه هذا القول بأن يكون معناه لا تقولوا قولًا مخالفًا، بمعنى لا تقولوا الألفاظ والعبارات التي لا تليق كالعبارات التي يمكن أن توصف بالرعونة والجفاء، أو التي لا تكون بمعنى الاستجابة والانقياد لأمر الله كما يقولون: وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا [سورة النساء:46] وكأنهم –أي اليهود- يقولون: اسمع لا سمعت، وإن كان يمكن أن يفهم من ظاهر قولهم: واسمع غير مسمع مثل ما يقول بعضهم: ما عليك أمر، وإن كانت اللفظة لا يريدون بها هذا المعنى.

فقوله: لا تقولوا خلافًا: معناها لا تقولوا: سمعنا وعصينا، وإنما قولوا: سمعنا وأطعنا، فبهذه الطريقة يمكن أن يوجه قول مجاهد، أما أن نفسر لفظة راعنا بمعنى لا تقولوا خلافًا فليس هذا من معانيها، وابن جرير -رحمه الله- أنكر هذا المعنى ورده، وقال: لا يعرف في معنى راعيت معنى خالفت، والله أعلم.

 وفي رواية: لا تقولوا: اسمع منا ونسمع منك.

قوله: اسمع منا ونسمع منك: هذا يجري على قول ابن جرير -رحمه الله؛ لأن القضية المشكلة ليست عند لفظة "راعنا" أنها قالتها اليهود، ونهينا لأن اليهود قالتها لما فيها من معنىً سيء في لغتهم، أو أنهم قصدوا بها المعنى السيئ، لا، وإنما لأنها خلاف التأدب مع النبي ﷺ بمعنى أنه يجب عليكم أن تسمعوا أنتم فالأمر إليكم ومن الأدب أنه عليكم سماعه لا أن تشترطوا أن يسمع منكم.

وقال عطاء: لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا كانت لُغة تقولها الأنصار فنهى الله عنها.

راعنا كانت لغة تقولها الأنصار بمعنى أن الأنصار يقولون: راعنا بمعنى ارقبنا، من المراعاة، وبمعنى انظرنا، لكن هذه اللفظة لما كانت تحتمل المعنى السيئ والمعنى الصحيح نهوا عنها، ولا زالت هذه اللفظة تستعمل بمعنيين إلى يومنا هذا، يستعملها البادية الآن بمعنى نظر البصر، يقولون: راع بمعنى انظر يقصدون بها نظر العين، ويطلقها غيرهم يقصدون بها معنى المراعاة وهي الالتفات إليهم، ورعي أحوالهم، وملاحظة هؤلاء الناس ليس بالعين وإنما بالفعل، ويدخل فيه ما يقول المشتري للبائع: راعني في هذا، يقصد بها طلب الالتفات إلى مطلوبه وحاجته وتحقيق رغبته في أن يضع له من السعر، وإذا قالها المريض مثلًا فهو يقصد بذلك تقدير حاله وعجزه والالتفات إلى ضعفه ومرضه بحيث لا يطالب بأكثر مما يطيق.

وهؤلاء قالوها للنبي ﷺ بمعنى لا تعجل علينا، وأمهلنا وارقبنا، ولاحظ حالنا، حتى نفهم عنك، ونأخذ عنك، ونتلقى عنك، فهم قصدوا هذا المعنى، لكن هذه اللفظة غير مناسبة في التخاطب مع النبي ﷺ فأعطاهم لفظة تقوم مقامها ولكنها لا تحتمل المعنى السيئ، وذلك أن يقولوا: انظرنا بمعنى ارقبنا ولاحظنا وما أشبه ذلك، فالمقصود أن الأنصار كانوا يعبرون بهذه اللفظة في لهجتهم يقصدون بها ما ذكرت، فعلموا لفظة بديلة ليس فيها احتمال.

وعلى قول ابن جرير اللفظة البديلة لا تقتضي المفاعلة وإنما تكون من طرف واحد، أي انظرنا من أجل أن نفهم عنك، وليس ارقبنا نرقبك، ولاحظنا نلاحظك..

وعلى كل حال فإن الفائدة التي نخرج فيها من هذا أن الإنسان المسلم لا يضاهي أهل الباطل بعباراتهم التي يقصدون بها المعاني السيئة، وكذلك لا يطلق العبارات ابتداءً وإن لم يقلها أهل الباطل، وأقصد العبارات التي تحتمل معنىً صحيحًا ومعنىً باطلًا، وهذا كثير في كلام أهل العلم من أهل السنة حيث يوضحون موقفهم من مثل هذه الأشياء. 

