الأربعاء 08 / شوّال / 1445 - 17 / أبريل 2024
[69] من قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ} الآية 159 إلى قوله تعالى: {لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} الآية164
تاريخ النشر: ١٤ / محرّم / ١٤٢٦
التحميل: 4842
مرات الإستماع: 3997

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله تعالى:

وفي رواية عن الزهري أنه قال: فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقال: إن هذا العلم ما كنتُ سمعته، ولقد سمعتُ رجالاًَ من أهل العلم يقولون: إن الناس -إلا من ذكرتْ عائشةُ  -ا- كانوا يقولون: إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية...

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فلا زال المفسر الحافظ ابن كثير -رحمه الله- يتحدث عن قوله تعالى: فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا [سورة البقرة:158] فذكر قول عائشة -ا- لعروة بن الزبير -رحمه الله، وذلك أن الأنصار حين كانوا يهلون لمناة بالمُشلَّل، فكان مَن أهلّ هذا الإهلال لهذه الطاغية مناة يتحرج من السعي بين الصفا والمروة، فأخبرهم الله أن هذا الحرج منتفٍ عنهم، وأنها من شعائر الله ، ثم أورد هذه الرواية الأخرى، فقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: إن هذا العلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالاً من أهل العلم يقولون: إن الناس -إلا من ذكرتْ عائشةُ-يعني الأنصار، يعني أن تحرجهم كان من وجه آخر وهو أنهم كانوا يعتقدون أن الصفا والمروة من شعائر الجاهلية ومن أعمال الجاهلية، وأن السعي بينهما ليس من شعائر الله ولا من دينه الذي ارتضاه.

وكذا قول من قال أو توهم أن السعي بين الصفا والمروة لم يأمر الله به، وإنما قال: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [سورة الحـج:29] فالذي جاء الأمر صريحاً به هو الطواف بالبيت، وليس السعي بين الصفا والمروة. 

فالمقصود أن هذا وغيره مما يُذكر،كل ذلك لا إشكال فيه، فيمكن أن يكون بعضهم قد تحرج بسبب توهمه أن ذلك من عمل الجاهلية، أو لمِا كان يعتقده من عدم حل ذلك لمِا كان يفعله بعض العرب كالأنصار من التحرج من السعي بينهما؛ لأنهم كانوا يهلون لمناة بهذا المكان الذي هو المُشلَّل، والمُشلَّل: محل بين مكة والمدينة، قريب من رابغ أو قديد، وهو المكان الذي كانت إلى ناحيته غزوة المصطلق. 

فالمقصود أن السبب يمكن أن يكون هذا وهذا وهذا، ويمكن أن تجتمع هذه الأشياء جميعاً، فأخبرهم الله أن ذلك من شعائر الله، وأن هذا التحرج لا محل له، وأن هذا السعي بين الصفا والمروة لا علاقة له بأمر الجاهلية.

ويؤخذ وجوب السعي بينهما من أمر النبي ﷺ بذلك وفعله، فقد كان يسعى ﷺ والناس يسعون بين يديه، ويأمرهم بالسعي، وقد قال ﷺ: خذوا عني مناسككم[1] فلا يسقط بحال من الأحوال، فهو ركن من أركان الحج، وبعضهم يقول: هو واجب من واجباته، وليس هذا محل الكلام على هذه القضايا، وإنما الطريق الذي نمشي عليه هو بيان كلام ابن كثير -رحمه الله- وتوجيه الأقوال التي يذكرها.

وقال آخرون من الأنصار: إنما أمرنا بالطواف بالبيت، ولم نؤمر بالطواف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ [سورة البقرة:158] قال أبو بكر بن عبد الرحمن: فلعلها نزلت في هؤلاء وهؤلاء...

هذا النص الذي أورده عن أبي بكر بن عبد الرحمن -وهو من التابعين- من النصوص النادرة التي يندر أن تقف على مثلها مما يُتعرف به على منهج السلف في التفسير، ومما تستنبط منه القواعد والأصول التي يُبنى عليها التفسير، ولذلك ذكرتُ في بعض المناسبات في الكلام على أصول التفسير أن ذلك يؤخذ من جملة أمور: منها:

استقراء الآثار والنصوص الواردة والأخبار عن رسول الله ﷺ، وعن الصحابة والتابعين، فإن من تتبع ذلك فإنه يجد ولا بد بعض ما تؤخذ منه الأصول التي يُبنى عليها التفسير، فهذا النص النادر يُؤخذ منه ما يتعلق بأسباب النزول، وهو أن الأسباب إذا تعددت ولم تكن متباعدة تُحمل الآية عليها جميعاً، يقال: هذه الآية نزلت بسبب هذا وهذا وهذا، ولا نحتاج إلى أن نرجح بين هذه الأسباب. 
وقد ذكرت لكم من قبل المسلك في هذا في أسباب النزول إذا تعددت، فإننا ننظر أولاً إلى الصحة فنستبعد الضعيف، ثم ننظر بعد ذلك إلى العبارة، وعرفتم أن أسباب النزول منهاما هو صريح، ومنهاما هو غير صريح، فنستبعد غير الصريح، ثم ننظر في الصحيح الصريح، فإن كان ذلك في وقت متقارب حُملت الآية على هذه الأسباب جميعاً، كما في قصة عويمر العجلاني وهلال بن أمية في اللعان.

وإن كانت متباعدة حُملت الآية على التعدد بأنها نزلت أكثر من مرة، وفي أكثر من مناسبة، ولا مانع من هذا، وبعض أهل العلم يسلك مسلك الترجيح في هذه الحالة، وهذا ذكرنا له أمثلة مثل نزول سورة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [سورة الإخلاص:1] لما سأله المشركون واليهود: صف لنا ربك، وكذلك: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ [سورة النحل:126] في أحد وفي عام الفتح لما قال سعد بن عبادة : "اليوم ذهبت قريش" وكانت معه راية الخزرج من الأنصار فأخذها منه النبي ﷺ، وأعطاها لابنه قيس.. إلى غير ذلك من الأمثلة.

وقد روى البخاري نحو ذلك عن أنس -، وقال الشعبي: كان إساف على الصفا وكانت نائلة على المروة، وكانوا يستلمونهما، فتحرجوا بعد الإسلام من الطواف بينهما فنزلت هذه الآية.

لو أردنا الآن أن نطبق القاعدة -التي ذكرناها قبل قليل- على هذه المرويات سنستبعد بعضها، يعني مثل هذه الرواية عن الشعبي هي من قبيل المرسل، والمرسل من الضعيف، وهكذا نُبقي الروايات الصحيحة الصريحة، والصريحة هي ما كانت مثل سبب نزول هذه الآية، أو يذكر واقعة أو سؤالاً ثم يقول: "فأنزل الله"، أو "فنزلت الآية".

أما ما يقول فيه: "نزلت هذه الآية في كذا" فإن هذا يحتمل أن يكون من قبيل التفسير، وأن يكون من قبيل سبب النزول، ولذلك اختلفوا في غير الصريح هل له حكم الرفع أو ليس له حكم الرفع لوجود الاحتمال؟ وسبق الكلام على هذا؛ لأنه عند تتبع الروايات أحياناً قد تجد رواية أخرى صريحة في هذا الذي هو غير صريح، نفس الحديث تجده في بعض الروايات صريحاً، وفي بعضها غير صريح، وأحياناً تجد أوله غير صريح وآخره يصرح بعبارة تدل على أنه فعلاً سبب النزول، وهي نفس الرواية، وهذا له أمثلة ذكرتها من قبل في شرح مقدمة شيخ الإسلام ابن تيمية.

