الجمعة 17 / ذو الحجة / 1441 - 07 / أغسطس 2020
[54] من قوله تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} باقي الآية 125 إلى قوله تعالى: {إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} الآية 128
تاريخ النشر: ٠٢ / ذو الحجة / ١٤٢٥
التحميل: 4935
مرات الإستماع: 3490

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله.

قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في قوله تعالى: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [سورة البقرة:125] قال الحسن البصري: قوله: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ [سورة البقرة:125] قال: أمرهما الله أن يطهراه من الأذى والنَّجَس ولا يصيبه من ذلك شيء، وقال ابن جريج: قلت لعطاء: ما عهده؟ قال: أمره.

وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: قوله: أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ [سورة البقرة:125] قال: من الأوثان.

وقال مجاهد وسعيد بن جُبَير: طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ أن ذلك من الأوثان والرفث وقول الزور والرجس.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فيقول الله وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ [سورة البقرة:125] : عهده أي أمره، أي أمرناهما بتطهير البيت، وهذا التطهير يشمل جميع الأقوال التي قالها السلف -، إذ إنه يشمل التطهير الحسي، كما يشمل التطهير المعنوي، فقد أمرهما الله بتطهيره من النجاسات الحسية من كل قذر يدنسه، وكذلك من النجاسات المعنوية كالشرك والفجور والفواحش وأشباه ذلك، فينبغي أن يكون حرم الله أطهر بقعة حساً ومعنى.

وأما قوله تعالى: لِلطَّائِفِينَ فالطواف بالبيت معروف، وعن سعيد بن جبير أنه قال في قوله تعالى: لِلطَّائِفِينَ يعني: من أتاه من غُرْبة.

الطائفين يحتمل معنيين، المعنى الأول وهو المشهور المتبادر: أنهم الذين يطوفون بالكعبة، فيطهر لهم؛ لأن مكة تفترق عن غيرها؛ إذ فيها عبادة تختص بها لا توجد في مكان آخر وهي الطواف، فإذا ذكر الطواف مع البيت فإن المقصود به الطواف المعروف.

ومن أهل العلم من حمل الطواف في قوله: لِلطَّائِفِينَ على معنى آخر أي من يطوف به بمعنى العابر ومن يلم به، أي من يكون مجيئه عارضاً دون من هم أهل مكة، وهؤلاء الذين يفسرونه بهذا التفسير يجعلون العكوف مقابلاً له، بمعنى أن الطائف هو الذي يأتي البيت من خارج، ويكون العاكف على هذا الاعتبار هو المقيم بمكة، وتفسير الطائفين بهذا المعنى فيه بعد؛ فالأصل حمل ألفاظ القرآن على المعنى المتبادر المشهور دون المعنى البعيد، والله تعالى أعلم.

قال تعالى: لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ [سورة البقرة:125] : لما تقول: طفت البلاد أو تقول: فلان طاف البلاد فمعنى ذلك أنه زارها وقَدِم إليها ومر بها ونحو ذلك، ولذلك من الطبيعي أن يفسر العاكفين بضد الطائفين ما دام فسر الطائفين بالواردين إليه من خارجه، إلا أن العكوف لا يفسر بما يقابل الطواف بهذا الاعتبار وإنما هو لون من ألوان العبادة؛ إذ إن الله ذكر هذه العبادات في بيته الحرام وهي الطواف -وهو العبادة المعروفة- والاعتكاف وهو العبادة المعروفة أيضاً، فيكون قوله:وَالْعَاكِفِينَ يعني الملازمين للعبادة فيه على سبيل المجاورة.

وأصل العكوف معروف، فهو يعني البقاء مدة معتبرة يصح أن يقال عنها عكوف على وجه التعبد، وهذا المعنى هو معنىً تقريبي للعكوف، تقول: فلان عاكف على كذا بمعنى أنه يطيل المكث، ومن هنا نعرف أن من قال: إن الاعتكاف يصح ولو لحظة ولو ساعة، وإذا دخلت لتصلي فرضاً فانوِ الاعتكاف، نعرف أن هذا غير صحيح، وبه نعرف أيضاً أنه يعتبر قول من قال بأن أقل الاعتكاف يوم وليلة، فالاعتكاف هو المكث مدة طويلة في المكان وإن لم يكن ذلك محدداً بساعات كيوم وليلة، أو أقل أو أكثر، بل ملازمة طويلة عرفاً يقال لها اعتكاف، وكل من لازم شيئاً يقال له: عكف عليه فهو عاكف، قال تعالى عن إبراهيم إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ [سورة الأنبياء: 52].

