الأربعاء 15 / ذو الحجة / 1441 - 05 / أغسطس 2020
[13] من قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ} الآية 83 إلى قوله تعالى: {وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا} الآية 91
تاريخ النشر: ٢١ / ربيع الأوّل / ١٤٢٩
التحميل: 3197
مرات الإستماع: 3424

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

قال تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ۝ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا [سورة الكهف:83، 84].

يقول تعالى لنبيه ﷺ: وَيَسْأَلُونَكَ يا محمد عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ أي: عن خبره، وقد قدمنا أنه بعث كفار مكة إلى أهل الكتاب يسألون منهم ما يمتحنون به النبي ﷺ، فقالوا: سلوه عن رجل طواف في الأرض، وعن فتية لا يدرى ما صنعوا، وعن الروح، فنزلت سورة الكهف.

وقوله إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرْضِ أي: أعطيناه ملكًا عظيمًا متمكنًا، فيه له من جميع ما يؤتى الملوك، من التمكين والجنود، وآلات الحرب والحصارات؛ ولهذا ملك المشارق والمغارب من الأرض، ودانت له البلاد، وخضعت له ملوك العباد، وخدمته الأمم، من العرب والعجم؛ ولهذا ذكر بعضهم أنه إنما سمي ذا القرنين؛ لأنه بلغ قرني الشمس مشرقها ومغربها.

وقوله: وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا: قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والسدي، وقتادة، والضحاك، وغيرهم: يعني علمًا.

وقال قتادة أيضًا في قوله: وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا قال: منازل الأرض وأعلامها.

وقد قال الله في حق بلقيس: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [سورة النمل:23] أي: مما يؤتى مثلها من الملوك، وهكذا ذو القرنين يسر الله له الأسباب، أي: الطرق والوسائل إلى فتح الأقاليم والرَّسَاتيق والبلاد والأراضي وكسر الأعداء، وكبت ملوك الأرض، وإذلال أهل الشرك، قد أوتي من كل شيء مما يحتاج إليه مثله سببًا، والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقول الحافظ ابن كثير -رحمه الله: وقد قدمنا أنه بعث كفار مكة إلى أهل الكتاب يسألونهم، الرواية الواردة في هذا لا تصح، وذو القرنين: العلماء مختلفون كثيراً في تحديده، فبعضهم يقول: هو الإسكندر الذي بني الإسكندرية، وبعضهم يقول: بل كان رجلاً قبله، كان ذو القرنين رجلاً قبل الإسكندر الذي بني الإسكندرية يقال له: الإسكندر أيضاً، قالوا: هما اثنان، فالإسكندر الذي بني الإسكندرية قالوا: إن هذا ليس بمؤمن، وإنه تلميذ لأحد الفلاسفة الكبار، بل قالوا: إن ذلك الفيلسوف كان وزيراً له، وقالوا: إن المقصود بذي القرنين هو إسكندر آخر كان زمن إبراهيم -عليه الصلاة والسلام.

وبعض هؤلاء يقول: إن الخضر كان وزيراً له، وإنه مؤمن، وهذا ظاهر في هذه الآيات، ولكن متى كان ومن هو؟ أقوال المفسرين كثيرة في هذا، ولم يرد في تحديده شيء لا في الكتاب ولا في السنة الصحيحة، والذين قالوا: إنه الإسكندر الذي بني الإسكندرية قالوا: لا يشكل على هذا أنه تلميذ للفيلسوف أرسطو، فإنه قد يكون أخذ ما عنده من الصواب فإن علوم الفلاسفة ليست مردودة بعمومها، بل فيها علوم صحيحة مثل الطب والهندسة والرياضيات، والجبر، وما أشبه هذا، وهي من أصح علومهم، وأما علومهم الأخرى في الإلهيات فهم من أضل الناس في هذا الباب، وفي هذا كثير، يمكن أن يراجع فيه المطولات، والله تعالى أعلم.

والحافظ ابن كثير -رحمه الله- في البداية والنهاية ذكر كلاماً كثيراً في أقوال أهل العلم في تحديده يمكن أن يراجع، وكذلك بعض المفسرين مثل الشوكاني في فتح القدير.

