الخميس 16 / ذو الحجة / 1441 - 06 / أغسطس 2020
[2] من قوله تعالى: {هُوَ الّذِي أَنْزَلَ مِنَ السّمَاءِ مَآءً لّكُم} الآية 10 إلى قوله تعالى: {إِنّ اللّهَ لَغَفُورٌ رّحِيمٌ} الآية 18.
تاريخ النشر: ٢١ / ذو القعدة / ١٤٢٨
التحميل: 2797
مرات الإستماع: 2284

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المصنف -رحمه الله- في تفسير قوله تعالى:

هُوَ الّذِي أَنْزَلَ مِنَ السّمَاءِ مَآءً لّكُم مّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ۝ يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزّرْعَ وَالزّيْتُونَ وَالنّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِن كُلّ الثّمَرَاتِ إِنّ فِي ذَلِكَ لآية لّقَوْمٍ يَتَفَكّرُونَ [سورة النحل:10، 11].

لما ذكر تعالى ما أنعم به عليهم من الأنعام والدواب شرع في ذكر نعمته عليهم في إنزال المطر من السماء -وهو العلو- مما لهم فيه بُلْغَة، ومتاع لهم ولأنعامهم، فقال: لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ أي: جعله عذباً زلالاً يسوغ لكم شرابه، ولم يجعله ملحاً أجاجاً، وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ أي: وأخرج لكم منه شجراً ترعون فيه أنعامكم، كما قال ابن عباس -ا- وعكرمة والضحاك وقتادة وابن زيد في قوله: فِيهِ تُسِيمُونَ أي: ترعون، ومنه الإبل السائمة، والسوم: الرعي.

وقوله: يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ أي: يخرجها من الأرض بهذا الماء الواحد على اختلاف صنوفها وطعومها وألوانها وروائحها وأشكالها؛ ولهذا قال: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ أي: دلالة وحجة على أنه لا إله إلا الله، كما قال تعالى: أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ [سورة النحل:60].

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى: هُوَ الّذِي أَنْزَلَ مِنَ السّمَاءِ مَآءً لّكُم مّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ، هذه الآية اشتملت على ثلاثة من براهين البعث المعروفة التي تتكرر في القرآن، وهي خلق السماوات والأرض، وخلق الإنسان من النطفة، وإحياء الأرض بعد موتها، وذكر في هذه الآية إنزال المطر من السماء، وما يحصل به من الإنبات، ثم ذكر بعدها آيات أورد فيها تلك البراهين، وقد ورد من براهين البعث وقدرة الله على إحياء الموتى في سورة البقرة خمسة.

وقوله تبارك تعالى: هُوَ الّذِي أَنْزَلَ مِنَ السّمَاءِ مَآءً لّكُم مّنْهُ شَرَابٌ إلى آخره، كقوله : أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ[سورة السجدة:27]، وكقوله: وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً ۝ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا ۝ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا [سورة النبأ:14-16]، وكقوله: وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ۝ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ[سورة ق: 9، 10]، إلى غير ذلك من الآيات.

يقول: لّكُم مّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ، فسر الحافظ ابن كثير -رحمه الله- فقال: تُسِيمُونَ ”أي: وأخرج لكم منه شجراً ترعون فيه أنعامكم“، فسر ذلك بالرعي، قال: ”ومنه الإبل السائمة“، والسوم: الرعي. أصل السوم: بعض أهل اللغة يقول: إنه الإبعاد في المرعى، وبعضهم يقول: السوم من السِّمة وهي العلامة، وذلك أن هذه البهائم والدواب السارحة تترك أثراً في الأرض، فقيل لها: سائمة بهذا الاعتبار، هكذا قال أهل اللغة، والأول أشهر، والعلم عند الله -تبارك وتعالى.

العلماء يتكلمون على سبب تقديم الزرع على بقية الأشياء في قوله: يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ ويقولون: إنه أصل الغذاء بالنسبة للإنسان وما بعده كالزيتون هو فاكهة.

ثم قال تعالى: وَسَخّرَ لَكُمُ اللّيْلَ وَالْنّهَارَ وَالشّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنّجُومُ مُسَخّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنّ فِي ذَلِكَ لآيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ۝ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنّ فِي ذَلِكَ لآية لّقَوْمٍ يَذّكّرُونَ [سورة النحل:12، 13].

ينبه تعالى عباده على آياته العظام ومننه الجسام في تسخيره الليل والنهار يتعاقبان، والشمس والقمر يدوران، والنجوم الثوابت والسيارات في أرجاء السماوات نوراً وضياء ليهتدى بها في الظلمات، وكل منها يسير في فلكه الذي جعله الله تعالى فيه، يسير بحركة مقدرة لا يزيد عليها ولا ينقص عنها، والجميع تحت قهره وسلطانه وتسخيره وتقديره وتسهيله، كقوله: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [سورة الأعراف:54]؛ ولهذا قال: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أي: لدلالات على قدرته تعالى الباهرة وسلطانه العظيم لقوم يعقلون عن الله ويفهمون حججه.