وعلى كل حال فإن أحسن ما يفسر به قوله تعالى: وَالْعَاكِفِينَ أنه الاعتكاف المعروف الذي هو المجاورة على سبيل التعبد –والله أعلم- وهذا هو اختيار كبير المفسرين ابن جرير الطبري -رحمه الله- مع أنه كما ذكرنا بأن جمع من أهل العلم من السلف والخلف قالوا: إن المراد بالعكوف هنا الإقامة، فيكون ذلك كما قلت مقابلاً للطائفين على تفسيره بأنه مَن ورد عليه من غير أهل مكة، فيكون العاكف بهذا الاعتبار هم أهل الحرم، أهل مكة، لكن القول الآخر أحسن والله أعلم.

وَالْعَاكِفِينَ [سورة البقرة:125] المقيمين فيه، وهكذا روي عن قتادة، والربيع بن أنس أنهما فسرا العاكفين بأهله المقيمين فيه كما قال سعيد بن جبير، وأما قوله تعالى: وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [سورة البقرة:125] فروي عن ابن عباس وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ قال: إذا كان مصليًا فهو من الركع السجود، وكذا قال عطاء وقتادة.

هذا كله حينما ينظر إليه ويعتبر يمكن أن يفسر به ما قبله، فهو ذكر الطواف والاعتكاف والصلاة وهذه هي العبادات أظهر العبادات وأشهر العبادات التي يمكن أن تكون في بيت الله الحرام، وهناك عبادات أخرى مثل الذكر والصدقة وقراءة القرآن وما أشبه ذلك، ولكن أظهر هذه العبادات هي الاعتكاف والصلاة والطواف، يعني هذه العبادات هي مما يكون أكثر اختصاصاً بالمسجد.

وتطهير المساجد مأخوذ من هذه الآية الكريمة ومن قوله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ [سورة النــور:36] ومن السنة من أحاديث كثيرة من الأمر بتطهيرها وتطييبها وغير ذلك من صيانتها من الأذى والنجاسات وما أشبه ذلك، ولهذا قال إنما بنيت المساجد لما بنيت له[1]، وقد جَمَعْتُ في ذلك جزءًا على حدة، ولله الحمد والمنة.

وقوله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [سورة البقرة:126] روى الإمام أبو جعفر بن جرير عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: إن إبراهيم حَرَّم بيت الله وأمَّنَه وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها فلا يُصَادُ صيدها ولا يقطع عضاهها[2] وهكذا رواه النسائي وأخرجه مسلم.

إبراهيم حرم مكة إما باعتبار أن المخاطبة للمكلفين كانت بتحريم مكة، وإن كان قد حرمها الله يوم خلق السموات والأرض كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ ولكن الله لم يخاطب الناس به وإنما أظهر ذلك وخاطبهم به على لسان إبراهيم ﷺ وهذا هو وجه الجمع بين النصوص الواردة في تحريم مكة يوم خلق الله السموات والأرض وبين ما ورد من أن إبراهيم ﷺ هو الذي حرم مكة، فيكون باعتبار أن الله لم يخاطب به حينما حرمها وإنما كان الخطاب به على لسان إبراهيم ﷺ فنسب إليه.

ويمكن أن يقال -والله تعالى أعلم: إن الله حرم مكة فهو -تبارك وتعالى- مصدر الأحكام، وهو الذي يحكم، وهو الذي يحلل ويشرع والرسل إنما يبلغون عن الله ، فإبراهيم ﷺ دعا ربه لمكة واستجاب الله دعاءه فكان ما كان مما قضاه الله -تبارك وتعالى- تجاه بيته المعظم ومن ذلك أنه جعله حرماً آمناً تهفو إليه الأفئدة ورزق أهله من الثمرات ممن آمن بالله واليوم الآخر ومن لم يؤمن، -والله تعالى أعلم- فهذان وجهان في الجمع بين هذه النصوص، وكلها يحتمل ويمكن أن يقال: إنه لا منافاة بينها أصلاً، والأمر في ذلك قريب، والله أعلم.

قوله: ولا يقطع عضاهها: الشجر الذي له شوك يقال له: عضاه، والكلام في حرم المدينة ليس هذا محله، والمقصود أن الله حرم مكة وإبراهيم ﷺ حرم مكة، وإبراهيم مبلغ عن الله .

وقد وردت أحاديث أخَرُ تدل على أن الله تعالى حرم مكة قبل خلق السماوات والأرض، كما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عباس -ا- قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: إن هذا البلد حَرَّمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحِل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يُعْضَد شوكه ولا ينفر صيده ولا يلْتَقَط لُقَطَتُه إلا من عرَّفها، ولا يختلى خَلاهَا فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذْخَر فإنه لقَينهم ولبيوتهم، فقال: إلا الإذخر[3].

قوله: لا يختلى خلاها يعني لا يحتش الحشيش منها.

وقول العباس: فإنه لقينهم: القين بمعنى الحدَّاد -وهذا في الأغلب والأشهر- ويطلق على الصانع عموماً، فالحداد يحتاج للإذخر من أجل صنعته.