يقول الحافظ ابن كثير -رحمه الله: إنما سمي ذا القرنين؛ لأنه بلغ قرني الشمس مشرقها ومغربها. وبعضهم يقول غير هذا، بعضهم يقول: لأن له ضفيرتين، والضفائر يقال لها: قرون، وبعضهم يقول: لأنه دعا قومه إلى الله ونهاهم عن الإشراك، فشجوه على قرنه الأيمن، ثم دعاهم مرة أخرى فشجوه على قرنه الأيسر، فقيل له ذلك، وبعضهم يقول غير هذا، فيذكرون أقاويل كثيرة غير متفقة، وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [سورة النساء:82]، كل ذلك مما تُلقي عن بني إسرائيل، وكذبهم كثير، ولا يعتمد على كلامهم، حتى إنهم يذكرون أقوالاً عجيبة غريبة لا يمكن أن تتفق مع غيرها من الأقوال المذكورة فلا يُطوَّل في هذا؛ لأنه لا طائل تحته.

وقوله: وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا، نقل هنا عن جماعة من السلف قال: يعني علماً، يعني علم ما يحتاج إليه، العلم الذي يتوصل به إلى مطلوبه في كل شأن من الشئون التي أعطاه الله إياها، وهذا يدل على التمكين والقوة، فالله -تبارك وتعالى- أعطاه من أسباب القوة والغلبة والمعرفة بالحرب، وعدتها، والممالك وما يقام به الملك، وما يحصل به قهر الأعداء إلى غير ذلك من الأمور التي يحتاج إليها، وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا، مما يقوم به سلطانه وتتحصل له به الغلبة على غيره، وقول من قال هنا: يعني علماً، يرجع إلى هذا، وهكذا قول من قال: أي منازل الأرض وأعلامها، فهذا عائد إليه وهو شيء مما أعطاه الله إياه، معرفة المحال والمسالك والممالك والطرق التي يتوصل بها إلى ما يريد، كل هذا مما أعطاه الله إياه ومكنه منه، أعطاه من أسباب القوة الشيء الكثير، فصار سلطانه شاسعاً واسعاً.

يقول: وهكذا ذو القرنين يسَّر الله له الأسباب، أي الطرق والوسائل إلى فتح الأقاليم، والرساتيق، المقصود بالرساتيق هي الموضع أو المكان الذي تجتمع فيه الدور والبيوت، أو تجتمع فيه الزروع والحروث، يقال لها: رساتيق، والبلاد والأراضي وكسر الأعداء وكبت ملوك الأرض، وإذلال أهل الشرك، قد أوتي من كل شيء مما يحتاج إليه مثله سببًا، ما يحتاج إليه مثله، هنا وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا، فمِن هنا ممكن أن تكون تبعيضية، مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا، من كل شيء مما يحتاج إليه مثله، أما ما لا يحتاج إليه مثله فلم يُعطَ له.

وأوضح من هذا ما قاله الله في ملكة سبأ: وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍيعني: مما يصلح لملكها، ولم تُؤتَ ملك سليمان -عليه الصلاة والسلام، وأوضح من هذا قوله -تبارك وتعالى- في البيت: مِن كُلِّ شَيْءٍ، فمِن وإن كانت تبعيضية، لكن أيضاً في نوع من العموم، مِن كُلِّ شَيْءٍ فكل من أقوى صيغ العموم، مِن كُلِّ شَيْءٍ معناها من كل لون من ألوان القوة والتمكين والمعرفة والعلم آتاه الله منه، ولم يُؤتَ من كل الأسباب الموجودة اليوم، لكن يقال: مما يصلح لمثله، فهذا هو الذي يقال له: العموم الاستعمالي، لمّا تقول لإنسان تخاطبه: الله قد أعطاك كل ما تريد فإذا كان هذا الإنسان لا يفهم، فإنه سيقول لك: لا، ما أعطاني كذا، وما أعطاني كذا، ما أعطاني ملكاً مثلاً، نقول: أعطاك كل ما تريد مما يصلح لمثلك، أو مما يُعطَى أمثالك وهكذا، الوالد يقول لولده: أعطيناك كل ما تريد، ما يقول له: ما أعطيتني كذا وكذا وكذا، ما أعطيتني مثل لباس أختي، لا يَفهمُ أن المراد ما يصلح لمثله.