ففي العقيدة مثلًا تجدهم يتكلمون على ما إذا خاطبوا أهل الكلام فإنهم ينكرون عليهم استعمال الألفاظ التي تحتمل الحق والباطل كلفظة الجسم، والعرض، والجوهر، والجهة، والتحيز، وما أشبه ذلك مما يعبرون به عند الكلام على صفات الله ، فأهل الكلام ينفون عن الله هذه المعاني ويقصدون بها أحيانًا أو غالبًا نفي معان صحيحة ثابتة، فينفي الاستواء مثلًا ينفي التحيز مثلًا ويقصد به نفي العلو والاستواء، وينفي الجسم ويقصد به نفي الصفات الذاتية غير المعنوية كاليد والوجه ونحو ذلك، وينفي الأعراض ويقصد بها نفي الصفات المعنوية كالضحك والغضب وأشباه ذلك ويقولون: هذه أعراض وهكذا. 

فأهل السنة حينما يأتون إلى أهل الكلام ويناقشونهم يقولون لهم: نحن لا نثبت الجهة ولا ننفيها، ولا نستجيز إطلاق ذلك، وأما أنتم فماذا تقصدون بالجهة؟ إن قصدتم بها معنى أنه ما فوق العالم فنحن نقول: هذا صحيح، وإن قصدتم أن الله تحوطه جهة من الجهات المخلوقة فالله أعظم شأنًا من ذلك، فالله فوق العالم بائن منهم، لا يحوطه شيء من المخلوقات.

فالمقصود أنهم يستفصلون منهم هذا الاستفصال عند مثل هذه الألفاظ والعبارات فلا ينفونها بإطلاق ولا يثبتونها بإطلاق بل لا يعبرون بها ابتداءً وينكرون على من استعمل هذه الألفاظ.

وعلى كل حال هذا في باب الاعتقاد، وقد ذكرنا في الدرس الماضي بعض الأحاديث الواردة في التأديب، واستعمال بعض الألفاظ كعبدي وأمتي، ماذا يقولون بدلًا من ذلك، فهذه فائدة مهمة وأساسية.

وأما ما وراء ذلك مثل هل هذه نهي عنها؛ لأن اليهود قالتها بلغتها؟ أو لأنها بمعنى السب عندهم؟ أو قالتها بالعربية وتقصد بها الرعونة؟

فهذا القدر لسنا مضطرين إليه، يعني لا يتوقف العمل بالآية على هذا القدر من التفسير،  وإنما القدر الذي نحتاج إليه هو أن هذا من التأديب في كيفية التعامل مع الألفاظ التي تحتمل معنىً صحيحًا ومعنىً باطلًا، وما وراء ذلك لا نضطر إليه سواء قالوها بلغتهم أو قالوها بالعربية، وسواء قصدوا بها معنى الرعونة أو غير ذلك فالمهم أنهم استعملوا عبارات ولووا ألسنتهم بالكلام ليصلوا إلى معانٍ قبيحة لا تليق، ونحن منهيون؛ لئلا نضاهي هؤلاء المبطلين من جهة، ولئلا نستعمل الألفاظ التي تحتمل المعاني الصحيحة والمعاني الباطلة، فهذا القدر هو الذي نحتاج إليه وينبني عليه العمل في تفسير الآية. 

فإذا نظر طالب العلم إلى مثل هذه القضايا بهذه الطريقة أراح نفسه من كثير من الإشكالات والدخول في أمور أو مضائق قد لا يحتاج إليها، أو ليس بمضطر إليها، خاصة وأن القطع بشيء من هذه الإشكالات أمر قد لا يوجد عليه دليل يعتمد عليه، لكن الآية فيما أظن أنه لا يقتصر في تفسيرها على ما ذكره ابن جرير -رحمه الله- فقط دون غيره، وهو قوله: نحن منهيون لما فيها من معنى المفاعلة، لكن يمكن أن نقول: هي لفظة غير لائقة، فهي تحتمل معانٍ باطلة، ومن ذلك أيضًا أن فيها معنى المفاعلة وهذا أمر لا يليق، والله تعالى أعلم.

وقال السدي: كان رجل من اليهود من بني قينقاع يدعى رفاعة بن زيد يأتي النبي ﷺ فإذا لقيه فكلمه قال: أرعني سمعك واسمع غير مُسْمع، وكان المسلمون يحسبون أن الأنبياء كانت تُفَخم بهذا، فكان ناس منهم يقولون: اسمع غير مسمع غَيْرَ صاغر، وهي كالتي في سورة النساء.

في سورة النساء قال الله عن اليهود: مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ [سورة النساء:46] فالمقصود أن هذه اللفظة نحن منهيون عنها؛ لأن فيها سوء أدب، واليهود يذهبون بها إلى المعنى السيئ، وعلى كل حال سواء قُصِد بها ما كان بلغتهم أو لا، فالمقصود أننا لا نقول ذلك، وكذلك الأمر في قوله: وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ لا يجوز استعمالها أيًا كان المقصود بها.