قوله: فإنه لقينهم وبيوتهم: يعني يوضع في السقف فوق الخشب، ثم يوضع فوقه الطي.

وهذا الحديث فيه مسألة معروفة عند الأصوليين في باب التخصيص عند الكلام على الاستثناء، إذ أن من التفاصيل الداخلة تحت موضوع الاستثناء أن الاستثناء إنما يكون من متكلم واحد في أوله وفي آخره، فتقول مثلاً: لك مائة درهم إلا ثلاثة، يعني لك سبع وتسعين درهما، وهذا كلام ظاهر، لكن إذا كان الاستثناء من طرف آخر، كأن يقول إنسان: له مائة فقال شخص آخر: إلا ثلاثة، فهل هذا يصح أم لا بد أن يكون من متكلم واحد؟

هذا فيه كلام عند الأصوليين، ومن قال: إن ذلك يصح فقد احتج بهذا الحديث، وعلى كل حال مثل هذا لا يخفى، فإذا كان قد أقر به وكان ذلك متصلاً بكلامه الأول عرفاً فإن ذلك ينـزل منـزلة كلامه، وإلا فليس لأحد أن يفتات على متكلم فيلزمه بما لا يلزمه.

وعن أبي شُرَيح العدوي أنَّه قال لعَمْرو بن سعيد -وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي -أيها الأمير-أن أحدثَك قولاً قام به رسولُ الله ﷺ الغَد من يوم الفتح.

قال ذلك لعمرو بن سعيد الأشدق حينما كان يبعث البعوث لقتال عبد الله بن الزبير في أيام عبد الملك بن مروان وفي أيام يزيد حيث قتل عبد الله بن الزبير على يد الحجاج، فقبل ذلك كان عمرو بن سعيد يبعث الجيوش يجيشها من المدينة إلى مكة.

سَمِعَته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تَكَلَّم به، إنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد تَرَخَّصَ بقتال رسول الله ﷺ فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب، فقيل لأبي شُرَيح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيًا، ولا فارًّا بدم، ولا فارًّا بخَرْبَة"[4] رواه البخاري ومسلم وهذا لفظه.

قوله: ولا فارًّا بخَرْبَة يعني ولا فارَّاً بجناية.

أتى له بالحديث وواضح وصريح في حرمة مكة فقال له: نحن أعلم منك بهذا، وهذا مثل مروان لما أراد أن يخطب في العيد قبل الصلاة من أجل أن يسمع الناس له فلما أخذ أبو سعيد الخدري  بثوبه جبذه مروان منه وصعد المنبر، فقال له أبو سعيد: الصلاة قبل الخطبة، فقال: قد ذهب ما تعلم يا أبا سعيد، إن الناس ما عادوا يسمعون لنا.

وعلى كل حال عمرو بن سعيد هذا ذبحه صاحبه عبد الملك بن مروان ذبحاً كما تذبح الشاة حيث سلطه الله عليه، فقلته شر قتلة بيده، نسأل الله العافية.

فإذا علم هذا فلا منافاة بين هذه الأحاديث الدالة على أن الله حَرَّم مكة يوم خلق السماوات والأرض، وبين الأحاديث الدالة على أن إبراهيم حَرَّمها؛ لأن إبراهيم بَلَّغ عن الله حُكْمه فيها وتحريمه إياها، وأنها لم تزل بلدًا حرامًا عند الله قبل بناء إبراهيم ، لها، كما أنه قد كان رسول الله ﷺ مكتوبًا عند الله خاتم النبيين، وإن آدم لمنجَدِل في طينته، ومع هذا قال إبراهيم رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ [سورة البقرة:129] الآية، وقد أجاب الله دعاءه بما سبق في علمه وقَدَره، ولهذا جاء في الحديث أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن بَدْءِ أمرك، فقال: دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ابن مريم، ورأت أمي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام[5]، أي: أخْبِرْنا عن بدء ظهور أمرك، كما سيأتي قريبًا، إن شاء الله.

هذا واضح في الجمع بين هذه النصوص، وهو كون التحريم أظهره الله على لسان إبراهيم ﷺ.

وقوله تعالى إخبارًا عن الخليل أنه قال: رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَدًا آمِنًا [سورة البقرة:126] أي: من الخوف، أي لا يَرْعَبُ أهله، وقد فعل الله ذلك شرعًا وقدرًا كقوله تعالى: وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [سورة آل عمران:97] وقوله: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [سورة العنكبوت:67] إلى غير ذلك من الآيات، وقد تقدمت الأحاديث في تحريم القتال فيه.