قوله: فَأَتْبَعَ سَبَبًا ۝ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ۝ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا ۝ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا [سورة الكهف:85-88].

قال ابن عباس: فَأَتْبَعَ سَبَبًا يعني: بالسبب المنزل، وقال مجاهد: فَأَتْبَعَ سَبَبًا: منزلا وطريقًا ما بين المشرق والمغرب.

وفي رواية عن مجاهد: سَبَبًا قال: طريقاً في الأرض.

وقال قتادة: أي أتبع منازل الأرض ومعالمها.

أصل السبب هو الحبل، لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ [سورة غافر:36]، ثم فسرها أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى [سورة غافر:37]، أسباب السماوات يعني الطرق الموصلة إليها، فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى، فأوتي من كل شيء سبباً أي: يتوصل به إلى مطلوبه، ويدخل في هذا إذا كان يريد أن يغزو قوماً يعرف أحسن الطرق الموصلة إلى ذلك، ولا يحتاج أن يسأل، وعنده من القُدَر والإمكانات والسلاح والأعوان ما يستطيع أن يتوصل به إلى المطلوب، ولا يحتاج إلى الاستعانة بآخرين من أجل تحقيق هذا المطلب، وهكذا في كل شأن يريده، أوتي من كل شيء سبباً، فعنده الأموال والجيوش والسلاح وحسن التدبير والإدارة، إلى غير ذلك مما يحصل به الغلبة والظهور، فتقول: هؤلاء أعطاهم الله من أسباب القوة والتمكين، فالله -تبارك وتعالى- أعطاه من كل شيء سبباً، فأتبع سبباً.

وقوله: حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ أي: فسلك طريقًا حتى وصل إلى أقصى ما يسلك فيه من الأرض من ناحية المغرب، وهو مغرب الأرض، وأما الوصول إلى مغرب الشمس من السماء فمتعذر، وما يذكره أصحاب القصص والأخبار من أنه سار في الأرض مدّة والشمس تغرب من ورائه فشيء لا حقيقة له، وأكثر ذلك من خرافات أهل الكتاب، واختلاق زنادقتهم وكذبهم.

وقوله: وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ أي: رأى الشمس في منظره تغرب في البحر المحيط، وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله، يراها كأنها تغرب فيه، وهي لا تفارق الفلك الرابع الذي هي مثبتة فيه لا تفارقه.

العين تطلق على ينبوع الماء في اللغة، والينبوع هو الماء الكثير، ومن ثم قال بعض أهل العلم: يصح إطلاقه على البحر بهذا الاعتبار، أي الماء الكثير، وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وإذا قلنا: بمعنى حارة، أو بمعنى حمئة أي متغيرة كما سيأتي، قالوا: فإن قاع البحر متغير وأسود، فلما وصل إلى أقصى المغرب فإن وراءه البحر المحيط، محيط الأطلسي، فالذي يقف على شاطئ البحر يرى الشمس إذا غابت كأنها تقع في البحر، فمن فسره بالبحر -كما قال ابن كثير هنا- قال: هذا هو المراد، وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ، وصل إلى نهاية اليابسة في الغرب فوقف على البحر فرأى الشمس وهي تغرب كأنها تقع في هذا البحر.

ومن فسره بما هو أخص من هذا أن العين هي ينبوع الماء المعروف، وليس المقصود أن جرم الشمس يقع في هذا المكان، وإنما ما يراه الناظر في الماء من انعكاس صورة الشمس، لكن هذا قد يرد عليه شيء من الإشكال، إلا إن كان شيئاً كثيراً بحيث يقف الإنسان دونه فيرى الشمس وهي تغرب كأنها تنزل فيه، أما من يقف على عين ليست بكثيرة المياه فإنه قد لا يرى مثل هذا، الشمس تغرب بعد ذلك، لقرب اليابسة بعدها، وبعضهم يقول غير هذا.