وقوله: وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مختلفاً ألوانه لما نبه تعالى على معالم السماوات نبه على ما خلق في الأرض من الأمور العجيبة، والأشياء المختلفة من الحيوانات والمعادن، والنباتات والجمادات على اختلاف ألوانها وأشكالها، وما فيها من المنافع والخواص إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ أي: آلاء الله ونعمه فيشكرونها.

قوله -تبارك وتعالى: وَسَخّرَ لَكُمُ اللّيْلَ وَالْنّهَارَ وَالشّمْسَ وَالْقَمَرَ ثم قال: وَالْنّجُومُ مُسَخّرَاتٌ بِأَمْرِهِ على هذه القراءة التي هي قراءة حفص عن عاصم وَالْنّجُومُ يكون ذلك للاستئناف، وقرأ من السبعة ابن عامر قوله -تبارك وتعالى: وَالشّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنّجُومُ: وَالشّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالْنّجُومُ بالرفع، وقراءة الجمهور بالنصب على أن ذلك من المفعول للفعل قبله وهو سَخّرَ، وهذه الآية وَسَخّرَ لَكُمُ اللّيْلَ وَالْنّهَارَ وَالشّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنّجُومُ مُسَخّرَاتٌ بِأَمْرِهِ من آيات الله -تبارك وتعالى، كقوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا [سورة فاطر:27]، وقوله: وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ [سورة الروم:22]، كل هذا من آيات الله ، وقد مضى أيضاً نظائره.

وَهُوَ الّذِي سَخّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ ۝ وَأَلْقَىَ فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لّعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ ۝ وَعَلامَاتٍ وَبِالنّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ۝ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكّرُونَ ۝ وَإِن تَعُدّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَآ إِنّ اللّهَ لَغَفُورٌ رّحِيمٌ [سورة النحل:14-18].

يخبر تعالى عن تسخيره البحر المتلاطم الأمواج، ويمتن على عباده بتذليله لهم، وتيسيرهم للركوب فيه، وجعله السمك والحيتان فيه، وإحلاله لعباده لحمها حيها وميتها في الحل والإحرام، وما يخلقه فيه من اللآلئ والجواهر النفيسة، وتسهيله للعباد استخراجهم من قراره حلية يلبسونها، وتسخيره البحر لحمل السفن التي تمخره أي تشقه، وقيل: تمخر الرياح، وكلاهما صحيح، وقيل: تمخره بجؤجئها وهو صدرها المسنَّم الذي أرشد العباد إلى صنعتها، وهداهم إلى ذلك إرثاً عن أبيهم نوح ، فإنه أول من ركب السفن، وله كان تعليم صنعتها، ثم أخذها الناس عنه قرناً بعد قرن، وجيلاً بعد جيل، يسيرون من قطر إلى قطر، ومن بلد إلى بلد، ومن إقليم إلى إقليم، لجلب ما هناك إلى هنا، وما هنا إلى هناك؛ ولهذا قال تعالى: وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي: نعمه وإحسانه.

ثم ذكر تعالى الأرض وما ألقى فيها من الرواسي الشامخات، والجبال الراسيات، لتقر الأرض ولا تميد، أي تضطرب بما عليها من الحيوانات فلا يهنأ لهم عيش بسبب ذلك؛ ولهذا قال: وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا [سورة النازعات:32].

وقوله: وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً أي: جعل فيها أنهاراً تجري من مكان إلى مكان آخر رزقاً للعباد، ينبع في موضع وهو رزق لأهل موضع آخر، فيقطع البقاع والبراري والقفار، ويخترق الجبال والآكام، فيصل إلى البلد الذي سُخر لأهله وهي سائرة في الأرض يمنة ويسرة، وجنوباً وشمالاً، وشرقاً وغرباً، ما بين صغار وكبار، وأودية تجري حيناً وتنقطع في وقت، وما بين نبع وجمع، وقويّ السير وبطيئه بحسب ما أراد وقدر وسخر ويسّر، فلا إله إلا هو ولا رب سواه، وكذلك جعل فيها سبلاً أي طرقاً يسلك فيها من بلاد إلى بلاد حتى إنه تعالى ليقطع الجبل حتى يكون ما بينهما ممراً ومسلكاً، كما قال تعالى: وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً [سورة الأنبياء:31] الآية.

وقوله: وَعَلامَاتٍ أي: دلائل من جبال كبار وآكام صغار ونحو ذلك، يستدل بها المسافرون براً وبحراً إذا ضلوا الطرق.

وقوله: وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ أي: في ظلام الليل، قاله ابن عباس -ا.

قوله -تبارك وتعالى: وَهُوَ الّذِي سَخّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ، فقوله: لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا، هذا لا يخفى أنه في سياق الامتنان، ولا يفهم من هذا بحال من الأحوال أن ما يستخرج مما يؤكل من البحر لا يؤكل قديداً مثلاً أو مجففاً، وإنما ذكر على سبيل الامتنان والله أعلم، ذَكَرَ اللحم الطري، فهو يؤكل وهو طري ويؤكل أيضاً من غير طراوة.