وفي صحيح مسلم من حديث جابر الطويل: أن رسول الله ﷺ لما فرغ من طوافه بالبيت عاد إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من باب الصفا وهو يقول: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ [سورة البقرة:158] ثم قال: أبدأُ بما بدأ الله به[2] وفي رواية النسائي: ابدءوا بما بدأ الله به[3].

وروى الإمام أحمد عن حبيبة بنت أبي تجراة -ا- قالت: رأيتَ رسول الله ﷺ يطوف بين الصفا والمروة، والناس بين يديه، وهو وراءهم، وهو يسعى، حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره، وهو يقول: اسعوا، فإن الله كتب عليكم السعي[4].

يعني هذا أمر والأمر يفيد الوجوب،كأنه يقول: وإن ظن ظان أن الآية غير صريحة لأنها نفت الحرج، فإن ذلك جاء صريحاً عن رسول الله ﷺ.

واستُدل بهذا الحديث على أن السعي بين الصفا والمروة ركن في الحج، وقيل: إنه واجب وليس بركن، فإن تركه عمداً أو سهواً جبره بدم، وقيل: مستحب، والصحيح: أنه ركن أو واجب، فقد بيّن الله تعالى أن الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله، أي مما شرع الله تعالى لإبراهيم في مناسك الحج. 
وقد تقدم في حديث ابن عباس -ا: أن أصل ذلك مأخوذ من تِطْواف هاجر وتردادها بين الصفا والمروة في طلب الماء لولدها، لما نفد ماؤهما وزادهما حين تركهما إبراهيم هنالك، وليس عندهما أحد من الناس، فلما خافت الضيعة على ولدها هنالك ونفد ما عندهما قامت تطلب الغوث من الله ، فلم تزل تتردد في هذه البقعة المشرفة بين الصفا والمروة متذللة خائفة وجلة مضطرة فقيرة إلى ، حتى كشف الله كربتها، وآنس غربتها، وفرج شدتها، وأنبع لها زمزم التي ماؤها طعام طعم، وشفاء سقم، فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذله وحاجته إلى الله في هداية قلبه وصلاح حاله، وغفران ذنبه، وأن يلتجئ إلى الله ليزيح ما هو به من النقائص والعيوب، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم، وأن يثبته عليه إلى مماته، وأن يحوله من حاله الذي هو عليه من الذنوب والمعاصي إلى حال الكمال والغفران والسداد والاستقامة، كما فُعل بهاجر -عليها السلام.

على كل حال العلماء يتكلمون على حِكَم أعمال الحج، وهناك أمور ظاهرة مثل هذا، فأصله هذا الاقتداء، وصار شرعاً لأهل الإسلام، وهو من دين إبراهيم ﷺ، فيتكلمون على هذا وعلى غيره، وهذا الكلام منه ما هو متكلف، ومنه ما الحكمة فيه ظاهرة، وهذا مِن الذي تظهر حكمته. 

فهذا الاستحضار الذي ذكره الحافظ ابن كثير -رحمه الله- لا شك أنه استنباط صحيح، ولذلك أن هاجر -رحمها الله- كانت تسعى بين الصفا والمروة وذلك لشدة ما نزل بها، حتى جاءها الفرج، فالذي يسعي بين الصفا والمروة يستحضر ألطاف الله ، وفقره وحاجته وذله فهو ليس بحاجة الآن إلى الشراب أو إلى الطعام أو إلى المؤنس، وإنما هو بحاجة إلى أمور أخرى، فيستحضر هذه المعاني، ويستحضر أنه ليس وحده الذي يسلك هذا الطريق، وإنما سلكه سالكون قبله، إلى غير ذلك مما يذكره أهل العلم وهو كثير جداً في أعمال المناسك.

وقد تكلمت في بعض المناسبات عن العقيدة في المناسك، وما يؤخذ مما يتعلق بالاعتقاد، فمما يتعلق بالاعتقاد في مثل هذه القضية ما ذكره ابن كثير، وهوالتجاء العبد إلى الله في حال الشدة والحاجة، فلا يلتجئ إلى أحد من خلقه، وإنما يلتجئ إلى الله ليفرج عنه.. إلى غير ذلك.

وقوله: وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا [سورة البقرة:158] قيل: زاد في طوافه بينهما على قدر الواجب ثامنة وتاسعة ونحو ذلك، وقيل: يطوف بينهما في حجة تطوع، أو عمرة تطوع، وقيل: المراد تطوّع خيراً في سائر العبادات.

يعني الآن هذه أقوال ثلاثة، أما الأول: فهو غير صحيح، تَطَوَّعَ خَيْرًا [سورة البقرة:158] يعني: زاد على سبعة أشواط، فهذه زيادة في العبادة غير مشروعة، فهي من قبيل البدعة، فالنبي ﷺ سعى سبعة أشواط وقال: خذوا عني مناسككم[5] وهذا وإن كانت الآية تحتمله في ظاهرها إلا أن ذلك ليس بمراد؛ لأن السنة مبينة للقرآن.

بقي الاحتمال الثاني: وهو أن هذا التطوع بالسعي، والسعي لا يكون عبادة مستقلة بمعنى أن الإنسان إذا فرغ من عمرته مثلاً فأراد أن يتطوع فإن له أن يسعى بين الصفا والمروة كما أن له أن يطوف، فالسعي لا يشرع بهذا الوجه، على المشهور الراجح الذي عليه عامة أهل العلم، لا يتطوع بالسعي، وإن كان ظاهر الآية أيضاً يحتمله. 

فبقي أن ذلك إنما يكون في عمرة أخرى، أو في حجة أخرى؛ لأن العمرة الأولى واجبة، والحجة الأولى واجبة، فمن زاد فإن الله شاكر عليم، فإن الله يثيبه، ويطلع على عمله فيجازيه عليه، هذاهو الأقرب في معنى هذه الآية، أن هذا التطوع إنما يكون بالسعي في نسك آخر لا يجب عليه؛ لأن الواجب حصل بالأول، وهذا الذي اختاره كبير المفسرين ابن جرير الطبري -رحمه الله. 

وبعضهم يطلق ذلك ويقول: من تطوع خيراًً بالصدقة وألوان القربات من صلاة وصوم ونحو ذلك فإن الله يثيبه على هذا العمل، لكن لما كان الكلام على الصفا والمروة والسعي، فإن الأقرب أن يحمل ذلك على التطوع بهذه العبادة على وجه الخصوص في هذه الآية.

وقيل المراد: تطوّع خيراً في سائر العبادات، حكى ذلك الرازي، وعُزي الثالث إلى الحسن البصري، والله أعلم.

وقوله: فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [سورة البقرة:158] أي يثيب على القليل بالكثير، عليم بقدر الجزاء، فلا يبخس أحداً ثوابه، لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [سورة النساء:40].

نحن عرفنا معنى الشكر والشاكر، وشكر الله للعبد، وشكر العبد للرب، فالمقصود أن من معاني شكر الله  للعبد ما ذكره ابن كثير -رحمه الله- أنه يعطي على القليل الكثير، وأيضاً يجازي المحسن بإحسانه، فهو يجازيه بإحسانه ويزيده ويضاعف له ذلك أضعافاً كثيرة، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، فهذا من معاني شكر الرب للعبد.

هذه العبارة التي ذكرها: "حكى ذلك الرازي" ما الفرق بينها وبين ما لو قال: "وذكره الرازي بحثاً" أو يقول مثلاً: "وذكره الرازي احتمالاً" وما هو لازم الرازي، بل أي واحد، مثلاً: "ذكره النووي احتمالاً". طالب:........

