السبت 02 / جمادى الآخرة / 1442 - 16 / يناير 2021
[3] من قوله تعالى: {مّثَلُ الّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ} الآية 18 إلى قوله تعالى: {مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} الآية21.
تاريخ النشر: ٢٣ / شوّال / ١٤٢٨
التحميل: 2765
مرات الإستماع: 2261

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المصنف -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى:

مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ [سورة إبراهيم:16] أي: في النار ليس له شراب إلا من حميم وغساق، فهذا حار في غاية الحرارة، وهذا بارد في غاية البرد والنتن، كما قال: هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ۝ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ [سورة ص:57-58]، وقال مجاهد وعكرمة: الصديد من القيح والدم.

يقول الله تعالى: وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [سورة محمد:15]، ويقول: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ [سورة الكهف:29] الآية، وهكذا رواه ابن جرير.

وقوله: يَتَجَرَّعُهُ أي: يتغصصه ويتكرهه، أي يشربه قهراً وقسراً لا يضعه في فمه حتى يضربه الملك بمطراق من حديد، كما قال تعالى: وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ [سورة الحج:21]، وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ [سورة إبراهيم:17] أي: يزدرده لسوء طعمه ولونه وريحه وحرارته أو برده الذي لا يستطاع، وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ [سورة إبراهيم:17] أي: يألم له جميع بدنه وجوارحه وأعضائه، قال عمرو بن ميمون بن مهران: من كل عظم وعصب وعرق.

وقال الضحاك عن ابن عباس -ا: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ قال: أنواع العذاب الذي يعذبه الله بها يوم القيامة في نار جهنم، ليس منها نوع إلا يأتيه الموت منه لو كان يموت، ولكن لا يموت؛ لأن الله تعالى قال: لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا [سورة فاطر:36]، ومعنى كلام ابن عباس -ا- أنه ما من نوع من هذه الأنواع من العذاب إلا إذا ورد عليه اقتضى أن يموت منه لو كان يموت، ولكنه لا يموت، ليخلد في دوام العذاب والنكال؛ ولهذا قال تعالى: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ [سورة إبراهيم:17].

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى: وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ، الصديد ما كان من القيح والدم، قيل له ذلك؛ لأنه يصد عن النظر إليه، لقبح مرآه، فالنفوس تعافه وتنفر منه، وقوله -تبارك وتعالى: يَتَجَرَّعُهُ أي أنه لا يمضي في مجرى حلقه إلا بصعوبة وشدة يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ.

وقوله: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ذكر الحافظ -رحمه الله- معنيين لهذه الآية: الأول: أن الموت يأتيه من كل موضع في بدنه؛ لأنه يجد في ذلك الموضع ما لو نزل به وحده لأصابه الموت منه، يعني: ما نزل في هذا الموضع لوحده يكفي أن يحصل بسببه الموت، ولكنه لا يموت؛ لأن الله قضى أن يتعذب بهذا، لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا [سورة فاطر: 36].

والقول الآخر الذي ذكره عن ابن عباس: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ أي: من كل نوع من أنواع هذا العذاب، فإذا شرب هذا الصديد الذي يقطع الأمعاء يأتيه الموت منه، وليس بين القولين منافاة -والله تعالى أعلم- فإن هذه أسباب، وما يقع عليه من ألوان العذاب فإنها مميتة، فيأتيه الموت من قِبَلها، وما يحصل له من آثار فإن ذلك أيضًا مميت، وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ، فحينما يضرب بالمقامع من حديد يأتيه الموت، وهكذا حينما يشرب هذا الشراب، أو يشوى بالنار، نسأل الله العافية.

وقوله: وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ [سورة إبراهيم: 17] أي: وله من بعد هذه الحال عذاب آخر غليظ، أي مؤلم صعب شديد أغلظ من الذي قبله، وأدهى وأمر، وهذا كما قال تعالى عن شجرة الزقوم: إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ۝ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ۝ فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ۝ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ ۝ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ [سورة الصافات:64-68]، فأخبر أنهم تارة يكونون في أكل زقوم، وتارة في شرب حميم، وتارة يردون إلى جحيم، عياذًا بالله من ذلك.

وهكذا قال تعالى: هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ۝ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [سورة الرحمن:43-44]، وقال تعالى: إن شجرة الزقوم طَعَامُ الْأَثِيمِ ۝ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ ۝ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ ۝ خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ ۝ ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ ۝ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ۝ إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ [سورة الدخان:43-50]. 

وقال: وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ ۝ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ ۝ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ ۝ لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ [سورة الواقعة:41-44]، وقال تعالى: هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ۝ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ ۝ هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ۝ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ [سورة ص:55-58]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على تنوع العذاب عليهم، وتكراره وأنواعه، وأشكاله مما لا يحصيه إلا الله جزاءً وفاقًا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [سورة فصلت:46].

