الجمعة 17 / ذو الحجة / 1441 - 07 / أغسطس 2020
[57] من قوله تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ} الآية 129إلى قوله تعالى: {فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} الآية 132
تاريخ النشر: ٢٧ / ذو الحجة / ١٤٢٥
التحميل: 4335
مرات الإستماع: 3388

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.  

قال المفسر -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ  [سورة البقرة:129].

يقول تعالى إخبارًا عن تمام دعوة إبراهيم لأهل الحرم أن يبعث الله فيهم رسولاً منهم، أي: من ذرية إبراهيم وقد وافقت هذه الدعوة المستجابة قَدَرَ الله السابق في تعيين محمد صلوات الله وسلامه عليه رسولاً في الأميين إليهم وإلى سائر الأعجميين من الإنس والجن، والمراد أن أول من نَوّه بذكره وشهره في الناس إبراهيم ولم يزل ذكره في الناس مذكورًا مشهورًا سائرًا حتى أفصح باسمه خاتمُ أنبياء بني إسرائيل نسبًا، وهو عيسى بن مريم  حيث قام في بني إسرائيل خطيبًا وقال: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [سورة الصف:6] ولهذا قال في هذا الحديث: دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى بن مريم، وقوله: ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام[1] قيل: كان منامًا رأته حين حملت به وقَصته على قومها فشاع فيهم واشتهر بينهم، وكان ذلك توطئة.

وتخصيص الشام بظهور نوره إشارة إلى استقرار دينه ونبوته ببلاد الشام، ولهذا تكون الشام في آخر الزمان معقلاً للإسلام وأهله، وبها ينزل عيسى بن مريم  إذا نزل بدمشق بالمنارة الشرقية البيضاء منها، ولهذا جاء في الصحيحين: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك[2] وفي صحيح البخاري: وهم بالشام[3].

وقوله تعالى:وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ يعني: القرآن وَالْحِكْمَةَ يعني: السنة، قاله الحسن وقتادة ومقاتل بن حيان وأبو مالك وغيرهم، وقيل: الفهم في الدين، ولا منافاة.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ [سورة البقرة:129]، قال: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَيعني القرآن، وهذا لا إشكال فيه فهو في غاية الوضوح، اللهم إلا في موضع آخر وهو قوله -تبارك وتعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ [سورة الجمعة: 2] وهي القرآن، ثم قال: وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [سورة الجمعة: 2] فهناك قال: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ قال جماعة من أهل العلم: المراد به الكتابة، وعللوا هذا بأمرين اثنين:

قالوا: الأمر الأول: أن في الآية ما يدل على هذا القول وذلك من جهة أن الله ذكر القرآن قبله حيث قال: يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ [سورة الجمعة: 2] فمن أجل ألا يكون ذلك تكراراً في الكلام فإن التأسيس مقدم على التوكيد و بناء على هذه القاعدة، قالوا: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [سورة الجمعة: 2] الكتاب يعني الكتابة التي هي الخط بالقلم. 

وفي الآية قرينة أخرى وهو أنه ذكر الأميين فقال: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ [سورة الجمعة: 2] والأمي هو الذي لا يكتب أو لا يعرف الكتابة والقراءة، فهو يمتن عليهم ببعثه ﷺ ومن جملة هذا الامتنان أن عرفوا الكتابة بعد أن كانوا أبعد الناس عنها إذ لم يكن يعرفها منهم إلا نفر يسير لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة.

فالمقصود أن هناك الآية تحتمل، وأما هنا: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ [سورة البقرة:129]، فهو القرآن، وأما قوله: وَالْحِكْمَةَ فإن الحكمة في أصلها من الحُكم وهو يدور على معنى المنع، وبعض أهل العلم يذكر له أصلاً آخر كشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- والمشهور عند كثير من أهل العلم أنه يدور على أصل واحد وهو المنع، فتأتي الحكمة تارة بمعنى النبوة، وتارة بمعنى الفقه في الدين، وتأتي تارة بمعنى وضع الشيء في موضعه وإيقاعه في موقعه، بمعنى الإصابة بالقول والعمل.