أحسنت هو هذا، أنه لم يقل به أحد: ذكره بحثاً، هم يولدون الأقوال، فهو لم يذكره على أنه يتبناه ويرجحه، ولكنه ذكر أن هذا القول مما تحتمله الآية أو يحتمله الحديث، لكنه لم ينسبه لأحد، ما عُرف له قائل، وهو لم يذكره على أنه يتبناه، يقول به ويرجحه، يقول: "ذكره احتمالاً"، "ذكره بحثاً" من باب توليد الأقوال.

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ۝ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ۝ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ۝ خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ [سورة البقرة:159-162] هذا وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة، والهدي النافع للقلوب، من بعد ما بيّنه الله تعالى لعباده من كتبه التي أنزلها على رسله.

الآن هذه الآية ظاهرها العموم: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ [سورة البقرة:159] فهي عامة في ظاهرها، وبعض أهل العلم كابن جرير على عادته -كما عُرف فيما سبق- أنه يقول: إن هذه الآيات جميعاً قد نزلت في أهل الكتاب، لا سيما اليهود، فهم الذين كتموا صفة النبي ﷺ، وأحقية ما جاء به -عليه الصلاة والسلام، وكتموا أمر القبلة.. إلى غير ذلك من الأمور التي كتموها، كما حرفوا وكتموا ما أنزل الله في كتبهم، فجعلوه قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً. 

فالآية وإن كان يدخل فيها هؤلاء دخولاً أولياً إلا أن ظاهرها العموم، فيدخل فيها كل من كتم ما أنزل الله ، لكن ذلك قيّده الله -تبارك وتعالى- بقوله: مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى [سورة البقرة:159] ومعنى ذلك أن هذا الكتمان المتوعد عليه هو مما يحتاج إلى بيان، وهي البينات والهدى، من الأمور التي توضح الحق وتجليه، والناس يفتقرون إلى هذا الإيضاح والبيان فيكتم عنهم، أو يقال لهم غير ذلك مما لا يعتقده الإنسان، فيتكلم بخلاف ما يؤمن به، وينعقد قلبه عليه، فهذا كله من الكتمان والكذب على الله إذا قال غير ذلك مغيراً للحقيقة التي علمها عن الله ، فهذا أخطر.

والمراتب في هذا متفاوتة: أعظمها أن يكتم الحق، وأن يبدي غيره، فيكذب، ويقول: حكم الله في المسألة كذا، على خلاف ما يعتقد، ويغيّر حقائق الدين، ويلبّس على الناس فهذا أعظم. 

المرتبة الثانية: أن لا يذكر لهم هذا التلبيس، ولكنه لا يُبين، لا يظهر الحق الذي عرفه، وما أكثر ما يقع الناس في هذا، وقد عرفنا في اقتضاء الصراط: أن هذه الأمة أشبهت أهل الكتاب في أمور كثيرة، منها: كتمان الحق، فهذه الأمة وإن لم تقع في تحريف الكتاب نصاً بلفظه، ولكنها وقعت في التحريف في معانيه، وتحريف المعاني هو تغييرها عن وجها الذي أراده الله -تبارك وتعالى. 

فهذا القيد في قوله: مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى [سورة البقرة:159] يخرج كتمان ما لا يحتاج إليه الناس، أو مايتضررون بمعرفته، وفي الحديث المشهور -حديث أبي هريرة- في البخاري، لما قال: "حفظت عن رسول الله ﷺ وعاءين، أما أحدهما فبثثته فيكم، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم" وذلك مما لا يحتاج إليه الناس من الأمور التي تتعلق بأحداث وأشخاص؛ لأن النبي ﷺ أخبر عن أمور كثيرة مما سيقع، وما من رجل يلي أمر عشرة فما فوق إلا وقد ذكر لهم منه خبراً -عليه الصلاة والسلام، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه.

فهناك أخبار تتعلق بأناس كانوا يعاصرون أبا هريرة، ولهذا كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من إمارة السفهاء" وكان يقول: "اللهم لا تدركني سنة ستين" فمات سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة ثمان وخمسين، وقيل: تسع وخمسين، وسنة ستين كانت فيها إمارة يزيد بن معاوية، وفي إمارته حصل ما حصل من قتل الحسين، ووقعة الحرة، وفيها نُصب المنجنيق على جبل أبي قبيس فضربت الكعبة وتخرقت، وحوصر ابن الزبير، وحصلت فيها للمسلمين أمور عظيمة في ذلك العهد.

فالمقصود أن كتمان ما لا يحتاج إليه الناس أمر لا حرج فيه، ولهذا فإن من العلم ما لا يُطلب نشره وكما قيل: "ما أنت بمحدثٍ قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة" وتعرفون حديث معاذ: "أفلا أبشر الناس؟" فقال: (لا) وبيّن له علة ذلك إذاً يتكلوا[6]، وحديث عمر مع أبي هريرة لما أعطاه النبي ﷺ نعله -القصة المعروفة- في بشارة من قال: لا إله إلا الله، ومات لا يشرك بالله دخل الجنة، فدفعه عمر على صدره حتى وقع.

فالمقصود أنه ما كل ما يُعلم يقال، إذا كان هذا الكلام الذي يقال للناس يورثهم شيئاً من التهاون أو التساهل أو الإرجاء أو أنه لا تبلغه عقولهم، ولا تحيط به أفهامهم فيحملونه على غير وجهه فإنه لا يُطلب ذكره ونشره في الناس، ولذلك كان بعض الأئمة لا يرى التحديث ببعض الأبواب من العلم؛ لئلا تفهم على غير وجهها، ولا حاجة للتمثيل بأكثر مما ذكرت، فنحن في زمان صار الناس يتشبثون فيه بكل شيء من أجل تسويغ ما هم عليه.

قال أبو العالية: نزلت في أهل الكتاب، كتموا صفة محمد ﷺ، ثم أخبر تعالى أنهم يلعنهم كل شيء على صنيعهم ذلك، فكما أن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحوت في الماء، والطير في الهواء، فهؤلاء بخلاف العلماء،فيلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون.

طبعاً هذا المقصود به العالم الذي يبيّن الحق للناس، وهؤلاء يفترض فيهم العلم؛ لأن الكتمان إنما يكون من أهل العلم، والناس إنما ينتظرون منهم البيان، ما ينتظرونه من غيرهم، وهم الذين يسمع الناس منهم، وتمتد إليهم أعناقهم، فإذا سكتوا ضاع الناس، وبقي الحق خفياً عليهم، فهؤلاء الذين يلعنهم اللاعنون يفترض فيهم أنهم من أهل العلم، ولذلك ذكرتُ من قبل أنه على قدر المقام يكون الملام، وأن أسوأ مثلين في القرآن هما لأهل العلم، الأول: كَمَثَلِ الْكَلْبِ [سورة الأعراف:176] والثاني: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ [سورة الجمعة:5] فهذان مثلان لأهل العلم الذين لم يتحملوا تبعته، ولم يقوموا به كما أمر الله .

فهذه نزلت في أهل الكتاب الذين كتموا الحق، وهي في هذه الأمة أشد؛ لأن هذه الأمة أشرف وأعظم، ولذلك فإنه يلحقهم من العتب أعظم مما يلحق غيرهم.

وقد ورد في الحديث المسند من طرقٍ يشد بعضها بعضاً عن أبي هريرة وغيره: أن رسول الله ﷺ، قال: من سُئل عن علم فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار[7] وفي الصحيح عن أبي هريرة أنه قال: لولا آية في كتاب الله ما حدثتُ أحداً شيئاً، إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ [سورة البقرة:159] ...الآية 
وقال مجاهد: إذا أجدبت الأرض قالت البهائم: من أجل عصاة بني آدم، لعن الله عصاة بني آدم.