وفي صحيح مسلم عن جابر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح[6]، وقال في هذه السورة: رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَدًا آمِنًا [سورة البقرة:126​​​​​​] أي: اجعل هذه البقعة بلدًا آمنًا، وناسب هذا؛ لأنه قبل بناء الكعبة.

وقال تعالى في سورة إبراهيم: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا [سورة إبراهيم:35] وناسب هذا هناك؛ لأنه والله أعلم كأنه وقع دعاء مرة ثانية بعد بناء البيت واستقرار أهله به.

هذا الكلام ليس بقاطع وإنما هو احتمال، وهذه من الوجوه التي يتلمسها المفسرون فيما يسمى بالمتشابه اللفظي، فهنا قال: رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَدًا آمِنًا [سورة البقرة:126​​​​​​​] ​​​​​​، وهناك جاء بالتعريف، رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا [سورة إبراهيم:35] ، فإذا قيل: لماذا فارق بينهما؟

فيمكن أن يقال: قبل بناء البيت كان موضع البيت بواد غير ذي زرع فدعا ربه أن يكون بلداً آمناً، أي أن يتحول هذا الموضع إلى بلد آمن، فلما صار بلداً دعا له مرة أخرى بـ"أل" العهدية: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا [سورة إبراهيم:35] لكن هذا القول هو كغيره مما يذكرونه في هذه الوجوه فلا يقطع به؛ لأنه قد يكون المقام واحد أصلاً والدعاء واحد لم يتكرر، والله تعالى أعلم، وقد سبق الكلام على قوله تعالى: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا [سورة إبراهيم:35] هل ذلك من قبيل الشرع أو القدر.

وقوله -تبارك وتعالى: وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [سورة آل عمران:97]، وإن كان يحتمل هذا وهذا إلا أن قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [سورة العنكبوت:67]، هذا يكون بالقدري؛ فهو يريهم أمراً يشاهدونه ويعرفونه، وبالتالي يجاب عن الإشكال الذي قد يرد وهو أن ما يقع فيه من القلاقل في بعض الأحيان فإن ذلك لا عبرة به وإنما العبرة بالغالب، وهذا مثل قول الله كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [سورة المجادلة:21] فهذا أمر قد قضى الله به، ومع ذلك قد يقتل النبي وقد يهزم جيشه وما إلى ذلك، فلا يحكم بعدم الغلبة في مثل هذه الحالات القليلة التي تعتبر حالات استثنائية وإنما العبرة بالعاقبة، ثم إن الغلبة أيضاً تكون بالحجة والبيان، وإن هزم المسلمون في أُحد ومعهم رسول الله ﷺ في أرض المعركة وهو ثابت ﷺ لم ينهزم فهذا لا ينافي قوله تعالى: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [سورة المجادلة:21]، إذ إن المسلمين قد غَلبوا وكانت العاقبة لهم.

كأنه وقع دعاء مرة ثانية بعد بناء البيت واستقرار أهله وبعد مولد إسحاق الذي هو أصغر سنًّا من إسماعيل بثلاث عشرة سنة؛ ولهذا قال في آخر الدعاء: الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء [سورة إبراهيم:39].

وقوله تعالى: وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [سورة البقرة:126​​​​​​​] ​​​​​​.

روى ابن جرير عن أبي بن كعب: قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [سورة البقرة:126​​​​​​​] ​​​​​​​قال: "هو قول الله تعالى" وهذا قول مجاهد وعكرمة.

إبراهيم ﷺ قال: رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [سورة البقرة:126​​​​​​​] ​​​​​​​فهو خص المؤمنين بهذا الدعاء وذلك بأن يرزقهم الله من الثمرات، وقد قلنا: إن بعض أهل العلم ذكر في هذا لطيفة، وهي أن الله لما أدب خليله ﷺ حينما قال في الإمامة: وَمِن ذُرِّيَّتِي [سورة البقرة:124​​​​​​​] ​​​​​​​حيث علمه الله أن الإمامة لا تكون لغير أهل الإيمان فقال: لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [سورة البقرة:124​​​​​​​] ​​​​​​، فعهده لا ينال ظالماً، ولا يعطى لظالم، والكافر هو من أظلم الظالمين كما قال تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [سورة لقمان:13]، فظن إبراهيم ﷺ بعد ذلك أن الدعاء يقيد أيضاً في طلب الرزق فلذلك قال: وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [سورة البقرة:126​​​​​​​] ​​​​​​​فعلمه الله  مرة أخرى وبين له أن الأمر هنا يفترق، فقال تعالى: وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [سورة البقرة:126​​​​​​​].

فقول الله قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً [سورة البقرة:126​​​​​​​] ​​​​​​​هذا من كلامه والمعنى أن الله قال: ومن كفر فإنه يُرزَق أيضاً؛ وذلك أن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، فالمقصود أن قوله: قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً [سورة البقرة:126​​​​​​​] ​​​​​​​هو من كلام الله -تبارك وتعالى- في مقابل قول إبراهيم ﷺ حينما خصص أهل الإيمان بالدعاء بقوله: وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [سورة البقرة:126​​​​​​​]​​​​​​.

وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [سورة البقرة:126​​​​​​​] ​​​​​​​قال ابن عباس: كان إبراهيم يحجُرها على المؤمنين دون الناس فأنزل الله ومن كفر أيضًا أرزقهم كما أرزق المؤمنين، أأخلق خلقًا لا أرزقهم؟! أمتعهم قليلا ثم أضطرهم إلى عذاب النار وبئس المصير، ثم قرأ ابن عباس: كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا [سورة الإسراء:20] رواه ابن مَرْدُويه.

ورُوي عن عكرمة ومجاهد نحو ذلك أيضًا، وهذا كقوله تعالى: قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ ۝ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ [سورة يونس:70]. 

وقوله تعالى: وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ۝ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ [سورة لقمان:23-24].

وقوله: وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ۝ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ ۝ وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [سورة الزخرف:33-35].

وقوله: ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [سورة البقرة:126​​​​​​​] ​​​​​​​أي: ثم ألجئه بعد متاعه في الدنيا وبسطنا عليه من ظلها إلى عذاب النار وبئس المصير، ومعناه: أن الله تعالى يُنْظرُهم ويُمْهلهُم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، كقوله تعالى: وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ [سورة الحـج:48​​​​​​​].

وفي الصحيحين: لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله؛ إنهم يجعلون له ولداً، وهو يرزقهم ويعافيهم[7] وفي الصحيح أيضًا: إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ قوله تعالى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ  [سورة هود:102] [8].

وأما قوله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ۝ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [سورة البقرة:127-128] فالقواعد: جمع قاعدة وهي السارية والأساس.

قوله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ [سورة البقرة:127] يعني يرفع إبراهيم الأساس، وأما القواعد التي في أسفل البناء فإنها لا ترفع على الحقيقة، فإذا قيل: رفعت القواعد فالمعنى رفع البناء فوقها، فقوله: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ يعني يقيم عليها البناء.

يقول تعالى: واذكر -يا محمد- لقومك بناء إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- البيت ورفْعهما القواعدَ منه، وهما يقولان: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [سورة البقرة:127].

وحكى القرطبي وغيره عن أبي وابن مسعود أنهما كانا يقرآن: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ ويقولان: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [سورة البقرة:127].

قلت: ويدل على هذا قولهما بعده: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ​​​​​​​الآية [سورة البقرة:128]، فهما في عمل صالح وهما يسألان الله تعالى أن يتقبل منهما.

كما روى ابن أبي حاتم عن وهيب بن الورد أنه قرأ: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ثم يبكي ويقول: يا خليل الرحمن ترفع قوائم بيت الرحمن وأنت مُشْفق أن لا يتقبل منك. وهذا كما حكى الله تعالى عن حال المؤمنين الخلَّص في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا [سورة المؤمنون:60]، أي: يعطون ما أعطوا من الصدقات والنفقات والقربات وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [سورة المؤمنون:60​​​​​​​] أي: خائفة ألا يتقبل منهم كما جاء به الحديث الصحيح عن عائشة عن رسول الله ﷺ كما سيأتي في موضعه.

في قوله -تبارك وتعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [سورة البقرة:127] هو أورد هنا قراءة ابن مسعود: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ويقولان ربنا..) لأن من المفسرين من يقول: إن هذا الدعاء صدر من إبراهيم ﷺ، ويقولون: إن إبراهيم ﷺ حينما بنى البيت كان إسماعيل ﷺ في غاية الصغر أو كان رضيعاً لم يبن مع أبيه البيت، وهذا في غاية الغرابة، فالله  يقول: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ فمعنى ذلك أن إسماعيل ﷺ كان يشاركه البناء سواء كان يناوله اللبن، أو غير ذلك مما يصنعه معه، المهم أنه كان مشاركاً له، ولذلك فإن الدعاء في قوله -تبارك وتعالى: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [سورة البقرة:127] صدر منهما -عليهما الصلاة والسلام- ويدل على ذلك من الآية أنه قال بعده: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ [سورة البقرة:127] أي على سبيل التثنية، فالبناء صادر منهما والدعاء كذلك صادر منهما، فهذا هو سبب إيراد ابن كثير -رحمه الله- هذه القضية؛ لأنه وجِد من خالف في هذا.

وقد روى البخاري[9] عن ابن عباس -ا- قال: "أول ما اتخذ النساء المنْطَق من قبَل أم إسماعيل، اتخذت منطقًا ليعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه.

يعني أنها كانت تغار منها فأرادت أن لا يكون لها أثر إذا مشت فكانت تخفي أثرها على سارة أم إسحاق.

حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زَمْزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء فوضعهما هنالك، ووضع عندها جرابًا فيه تمر وسِقَاء فيه ماء ثم قَفَّى إبراهيم ​​​​​​​ منطلقًا فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذًا لا يضيعنا، ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه، فقال: رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [سورة إبراهيم:37] حتى بلغ: يَشْكُرُونَ [سورة إبراهيم:37​​​​​​​] وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال: يتلبط فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقربَ جبل في الأرض يليها فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا؟ فلم ترَ أحدًا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طَرفَ درعها ثم سعت سَعْيَ الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي. ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحَدًا فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس: قال النبي ﷺ: فلذلك سعى الناس بينهما.

فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت: صه، تريد نفسها، ثم تَسَمَّعت فسمعَت أيضًا. فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غوَاث فإذا هي بالمَلَك عند موضع زمزم فبحث بعقبه -أو قال: بجناحه- حتى ظهر الماء فجعلت تحوطه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف، قال ابن عباس: قال النبي ﷺ: يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم أو قال: لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينًا مَعينًا.

قال: فجعلت تحوطه: وفي النسخة الأصل تحوضه وهكذا هي الرواية، والمعنى أنها تجعل له حوضاً يجتمع فيه الماء، وفي بعض الروايات: تحفر وهي بمعنى تحوضه أو تحفن أي التراب لتجعل حوضاً، أو تفحص الأرض بيديها.

قال: فشربت وأرضعت ولدها فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة فإن هاهنا بيتًا لله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله.

وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جُرْهُم -أو أهل بيت من جُرْهم- مقبلين من طريق كَدَاء فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرًا عائفًا.

قبيلة جرهم يقال: إنهم من العمالقة، والمؤرخون يذكرون أنهم كانوا يسكنون أو أن بعضهم كان يسكن قريباً من مكة، وكانوا يعرفون هذا المكان وأنه ليس فيه ماء.

يقول: أهل بيت من جُرْهم مقبلين من طريق كَدَاء: كداء بالفتح، يعني من أعلى مكة، قال: فنزلوا في أسفل مكة: يعني كأنهم جاؤوا من أعلاها وهذا لا إشكال فيه، فالنبي ﷺ دخل من أعلاها من -كداء- وخرج من أسفلها، فيمكن أنهم جاؤوا من أعلاها حتى بلغوا أسفلها.

قوله: فرأوا طائراً عائفاً: الطائر العائف هو الذي يحلق فوق الماء ولا يجاوزه.

فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعَهْدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جَرِيًّا أو جَرِيَّين.

يعني أرسلوا رسولاً مندوباً عنهم أو وكيلاً أو نحو ذلك، وقيل له: جري؛ لأنه يقوم مقام من أرسله أو لأنه يسعى ويبادر في حاجته والمصلحة التي أرسل من أجلها.

فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا، قال: وأم إسماعيل عند الماء فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حَقَّ لكم في الماء عندنا، قالوا: نعم، قال ابن عباس قال النبي ﷺ: فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس.

يعني أن ذلك صادف شيئاً في نفسها وحاجة وهي أنها تحب الأنس، والأُنس ضد الوحشة فهي كانت مستوحشة فلما عرضوا عليها الإقامة عندها ألفى ذلك شيئاً في نفسها أي حاجة في نفسها.

قوله: وهي تحب الأنس: بالضم هو ضد الوحشة، ويمكن أن يكون بكسر الهمزة، أي وهي تحب الإنس يعني بني جنسها، وبين المعنيين ملازمة لا تخفى، فلا تعارض حينئذٍ.

فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم وشب الغلامُ وتعلم العربية منهم، وأنْفَسَهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم.

قوله: وأنْفَسَهم وأعجبهم: من النفاسة، أي أنه صار نفيساً ومرغوباً فيه عندهم فزوجوه وصاهروه.

يقول: أنفسهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم: أي صار إسماعيل -عليه الصلاة والسلام- مرغوباً فيه ولم يكن كاسداً -عليه الصلاة والسلام.

قوله: وتعلم العربية منهم: هذا يدل على أن أبويه من غير العرب، وهذا هو المعروف المشهور، وأما ما جاء من أن إبراهيم ﷺ أول من تكلم بالعربية فإن الذي يصح من ذلك ما جاء مقيداً باعتبار أن إسماعيل ﷺ هو أول من فتق الله لسانه بالعربية الفصحى، فإسماعيل ﷺ كان أفصح من جرهم بما ألهمه الله وألهمه، فصارت عربيته أحسن من عربيتهم. 

