الجمعة 24 / ذو الحجة / 1441 - 14 / أغسطس 2020
[46] تتمة قوله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} الآية 109
تاريخ النشر: ٢٣ / ذو القعدة / ١٤٢٥
التحميل: 3924
مرات الإستماع: 2681

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر –رحمه الله تعالى: ثم قال تعالى: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [سورة البقرة:112] أي: من أخلص العمل لله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ الآية [سورة آل عمران:20].

وقال أبو العالية والربيع: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ يقول: من أخلص لله، وقال سعيد بن جبير: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ أخلص، وَجْهَهُ قال: دينه، وَهُوَ مُحْسِنٌ أي: اتبع فيه الرسول ﷺ فإن للعمل المتقبل شرطين: أحدهما: أن يكون خالصًا لله وحده، والآخر: أن يكون صوابًا موافقاً للشريعة، فمتى كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يتقبل؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد[1][رواه مسلم].

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ [سورة البقرة:112] نقل عن الربيع وأبي العالية، قال: مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ أي: أخلص لله، وهذا التفسير للآية إنما هو تفسير لها بمضمونها والمعنى الذي سيقت لتقريره وهو الإخلاص.

 {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ قال سعيد بن جبير: دينه، فمعنى أسلم وجهه أسلم دينه، أي كان مخلصاً لله في عمله، ولهذا قال بعضهم: أَسْلَمَ وَجْهَهُ أي من جهة القصد، أسلم مقصده لله يعني كان مقصده واحداً.

هذه العبارات التي يقولونها في تفسير هذه الآية لم يذكر فيها صفة الوجه لله وإنما هذه العبارات وغير ها من العبارات التي تذكر في تفسير هذه الآية تدور حول هذا المعنى، ويمكن أن تفسر بالإخلاص وتوحيد القصد، أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ أي كان مخلصاً لله في توجهه وفي مقصده وعمله وهذا الذي قال به كثيرون، فهل يعد ذلك من قبيل التأويل في التفسير؟

لا، ليس من قبيل التأويل؛ لأن الوجه يأتي بمعنى الوِجهة والقصد، وسيأتي في قوله -تبارك وتعالى: فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ [سورة البقرة:115]، قول من قال من السلف: إنها ليست من آيات الصفات أصلاً. 

فالمقصود أن هذا ليس من قبيل التأويل؛ لأن المقصود بالوجه الوجهة، تقول: أنا أريد هذا الوجه، يعني هذه الوجهة، فـمَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ أي كان مخلصاً في عمله ومن كان موحداً لمقصده، ولهذا قال ابن جرير: مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ قال: من أسلم بدنه وخضع لله بالطاعة جسدُه، يعني بلى من أخلص طاعته لله وعبادته كان مخلصاً فيها لله -تبارك وتعالى- فهذا هو المراد. 

وهي كما قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله: تضمنت شرطي قبول العمل، مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ من أخلص وجهه، وَهُوَ مُحْسِنٌ، يعني متابع للنبي ﷺ، وكما في أول سورة الكهف:وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ [سورة الكهف:2] حيث ذكر الإيمان والعمل الصالح، والعمل الصالح لا يكون صالحاً إلا إذا كان خالصاً صواباً، فهذه الآية في أول سورة الكهف تضمنت ثلاثة شروط من قبول العمل وهي: الإيمان والإخلاص، والمتابعة، وكذلك في آخر سورة الكهف، فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا  [سورة الكهف:110].

فلا بد أن يكون العمل على قاعدة صحيحة، وعلى إيمان صحيح، ولا بد أن يكون صاحبه مخلصاً ولا بد أن يكون العمل صواباً، فهذه ثلاثة شروط، فلو جاء اليهودي أو عابد القبر وصلى صلاة موافقة لصلاة النبي ﷺ وهو مخلص فيها لربه، هل تقبل صلاته؟ لا تقبل؟ لأنه فقد الشرط الأول لأنه ليس بمؤمن، قال تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا [سورة الفرقان:23]

فعمل الرهبان ومن شابههم -وإن فرض أنهم مخلصون فيه لله- فإنه لا يتقبل منهم، حتى يكون ذلك متابعاً للرسول ﷺ المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، وفيهم وأمثالهم قال الله تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا [سورة الفرقان:23]، وقال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا [سورة النــور:39]، وقال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ۝ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ ۝ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ۝ تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ [سورة الغاشية:2-5].

وأما إن كان العمل موافقًا للشريعة في الصورة الظاهرة ولكن لم يخلص عامله القصد لله فهو أيضًا مردود على فاعله، وهذا حال المرائين والمنافقين كما قال تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً [سورة النساء:142]، وقال تعالى: فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ۝ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ۝ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ ۝ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [سورة الماعون:4-7] ولهذا قال تعالى: فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [سورة الكهف:110] وقال في هذه الآية الكريمة: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [سورة البقرة:112].

وقوله: فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [سورة البقرة:112] ضمن لهم تعالى على ذلك تحصيل الأجور، وآمنهم مما يخافونه من المحذور فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ على ما مضى مما يتركونه، كما قال سعيد بن جبير: فلا خوف عليهم يعني: في الآخرة وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يعني: لا يحزنون للموت.