ولكن ليس المقصود في هذه الأقوال جميعاً أن نفس الشمس تنزل في هذه العين حقيقة؛ لأن الشمس كما هو معروف تجري وتدور، فإذا غابت من جهة الغرب ظهرت على الجهة الأخرى وهكذا، ثم ترجع، وتدور، والشمس تجري لمستقر لها، ولهذا يقول ابن كثير -رحمه الله: انتهى إلى ساحله، كأنها تغرب فيه وهي لا تفارق الفلك الرابع الذي هي مثبتة فيه، لا تفارقه، بمعنى أنها في منزلتها في السماء، ما تنزل عنها ثم تنحدر وتقع في العين أو في البحر، وإنما هي في نفس مستوى الارتفاع، لكن يراها الناظر من بعيد كأنها نزلت في الماء، كأنها نزلت في البحر إذا وقف الإنسان على الشاطئ، هذا المقصود مما يتناهى عنده النظر، والأرض كروية فإذا ذهبت الشمس من الناحية الأخرى يراها الإنسان كأنها تنزل في الماء.

والحمِئة مشتقة -على إحدى القراءتين- من "الحَمَأة" وهو الطين، كما قال تعالى: إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ.

يعني وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ، أي: طين، الطين المتغير، متغير اللون ومتغير الرائحة يقال له ذلك، وهناك قراءة متواترة قرأ بها ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي حامية، وقرأ الآخرون بـحَمِئَةٍ، وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ أي: منتنة متغيرة، والقراءة الأخرى وجدها تغرب في عين حامية يعني: حارة، وإذا كان للآية قراءتان وكل ذلك يرجع إلى ذات واحدة فإن هذا يكون من باب الزيادة في صفة تلك الذات، هنا ذات واحدة وهي العين، تارة قال: حَمِئَةٍ، وفي القراءة الأخرى: حامية، وتنوع القراءات ينزل منزلة تعدد الآيات.

فإن كان ذلك يعود إلى ذات واحدة فهو من باب الزيادة في الصفة لها، أو الحكم لهذه الذات، كما قال الله في حكم الأرجل في الطهارة في الوضوء: وَامْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ [سورة المائدة:6]، وفي القراءة الأخرى وَأَرْجُلَكُمْ، فهنا القراءتان تعودان إلى ذات واحدة وهي الرِّجل، فهذا من باب الزيادة في الحكم أو الصفة لهذه الذات، فالرِّجل تارة تكون ممسوحة، وتارة تكون مغسولة، فقراءة المسح –أي بالجر- إذا كان على الرجل الجورب أو نحو هذا، وقراءة النصب تكون إذا كانت الرجل مجردة من ذلك، يعني تدل على حكم الغسل.

وهكذا في قوله -تبارك وتعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ[سورة البقرة:222]، وفي القراءة الأخرى بالتشديد وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يطَّهرن، يعني يتطهرن، فدلت القراءة الأولى يَطْهُرْنَ على انقطاع الدم، ودلت القراءة الثانية على الاغتسال، وكل ذلك يرجع إلى ذات واحدة وهي المرأة، فيكون من باب زيادة الحكم لهذه الذات، فهنا نفس الشيء، حَمِئَةٍ وحامية، فكل هذه الأوصاف حاصلة فيها، وقراءة حَمِئَةٍ هي التي نقرأ بها وهي قراءة أهل المدينة، وبها قرأ أبو عمرو وابن كثير وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي، قراءة حفص عن عاصم وغير هؤلاء السبعة وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ مثل القراءة التي نقرأ بها.

كما قال تعالى: إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ [سورة الحجر:28] أي: طين أملس. وقد تقدم بيانه.

وقوله: وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا أي: أمة من الأمم، ذكروا أنها كانت أمة عظيمة من بني آدم.

وقوله: قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا.

أمة عظيمة: هذا كله مُتلقى عن بني إسرائيل، لكن يمكن أن يؤخذ هذا من جهة اللفظ، لكنه لا يقطع به؛ لأن التنكير أحياناً يكون للتعظيم، أحياناً، كقوله تعالى مثلا: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [سورة الصف:10]، أي تجارة عظيمة، وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ [سورة الصف:13] أي: نصر عظيم من الله، وتارة يدل على التحقير، التنكير أحياناً يدل على التحقير، وتارة لا يدل على هذا ولا هذا، وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى [سورة القصص:20] جاء رجل، والبعض قد يتكلف في هذا فيقول: وَجَاء رَجُلٌ أي: رجل عظيم، مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى، ولا حاجة لمثل هذا، إنما هو إخبار أن رجلاً جاء من أقصى المدينة يقول كذا وكذا.