 فتقدم الله إلى المؤمنين أن لا يقولوا: راعنا، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بنحو من هذا.

قوله تعالى: وَاسْمَعُوا يمكن أن يحمل على ما ذكر في الآية، يعني اسمعوا هذا التوجيه والتعليم بحيث أنكم منهيون عن إطلاق مثل هذه اللفظة، فلا تعبروا بها في مخاطبته ﷺ، ويحتمل أن يكون ذلك على سبيل العموم، أي اسمعوا ما أمرتم به عن رسول الله ﷺ وتلقوا عنه.

وقوله تعالى: مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ [سورة البقرة:105] يبين بذلك تعالى شدة عداوة الكافرين من أهل الكتاب والمشركين الذين حذر الله تعالى من مشابهتهم للمؤمنين؛ ليقطع المودة بينهم وبينهم.

ونبه تعالى على ما أنعم به على المؤمنين من الشرع التام الكامل، الذي شرعه لنبيهم محمد ﷺ حيث يقول تعالى: وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [سورة البقرة:105].

هذه الآية أيضًا في أهل الكتاب، وهي من جملة الآيات الكثيرة جدًا في سورة البقرة وفي غيرها من سور القرآن التي يذكر الله فيها ما ينفر قلوب أهل الإيمان عنهم.

وحينما نزلت هذه الآيات من سورة البقرة لم يكن اليهود في ذلك الوقت قد احتلوا شيئًا من بلاد المسلمين أصلًا، ولا غصبوا أموالهم، ولا حاربوهم ولا اعتدوا عليهم ومع ذلك فإن الله يذكر هذه الأمور التي توجب الكراهية والبغض والبراءة من أعداء الله والله يذكي هذه الكراهية في نفوس المسلمين، وقد صارت هذه الكراهية جريمة لا تغتفر في هذا العصر.

وللأسف صار بعض الناس يقولون: ليست العداوة للكفار لأنهم كفار؛ وإنما لأنهم قاتلوا النبي ﷺ وبالتالي إنما تكون العداوة للكفار الذين يقاتلون المسلمين، وهكذا يدلسون على الناس في قوله: لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ [سورة الممتحنة:8] فتجدهم يفسرون البِرَّ هنا بمعنى المحبة والموالاة، إلى غير ذلك مما يقال. 

وإنما المقصود أن الموالاة ليست مرتبطة بأنهم اعتدوا على المسلمين أو ما اعتدوا وإنما هم اعتدوا على أعظم حق لله وهو التوحيد، فهذا هو الذي أوجب العداوة والبغضاء، وليس لأنهم يحاربون المسلمين، فهذا كفر على كفرهم، فالعداوة تجب لجميع الكفار سواء حاربوا المسلمين أو لم يحاربوهم، فالواجب على كل مسلم أن لا يحب أعداء الله، قال تعالى: وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [سورة الممتحنة:4].

فالمقصود أن مثل هذه الأمور ينبغي أن يعرفها المسلم وتكون حاضرة على باله وتبث في الناس، ويعلمها الصغير والكبير؛ لئلا تضيع حدود الله ويُلعب بالدين، بل وصل الأمر ببعض المعممين إلى أنه قال أكثر من هذا، حتى قال: العداوة التي بيننا وبين اليهود ليست دينية، وإنما عداوتنا مع الصهاينة فقط؛ لأنهم احتلوا أرضنا!!

نحن نقول: لو أرجعوا فلسطين على طبق من ذهب فهم أعدائنا وأشد أعدائنا؛ فآيات القرآن واضحة قبل احتلال فلسطين، فهي ليست في الصهاينة فقط وإنما في عموم هؤلاء الكفار، فالله  ذكر طبقاتهم في كفرهم وعداوتهم.

مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ۝ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ [سورة البقرة:106-107] قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس -ا: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ ما نبدل من آية.

وقال ابن جُرَيج عن مجاهد: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أي: ما نمحُو من آية.

وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ قال: نثبت خطها ونبدل حكمها.

القولين الأولين الذين ذكرهما -ما نبدل من آية، وما نمحُو من آية- بينهما مقاربة لا تخفى، وذلك أن النسخ في لغة العرب يأتي لمعنيين: 

الأول: بمعنى النقل، وذلك إما مع بقاء الأصل المنقول، كما تقول: نسخت الكتاب، فأصله باق وإنما نقلت صورته، وإما أن يكون مع انتقال أصله، فأنا لما أنقل هذا الكتاب من هنا وأضعه هاهنا، فهل بقي أصله في مكانه؟

الجواب: لا، فالنقل يكون على صورتين: إما مع بقاء الأصل المنقول كنسخ الكتاب، فيبقى أصله وإما بنقله بالكلية بحيث لا يبقى أصله.