فهنا قوله: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [سورة البقرة:129] قال: يعني السنة، وقيل: الفهم في الدين، وقال: لا منافاة؛ لأن من عرف السنة فإن السنة تكون شارحة للقرآن، فقد فهم عن الله  مراده، فلا منافاة بين قول القائل في قوله: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [سورة البقرة:129] إن الحكمة يعني السنة، أو الفهم في الدين، لأن من كان بالسنة أعلم فهو أفقه في دين الله  ولهذا فإن قول من قال هي الفقه في الدين لا إشكال فيه ولا يعارض من قال: إنها السنة.

ولهذا فإن مثل ابن جرير الطبري كبير المفسرين -رحمه الله- يفسر الحكمة هنا بأنها العلم بأحكام الله التي جاء بها رسوله ﷺ فإن ذلك لا يعرف إلا من طريقه -عليه الصلاة والسلام، ومن ثمََّ فإن هذا العلم بأحكام الله هو العلم بالسنة؛ لأن الأحكام لا تعرف إلا من طريق النبي ﷺ.

وعلى كل حال أصل الحكمة من الحكم الذي هو المنع ومن ثم يقال: الحكم الفصل بين الناس، والحاكم يقال له: حاكم؛ لأنه يفصل بين الناس ومعنى المنع متحقق فيه، إذ أنه يمنع أحد الخصمين من التعدي على حق الآخر، ولذلك لو أتيت بأي لون من ألوان استعمال هذه اللفظة تجد فيها معنى المنع، فإذا قلت هي من الحَكَمَة التي توضع في الفرس، فإنها تمنعها من الانفلات، وإذا قلت: فلان حكيم فمعنى ذلك أن حكمته تزِم رأيه ولسانه فلا يحصل منه الخطل والشطط في القول ولا في الحُكم بل تجد أقواله على استقامة وأحكامه على استقامة، فهو واقع على الصواب في القول وفي العمل، وهكذا.

قال: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [سورة البقرة:129] أي فصل قضاء الله بين الناس وأحكامه بحيث يعرفون ذلك ويفقهون دين الله ويعرفون السنة..الخ، وكل هذه الأقوال التي ذكرها السلف وما لم يذكروه كله صحيح وهذا يسمى خلاف التنوع، إلا أن من قال بأن الحكمة هي النبوة مثلاً، فهذا يحتاج إلى لون ربط وجمع قد يكون أعسر إلى حد ما من مثل هذه الأقوال، مع أنه يمكن أن يجمع بين هذا وهذا من جهة أن النبي هو الذي يحكم بين الناس.

ولا بد أن يفهم أن المقصود بتفسير الحكمة بالنبوة أنه يعلمهم النبي مضامين النبوة التي جاء بها من الله عن طريق الوحي، فيعلمهم أحكام الشريعة التي أنبأه الله بها، فلا يقول قائل في تفسير الحكمة بالنبوة أن المعنى يعلمهم النبوة بمعنى أنهم يكونون أنبياء مثله أو نحو ذلك، فهذا المعنى غير وارد على الإطلاق.

وَيُزَكِّيهِمْ [سورة البقرة:129] قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -ا: يعني طاعة الله.

قوله: وَيُزَكِّيهِمْ قال: يعني طاعة الله: وبعضهم يذكر غير هذه العبارة، وكل ذلك بمعنى واحد؛ لأن طاعة الله هي تطهير للنفوس، فإنما يكون طهرها وصلاحها واستقامتها حينما تكون ملتزمة بالحق الذي جاء به الرسول ﷺ فالرسول يزكيهم بمعنى أنه يطهرهم من أدران الشرك والضلال والزيغ وكل لون من ألوان الانحراف الذي يدنس نفوسهم، فكل ما يذكر هنا كله صحيح؛ لأن المراد بذلك كله هو تزكية النفوس بتطهيرها من الشرك وما تفرع منه.