يعني على هذا الآن وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [سورة البقرة:159] أي يلعنهم كل شيء، هذا هو القول الأول، يعلنهم الناس والملائكة والجن وتلعنهم الدواب، وإذا قلنا: يلعنهم الناس فإن ذلك يعني أن جميع الناس يلعنونهم ليس فقط أهل الإيمان، مع أنه يرد على هذا أن الكثيرين لم يطلعوا على فعلهم، أكثر الناس ما اطلعوا على جرمهم وكتمانهم، بل ربما ما عرفوهم هذا من جهة.

ومن جهة أخرى أن أهل الضلال والشر يعجبهم هذا الكتمان، وهم أكثر الناس: وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ [سورة الأنعام:116] فهؤلاء كيف يلعنونهم؟! 

فلهذا قال بعض أهل العلم: إن هذا اللعن يكون في الآخرة؛ لأنهم يرون أثر ذلك عياناً فيلعنونهم على هذا الكتمان؛ لأنهم أضلوهم ولبسوا عليهم، فأودوا بهم إلى هذا المصير، وبعضهم يقول: في الدنيا والآخرة تلعنهم الدواب، ويلعنهم أهل الإيمان، ومن اطلع على فعلهم، ويلعنهم جميع الناس والجن في الآخرة، وبعض أهل العلم يقول: إنما يكون هذا اللعن، من الملائكة، ومن أهل الإيمان، وهم الناس، فلفظ الناس يكون من العام الذي أريد به الخصوص، وهو أسلوب عربي معروف، كما في قوله: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ [سورة آل عمران:173] فليس كل الناس قالوا ذلك، وليس كل الناس قيل له ذلك. 

فالعام تارة يراد به ظاهره من العموم، وتارة يراد به معنىً خاص، فهو وإن كان بظاهره عاماً فإنه في معنى من معاني هذا العام، العام المراد به الخصوص فيكون المراد به أهل الإيمان والملائكة، كما قال الله على الكفار: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ  [سورة البقرة:161] فابن جرير الطبري -رحمه الله- يحمل اللعن هنا وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [سورة البقرة:159] على أن المراد به لعن هؤلاء، الملائكة والناس أجمعين، والله أعلم.

وقال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة: وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [سورة البقرة:159] يعني تلعنهم الملائكة والمؤمنون، وقد جاء في الحديث: إن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر[8]، وجاء في هذه الآية أن كاتم العلم يلعنه الله والملائكة والناس أجمعون واللاعنون أيضاً، وهم كل فصيح وأعجمي، إما بلسان المقال أو الحال، أن لو كان له عقل، ويوم القيامة، والله أعلم.

وابن كثير يحمل الآية على جميع المعاني المذكورة، فما لا يتأتى في الدنيا فإنه يكون في الآخرة، وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [سورة البقرة:159] ممن لم يبلغه فعلهم من أهل الإيمان، أو ممن يرتضي فعلهم في الدنيا فهو لا يلعنهم، لكنه يلعنهم في الآخرة، فكل ذلك واقع، ومِن كل مَن يتأتى منه اللعن، من الإنسان أو الجن أو الملائكة أو الدواب فإنها تلعن عصاة بني آدم، كما أن الحيتان تستغفر للعالم فإنها كذلك تلعنه إذا كتم الحق.

ثم استثنى الله تعالى من هؤلاء من تاب إليه، فقال: إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ [سورة البقرة:160] أي رجعوا عما كانوا فيه، وأصلحوا أعمالهم وأحوالهم، وبيّنوا للناس ما كانوا يكتمونه، فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [سورة البقرة:160].

يعني: أصلحوا أحوالهم وأصلحوا أيضاً ما أفسدوا، مما يتأتى فيه الإصلاح؛ لأنه ليس كل شيء يتأتى فيه الإصلاح، فهو عليه أن يُبيّن ويصلح ما أفسد إن كان ذلك بإمكانه، إنسان أضل الناس فتنصر على يده خلائق وقبائل، أو نشر كتباً فيهاضلالات وبدع ثم تاب فماذا يصنع؟ عليه أن يكتب في نقض ذلك، وأن يدعو هؤلاء الناس الذين أضلهم. 

لكن قد لا يستطيع ذلك بسبب ما قد علق في قلوبهم فصاروا يتحمسون لدينهم الباطل، فماذا يصنع؟ عليه أن يُبيّن، وينقض الباطل الذي قرره لهم، فإن كان وضعه في كتاب فينقضه في كتاب، وإن كان ظهر في قناة فضائية فيظهر في قناة فضائية، إن كان ذلك مسجلاً عنه فإنه يفعل ذلك، أو ما هو أبلغ منه، المهم أنه يُبيّن للناس، ولا يقول: أنا تائب ويجلس ساكتاً، فهذا لا يكفي، لا بد من إصلاح ما أفسد. 

وعلى كل حال هذا التفصيل تجدونه في كتب الأصول، فالشاطبي تكلم على هذه المسألة، وذكرنا ذلك في المراقي:

من تاب بعد أن تعاطى السببا

فقد أتى بما عليه وجبا

وذكر أمثلة لذلك، من رمى بسهم فتاب قبل أن يصل السهم الرمية، لكن السهم سريع، إلا أن هناك أشياء أخرى تصل بعد مدة "أو بث بدعة عليها يتَّبع".. إلى غير ذلك.

فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [سورة البقرة:160]، وفي هذا دلالة على أن الداعية إلى كفر أو بدعة إذا تاب إلى الله تاب الله عليه، ثم أخبر تعالى عمن كفر به واستمر به الحال إلى مماته بأنّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ۝ خَالِدِينَ فِيهَا [سورة البقرة:161- 162] أي في اللعنة التابعة لهم إلى يوم القيامة، ثم المصاحبة لهم في نار جهنم التي لا يخفف عنهم العذاب، فيها أي لا ينقص عما هم فيه، وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ [سورة البقرة:162] أي لا يغيّر عنهم ساعة واحدة ولا يفتر، بل هو متواصل دائم، فنعوذ بالله من ذلك.

يعني قوله: خَالِدِينَ فِيهَا [سورة البقرة:162] يمكن أن يعود إلى اللعنة؛ لأنها هي المذكورة قبله، والضمير الأصل أن يرجع إلى المخبر عنه، إلى أقرب مذكور، وقد يرجع الضمير إلى غير مذكور، وذكرنا له أمثلة في عدد من المناسبات، يرجع إلى غير مذكور يدل عليه السياق، وهذا لا مانع منه، فيمكن أن يكون المراد بالضمير –الهاء- هنا: خَالِدِينَ فِيهَا [سورة البقرة:162] أي النار، فهي وإن لم تكن مذكورة لكن السياق يدل عليها. 

وهل بين القولين منافاة فنحتاج إلى أن نرجح بينهما؟ ليس بينهما منافاة؛ لأن هؤلاء الذي لعنهم الله أين جزاؤهم إن لم يغفر الله لهم، ويتداركهم برحمته؟ جزاؤهم النار، وإذا كانوا خالدين في اللعنة فمعناها أنهم خالدين في النار وهكذا، فلا منافاة بين القولين.

فصل: لا خلاف في جواز لعن الكفار:

وقد كان عمر بن الخطاب ومن بعده من الأئمة يلعنون الكفرة في القنوت وغيره.