وقوله: قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا معنى هذا: أن الله تعالى مكنه منهم وحكّمه فيهم، وأظفره بهم وخيّره: إن شاء قتل وسبى، وإن شاء منّ أو فدى، فعرف عدله وإيمانه فيما أبداه عدله وبيانه.

في قوله: أَمَّا مَنْ ظَلَمَ أي: من استمر على كفره وشركه بربه فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ قال قتادة: بالقتل.

وقوله: ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا أي: شديدًا بليغًا وجيعًا أليمًا، وفيه إثبات المعاد والجزاء.

كأنه فهم أنه يعذب بالقتل لأنه ذكر بعده: ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ، ولكن هذا ليس بلازم، ولا يدل على القتل قطعاً، قد يعذبه ثم يرد، فإن"ثم" تدل على التعقيب والتراخي، يعذب بعد ذلك لمّا يموت يرد إلى ربه، لكن لو أنه قال مثلاً: فسوف نعذبه فيرد إلى ربه، كان هذا أقرب وإن كانت أيضاً هذه ليست بقاطعة، فالفاء للتعقيب المباشر، ويمكن أن يقال أيضاً: إن تعقيب كل شيء بحسبه، وسبق الإشارة إلى هذا، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً[سورة المؤمنون:14]، مع أن بينهما أربعين يوماً، أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا [سورة الرعد:17]، فلا تسيل الأودية بمجرد نزول المطر، وإنما حتى يجتمع الكثير منه فتسيل الأودية؛ لأنه يحتاج وقتاً، وهكذا فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً [سورة الحج:63] يحتاج إلى وقت أيضاً.

وقوله: وَأَمَّا مَنْ آمَنَ أي: تابعنا على ما ندعوه إليه من عبادة الله وحده لا شريك له فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى أي: في الدار الآخرة عند الله ، وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا قال مجاهد: معروفًا.

بعضهم يقرأ فله جزاءُ الحسنى من غير تنوين وبالرفع، أي: جزاءُ الخصلة الحسنى أو الفعلة الحسنى، وتكون الإضافة هنا مثل دار الآخرة، تكون من باب إضافة الموصوف إلى صفته، جزاءُ الحسنى، وتكون الحسنى من باب الصفة، لكن على قراءة التنوين فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى، فهنا قطع عن الإضافة، وتكون الْحُسْنَى أي الجنة، جَزَاءً الْحُسْنَى أي: في الدار الآخرة عند الله ، والقراءتان متواترتان.

وقوله: وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًاقال مجاهد: معروفاً، وهذا تقريب للمعنى، وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا أي القول الحسن الطيب الذي يوصف بذلك، وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا [سورة الإسراء:23] يعني: الكلام الذي يحصل به إبهاج النفوس وإسعادها، فيكون محبباً إليها.

قول تعالى: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ۝ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا ۝ كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا [سورة الكهف:89-91].

يقول تعالى: ثم سلك طريقًا فسار من مغرب الشمس إلى مطلعها، وكان كلما مرّ بأمة قهرهم وغلبهم ودعاهم إلى الله ، فإن أطاعوه وإلا أذلهم وأرغم آنافهم، واستباح أموالهم، وأمتعتهم، واستخدم من كل أمة ما يستعين به مع جيوشه على قتال الإقليم المتاخم لهم، ولما انتهى إلى مطلع الشمس من الأرض كما قال الله تعالى: وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ أي: أمة، لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا أي: ليس لهم بناءٌ يكنّهم، ولا أشجار تظلهم وتسترهم من حر الشمس.

وقال قتادة: ذكر لنا بأنهم بأرض لا تُنبت لهم شيئاً، فهم إذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب، حتى إذا زالت الشمس خرجوا إلى حروثهم ومعايشهم.

وقوله: كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا قال مجاهد، والسدي: علمًا، أي: نحن مطلعون على جميع أحواله وأحوال جيشه، لا يخفى علينا منها شيء، وإن تفرقت أممهم وتقطعت بهم الأرض، فإنه تعالى: لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ.