وقوله: إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ [سورة البقرة:129]​​​​​​​ أي: العزيز الذي لا يعجزه شيء، وهو قادر على كل شيء.

اسم العزيز من العزة أي العزيز الذي لا يغالب ولا تطاق سطوته، والعزة إنما تحصل من مجموعة أوصاف إذا وجدت وتحققت كان ذلك الموصوف عزيزاً، والعزيز لا يكون إلا قوياً ولا يكون إلا قادراً، وما إلى ذلك، ولهذا يفسره بعضهم بقوله: أي الذي لا تطاق سطوته، وبعضهم يقول: الذي لا يغالب، أو الذي لا يضام ولا يرام، وكل هذا داخل في معنى العزيز.

الحكيم في أفعاله وأقواله فيضع الأشياء في محالها لعلمه وحكمته وعدله.

اسم الحكيم جمع بين أمرين هما العلم ووضع الشيء في موضعه وإيقاعه في موقعه، فهذا هو الحكيم، والحكمة هي الإصابة بالقول والعمل، وهذه الإصابة لا يمكن أن تكون إلا بتحقق العلم مع الوصف الآخر الذي هو وضع الشيء في موضعه.

وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ۝ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [سورة البقرة:130-132].

يقول -تبارك وتعالى- رَدًّا على الكفار فيما ابتدعوه وأحدثوه من الشرك بالله المخالف لملة إبراهيم الخليل إمام الحنفاء، فإنه جَرد توحيد ربه -تبارك وتعالى- فلم يَدْع معه غيره، ولا أشرك به طرفة عين.

قوله: يقول -تبارك وتعالى- رداً على الكفار فيما ابتدعوه وأحدثوه من الشرك بالله: طبعاً هذه الآيات جميعاً هي في سياق ذكر بني إسرائيل، فأول من يدخل فيها هم اليهود والنصارى حيث إنهم خالفوا ملة إبراهيم ﷺ من جهة الحقيقة إذ إنهم بدلوا وغيروا، كما أنهم خالفوها من جهة الانتساب والتسمية حيث إنهم ابتدعوا هذه الأسماء، قال تعالى: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا [سورة آل عمران:67]

فالمقصود أن هؤلاء خالفوا دين إبراهيم ﷺ وملته فهم أول من يدخل في ذلك مع أنهم يدَّعون الانتساب إليه -عليه الصلاة والسلام- وأنهم على دينه -وسيأتي الرد عليهم في هذه الدعوى- ويدخل فيه أيضاً غيرهم من أهل الإشراك من العرب الذين كانوا يقولون: إنهم على دين إبراهيم -عليه الصلاة والسلام، لكن أولى من يدخل فيها هم اليهود والنصارى لكنها شاملة للجميع؛ لأن من تدل على العموم في قوله: وَمَن يَرْغَبُ  [سورة البقرة:130]، والمعنى أن الرغبة عن ملة إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- والإعراض عنها لا يمكن أن تقع إلا ممن سفه نفسه.

ولا أشرك به طرفة عين وتبرأ من كل معبود سواه، وخالف في ذلك سائر قومه حتى تبرَّأ من أبيه، فقال: يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ۝ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [سورة الأنعام:78-79]. 

وقال تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ ۝ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ [سورة الزخرف:26-27]، وقال تعالى: وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ [سورة التوبة:114]. 

وقال تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ۝ شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ۝ وَآتَيْنَاهُ فِي الْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [سورة النحل:120-122].

ولهذا وأمثاله قال تعالى: وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ [سورة البقرة:130] عن طريقته ومنهجه فيخالفها ويرغب عنها إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ [سورة البقرة:130] أي: ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره بتركه الحق إلى الضلال؛ حيث خالف طريق من اصطفي في الدنيا للهداية والرشاد من حَداثة سنّه إلى أن اتخذه الله خليلا وهو في الآخرة من الصالحين السعداء.