وقوله: وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ”تمخره أي تشقه، وقيل: تمخر الرياح“، والمخر في كلام العرب يفسره بعضهم بصوت هبوب الريح، إذا اشتد هبوبها يقال له: مخر، وفسر بصوت السفينة عند هبوب الرياح تسيرها، وبعضهم يفسره كما ذكر أيضاً الحافظ ابن كثير -رحمه الله- أنها حينما تشق الماء بجؤجئها، وهو الخشبة المنقورة التي في مقدمتها -كما هو معلوم- فهي تشق الماء فيكون له صوت.

يقول: ”ولا منافاة بين المعنيين“ وهذا صحيح، فهذه أمور متلازمة، كل ذلك له صوت يقال له: المخر، وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ، ثم قال: وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ يحتمل أن تكون الواو عاطفة على ما ذكر قبله، وهو قوله: وَهُوَ الّذِي سَخّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ، فيكون المعنى هكذا: وَهُوَ الّذِي سَخّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً، وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ.

وبعضهم يقول: إنه معطوف على مقدر، ويكون ما ذكر بعد الحلية من قبيل الاعتراض للتوضيح والبيان، وَهُوَ الّذِي سَخّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً استطرد في وصفها فقال: تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ هذا كله اعتراض على التفسير السابق.

وبعضهم يقول: إن الواو في وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ عاطفة على علة محذوفة، هذه العلة المحذوفة يمكن أن تقدر بـ ”لتنتفعوا“، ولتبتغوا، وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا إلى آخره وَلِتَبْتَغُواْ، وربْطُ ذلك بمقدرٍ: الأصلُ خلافُه، وإن كان يحتمل هذا، يعني: لتنتفعوا بذلك وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ، أو أنه يقال: فعل ذلك لتبتغوا من فضله.

ولعل الأحسن -والله أعلم- أنه معطوف على قوله: وَلِتَبْتَغُواْ فيكون المعنى هكذا وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ يعني: سخر البحر لتأكلوا وتستخرجوا وأيضاً لتبتغوا من فضله، بما يحصل من ألوان الابتغاء كركوب البحر للتجارة ونحو ذلك.

وهنا في قوله تعالى: وَعَلامَاتٍ قال الحافظ رحمه الله: ”أي دلائل من جبال كبار وآكام صغار، ونحو ذلك يستدل بها المسافرون براً وبحراً“.

تفسير قوله تعالى: وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ۝ وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ اقتصر على العلامات الأرضية من الجبال التي يعرف المسافرون فيها طريقهم، فهي علامة، والآكام وما جعله الله في هذه الأرض بحيث يميز الناس فيها المسالك والأماكن بهذه العلامات، مع أن الله أطلق في العلامات، فقال: وَعَلامَاتٍ، فبعضهم قال: هذا مرتبط بما قبله، وهو قوله: وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، ثم قال: وَعَلامَاتٍ، ثم ذكر العلامات السماوية العلوية وهي قوله: وَبِالنَّجْمِ، فدل على أن الأول هي العلامات الأرضية، فقال: ”أي دلائل من جبال كبار وآكام صغار ونحو ذلك يستدل بها المسافرون“.

ومن أهل العلم كابن جرير من حمل العلامات على ما هو أعم من هذا مما يُستدل به من أدلة النهار عمومًا، وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ، ففي الليل يهتدون بالنجم، والنجم يمكن أن يحمل على النجوم عمومًا، وحمله بعضهم على نوع من النجوم يهتدى بها، والنجوم لا شك أنه يهتدى بها، ولا يختص ذلك ببعضها، فالعرب كانت تصف الأماكن وصفًا دقيقًا بالنجوم، إذا أراد أن يصف لك محلًا أو منزلًا لبعض العرب أو نحو ذلك قال: هو تحت النجم الفلاني، فإذا تبعته وجدته كما وصف بدقة، ولا زال هذا لدى بعض الناس إلى يومنا هذا.

هذه العلامات هي التي ذكرها الله بعد العلامات الأرضية فقال: وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ، فابن جرير رحمه الله حملها على علامات النهار، وعلامات النهار لا تختص بالآكام والجبال، فهي نوع منها، وهناك علامات أخرى، ففي النهار مثلًا يعرف الشمال باتجاه التراب، فالتراب يكون مموجًا فتنظر إلى طرفه الممتد فهذا هو الجنوب، ووجهه الذي يستقبل يكون هو الشمال، والكثيب يكون وجهه محفورًا حفرًا طبيعيًا، فالمرتفع هو الشمال؛ لأن الرياح غالبًا ما تأتي من جهة الشمال فتواجهها الجبال ولذا نجدها محفورة، وهذا ما يسمى بعلامات التعرية.

مواد ذات صلة