وهذه المسألة فيها كلام لأهل العلم كثير، وذلك في قضية العرب العاربة والعرب المستعربة، وهل يقسم الناس بهذا الاعتبار لما فيه من الإشكال في كون العرب من يرجعون في نسبهم إلى إسماعيل ﷺ والنبي محمد ﷺ منهم فهل يقال: هو -عليه الصلاة والسلام- من العرب المستعربة؟ 

وإذا تأملت هذا الخلاف والإشكال الوارد في هذا قد تخرج بنتيجة أن المسألة لا تحتمل ذلك باعتبار أن هؤلاء صاروا هم العرب، والله وصف نبيه ﷺ بأنه منهم فقال: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ [سورة الجمعة:2] ووصف هذا القرآن بأنه بلسان عربي مبين، وتبقى المسألة في التسمية، هل يليق هذا أو لا يليق؟

وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيلُ ليطالع تَرْكَتَه فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بشَرّ، نحن في ضيق وشدة، فشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي وقولي له يغير عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه أنس شيئًا، فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا فسألنا عنك، فأخبرته، وسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أننا في جَهْد وشدَّة، قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غَيِّرْ عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك، فالحقي بأهلك، وَطَلَّقَها وتزوج منهم بأخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم يجده، فدخل على امرأته، فسألها عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم -وسألها عن عيشهم وَهَيْئَتهم- فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله ، قال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء، قال النبي ﷺ: ولم يكن لهم يومئذ حَب ولو كان لهم لدعا لهم فيه، قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي  ومُريه يُثَبِّت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة -وأثنت عليه- فسألني عنك، فأخبرته، فسألني: كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا بخير، قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، وهو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك، قال: ذاك أبي وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك.

ثم لَبثَ عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يَبْرِي نَبْلا له تحت دوحة قريبًا من زمزم، فلما رآه قام إليه وصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد. ثم قال: يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتًا -وأشار إلى أكَمَةٍ مرتفعة على ما حولها- قال: فعند ذلك رَفَعا القواعد من البيت فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان:رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [سورة البقرة:127] قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [سورة البقرة:127].

قال في الحديث: إنه جاء وهو يبري وقد تزوج، وهذا رد واضح وصريح على أولئك الذين قالوا: إن إبراهيم ﷺ بنى البيت وإسماعيل طفل صغير، لا يطيق البناء معه، وأن الدعاء صدر من إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- وحده. 

وعلى كل حال مسألة بناء البيت والأحاديث الواردة فيها صح منها ما صح ولم يصح منها ما لم يصح، والأخبار الإسرائيلية كثيرة جداً، وأخبار الحجر الأسود، ومن أين جاء؟ صحت جملة من الأحاديث بأنه نزل من السماء، وعلى كل حال ليس هذا محلاً للكلام على هذه الأشياء.

ذكر بناء قريش الكعبة بعد إبراهيم الخليل بمدد طويلة قبل مبعث رسول الله ﷺ بخمس سنين، وقد نقل معهم في الحجارة وله من العمر خمس وثلاثون سنة صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين.

قال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة: ولما بلغ رسول الله ﷺ خمسًا وثلاثين سنة، اجتمعت قريش لبنيان الكعبة وكانوا يَهُمُّون بذلك ليسقفوها ويهابون هَدْمها، وإنما كانت رَضماً فوق القامة فأرادوا رفعها وتسقيفها؛ وذلك أن نفرًا سرقوا كنز الكعبة وإنما كان يكون في بئر في جَوْف الكعبة، وكان الذي وُجد عنده الكنز دويك مولى بني مُلَيح بن عمرو من خزاعة فقطعت قريش يده، ويزعم الناس أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك، وكان البحر قد رَمى بسفينة إلى جُدَّة لرجل من تجار الروم فتحطمت فأخذوا خشبها فأعدُّوه لتسقيفها، وكان بمكة رجل قبطي نجار فهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها، وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي كانت تُطْرَحُ فيها ما يُهْدَى لها كل يوم َتَتشدق على جدار الكعبة.

قوله: َتَتشدق على جدار الكعبة: أي أنها كانت تخرج لسانها، وهذه قضية معروفة في صفة الحية، فهي كانت تخرج على الجدار وتنظر إلى هؤلاء الناس وتتشدق، فهي في منظر لا شك مخيف ومفزع ولا يستطيع أحد الاقتراب من البئر.

تتشدق على جدار الكعبة وكانت مما يهابون، وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا احزَألَّت وكشت وفتحت فاها فكانوا يهابونها، فبينا هي يوماً تَتَشدق على جدار الكعبة، بعث الله إليها طائرًا فاختطفها فذهب بها، فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون الله قد رَضي ما أردنا، عندنا عامل رفيق، وعندنا خشب، وقد كفانا الله الحية.

فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنيانها، قام أبو وهب بن عَمْرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم، فتناول من الكعبة حجرًا فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا معشر قريش، لا تُدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبًا، لا يدخل فيها مهر بَغِي ولا بيع رباً، ولا مظلمة أحد من الناس.

قال ابن إسحاق: والناس ينتحلون هذا الكلام للوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مَخزُوم.

قوله: ينتحلون هذا الكلام للوليد: يعني ينسبونه إليه.

وهذه التفاصيل بهذه الصورة تذكر في كتب السير، ولا شك أن أصل ذلك ثابت وهو أنهم أعادوا بنائها وأن رسول الله ﷺ شاركهم في وضع الحجر -عليه الصلاة والسلام- وقضية الحية التي كانت موجودة، هي موجودة في بعض أشعارهم ويذكرون هذا في السير، فالله تعالى أعلم.

قال: ثم إن قريشا تَجَزأت الكعبة فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة، وكان ما بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم، وكان ظهر الكعبة لبني جُمَح وسهم، وكان شق الحِجْر لبني عبد الدار بن قُصي، ولبني أسد بن عبد العزى بن قُصي، ولبني عدي بن كعب بن لؤي وهو الحَطيم.

ثم إن الناس هابوا هَدْمها وفَرقُوا منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هَدْمها: فأخذ المعْولَ ثم قام عليها وهو يقول: اللهم لم ترعْ، اللهم إنا لا نريد إلا الخير، ثم هدم من ناحية الركنين، فتربص الناس تلك الليلة، وقالوا: ننظر، فإن أصيب لم نهدم منها شيئًا ورددناها كما كانت، وإن لم يصبه شيء فقد رضي الله ما صنعنا، فأصبح الوليد من ليلته غاديًا على عَمَله، فهدم وهدم الناس معه حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الأساس -أساس إبراهيم أفضوا إلى حجارة خضر كالأسنمة آخذ بعضها بعضًا.

قوله: كالأسنمة: يعني كأسنمة الإبل.

وقوله: آخذ بعضها بعضاً: يعني أنها مشبكة، ووصفها بالأسنمة ظهر في وقت ابن الزبير لما هدمها وبناها من جديد، حيث أخرج لهم تلك القواعد فرآها الناس وأشهدهم على ذلك ووصفوها بهذه الصفة وهي أنها متداخلة وكالأسنمة، وشوهدت في هذا العصر حينما جدد بناؤها قريباً ووصف من شاهد ذلك أيضاً بمثل هذه الصفة.

 قال فحدثني بعض من يروي الحديث: أن رجلاً من قريش ممن كان يهدمها أدخل عَتَلة بين حجرين منها ليقلع أيضاً بها أحدهما، فلما تحرك الحجر تنقضت مكة بأسرها فانتهوا عن ذلك الأساس.

  1. أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب النهي عن نشد الضالة في المسجد وما يقوله من سمع الناشد (569) (ج 1 / ص 397).
  2. صحيح مسلم في كتاب الحج - باب فضل المدينة ودعاء النبي ﷺ فيها بالبركة وبيان تحريمها وتحريم صيدها وشجرها وبيان حدود حرمها (1362) (ج 2 / ص 992) والنسائي في السنن الكبرى في كتاب الحج - باب ثواب من صبر على جهد المدينة وشدتها (4284) (ج 2 / ص 487) واللفظ له.
  3. أخرجه البخاري في  أبواب الجزية والموادعة - باب إثم الغادر للبر والفاجر (3017) (ج 3 / ص 1164) ومسلم في كتاب الحج - باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها إلا لمنشد على الدوام (1353) (ج 2 / ص 986).
  4. أخرجه البخاري في كتاب العلم - باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب (104) (ج 1 / ص 51) ومسلم في كتاب الحج - باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها إلا لمنشد على الدوام (1354) (ج 2 / ص 987).
  5. أخرجه أحمد (ج 5 / ص 262) والطبراني في الكبير (ج 8 / ص 175) وصححه الألباني في صحيح السيرة النبوية.
  6. أخرجه مسلم في كتاب الحج - باب النهي عن حمل السلاح بمكة بلا حاجة (1356) (ج 2 / ص 989).
  7. أخرجه البخاري في كتاب التوحيد -باب قول الله تعالى: إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين (6943) (ج 6 / ص 2687) ومسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - باب لا أحد أصبر على أذى من الله  (2804) (ج 4 / ص 2160).
  8. أخرجه البخاري في كتاب التفسير - باب تفسير سورة هود (4409) (ج  / ص 1726) ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب - باب تحريم الظلم (2583) (ج   / ص 1997).
  9. صحيح البخاري في كتاب الأنبياء – باب يَزِفُّونَ [سورة الصافات: 94] النسلان في المشي (3184) (ج 3 / ص 1227).

مواد ذات صلة