قوله: إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ قال: أي ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره: أو قول من قال: إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ أي: جهل أمر نفسه فيما يصلحها ويقومها ويحملها على الحق والصواب فلم يفكر فيها، أو قول من قال: إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ يعني أهلك نفسه، وغير ذلك مما يمكن أن تفسر به، أي فعل بنفسه فعل أهل السفه بحيث إنه فعل بها من السفه ما صار به سفيهاً، والمقصود أن كل هذا يمكن أن تفسر به هذه الآية، والله تعالى أعلم، ولهذا فإن مثل ابن جرير -رحمه الله- يقول: إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ يعني إلا سفيه جاهل بحظ نفسه فيما ينفعها في عاجلها وآجلها.

وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ [سورة البقرة:130] يعني لا يرغب عن ملة إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- أي عن دينه ومنهجه إلا سفيه لا يعرف حظ نفسه قد أضاع نفسه وتردى في أودية الهلكة، فالسفيه هو الذي لا يحسن التدبير ولا يحسن التصرف.

فمن ترك طريقه هذا ومسلكه وملّته واتبع طُرُقَ الضلالة والغي، فأي سفه أعظم من هذا؟ أم أي ظلم أكبر من هذا؟ كما قال تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [سورة لقمان:13].

قال أبو العالية وقتادة: نزلت هذه الآية في اليهود؛ أحدثوا طريقًا ليست من عند الله وخالفوا ملَّة إبراهيم فيما أخذوه، ويشهد لصحة هذا القول قول الله تعالى: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ۝ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [سورة آل عمران:67-68].

نعم، يدخل فيه اليهود ويدخل فيه النصارى دخولاً أولياً، ويدخل فيهم غيرهم من مشركي العرب وغيرهم ممن خالف دين إبراهيم ﷺ وإن كان السياق في الرد على اليهود والنصارى بالدرجة الأولى.

وقوله تعالى: إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [سورة البقرة:131] أي: أمره الله بالإخلاص له والاستسلام والانقياد فأجاب إلى ذلك شرعًا وقدرًا.

وقوله: وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ [سورة البقرة:132] أي: وصى بهذه الملة وهي الإسلام لله أو يعود الضمير على الكلمة، وهي قوله: أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [سورة البقرة:131] لحرصهم عليها ومحبتهم لها حافظوا عليها إلى حين الوفاة.

قوله تعالى: وَوَصَّى بِهَا [سورة البقرة:132] سواء وصاهم بهذه الكلمة فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [سورة البقرة:132]، أو وصاهم بهذه الملة –ملة إبراهيم- فإنها هي الإسلام، فهذا مما تجتمع فيه الأقوال أيضاً ولا منافاة.

حافظوا عليها إلى حين الوفاة ووصوا أبناءهم بها من بعدهم؛ كقوله تعالى: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ [سورة الزخرف:28]، وقد قرأ بعض السلف "ويعقوبَ" بالنصب عطفًا على بنيه كأن إبراهيم وصى بنيه وابن ابنه يعقوب بن إسحاق وكان حاضرًا ذلك.

قوله:وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ [سورة البقرة:132] إذا كانت بنصب الباء من يعقوب يكون المعنى: وصى إبراهيم بنيه ومن جملة أبنائه ﷺ حفيده يعقوب -عليه الصلاة والسلام، ويمكن أن يكون خصه بالذكر على هذه القراءة، باعتبار أنه أبٌُ للأسباط الذين تفرعت منهم قبائل بني إسرائيل، ولذلك نسبوا إليه فقيل لهم: بنو إسرائيل، وإسرائيل هو يعقوب -عليه الصلاة والسلام.

والقراءة المشهورة وَيَعْقُوبُ وبالضم، والمعنى أن يعقوب أيضاً وصى بهذه الوصية بنيه، فيكون يعقوبُ على القراءة المشهورة فاعلاً.