والمعنى الثاني من معاني النسخ: هو بمعنى الإزالة والرفع، وإن شئت أن تقول: الإبطال وذلك يأتي أيضًا على صورتين: 

الأولى: إزالة يحصل بها ما يحل مكان هذا الذي أزيل مثلًا لما تقول: نسخت الشمس الظل، فالذي حل محل الظل هي الشمس. 

وهناك إزالة وإذهاب من غير أن يحل مكانه غيره مثل أن تقول: نسخت الريح الأثر، بمعنى محته وأزالته وأذهبته، فهل جاء مكانه شيء آخر؟ الجواب: لم يأت مكانه شيء آخر.

فالنسخ يأتي لمعنيين يقع كل واحد منهما على صورتين، والمشهور عند أهل العلم حينما يرجعون النسخ إلى أصل معناه اللغوي أنهم يفسرونه بالثاني الذي هو بمعنى الرفع، بصرف النظر عن صورة هذا الرفع هل هو رفع وإذهاب مع إيجاد البديل أو رفع بالكلية للشيء من أصله دون أن يوجد شيء آخر مكانه بناءً على الكلام المعروف وهو سيأتي إن شاء الله عند قوله:نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [سورة البقرة:106] هل النسخ لا بد فيه من بدل، أو لا يشترط البدل؟ فهذه قضية خلافية،

لكن بغض النظر عن خلافهم فيها فعامة الأصوليين والمفسرين يفسرون النسخ بمعنى الرفع، ولهذا يقولون في معناه الشرعي بأنه رفع حكم شرعي متقدم بخطاب متراخ عنه، فهذا أحد التعريفات التي يذكرونها، والمقصود أنهم يعبرون بلفظ الرفع.

بل إن عامة أهل الأصول يفرقون بين النسخ وبين غيره مما قد يعبر السلف عنه بالنسخ من كل ما يعرض للفظ من تخصيص للعموم أي: مما يغيره عن ظاهره، كتخصيص للعموم، وتقييد للمطلق، وما أشبه ذلك مما يسمونه بالنسخ، فعامة أهل الأصول يجعلون النسخ من قبيل الرفع، وأما تخصيص العام وتقييد المطلق وبيان المجمل ونحو ذلك يجعلونها من قبيل البيان، وهذا نحتاج إليه عند القراءة في الأصول عند الكلام على بعض المعارضات، حيث لما يتكلمون مثلًا على قضية الآحاد، هل يرفع المتواتر؟ وهل يُرفع القطعي بالظني؟ وهل السنة تنسخ القرآن.. إلى آخره، فتجد أن من يمنع من بعض هذه الصور، إذا قيل له: هل السنة تخصص القرآن، يقول: لا، وإنما هذا بيان والنسخ رفع.

وإذا جاء يتكلم على نسخ المتواتر بالآحاد قيل له: هل الآحاد يخصص المتواتر؟ يقول: نعم، فيقال له: ولماذا لا ينسخه؟ فيقول: لا، ذاك بيان وهو أخف والنسخ رفع، ولا يقوى على رفعه إلا ما يكافئه أو يزيد عليه.

وهذه في الحقيقة إنما هي شبه؛ إذ إن الراجح في هذا أن السنة تنسخ القرآن، والآحاد ينسخ المتواتر بصرف النظر عن التطبيقات التي تذكر فليست القضية في مثال، وعلى كل حال هذا الذي مشى عليه عامة أهل العلم.

ابن جرير -رحمه الله- لا ينكر النسخ أبدًا وهو يذهب إلى أن النسخ بمعنى النقل، وكلام ابن جرير هذا إذا أردنا أن نوجهه فإنه يقصد به نقل الحكم من حال إلى حال، نقل المكلف من حكم إلى حكم، فالمكلف كان مطالبًا باستقبال بيت المقدس ثم نقل منه إلى استقبال الكعبة، فهنا نُقل الحكم من وجوب استقبال بيت المقدس إلى وجوب استقبال الكعبة، فهذا بمعنى النقل، فهو فسره بمعنى النقل، أي نقل الحكم وإن شئت أن تقول أيضًا: نقل المكلف من هذا الحكم إلى حكم آخر، كأن يكون نقل الحكم من الوجوب إلى الاستحباب.

وإذا كان ذلك هو المراد فالخطب يسير، فإننا إذا أثبتنا النسخ فالخلاف في إرجاعه إلى أصل معناه اللغوي هل يرجع إلى معنى النقل أو إلى معنى الرفع فالقضية أشبه ما تكون بالخلاف اللفظي ولا يترتب عليه أثر من الناحية العملية. ولذلك نجد بعض أهل العلم يقولون: إن النسخ يأتي بمعنى النقل ويأتي بمعنى الرفع، فإن فسرناه بمعنى النقل فهو لأن المكلف قد نقل من كذا إلى كذا، أو أن الحكم قد نقل من كذا إلى كذا، وإذا فسرناه بمعنى الرفع فهو رفع الحكم الأول بخطاب متراخ عنه.