وبعض المتحذلقين في هذا الزمان يقول لك: يا أخي ادعُ لهم بالهداية، ما كل الناس يُدعى له بالهداية، بعض الناس يُدعى له بالهلاك واللعن، وأن الله يمحقه، وجبريل ﷺ جاء أنه كان يأخذ من وحل البحر ويضعه في فم فرعون لئلا تدركه الرحمة، فكان يقول: آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ [سورة يونس:90] فخاف أن تدركه الرحمة فوضع في فمه الوحل. 

فليس دائماً الدعاء بالهداية، أحياناً يُدعى له بالهداية، وأحياناً يُدعى أن الله لا يهديه، وأن يطمس على قلبه، وموسى وهارون -عليهما الصلاة والسلام- كيف دعيا؟ قالا: رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ [سورة يونس:88] فهؤلاء الأنبياء هم أرحم الخلق بالخلق.

ومع ذلك نوح ﷺ لما بيّن الله له أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن دعا عليهم بالهلاك، فقال: رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ۝ إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا [سورة نوح:26-27] فلكل مقام مقال،أحياناً يكون المناسب هو الدعاء بالهداية، وأحياناً نسأل الله أن يربط على قلبه، ويموت على ما هو عليه، وأن يهلكه، وأن يلعنه، فلعن الكفار هذا ثابت في الكتاب والسنة، وعليه عمل المسلمين منذ زمن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، فلا إشكال فيه.

فأما الكافر المعين فقد ذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يلعن؛ لأنا لا ندري بما يختم الله له.

هي مسألة خلافية، لكن أكثر أهل العلم على أنه لا يلعن المعيّن لهذا السبب، وقد لعن النبي ﷺ رجالاً بأعيانهم، لعن سهيل بن عمرو العامري، وصفوان بن أمية وجماعة، وأسلموا، هداهم الله إلى الإسلام، وقال الله لنبيه ﷺ: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ [سورة آل عمران:128] ولعن النبي ﷺ قبائل بعينها، ذكوان وعصية، القبائل التي غدرت بالقراء، فأخذ منه بعض أهل العلم جواز لعن المعيّن. 

ولكن الذي عليه عامة أهل العلم أنه لا يلعن المعيّن، ولعْن النبي ﷺ رجالاً بأعيانهم يكون ذلك مما يختص به، ومن ثم فإن الإنسان يتحرز من هذا ولا يلعن المعيّن، ولكنه يلعن الصنف لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله[9] ولكن ذلك لا يعني وقوع اللعن على هذا الذي ورد فيه الوعيد باللعن لاختلال شرط، أو لوجود مانع، وسبق الكلام في سورة النور على قول الله -تبارك وتعالى- في الذين يرمون المحصنات: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [سورة النــور:23] فبعض أهل العلم يقول: إن المقصود به الكفار المشركون الذين كانوا يطعنون في عرض من خرجت مهاجرة من مكة إلى المدينة، كل هذا من أجل توجيه كيف لعنوا في الدنيا والآخرة؟ والذي يُلعن في الدنيا والآخرة لا يبقى له نصيب -نسأل الله السلامة. 

فقالوا: هذا في الكفار، وهذا فيه نظر، وبعضهم قال: هذا خاص في عائشة بعد ما بيّن الله ما يتعلق بها، وبعضهم قال: هذا في عبد الله بن أُبي، وبعضهم قال: هذا فقط في أمهات المؤمنين، والآية عامة. 

والجواب عن هذا الإشكال: أن هذا جزاؤه إن تحقق فيه ذلك، وإلا فكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله:إن هذه النصوص من الوعيد واللعن قد تتخلف عن المعيّن إما بسبب مغفرة الله ، أو حسنات ماحية، أو مصائب مكفرة، أو توبة، أو شفاعة، هذه الأمور قد يتخلف بسببها مقتضى اللعن، فلا يبقى على هذا المعيّن، فالذين يرمون المحصنات المؤمنات الغافلات لعنوا في الدنيا والآخرة، ما لم يُكفَّر ذلك عنهم بسبب من هذه الأسباب ولا إشكال، والله أعلم.

وقالت طائفة أخرى: بل يجوز لعن الكافر المعيّن، وفي قصة الذي كان يؤتى به سكران فيحده، فقال رجل: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به، فقال رسول الله ﷺ: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله[10] فدل على أن من لا يحب الله ورسوله يُلعن، والله أعلم.

طبعاً هذا استنباط، وفي بعض الروايات أنه نهاهم من أجل ألا يعينوا عليه الشيطان، فالمقصود أن من أراد أن يتتبع الآثار التي ورد فيها اللعن سواء عن النبي ﷺ، أو عن السلف وعن الصحابة فسيجد من هذا أشياء، لكن يبقى عندنا الأصل وهو: ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء[11]، وأن الله لم يتعبدنا باللعن، فما ينبغي أن ينصرف هم الإنسان إلى البحث عن نصوص اللعن من أجل أن يلعن، فالله ما كلفك بهذا ولا تعبدك به. 

فينبغي للإنسان أن يكف لسانه عن اللعن ولا يشتغل به، وإنما يشتغل بذكر الله وشكره وطاعته ونحو ذلك، لكن الكلام فيمن يتفلسف على الناس، ويقول: لا يجوز لعن الكفار، ادعُ لهم بالهداية، وينكر على من يلعنهم، نقول له: لا، هذا الكلام غير صحيح، لكن إذا سألَنَا إنسانٌ نقول له: أنت لم تُتعبد بهذا، فأما لعن المعين فكُف عنه، وأما اللعن بالعموم فإن الكفار يلعنون في القنوت عموماً لعن الله اليهود والنصارى[12]، وما إلى ذلك.

وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [سورة البقرة:163] يخبر تعالى عن تفرده بالإلهية، وأنه لا شريك له ولا عديل له، بل هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لا إله إلا هو، وأنه الرحمن الرحيم، وقد تقدم تفسير هذين الاسمين في أول الفاتحة، وفي الحديث عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد بن السكن -ا- عن رسول الله ﷺ أنه قال: اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [سورة البقرة:163] والم ۝اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [سورة آل عمران:1-2] [13]، ثم ذكر الدليل على تفرده بالإلهية بخلق السماوات والأرض.

الأحاديث الواردة في الاسم الأعظم سبق الكلام عليها في موضعين في الكلام على سورة الفاتحة، وفي الكلام على آية الكرسي، وأن الراجح أن الاسم الأعظم هو (الله)، وأنه هو المتكرر في السور الثلاث التي ذكرها النبي ﷺ، وهي سورة البقرة، وسورة آل عمران، وسورة طه، ثم يلي ذلك في القوة (الحي القيوم) وما على الإنسان إذا دعا أن يقول: "اللهم إني أسألك باسمك الأعظم الذي إذا سئلت به أعطيت، وإذا دعيت به أجبت، يا الله يا حي يا قيوم" يقول هذا.

ثم ذكر الدليل على تفرده بالإلهية بخلق السماوات والأرض وما فيهما وما بين ذلك مما ذرأ وبرأ من المخلوقات الدالة على وحدانيته، فقال: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [سورة البقرة:164] يقول تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [سورة البقرة:164] تلك في ارتفاعها ولطافتها واتساعها.

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [سورة البقرة:164] السماوات غالباً تأتي مجموعة، والأرض مفردة، والعلماء يذكرون لذلك توجيهات، تجدها في كتاب: (الإتقان) للسيوطي، و(البرهان) للزركشي، وفي غيرهما، ومن أوضحها وأسهلها وأقربها للفهم: أن الأرض جنس تصدق على الواحد والكثير، فهو بمعناه، وبعضهم يقول: لما كانت كل سماء مخلوقة من جنس فإنها ذكرت بالجمع بخلاف الأرض فهي جنس واحد، وهذا الكلام يحتاج إلى تأمل ويحتاج إلى دليل، وقيل غير ذلك على كل حال.

وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [سورة البقرة:164] المقصود باختلاف الليل والنهاراختلافهماطولاً وقصراً وتعاقباً، الليل يأتي ويأتي بعده النهار، وهكذا في عمل دءوب لا يسبق هذا هذا ولا يتخلف عنه، يأتي بعده مباشرة، والليل معروف من بعد غروب الشمس. 

والنهار العلماء يختلفون فيه هل هو من طلوع الشمس أو يكون من طلوع الفجر؟ وهل القسمة ثنائية أو ثلاثية؟ هل الليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، ثم يكون ذلك الوقت بينهما وهو من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ثم النهار يكون من طلوع الشمس إلى غروبها؟ والنهار منقسم إلى صباح ومساء، إلى ما قبل الزوال هذا صباح، والمساء من بعد الزوال بعد الظهر، فتكون القسمة على هذا الاعتبار ثلاثية، ليل من الغروب إلى طلوع الفجر، ومن الفجر إلى طلوع الشمس لا يقال له: ليل، ولا يقال له: نهار، وإنما هو فاصل، ومن طلوع الشمس إلى الغروب فهذا هو النهار، هذا على قول بعض أهل العلم. 

وبعضهم يقول: الليل يمتد إلى الفجر، ومن طلوع الفجر إلى الشمس هذا هو من الليل وهو في آخره، وأما النهار فيكون من طلوع الشمس، وبعضهم يقول: الليل إلى طلوع الشمس، من غروبها إلى طلوعها، والنهار من الطلوع إلى الغروب.

وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ [سورة البقرة:164] الفُلْك: هي السفن، تطلق هذه اللفظة (فُلْك) على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، كل ذلك يقال له: فُلْك، وبعضهم يقول: هو جمع واحده (فُلْك)، والأقرب وهو المشهور والذي عليه عامة أهل العلم أن الفُلْك يطلق على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، والله يقول: حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم [سورة يونس:22] يعني في السفينة.

يقول تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [سورة البقرة:164] تلك في ارتفاعها ولطافتها واتساعها، وكواكبها السيارة، والثوابت ودوران فلكها، وهذه الأرض في كثافتها وانخفاضها، وجبالها وبحارها، وقفارها ووهادها وعمرانها، وما فيها من المنافع، وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [سورة البقرة:164] هذا يجيء ثم يذهب ويخلفه الآخر ويعقبه لا يتأخر عنه لحظة، كما قال تعالى: لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [سورة يــس:40] وتارة يطول هذا ويقصر هذا، وتارة يأخذ هذا من هذا، ثم يتقارضان، كما قال تعالى: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ [سورة الحـج:61] أي يزيد من هذا في هذا ومن هذا في هذا، وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ [سورة البقرة:164] أي في تسخير البحر لحمل السفن من جانب إلى جانب لمعايش الناس والانتفاع بما عند أهل ذلك الإقليم، ونقل هذا إلى هؤلاء وما عند أولئك إلى هؤلاء.

فـ(ما) هنا تحتمل أن تكون موصولة، وتحتمل أن تكون مصدرية، إذا كانت موصولة كيف يكون المعنى؟ يكون: تجري في البحر بالذي ينفع الناس، وإذا كانت مصدرية فيكون: تجري في البحر بنفْع الناس، والمعنى كما ترون قريب.

وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [سورة البقرة:164] كما قال تعالى: وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ [سورة يــس:33]... إلى قوله: وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ [سورة يــس:36]، وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ [سورة البقرة:164] أي على اختلاف أشكالها وألوانها ومنافعها وصغرها وكبرها، وهو يعلم ذلك كله ويرزقه، لا يخفى عليه شيء من ذلك، كما قال تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود :6].

في قوله -تبارك وتعالى: وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ [سورة البقرة:164] لاحظ وتأمل هذه الآية وهذه اللفظة فيها: وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ [سورة البقرة:164] العطف هنا (وبث) يعود إلى أي موضع في الآية؟ الواو حرف عطف هل يرجع إلى قوله في الآية: وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء [سورة البقرة:164] فيكون المعنى هكذا: "إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وما أنزل الله من السماء، وما بث من الدواب" فتكون آية نظير الآيات التي ذكرها وعددها: من إنزال المطر والفلك، وخلق السماوات والأرض، فيكون بث الدواب من جملة هذه الآيات، هذا على القول بأنه عائد إلى قوله: وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء [سورة البقرة:164].

أو يكون عائداً إلى قوله: فَأَحْيَا [سورة البقرة:164] فيكون قوله: وَبَثَّ [سورة البقرة:164] تابعاً لـ(أحيا)، فأحيا وبث، الآن كيف يكون المعنى؟ "إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وما أنزل الله من السماء" هذه آية، عدّد آيات، الفلك، وخلق السماوات، وما أنزل من السماء، فأثّر ذلك أثرين: إحياء الأرض، وبث الدواب، لاحظت الفرق الآن بين المعنيين؟ وَبَثَّ [سورة البقرة:164] يمكن أن يكون آية من جملة الآيات، مثل الفلك، وخلق السماوات الأرض.. إلى آخره، ويمكن أن يكون ذلك عائداً إلى قوله: فَأَحْيَا [سورة البقرة:164]"وأنزل من السماء ماء فأحيا به، وبث"، أحيا الأرض وبث فيها الدواب، فالآية تحتمل هذا وهذا.

والظاهر المتبادر أن ذلك يعود إلى قوله: فَأَحْيَا [سورة البقرة:164] أحيا فكان نتيجة هذا المطر النازل من السماء أن الله أحيا به الأرض، ثم ذكر أمراً آخر عطفه عليه، فقال: وَبَثَّ [سورة البقرة:164] فتكون الواو عاطفة على (فأحيا) فكان ذلك نتيجة لنزول المطر، فكانت به حياة النبات والحيوان، والبث معناه: النشر.

وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ [سورة البقرة:164] أي فتارة تأتي بالرحمة، وتارة تأتي بالعذاب، تارة تأتي مبشرة بين يدي السحاب، وتارة تسوقه، وتارة تجمعه.

هذا الكلام الذي يذكره ابن كثير الآن هو جمع لأقوال السلف؛ لأنك إذا نظرت إلى مقالاتهم في هذه الآية تجد أن بعضهم يقول: وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ [سورة البقرة:164] يقول: هذه تأتي بالعذاب وهذه تأتي بالرحمة، وبعضهم يقول: هذه جنوبية وشرقية وغربية -في الجهات- وهذه بينهما، فكل ذلك داخل تحت معنى الآية، سواء اعتبرته من قبيل اختلاف التنوع، أو اعتبرته من قبيل اختلاف التضاد الذي يمكن أن يجمع تحت مدلولها، فهذا الكلام من ابن كثير -رحمه الله- هو جمع لهذه الأقوال، وهو من التفسير الجيد الحسن، فمن التحقيق في التفسير وتحريره، أن تجمع الأقوال التي يمكن أن تجتمع تحت الآية بدلاً من أن تعدد، ويقال: القول الأول كذا والقول الثاني والثالث والرابع وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ [سورة البقرة:164] هذه تأتي بالمطر، وهذه تأتي بالعذاب، وهذه شمالية، وهذه شرقية، وهذه تسوق السحاب، وهذه يحصل بها تلقيح النبات وهكذا مما يحصل.

وتارة تفرقه وتارة تصرفه، ثم تارة تأتي من الشمال وهي الشامية، وتارة تأتي من ناحية اليمن، وتارة صَبَاً، وهي الشرقية التي تصدم...