والظاهر، والله أعلم، أن إسحاق ولِد له يعقوب في حياة الخليل وسارة؛ لأن البشارة وقعت بهما في قوله: فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ [سورة هود:71] وقد قرئ بنصب يعقوب هاهنا على نزع الخافض فلو لم يوجد يعقوب في حياتهما لما كان لذكره من بين ذرية إسحاق كبير فائدة، وأيضًا فقد قال  الله تعالى في سورة العنكبوت: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ الآية [سورة العنكبوت:27]، وقال في الآية الأخرى: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً [سورة الأنبياء:72] وهذا يقتضي أنه وجد في حياته، وأيضًا فإنه باني بيت المقدس كما نطقت بذلك الكتب المتقدمة.

وثبت في الصحيحين من حديث أبي ذر –- قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع أول؟ قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: بيت المقدس، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة الحديث[4]

معنى ذلك غالباً أنه كان في حياة إبراهيم ﷺ وبناءً عليه يكون وجه الإعراب في القراءة السابقة فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ [سورة هود:71] إذا كانت بنزع الخافض ومن وراء إسحاق بيعقوب، فالخافض هو حرف الجر –الباء- فنزع وصار ومن وراء إسحاقَ يعقوبَ.

وأيضًا فإن وصية يعقوب لبنيه سيأتي ذكرها قريبًا، وهذا يدل على أنه هاهنا من جملة الموصين.

قوله: وهذا يدل على أنه هاهنا من جملة الموصين: هذا يفسره قوله -تبارك وتعالى: وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ [سورة البقرة:132] مع قوله: أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي [سورة البقرة:133] فالقرآن يفسر بالقرآن، فيكون يعقوب ﷺ قطعاً قد أوصى بنيه بهذه الوصية.

ومعلوم أن القرآن يعبر به بالألفاظ القليلة الدالة على المعاني الكثيرة، فقوله -تبارك وتعالى: وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ  [سورة البقرة:132] يعني أنه -على قراءة الضم- قد وصى قطعاً فهو فاعل، ويدل على هذا الآية الأخرى: أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ...  [سورة البقرة:133] كما سيأتي، فتكون الوصية صادرة من إبراهيم ويعقوب جميعاً.

وتدل قراءة النصب (ويعقوبَ) على أن إبراهيم ﷺ أوصى ومن جملة من أوصاهم يعقوب -عليه الصلاة والسلام- ومعلوم أن القراءتين إذا كان لكل واحد منهما معنى يخصها فإنهما بمعنى الآيتين، فيكون ذلك من باب زيادة الوصف أو زيادة الحكم إذا كان ذلك يعود إلى موصوف واحد.

والخلاصة هي أن يعقوب ﷺ هنا موصى وكذلك هو موصٍ، فكل ذلك حصل، وليس في هذا إشكال ولا غرابة، والله تعالى أعلم.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

  1. أخرجه أحمد (ج 5 / ص 262) والطبراني في الكبير (ج 8 / ص 175) وصححه الألباني في صحيح السيرة النبوية.
  2. أخرجه البخاري في كتاب المناقب - باب سؤال المشركين أن يريهم النبي ﷺ آية فأراهم انشقاق القمر (3442) (ج 3 / ص 1331) ومسلم في كتاب الإمارة - باب قوله ﷺ: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم (1037) (ج 3 / ص 1524) كلاهما بلفظ مقارب.
  3. صحيح البخاري في كتاب المناقب - باب سؤال المشركين أن يريهم النبي ﷺ آية فأراهم انشقاق القمر (3442) (ج 3 / ص 1331).
  4. أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء – باب يَزِفُّونَ [سورة الصافات:94] النسلان في المشي (3186) (ج 3/ ص 1231) ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة (520) (ج 1 / ص 370).

مواد ذات صلة