وقال ابن أبي نَجِيح عن مجاهد: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ قال: نثبت خطها ونبدل حكمها.

قوله: عن مجاهد: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ قال: نثبت خطها: هذا نوع من أنواع النسخ وليس هو كل النسخ، وإلا فقوله تعالى: (والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ..) فإن خطها هو الذي قد نسخ وأما حكمها فباق، فالمقصود أنه ذكر نوع من أنواع النسخ فلا حاجة أن يقال: إن قوله هذا غلط.

حَدَّث به عن أصحاب عبد الله بن مسعود وقال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي العالية ومحمد بن كعب القرظي نحو ذلك.

وقال السدي: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ نسخها: قبضها، وقال ابن أبي حاتم: يعني: قبضها، ورفعها، مثل قوله: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة..)، وقوله: "لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثًا".

القبض بمعنى: الرفع.

وقال ابن جرير: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ ما ننقل من حكم آية إلى غيره فنبدله ونغيره، وذلك أن نحوَّل الحلالُ حرامًا والحرام حلالًا، والمباح محظورًا والمحظور مباحًا، ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي والحظر والإطلاق والمنع والإباحة.

هو ذكر هنا أقسام الحكم التكليفي، وبين أن النسخ إنما يكون في الإنشاء بمعنى الأمر والنهي سواءً كان على سبيل الوجوب أو الاستحباب أو النهي، سواءً كان على سبيل التحريم أو الكراهة، يعني النهي الجازم والنهي غير الجازم، والأمر الجازم وغير الجازم، وبقي طرف خامس وهو الإباحة والمقصود بها هنا قطعًا الإباحة الشرعية وليست الإباحة الأصلية، فالإباحة الأصلية لا يكون رفعها من قبيل النسخ وإنما يكون ابتداء حكم جديد. 

وإنما المقصود رفع الإباحة الشرعية، يعني الإباحة التي صدرت من الشارع بأن أباح لهم هذا الشيء ثم حرمه مثلًا فهذا هو الذي يكون من قبيل النسخ مثل المتعة، إذ لما رخص لهم في المتعة صار حكم المتعة مباحة إباحة شرعية، ثم لما حرمت صار ذلك من قبيل النسخ، لكن الأشياء التي كانوا يتعاطونها قبل مجيء الشرع ثم جاء الحكم بتحريمها –مثلًا- فإن ذلك يكون من قبيل فرض الأحكام الجديدة وليس من قبيل النسخ.

وكذلك الأمر في الواجبات والمستحبات، فالصلاة قبل أن تجب عليهم مطلقًا كان الأصل براءة الذمة، وبالتالي فإن وجوب الصلوات بعد ذلك ليس ناسخًا وهذا معنى كلام ابن جرير، وكلامه واضح حيث يصرح فيه بأن النسخ بمعنى النقل.

فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ.

لو سأل سائل وقال: لماذا لا يكون في الأخبار ناسخ ومنسوخ؟

فالجواب: هو أنه لا يصح ذلك؛ لأن النسخ هنا يكون تكذيبًا، فلو قلت: ذهب زيد ثم قلت: لم يذهب زيد فإن هذا تكذيب للخبر، ولذلك لا يقع النسخ في الخبر إلا إذا كان مضمنًا لمعنى الأمر أو النهي بمعنى الإنشاء مثل قوله تعالى: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ [سورة البقرة:233] فهذا ظاهره الخبر ومعناه الإنشاء وهو الأمر، فهو يأمرهن أن يرضعن أولادهن حولين كاملين، ثم بين أن هذا ليس على سبيل الإلزام والوجوب فقال: لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ [سورة البقرة:233].

وكذلك في مثل قوله -تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ [سورة البقرة:240] فهذا ظاهره الخبر ومعناه الإنشاء.

وكذلك في قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ [سورة البقرة:114] فهذا خبر مضمن معنى الإنشاء، بمعنى أنه أمر من الله لأهل الإيمان أن لا يمكنوهم من دخولها إلا في حال الهدنة أو إعطائهم الأمان ونحو ذلك، فيدخلون في حال من الخوف إلى هذه الأماكن، والأمثلة على ذلك كثيرة، والله تعالى أعلم.

فإذا قيل: إن النسخ لا يكون في الأخبار فالمقصود الخبر الذي هو خبر صيغةً ومعنىً، وما عدا ذلك مما يراد به الخبر المحض فإنه لا يدخله.

ويقولون كذلك: إن النسخ لا يدخل في الثوابت وأصول الدين، فلا يدخل في العقائد، ولا في أصول الأخلاق.

وأصل النسخ من نسَخَ الكتاب وهو نقلُه من نسخة.