الصِّبا: هو الصغر، والصَّبَا: هي الريح التي تأتي من قبل المشرق، والدَّبور: هي الريح التي تأتي من قبل المغرب، يقول النبي ﷺ: نصرتُ بالصَّبَا، وأهلكتْ عاد بالدَّبور[14].

"وتارة صَبَاً: وهي الشرقية التي تصدم وجه الكعبة، وتارة دَبوراً، وهي غربية تنفذ من ناحية دُبر الكعبة.

وقد صنف الناس في الرياح والمطر والأنواء كتباً كثيرة فيما يتعلق بلغاتها وأحكامها، وبسط ذلك يطول هاهنا، والله أعلم."

والكتب المخطوطة التي إما لم توجد، أو لم تطبع أكثر من المطبوع في هذه الأمور، في الكلام على الرياح، وفي الكلام على الأنواء والنجوم، وحتى قضايا الإسطرلاب، كتب كثيرة أحياناً تمل أن تقرأ في فهارس المخطوطات من كثرة ما يمر بك من هذه الكتب والرسائل.

وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ [سورة البقرة:164] أي سائر بين السماء والأرض، يسخر إلى ما يشاء الله من الأراضي والأماكن، كما يصرفه تعالى.

السحاب قيل له ذلك ربما يكون لأنه ينسحب في الهواء؛ لأنك إذا نظرت إليه -خاصة الآن في الطائرات ترى ذلك من قرب- كأن بعضه يجر بعضاً، فهو منسحب في الهواء، وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ [سورة البقرة:164] بعضهم يفسر المسخر: أي أن الله يمسكه بين السماء والأرض فلا يقع فهو ثابت، ينزل منه المطر متى ما شاء الله ، وبعضهم يفسر التسخير: أي أن الله يسيره حيث شاء، ويسوقه بالرياح، وهذا لا منافاة بينه، فهو مسخر بين السماء والأرض حيث إن الله أثبته بين السماء والأرض فلا يقع، وهو وعاء المطر، وكذلك من تسخيره أن الله يسوقه. 

وقد أخبرنا النبي ﷺ أن الرعد ملك من الملائكة، وأن البرق سوطه، وأن الرعد صوته، فهو مسخر بأمر الله ، وتعرفون الحديث، الرجل الذي سمع صوتاً من السحاب يقول: اسقِ أرض فلان، فتبعه... إلى آخره، هذا كله مسخر ينزل حيث شاء الله ، حتى نزوله على البحر له معان وأشياء كثيرة، حتى تكلم عليها المعاصرون، وقضية ما يتبخر من البحار فتزداد الملوحة، فينزل المطر فيكون ذلك سبباً لاعتدال مياه البحر بنسبة معينة ثابتة، وإلا لبقي لا يطاق لانعقاد ملوحته الكثيفة، فيحصل به هذا التوازن، والعلماء تكلموا على قضية انعقاد اللؤلؤ بسبب نزول المطر، وعلاقته بهذه القضية، فحتى الذي ينزل على البحار يكون لمنافع يعلم الخلق بعضها، ويجهلون أكثرها.

لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [سورة البقرة:164] أي في هذه الأشياء دلالات بينة على وحدانية الله تعالى، كما قال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ ۝ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [سورة آل عمران:190-191].

وتعرفون الحديث في آية آل عمران لما قرأها النبي ﷺ وقال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر[15]، وهي تشبه هذه الآية كثيراً، إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [سورة آل عمران:190]

فالحاصل أن الإلف هو الذي يمنع الناس من هذا التفكر، وإلا فلو قدِّر أن أحداً من الناس وجد في مكان تحت الأرض، ولد فيه حتى نشأ وترعرع، ثم أخرج من هذا المكان فنظر إلى التربة، وجعل يتلمس ذراتها، وينظر إليها، ثم فجأه طلوع الشمس، وارتفاع الشمس، وتحول الظلام إلى نور تام.. إلى غير ذلك مما يشاهده في يومه وليلته، ثم نظر إلى غروبها، وتحول ذلك إلى ظلام، ثم نظر إلى الكواكب وطلوعها، والنجوم والأفلاك والقمر فإنه لا ينقضي عجبه من ذلك، ولكن الإلف يمنعه من هذا، ولذلك الإنسان الذي ما رأى البحر قط إذا رآه هاله ذلك، وأدرك أنه من أعظم آيات الله ، وهكذا فإن كل من لم يشاهد شيئاً فشاهده لأول وهلة فإن ذلك يشده ويستولي على لبه، فيلجئه إلجاءً إلى التفكر والنظر، ولكنه يحتاج إلى تكلف في هذا النظر إذا كان مما يألفه وتكرر عليه فلا يلفت نظره.

طالب:.........

الأذكار الأحسن أن تقال بعد العصر، وذلك أن الله ذكر الغدو والآصال، وذكر الذكر طرفي النهار، والآصال: إنما تكون بعد العصر، "وقفت فيها أصيلاناً –وأصيلالاً- أسائلها" يعني في وقت الأصيل، ويطلق ذلك غالباً على بدء اصفرار الشمس وذبولها، فهذا هو الطرف الأخير من النهار فهذا وقت للذكر، وفي أوله، فهذا هو الأحسن، فمن قالها بعد الظهر أجزأته، ومن قالها بعد المغرب أجزأته، ولكن الأحسن أن تقال بعد العصر، والله أعلم.

طالب:.........

لا، إذا كان لم يتحقق من ذلك فلا يجوز له أن يتكلم بلا علم، فإن كان ذلك مما يعرفه ولا يخفى فهذا يبين لهم، أما الأشياء التي تحتاج إلى استنباط وتحتاج إلى فهم دقيق، هو لم يتأهل لهذا فيقول لهم: اسألوا أهل العلم، أو ينقل لهم إذا كان يضبط هذا النقل، يقول لهم: سمعت فلانا يقول كذا، قرأت لفلان كذا.

طالب:.......

لا، لا أبداً، وماذا تقول في قوله: أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [سورة البقرة:161] ما يمكن هذا.

طالب:.......

الليلة تكون سابقة ليومها هذا صحيح، وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ [سورة يــس:40] فلا يحصل فيه اختلال على هذا الترتيب الذي رتبه الله ، لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ [سورة يــس:40] فهذا يأتي بعد هذا، لا يرجع فيتقدم عليه أو يتأخر عنه، وإنما بحسب ما رسمه الله ، وإلا فما تقول في قوله: لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ [سورة يــس:40] والشمس هي آية النهار، إذاً النهار لا يدرك الليل، فهذا لا يمكن هو ليل ونهار، فهذا يأتي بعد هذا، بمعنى أن ذلك النظام لا يختل، فلا يخرج عما رسمه الله له، هذا المراد.

طالب:........

"قال: قلت" إي هذا الذي عندنا، لكن هل وجدته في شيء من الأصول الأخرى؟

طالب:........

فقط؟

طالب:........

لكن هل فيه: "قالت: قلت"؟

طالب:........

خلاص إذاً نعدلها، هي صفحة كم؟

طالب:.........

صفحة (119) انظروا إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ [سورة البقرة:158] "روى الإمام أحمد عن عروة عن عائشة" الذي في المسند ماذا؟

طالب:........

"قال: قلت" إذاً نمسح "قالت" ونضع "قال"، "قال: قلت" جزاك الله خيراً.

طالب:........

يحتمل، لكن أنت راجعتَ ضبطها؟

طالب:........

ما راجعتها، المشرفة: المرتفعة، هي تبحث عن أحد تراه من مكان تُشرف فيه، فيحتمل هذا، وهي أيضاً مشرَّفة.