الخوف هو الغم من أمر مستقبل، والحزن هو الغم من أمر فائت، وقد يستعمل الحزن بمعنى الخوف، ويمكن أن يفسر به قوله -تبارك وتعالى- عن أهل الجنة حينما دخلوها: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [سورة فاطر:34] فيمكن أن يكون ذلك بمعنى الخوف. 

فالمقصود أن الله قال هنا: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ [سورة البقرة:112] يلاحظ أنه أعاد الضمير بصيغة الجمع، وما قبله كان على سبيل الإفراد، فكيف ساغ إعادة ضمير الجمع على المفرد؟ وهذا يتكرر في القرآن كثير، وهذا مثال من أمثلته، فما الجواب عليه؟

لفظة "من" في قوله: مَنْ أَسْلَمَ شرطية وأسماء الشرط من صيغ العموم وإذا كانت "من" تستعمل للواحد فأكثر فإن معناها الجمع، فلوحظ فيها في هذا الموضع المعنى، وتجد في بعض المواضع يعاد الضمير إليها بالإفراد مراعاةً للفظها، ولهذا قال بعدها: مَنْ أَسْلَمَ ولم يقل: من أسلموا، وقال: وَهُوَ مُحْسِنٌ جاء به مفرداً ولم يقل: وهم محسنون، كل ذلك مراعاة للفظ (من) فإن لفظها مفرد ومعناها الجمع، فقوله: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ [سورة البقرة:112] يشمل الواحد والكثير.

وقوله تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ [سورة البقرة:113] بين به تعالى تناقضهم وتباغضهم وتعاديهم وتعاندهم، كما روى محمد بن إسحاق عن ابن عباس -ا- قال: لما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله ﷺ أتتهم أحبار يهود فتنازعوا عند رسول الله ﷺ فقال رافع بن حُرَيْملة: ما أنتم على شيء، وكفر بعيسى وبالإنجيل.

وقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود: ما أنتم على شيء، وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة، فأنزل الله في ذلك من قولهما: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ [سورة البقرة:113].

على كل حال هذه الرواية فيها ضعف، و المقصود أن الله عابهم على هذا، وهذه الآية يستعان بها في تفسير الآية السابقة، وهي قوله تعالى: وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى [سورة البقرة:111] فهي تدل على أن (أو) للتقسيم كما سبق، فهم يكفرون النصارى والنصارى يكفرون اليهود، فلا يمكن أن تقول طائفة عن الطائفة الأخرى بأنها ناجية.

وقوله -تبارك وتعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ [سورة البقرة:113] أي أنهم ليسوا على شيء معتبر، يعبأ به، وهم لا شك أنهم على شيء، وهو النصرانية أو الباطل.

ولكن نفي الشيء في لغة العرب يأتي أحياناً لهذا المعنى وهو كثير ومعروف في كلامهم، تقول: فلان ليس على شيء بمعنى أنه ليس على أمر يعتد به، فلان ما عنده شيء، يعني ما عنده ما يعتد به، ما عنده شيء يكترث به، يعتد به، وهكذا.

قوله: وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ هذا عيب لهم فهؤلاء يتلون الكتاب ويجدون فيه أن عيسى ﷺ نبي من عند الله حق، والنصارى يتلون في كتابهم أيضاً أن موسى ﷺ نبي الله وأن التوراة هي الشرع الذي تعبدهم الله به إلا ما نسخ منه ومع ذلك يكابرون. 

فالمقصود أن هذه الجملة وهي قوله: وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ هي نعي عليهم ومزيد ذم لهم أنهم لم يقولوا ذلك من جهل، وأنهم لم يطلعوا على خلافه، وإنما قالوه وهم مطلعون على ما فيه. 

ويؤخذ من هذه الآية أن الذم المتوجه إلى هذه الأمة ممن يشتغل بالعلم ويطلع على ما لا يطلع عليه غيره من قضايا العلم ثم يتكلم بخلاف ذلك، أو يقع في أمور يدعوه إلى الوقوع فيها هواه من أمور يختلف فيها مع الناس ويقع التفرق والتناحر، وهم يتلون الكتاب ويرون دلائل الحق فيه واضحة، فتحركهم أهواؤهم فلا شك أن ذلك أعظم جرماً ممن وقع في مثل هذه الأمور جهلاً منه؛ لأن ذلك لم يبلغه فيه سوى ما تكلم به واعتقده. 

فالذين يتلون الكتاب من طلاب العلم جرمهم أعظم من غيرهم حينما يحيدون عنه، ويكونون متابعين لأهوائهم ويتكلمون بالهوى في الطعن بغيرهم، وتخطئتهم وما أشبه ذلك، وهم يعلمون أن ذلك من الحق، أو أنه مما يسوغ فيه هذا الاختلاف، أو أن ذلك كله من دين الله كما يحصل في التفرق بين الأمة بسبب تنوع أعمال البر، فهذا يقول: هذا ليس على شيء، وهذا يقول: هذا ليس على شيء؛ لأن هذا يشتغل بإطعام الجوعى وكفالة الأيتام، وهذا يشتغل بالعلم، وهذا يشتغل بالجهاد، وهذا يشتغل بغير ذلك من القضايا المعتبرة في دين الله ومن الأعمال الصالحة، فهذا يشبه هذا، فلا يجوز للإنسان أن يقع فيه.