يصلح أن يكون من نَسَخ الكتاب وأن يكون من نَسْخ الكتاب بمعنى نقله، ولو كان يقصد هنا من نَسَخ الكتاب لقال: ومن نَسَخ الكتاب إذا نقله.

وأصل النسخ من نسْخ الكتاب، وهو نقله من نسخة إلى أخرى غيرها، فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره.

نسْخ الكتاب كما قلنا يكون مع بقاء الأصل، لكن النسخ الذي لا يكون مع بقاء الأصل مثل ما ذكرنا: نسخت الريح الأثر، ومن ذلك قول الله فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ [سورة الحـج:52] بمعنى الإزالة والإبطال، أي: يبطل الله ما يلقي الشيطان.

فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره إنما هو تحويله ونقل عبَارة إلى غيرها، وسواء نسخ حكمها أو خطها؛ إذ هي كلتا حالتيها منسوخة.

وقوله تعالى: أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ فقرئ على وجهين: "ننسأها ونُنْسها".

هاتان قراءتان متواترتان، بفتح النون.

والهمزة بعد السين فمنها نؤخرها.

(ونُنْسها) هذه قراءة أبي عمر وابن كثير من السبعة، وأما من قرأها بفتح النون والهمزة نَنسأها فهي بمعنى التأخير، أي نؤخرها، والمعنى نؤخرها عن النسخ، فلا ننسخها، تقول: نسأت هذا الأمر بمعنى أخرته، ويقول الله إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ [سورة التوبة:37] فالنسيء بمعنى التأخير، أي أنهم يؤخرون الأشهر الحرم، فالشهر الحرام هو مثلًا شهر رجب فيعلنون في الحج ويقولون: السنة القادمة سيكون الشهر الحرام هو شعبان، والسنة التي بعدها يجعلونه رمضان، والسنة التي بعدها يجعلونه شوال وهكذا، وهذا أحد المعاني التي فسر بها قول النبي ﷺ: إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض[3] قالوا: بمعنى أنه وافق شهرُ ذي الحجة شهرَ ذي الحجة الذي كان على هيئته التي جعله الله  عليها من غير تأخير، ويقولون: الحجة التي حجها أبو بكر لم تكن في ذي الحجة، وهذا الكلام على هذا التفسير بغض النظر على هذا المعنى، والمقصود أن قوله: أو ننسأها بمعنى أو نؤخرها.

قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -ا: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا [سورة البقرة:106] يقول: ما نبدل من آية أو نتركها لا نبدلها.

وقال مجاهد عن أصحاب ابن مسعود -أَوْ نُنسِأهَا نثبت خطها ونبدل حكمها.

قول ابن عباس: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا يقول: ما نبدل من آية أو نتركها لا نبدلها: نحن قلنا: ننسأها بمعنى نؤخرها عن النسخ، وهذا معنى نتركها فلا ننسخها، فقول ابن عباس هذا يمكن أن يكون تفسيرًا لقراءة الفتح –ننسأها- ويمكن أن يكون تفسيرًا لقراءة الضم –ننسها؛ يمكن ذلك لأن ننسها أيضًا يمكن أن يكون من معنى الإنساء الذي هو بمعنى ذهاب المعلوم

ذهاب ما علم قل نسيان والعلم في السهو له اكتنان

فالفرق بين النسيان والسهو أن السهو المعلوم مكتن، أي أن المعلومة مكتنة في الذهن لكنه سها عنها، لكن النسيان هو ذهاب المعلوم، فيمكن أن يكون قوله: أَوْ نُنسِهَا من النسيان الذي هو إذهابها أصلًا من القلب، ويمكن أن يكون ذلك من معنى الإنساء الذي هو بمعنى التأخير.

فقول ابن عباس يحتمل أن يكون تفسيرًا لقراءة الفتح وقد يحتمل أن يكون هنا تفسيرًا لقراءة الضم، لكن بعض الأمثلة في التفسير لآية أو لفظة فيها قراءتان أحيانًا لا يحتمل التفسير إلا أن يكون تفسيرًا للقراءة الأخرى مع أنها أحيانًا لم تذكر، فهو ليس بقول آخر في المسألة، وإنما هو تفسير للقراءة الأخرى.

وقال مجاهد عن أصحاب ابن مسعود -أَوْ نُنسِأهَا نثبت خطها ونبدل حكمها

قوله: نثبت خطها ونبدل حكمها: هذا يكون من قبيل التفسير بالمثال فحسب، ولا يحمل على شيء آخر، أي أنه قرب المعنى بصورة من الصور التي يقع عليها النسخ.

وقال عبيد بن عمير ومجاهد وعطاء: أَوْ ننسأها نؤخرها ونرجئها، وقال عطية العوفي: أَوْ ننسأها نؤخرها فلا ننسخها، وقال السدي مثله أيضًا وكذا الربيع بن أنس.