طالب:........

كيف؟

طالب:........

أنا لا أدري بأيها تضبط فعلاً، لكن أقول لك: هذا له وجه وهذا له وجه، إن استطعت أن تراجعها لنا فهذا جيد.

طالب:.......

الأصل فيه التتابع والاتصال، لكنه إن قطعه لعذر كأن يستريح لطوله ونحو هذا، أو يشرب أو يصلي فهذا لا إشكال فيه، فإن قطعه قطعاً يطول عرفاً من غير عذر فمثل هذا ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه يستأنف من جديد.

طالب:........

هم غيروا وبدلوا كثيراً، طيب ماذا تقول في فرقة السامرة حينما يستقبلون جبلاً بالشام، ويضللون إخوانهم من اليهود، ويقولون: ليست القبلة التابوت ولا الصخرة ولا بيت المقدس ماذا تقول فيهم؟ طيب هم حينما كانوا يستقبلون التابوت في كل مكان يذهبون إليه في أسفارهم ينقلونه معهم، ما يستقبلون بيت المقدس ولا الصخرة، فصاروا يستقبلون الصخرة لما رفع التابوت، ومتى رفع التابوت؟... 

  1. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، في كتاب الحج، باب الإيضاع في وادي محسر [ج5- ص125]، وصححه الألباني في إرواء الغليل [ج4- ص271] وهو في مسلم في كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكباً بلفظ: لتأخذوا مناسككم [ج2- ص942] وفي سنن أبي داود في كتاب المناسك، باب في رمي الجمار [ج1- ص604] وفي المسند [ج3- ص 318 - 14459].
  2. أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ [ج 2- ص 886 – 147].
  3. أخرجه النسائي في السنن الكبرى، في كتاب الحج، الدعاء على الصفا [ج 2- ص 413 – 3968] في المسند [ج3- ص394 – 15280] وقال شعيب الأرنؤوط  في تعليقه على المسند: إسناده صحيح على شرط مسلم.
  4. في المسند [ج6- ص421 – 27407]  وقال شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند: "حسن بطرقه وشاهده، وهذا إسناد ضعيف لضعف عبد الله بن المؤمل، وقد اضطرب فيه". وأخرجه الدارقطني في كتاب الحج، باب المواقيت [ج2- ص255 – 85] و الطبراني في المعجم الكبير [ج24- ص226 -573]  والبيهقي في السنن الكبرى في كتاب الحج، باب وجوب الطواف بين الصفا والمروة، وأن غيره لا يجزئ عنه [ج5- ص98 – 9149] وصححه الألباني في إرواء الغليل [ج4- ص290].
  5. سبق تخريجه
  6. أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية أن لا يفهموا [ج1- ص 59 – 128] ومسلم  في كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعاً [ج1- ص61 – 53]. 
  7. في المسند [ج2- ص 495 – 10425]عن أبي هريرة، وقال شعيب الأرنؤوط  في تعليقه على المسند: "صحيح، وهذا إسناد حسن"  وأخرجه الترمذي  أيضاً عن عن أبي هريرة في كتاب العلم، باب ما جاء في كتمان العلم [ج 5- ص 29 – 2649]  وابن ماجه عن أنس بن مالك، في افتتاح الكتاب في الإيمان وفضائل الصحابة والعلم، باب من سئل عن علم فكتمه [ج1- ص97 - 264] وابن حبان عن عبد الله بن عمرو، في كتاب العلم، باب الزجر عن كتبة المرء السنن مخافة أن يتكل عليها دون الحفظ لها [ج1-  ص 298 – 96]، والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة [ج1- ص182 – 345]، والطبراني في المعجم الكبير عن طلق بن علي [ج8 - ص334 – 8251]، وصححه الألباني في صحيح الجامع حديث رقم:6284.
  8. أخرجه الترمذي عن أبي الدرداء في كتاب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة [ج 5- ص 48 – 2682] بلفظ: إنه ليستغفر للعالم من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في البحر وابن ماجه في افتتاح الكتاب في الإيمان وفضائل الصحابة والعلم، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم [ج1-  ص81 – 223] وأحمد في المسند[ج 5 -  ص196 – 21763] والدارمي في المقدمة، باب في فضل العلم والعالم [ج1- ص110- 342] وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه[ج1- ص43 – 182].
  9. أخرجه مسلم في كتاب اللباس والزينة، باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة والنامصة والمتنمصة والمتفلجات والمغيرات خلق الله [ج3- ص1678 – 120].
  10. أخرجه بهذا اللفظ أبو يعلى في المسند [ج1- ص 161 – 176] والبزار[ج1- ص 393 – 269] وعبد الرزاق في المصنف في  كتاب الطلاق، باب حد الخمر [ج7- ص381 – 13552] وهو في البخاري: بلفظ: لا تلعنوه فو الله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله في كتاب الحدود، باب ما يكره من لعن شارب الخمر، وأنه ليس بخارج من الملة[ج 6-  ص2489 – 6398].
  11. أخرجه الحاكم في المستدرك في  كتاب الإيمان [ج 1-  ص 57 – 29] وسكت عنه الذهبي في التلخيص، والبيهقي في شعب الإيمان في الرابع والثلاثون من شعب الإيمان، وهو باب في حفظ اللسان،  فصل ومما يجب حفظ اللسان منه الفخر بالآباء وخصوصا بالجاهلية والتعظيم بهم [ج4 - ص 293 – 5149] وصححه الألباني في صحيح الجامع حديث رقم:5381.
  12. أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور [ج1- ص 446 – 1265] وفي باب ما جاء في قبر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر -ا- [ج1- ص468 – 1324] ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهى عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها والنهى عن اتخاذ القبور مساجد [ج1- ص 376 – 19].
  13. أخرجه أبو داود في كتاب سجود القرآن، باب الدعاء [ج1- ص470 – 1496] والترمذي في كتاب الدعوات [ج5- ص517 – 3478] وابن ماجه في  كتاب الدعاء باب اسم الله الأعظم [ج2- ص 1267- 3855] والدارمي في كتاب فضائل القرآن، باب فضل أول سورة البقرة وآية الكرسي [ج2- ص 542 -3389] وقال حسين سليم أسد: "إسناده حسن من أجل عبيد الله بن أبي زياد" والطبراني  في المعجم الكبير [ج24- ص174- 440] وابن أبي شيبة في المصنف في كتاب الدعاء، في اسم الله الأعظم [ج6- ص 47 – 29363] والبيهقي في شعب الإيمان: التاسع عشر من شعب الإيمان، هو باب في تعظيم القرآن، ذكر سورة البقرة وآل عمران [ج2- ص 454 – 2383] وصححه الألباني في صحيح الجامع حديث رقم:980.
  14. أخرجه البخاري في كتاب الاستسقاء، باب قول النبي ﷺ: نصرت بالصبا ([ج1- ص350 – 988] وفي كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قوله: وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته [الفرقان:48] / [ج3- ص1172- 3033] وفي  كتاب الأنبياء [ج3- ص1219- 3165]  وفي كتاب المغازي، باب غزوة الخندق وهي الأحزاب [ج4- ص 1507- 3879] ومسلم في كتاب صلاة الاستسقاء، باب في ريح الصبا والدبور،[ج2- ص 617- 900].
  15. أخرجه ابن حبان في كتاب الرقائق، باب التوبة [ج2- ص 386 – 620] وقال شعيب الأرنؤوط : "إسناده صحيح على شرط مسلم" وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب [ج2- ص 88].

مواد ذات صلة