وقوله: كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ يعني بما هنالك مما وصل إليه من مطلع الشمس، من أحول تلك الناحية، أولئك القوم، بما عنده مطلع الشمس، يعني لا يخفى علينا مما هنالك من الخلق وأحوالهم، يعني لمّا وصل إلى مطلع الشمس وجد عندها قوماً لم يجعل الله ما يكنّهم ويسترهم، فالله -تبارك وتعالى- يقول: كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا، يعني أحطنا بما هنالك بما لديه مما وصل إليه من هؤلاء الناس ومحالهم أن الله أحاط بهم، ولا يخفى عليه من خلقه خافية.

والآية إذا كانت تحتمل معنيين أو أكثر ولا يوجد ما يمنع من حمل الآية على هذه المعاني فيمكن أن تحمل الآية عليها جميعاً، أحاط بما لديه: بما عنده، بأحواله كلها، وبأحوال الخلق جميعاً، وأولئك الذين وصل إليهم، تلك المحال البعيدة الله -تبارك وتعالى- عالم بهم، وهو الذي أحاط علمه بكل شيء، وجائز أن يكون لما أعطاه الله من كل شيء سبباً، هذه القُدر والإمكانات أن يكون حينما وصل إلى أقصى الغرب أنه طاف في الأرض من الناحية الثانية حتى وصل إلى المشرق، وجائز أن يكون قد رجع حتى وصل إلى مشرقها، فإن الله أخبر أنه قد أعطاه من كل شيء سبباً، يحتمل هذا، والعلم عند الله .

ولا يوجد ما يمنع من ذلك، إذا كان أعطاه الله من كل شيء سبباً فهو عنده معرفة بالطرق، وعنده من الإمكانات ما يوصله إلى مطلوبه، ونحن لا نقيس الناس على ما نتصور أو نتخيل قبل ثلاثمائة سنة، أو أربعمائة سنة، أو خمسمائة سنة من مراكب الناس البسيطة وإمكاناتهم وعلومهم، وأنهم لم يكتشفوا كذا إلا سنة كذا، هذا الكلام فيه نظر، يعني الأهرام التي تحير فيها العلماء، وكثير منهم يقول: إنها كانت قبل الطوفان؛ لأنها لو كانت بعد الطوفان لكان عندنا من الخبر بمن بناها، تواتر ذلك وعرف.

فالشاهد أنها بهذه الطريقة إلى الآن والناس يتحيرون بها، ويعجبون منها، ومما فيها ومن طريقة بنائها، يعني ممكن أن تبنى هذه بدون معرفة وبدون آلات، وإذا نظرت إلى آثار الممالك المشيدة وما وصف من أرض عاد التي قال الله فيها: الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ [سورة الفجر:8]، حتى قال بعض المفسرين: بنوا مدينة لبنة من ذهب ولبنة من فضة ونحو ذلك، قد لا يكون هذا كذلك، لكن الله حينما وصفها بهذه الصفة الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ، وبقايا وآثار وأشياء لا زال بعضها إلى اليوم، آبار قريبة من أطراف الجزيرة العربية، آبار منحوتة نحتاً دقيقاً في مناطق صخرية عميقة في غاية العمق، حتى إن بعضهم يقول: إن هذا مما حفرته الجن لسليمان -عليه الصلاة والسلام، فالله أعلم.

فالشاهد هناك إمكانات وأشياء، ديار ثمود انظر إلى الآن بقية تلك الديار، كيف نقروا الجبال ونحتوها، ولم يكتفوا بهذا بل زينوها غاية التزيين، وجعلوا عليها من الصور والرسوم والملاسة وما أشبه ذلك حتى صارت كأنها مصنوعة إلى اليوم باقية إلى هذا العصر، والناس لا يفعلون هذا في عصرنا هذا، لا يفعلون في بيوت كل واحد منهم، فمعنى هذا أن عندهم إمكانات قوية، يعني قد يفعل هذا في مكان، يفعله واحد ملِك لأمر من الأمور، لكن بيت كل واحد بهذه الطريقة، وبهذا النقش، والناس يطيقون؟ لا يطيقون هذا.

مواد ذات صلة