وأما على قراءة أَوْ نُنْسِهَا فقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا قال: كان الله ينسي نبيه ﷺ ما يشاء وينسخ ما يشاء.

هذا بمعنى ينسيه ﷺ فقوله: نُنْسِهَامن النسيان، فالنسيان ذهاب المعلوم بمعنى يرفعها من القلوب أصلًا -هذا احتمال- ويحتمل أن يكون النسيان بمعنى الترك، كما في قوله: نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ [سورة التوبة:67]، وقوله: نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ [سورة الحشر:19]، والله كما قال عن نفسه: قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى  [سورة طـه:52] فالله تعالى لا يضل ولاينسى، ومعنى لا ينسى بمعنى لا يحصل له النسيان الذي هو بمعنى ذهاب العلم، وإنما يفسر النسيان في حق الله بمعنى الترك، فقوله: نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ [سورة التوبة:67] بمعنى أنه تركهم في العذاب.

فهنا في قوله تعالى: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا: قال: كان الله ينسي نبيه ﷺ ما يشاء وينسخ ما يشاء: يمكن أن يفسر هذا على قراءة الضم، ويمكن أن يفسر أيضًا على قراءة الضم بمعنى الترك، يعني أَوْ نُنسِهَا أي: نتركها فلا نبدلها ولا ننسخها، فيكون بهذا الاعتبار عائدًا إلى الأول وهو نتركها، وهذا الذي اختاره ابن جرير فيكون قد ذكر النسخ ومقابله، والذي يقابل النسخ المقصود به الترك، أي عدم النسخ، فهو ذكر الحالين، وهذا القرينة التي جعلت ابن جرير -رحمه الله- يفسر قوله: أَوْ نُنسِهَا بمعنى نتركها يعني نتركها من النسخ، قال: إنه ذكر الأول، وذكر الثاني المقابل، أي ذكر النسخ وذكر ترك النسخ، واضح؟

وقوله: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [سورة البقرة:106] أي: في الحكم بالنسبة إلى مصلحة المكلفين، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -ا: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا يقول: خير لكم في المنفعة وأرفق بكم.

وقال أبو العالية: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ فلا نعمل بها أَوْ نُنسأهَا أي: نرجئها عندنا، نأت بها أو نظيرها.

بعضهم يفسر أو ننسأها بمعنى أنها لا تنزل أصلًا، ولكن هذا فيه إشكال، وعلى كل حال قوله هنا: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا هذا وعد من الله وهذه الآية أصل في الكلام على مسألة أصولية معروفة في باب النسخ، وهي هل يكون النسخ إلى غير بدل، أو لا بُد فيه من البدل؟

الذين قالوا لا بد فيه من البدل كشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وتبعه على ذلك تلميذه ابن القيم، وجماعة من أهل العلم احتجوا بهذه الآية، قالوا: هذا وعد من الله وهو لا يتخلف، والقول بأن النسخ يكون إلى غير بدل، تكذيب لهذا النص.

والذي عليه الجمهور: أن النسخ يصح من غير بدل، ولكن كيف يفسرون هذه الآية؟

يقولون: الله يقول: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا المقصود أن الشارع لا يترك المكلفين هملًا من غير حكم، فلا بد من حكم، فالتخفيف بمعنى ترك الإيجاب أصلًا، هذا تخفيف ورحمة، فهو خير لهم من هذه الجهة حيث خفف الله عنهم ورفع هذا الحكم بالكلية، وهذا هو الخير بالنسبة لهم، فلم يتركهم هملًا، بعد أن كان يجب عليهم هذا الأمر صار لا يجب.

ومثل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- ومن قال بقوله يقولون: قوله: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا إذا رفع الوجوب بقي الاستحباب، وأوضح مثال لهم يمثلون به على هذا هي آية النجوى، وهي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً [سورة المجادلة:12]، فهذه الآية كان يجب على الواحد منهم أن يقدم بين يدي المناجاة للنبي ﷺ صدقة، ثم خفف الله عنهم بعدها حيث قال سبحانه: أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [سورة المجادلة:13].

شيخ الإسلام -رحمه الله- وابن القيم يقولون: الصدقة بقيت مستحبة وإنما رفع الوجوب فقط، وأولئك يقولون: لا، بل رفع الحكم بالكلية فلا يحتاج المناجي إلى تقديم صدقة، لكن لو سألت هؤلاء: ما حكم الصدقة بين يدي المناجاة؟ لقالوا: إنها مستحبة، فإن قيل: إذن أنتم توافقونهم؟ سيقولون: نحن لا نخص ذلك بين يدي مناجاة النبي ﷺ فنقول: رفع هذا بالكلية، فإن قيل: ما رأيكم لو أن أحدًا تصدق قبل أن يناجي النبي ﷺ هل نقول: إنه يؤجر أم يأثم؟ سيقولون يؤجر.