الإنسان حينما يرى بعض الصور لأناس قد شُوهت أجسادهم مما وقع عليهم من الأذى والتعذيب، أو إلقاء المواد الحارقة، وما يحصل من التشويه والتمثيل بسلخ للوجه، وتقطيع للأنوف والآذان، وسمل للعيون، لا يسوغ له الطعام ولا الشراب ولا النوم بسبب هذه المناظر المقززة، فالذي يُخرق رأسه، أو تقطع أعضاؤه، أو تلقى عليه هذه المواد الحارقة، أو يسلخ حتى يموت، ولا يشعر بعد ذلك بما يجري له، قد يكون ذلك دقائق، أو ساعات، لكن لو تفكر الإنسان فيما ذكر الله ووصف من عذاب أهل النار فهو شيء لا يمكن للعقل أن يصل إلى مداه، أو أن يتصوره على حقيقته، وهو شيء دائم مستمر لا ينقطع، لا يفضي بهم هذا إلى راحة بعد مدة فيكون عند الإنسان شيء من الرجاء، نسأل الله أن يعيذنا وجميع المسلمين من النار.

مّثَلُ الّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدّتْ بِهِ الرّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاّ يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُواْ عَلَىَ شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضّلاَلُ الْبَعِيدُ [سورة إبراهيم: 18].

هذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكفار الذين عبدوا معه غيره، وكذبوا رسله، وبنوا أعمالهم على غير أساس صحيح، فانهارت، وعدموها أحوج ما كانوا إليها، فقال تعالى: مّثَلُ الّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ أَعْمَالُهُمْ أي: مثل أعمالهم يوم القيامة إذا طلبوا ثوابها من الله تعالى؛ لأنهم كانوا يحسبون أنهم كانوا على شيء فلم يجدوا شيئًا، ولا ألفوا حاصلًا إلا كما يُتحصل من الرماد إذا اشتدت به الريح العاصفة، فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ أي: ذي ريح شديدة عاصفة قوية، فلم يقدروا على شيء من أعمالهم التي كسبوا في الدنيا إلا كما يقدرون على جمع هذا الرماد في هذا اليوم، كقوله تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [سورة الفرقان:23].

وقوله تعالى: مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [سورة آل عمران:117].

وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [سورة البقرة:264]، وقوله في هذه الآية ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ أي: سعيهم وعملهم على غير أساس ولا استقامة حتى فقدوا ثوابهم أحوج ما كانوا إليه ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ.

قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في قول الله تعالى: مّثَلُ الّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ أَعْمَالُهُمْ الآية: "فشبه تعالى أعمال الكفار في بطلانها وعدم الانتفاع بها برماد مرت عليه ريح شديدة في يوم عاصف، فشبه سبحانه أعمالهم في حبوطها وذهابها باطلًا كالهباء المنثور -لكونها على غير أساس من الإيمان والإحسان، وكونها لغير الله وعلى غير أمره- برماد طيرته الريح العاصف، فلا يقدر صاحبه على شيء منه وقت شدة حاجته إليه؛ فلذلك قال: لاّ يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُواْ عَلَىَ شَيْءٍ لا يقدرون يوم القيامة مما كسبوا من أعمالهم على شيء فلا يرون له أثرًا من ثواب ولا فائدة نافعة، فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه، موافقًا لشرعه، والأعمال أربعة فواحد مقبول وثلاثة مردودة، فالمقبول: الخالص الصواب، فالخالص أن يكون لله لا لغيره، والصواب أن يكون مما شرعه الله على لسان رسوله ﷺ، والثلاثة المردودة ما خالف ذلك.

وفي تشبيهها بالرماد سر بديع، وذلك للتشابه الذي بين أعمالهم وبين الرماد في إحراق النار وإذهابها لأصل هذا وهذا، فكانت الأعمال التي لغير الله وعلى غير مراده طعمة للنار، وبها تسعر النار على أصحابها، وينشئ الله سبحانه لهم من أعمالهم الباطلة نارًا وعذابًا، كما ينشئ لأهل الأعمال الموافقة لأمره ونهيه التي هي خالصة لوجهه من أعمالهم نعيمًا وروحًا، فأثّرت النار في أعمال أولئك حتى جعلتها رمادًا، فهم وأعمالهم وما يعبدون من دون الله وقود النار"[1].

وجه تشبيهها بالرماد ولم يشبهها بالدقيق أنه لا يقدر من هذا على شيء ولا يبقى منه شيء، هذا في أصل المثل، فهذه قد احترقت بالنار وتحولت من شيء إلى شيء، وتحول الرماد إلى شيء لا ينتفع به أصلًا، فجاءت الريح فأطارت به، فهؤلاء أعمالهم التي عملوها من صدقة ونحو ذلك، لمّا خالطتها نجاسة الشرك وكانت لغير الله ، صارت بمنزلة هذا الرماد، وجاءت عليه الريح، وصورة هذا المثل أن أعمال الكفار كرماد اشتدت به الريح فلا يبقى منه شيء، ولا ينتفعون بشيء.

أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ خَلَقَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحقّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ۝ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللّهِ بِعَزِيز [سورة إبراهيم:19، 20].

يقول تعالى مخبرًا عن قدرته على معاد الأبدان يوم القيامة بأنه خلق السموات والأرض التي هي أكبر من خلق الناس، أفليس الذي قدر على خلق هذه السموات في ارتفاعها واتساعها وعظمتها، وما فيها من الكواكب الثوابت والسيارات، والحركات المختلفات، والآيات الباهرات، وهذه الأرض بما فيها من مهاد ووهاد وأوتاد، وبَرارٍ وصَحارٍ، وقفار وبحار، وأشجار ونبات، وحيوان على اختلاف أصنافها ومنافعها وأشكالها وألوانها: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [سورة الأحقاف:33]. 

وقال تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ۝ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ۝ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ۝ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ۝ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ۝ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ۝ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [سورة يــس:77-83].

وقوله: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ أي: بعظيم ولا ممتنع بل هو سهل عليه إذا خالفتم أمره أن يذهبكم ويأت بآخرين على غير صفتكم كما قال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ۝ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ۝ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [سورة فاطر:15-17].

وقال: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [سورة محمد:38]، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه [سورة المائدة:54]، وقال: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا [سورة النساء:133].

قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ خَلَقَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحقّ، الرؤية هنا بمعنى ألم تعلم، وقوله: بِالْحقّ يمكن أن يقال: خلقًا متلبسًا بالحق، أي أن الله لم يخلق السماوات والأرض من أجل اللهو والعبث عما يقول الكافرون والظالمون علوًا كبيرًا، فالله يقول: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ [سورة الدخان:38].

ويقول: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [سورة ص:27]، فهذه من الظنون الفاسدة، الظنون السيئة بالله -تبارك وتعالى، فخلقها بالحق خلقًا متلبسًا بالحق، وخلقها لغاية عظيمة، كما قال الله -تبارك وتعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [سورة الملك:2].

وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ [سورة إبراهيم: 21].

يقول تعالى: وَبَرَزُواْ أي: برزت الخلائق كلها برها وفاجرها لله الواحد القهار، أي اجتمعوا له في براز من الأرض وهو المكان الذي ليس فيه شيء يستر أحدًا، فَقَالَ الضُّعَفَاءُ وهم الأتباع، لقادتهم وسادتهم وكبرائهم لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا عن عبادة الله وحده لا شريك له وعن موافقة الرسل قالوا لهم: إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا أي: مهما أمرتمونا ائتمرنا وفعلنا، فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ أي: فهل تدفعون عنا شيئًا من عذاب الله كما كنتم تعدوننا وتمنوننا، فقالت القادة لهم: لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ولكن حق علينا قول ربنا، وسبق فينا وفيكم قدر الله، وحقت كلمة العذاب على الكافرين، سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ أي: ليس لنا خلاص مما نحن فيه إن صبرنا عليه أو جزعنا منه.

قلت: والظاهر أن هذه المراجعة في النار بعد دخولهم إليها، كما قال تعالى: وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ ۝ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ [سورة غافر:47-48].

وقال تعالى: قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لاَّ تَعْلَمُونَ ۝ وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ [سورة الأعراف:38-39].

وقال تعالى: وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ۝ رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا [سورة الأحزاب:67-68].

وأما تخاصمهم في المحشر، فقال تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ۝ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ ۝ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [سورة سبأ:31-33].

الكبراء والقادة لهم ضعف العذاب باعتبار أنهم أضلوا الأتباع، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها[2]، لكن قوله: لِكُلٍّ ضِعْفٌ يشمل الأتباع، ووجه ذلك أن هؤلاء الأتباع لا يخلو الواحد منهم من إضلال، والنبي ﷺ يقول: كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه[3]، فهذا التابع الفقير المسكين الذي يكون في غاية الضعف والمهانة، إذا جاءه أولاد فنشأهم على الكفر يكون قد أضلهم، فالواحد من الأتباع لا يخلو من إضلال لغيره.

  1. الأمثال في القرآن الكريم للإمام ابن القيم (34)، تحقيق: إبراهيم بن محمد، مكتبة الصحابة، سنة النشر: 1406 هـ.
  2. رواه ابن ماجه برقم (203)، كتاب في الإيمان وفضائل الصحابة والعلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة، وأحمد في المسند (31/536)، برقم (19200)، وقال محققوه: حديث صحيح وهذا إسناد حسن، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (6306).
  3. رواه البخاري برقم (1319)، كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين، ومسلم برقم (2658)، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين.

مواد ذات صلة