قال: إن كلاً يتلو في كتابه تصديق من كفر به، أي: يكفر اليهود بعيسى وعندهم التوراة فيها ما أخذ الله عليهم على لسان موسى بالتصديق بعيسى، وفي الإنجيل ما جاء به عيسى بتصديق موسى، وما جاء من التوراة من عند الله، وكل يكفر بما في يد صاحبه.

وقوله تعالى: كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ [سورة البقرة:113] يبين بهذا جهل اليهود والنصارى فيما تقابلوا من القول، وهذا من باب الإيماء والإشارة.

وقد اختلف في من عنى بقوله تعالى: الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ فقال الربيع بن أنس وقتادة: كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ قالا: وقالت النصارى مثل قول اليهود وقيلهم.

وقال ابن جُرَيج: قلت لعطاء: من هؤلاء الذين لا يعلمون؟ قال: أمم كانت قبل اليهود والنصارى وقبل التوراة والإنجيل.

وقال السدي: كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ فهم: العرب، قالوا: ليس محمد ﷺ على شيء، واختار أبو جعفر ابن جرير أنها عامة تصلح للجميع، وليس ثمَّ دليل قاطع يعين واحداً من هذه الأقوال، فالحمل على الجميع أولى، والله أعلم.

قوله تعالى: كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ بين بهذا جهل اليهود والنصارى فيما تقابلوا من القول، وهذا من باب الإيماء والإشارة، بمعنى أن هؤلاء حينما قالوا: هؤلاء ليسوا على شيء، وأن هؤلاء قالوا: ليس هؤلاء على شيء، ثم قال: كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ إذا قلنا: إن الذين لا يعلمون هنا هم العرب مثلاً فإن هذا يعني أيضاً نسبة هذا الوصف إلى اليهود والنصارى؛ لأن هذا إنما يفعله من لا يعلم، سواءً كان لا يعلم أصلاً، أو كان لا يعلم علماً ينفعه.

فقوله: من باب التنبيه والإشارة: العبارة هنا لا يريد بها بدقة ما يريده الأصوليون؛ لأنه جمع فيها هنا بين دلالة التنبيه وبين دلالة الإشارة وهما نوعان متغايران، فدلالة الإيماء والتنبيه، هذا نوع، وهي أن يقرن الحكم بوصف لو لم يكن علةً له لكان ذلك عيباً عند العقلاء.

فهنا يمكن أن يخرج هذا على أن هذا من دلالة التنبيه، فمثلاً، يمكن أن يكون هذا الفعل الصادر إنما كان بسبب الجهل بنوعيه، إما الجهل لأن الإنسان لم يبلغه أو أنه لم ينتفع بما علم فكأنه لم يعلم، فيكون ذلك من قبيل دلالة التنبيه، وبهذا الاعتبار يمكن أن يخرج على الدلالة المعروفة عند الأصوليين فيكون قوله: وَقَالَتِ الْيَهُودُوَقَالَتِ النَّصَارَى ثم قوله: كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ [سورة البقرة:113] هذا فيه تنبيه وإيماء إلى أن هذا الذي صدر إنما هو من قلة العلم وأن من صدر منه مثل ذلك فهو متصف بهذا الوصف الذي هو قلة العلم، أو عدمه كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ [سورة البقرة:113]

وأما المقصود بالإشارة هنا والله أعلم هنا في كلامه فهو معنىً أعم مما يقصده الأصوليون أو مما يقصده المفسرون بما يسمى بالتفسير الإشاري، فهو لا يقصد هذا، لكن من باب التنبيه والإشارة أي أنه يشير كما نستعمل في كلامنا عادة فنقول: هذه الآية فيها إشارة إلى أن الذين صدر منهم ذلك أنهم لا يعلمون؛ لأنه قال: كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ [سورة البقرة:113]، وأما دلالة الإشارة عند الأصوليين فهي معروفة

وهي إشارة اللفظ لما لم يكن القصد له قد علما

أي إشارته إلى معنىً لم يكن مقصوداً للمتكلم حينما تكلم بهذا الكلام مثل قوله -تبارك وتعالى: وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [سورة البقرة:187] لما ذكر: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ [سورة البقرة:187] فمعنى ذلك أنه يحل له أن يجامع إلى آخر جزء من الليل، فمتى يبقى وقت الغسل؟ لا شك أن الجنابة ستبقى إلى بعد طلوع الفجر، فالآية ما جاءت لتقرير أن الصوم يصح مع وجود الجنابة، لكن هذا من قبيل دلالة الإشارة، وعلى كل حال يمكن أن يناقش هذا الكلام الذي قاله الحافظ ابن كثير لكن لا أحب الجدل.

والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

  1. صحيح مسلم في كتاب الأقضية - باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور (1718) (ج 3 / ص 1343).

مواد ذات صلة