فالمقصود أن خلافهم إذا نظرت إليه بهذا الاعتبار فإنه يكاد أن يكون خلافًا لفظيًا، فهؤلاء يوجهون البدل إلى أن الشارع لم يتركهم هملًا فأبقى لهم مثلًا الإباحة بدلًا من التحريم، وهذا خير للمكلفين من جهة التخفيف، وأولئك قالوا: لا، بل ينسخ الوجوب ويبقى الاستحباب، يقال لهم: وهل وإذا نسخ التحريم تبقى الكراهة؟!

فالذي أظنه -والله تعالى أعلم- أن النسخ يكون إلى غير بدل ويوجَّه ذلك بما ذُكر وهو أن البدل هو التخفيف، فبدلًا من التحريم صار ذلك الأمر مباحًا، وبدلًا من الوجوب صار ذلك لا يجب وقد يبقى مستحبًا وقد لا يبقى، فإن بقي مستحبًا فذاك نسخ إلى بدل خاص بهذا الحكم المعين، والله تعالى أعلم.

لكن هذه المسألة هل يترتب عليها شيء من الناحية العملية التطبيقية، ما الذي يترتب عليها؟

لا يترتب عليها شيء بهذه الطريقة التي ذكرت -نسخ إلى بدل ونسخ إلى غير بدل- ونبقى في مناقشة أوضح مثال وهو تقديم الصدقة بين يدي المناجاة ماذا نقول فيه؟

إذا نظرنا إلى هذه القضية سنقول: هل بقيت مستحبة الصدقة بين يدي المناجاة أو أنه لا يجب ولا يستحب؟ وهل الذين يقولون بأن النسخ إلى غير بدل، يقولون: لا تستحب الصدقة؟

لا، بل يقولون: تستحب الصدقة في هذا الموضع وفي غيره، وذلك أنه إذا أذنب تصدق، ويتصدق ابتداءً، ويتصدق بين يدي دعائه، ويتصدق في كل أحواله، فالمسألة إذا نظرت إليها لا تترتب عليها أمور، وهذا بخلاف بعض المسائل الأخرى مثل: هل شرع من قبلنا شرع لنا أم لا؟ فهذه يترتب عليها أشياء فيما لم يرد في شرعنا ما يخالفه هل هو شرع لنا أم ليس بشرع لنا؟ والله أعلم.

وقال السدي: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا يقول: نأت بخير من الذي نسخناه أو مثل الذي تركناه.

وقال قتادة: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا يقول: آية فيها تخفيف، فيها رخصة، فيها أمر، فيها نهي.

آية فيها تخفيف، فيها رخصة، فيها أمر: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا نأت بخير منها في العاجل بالتخفيف، وإذا كان النسخ إلى أثقل، حيث قد ينسخ الحكم إلى الأخف وقد ينسخ إلى الأثقل، كما قال صاحب المراقي:

ويُنسخ الِخفُّ بما له ثِقَلْ وقد يجيء عاريًا من البدل

ومثال نسخ الأخف بالأثقل تحريم شرب الخمر بعد أن كان مباحًا بشرط أن لا يقربوا الصلاة في حال السكر، فيشربونه من بعد الفجر فإذا جاء الظهر يكون قد أفاق، ثم حرم بالكلية، وهذا على القول بأن تحريم الخمر نسخ، ومثل ذلك صوم عاشوراء حيث كان واجبًا ثم نسخ الوجوب إلى الاستحباب بصيام رمضان فهو نسخ إلى الأثقل.

ووجه الخيرية هنا كما يقول ابن جرير -رحمه الله- وجماعة من أهل العلم: الخيرية في الآجل يعني بالأجر والمثوبة عند الله فالأجر على قدر المشقة، ويمكن أن يكون في العاجل أيضًا من جهة أنه زيادة في التكاليف ولا شك أنها تستصلح بها نفوسهم، وتستقيم أحوالهم، والشارع عليم حكيم، فصوم رمضان خير لهم من صوم عاشوراء، فيحصل لهم من الخيرات العاجلة بصيام رمضان ما لا يخفى، وكذلك تحريم الخمر خير لهم في العاجل، و نسخ المتعة خير لهم في العاجل، وقل مثل ذلك في نسخ الأمور التي نسخت بالأثقل.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبنا محمد وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

  1. مسند أحمد (ج 2 / ص 92) وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (2831).
  2. سنن أبي داود في كتاب: اللباس - باب في لبس الشهرة (4031) (ج 2 / ص 441) وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (6149 ).
  3. أخرجه البخاري في كتاب التفسير - باب قوله: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [سورة التوبة:36] (4385) ومسلم في كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات - باب: تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال (1679) (ج3 / ص 1305).

مواد ذات صلة