الإثنين 13 / ذو الحجة / 1441 - 03 / أغسطس 2020
[8] من قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ} الآية 105 إلى قوله تعالى: {وَقُل رّبّ زِدْنِي عِلْماً} الآية 114
تاريخ النشر: ٢٩ / ربيع الآخر / ١٤٢٩
التحميل: 4664
مرات الإستماع: 97251

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المصنف -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى:

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبّي نَسْفاً ۝ فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً ۝ لاّ تَرَىَ فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً ۝ يَوْمَئِذٍ يَتّبِعُونَ الدّاعِيَ لاَ عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ لِلرّحْمَنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاّ هَمْساً [سورة طه:105-108].

يقول تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ، أي: هل تبقى يوم القيامة أو تزول؟ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبّي نَسْفاً، أي: يذهبها عن أماكنها ويمحقها ويسيرها تسييراً، فَيَذَرُهَا، أي: الأرض، لاّ تَرَىَ فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً، أي: لا ترى في الأرض يومئذ وادياً ولا رابية، ولا مكاناً منخفضاً ولا مرتفعاً، كذا قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن البصري والضحاك وقتادة وغير واحد من السلف.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى: هَبَاء مُّنبَثًّا [سورة الواقعة:6]، والهباء ما تعرفون مما يشاهد من الكوة أو النافذة إذا دخلت الشمس مما يتطاير في الهواء، فالله تعالى أخبر عن حال الجبال؛ لأنها تكون كالعهن المنفوش، وكالهباء، فهي تتفتت ويذريها الله تذرية فتقلع من أماكنها وتستأصل من أصولها وتدك وتصير إلى تلك الحال.

وقوله -تبارك وتعالى: مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ [سورة فاطر:45]، يعني: الأرض، مع أن الأرض لم يرد لها ذكر قبل ذلك، وهكذا في قوله: مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ[سورة النحل:61]، وكقوله -تبارك وتعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [سورة القدر:1]، يعني: القرآن، ولم يرد للقرآن ذكر قبل هذا؛ لأنها الآية الأولى.

وقوله -تبارك وتعالى: فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً يقول الحافظ -رحمه الله: "أي بساطاً واحداً، والقاع هو المستوي من الأرض، والصفصف تأكيد لمعنى ذلك"، ومعلوم أن التأسيس مقدم على التوكيد، ولهذا فإن الكثيرين من أهل العلم يقولون بأن الصفصف ليس معناه القاع، يقول: وقيل الذي لا نبات فيه، يعني: فَيَذَرُهَا قَاعاً يعني: مستوية لا نبات فيها، صَفْصَفاً، أي: لا نبات فيها، مع أن ابن كثير -رحمه الله- رجح الأول قال: "وإن كان الآخر مراداً أيضاً باللازم"، لأنها إذا كانت مستوية فمعنى ذلك أنك لا ترى فيها شيئاً مرتفعاً لا نباتاً، ولا جماداً، فيلزم منه القول بأنه لا نبات فيها، فالقولان متلازمان.

وقوله: فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً ۝ لاّ تَرَىَ فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً، يقول هنا: "لا ترى في الأرض يومئذ وادياً ولا رابية"، بمعنى أن العوج هو الوادي، يعني العوج هو المكان المنخفض، والأمْت هو المكان المرتفع ارتفاعاً يسيراً، ولهذا ما قال: جبلاً، يقول: "ولا مكاناً منخفضاً ولا مرتفعاً، كذا قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد إلى آخره".

وبعضهم يقول كابن الأعرابي: العوج من التعوج، بمعنى أنك في الأرض تجد فيها ما تجد من البحر الذي يحد اليابسة، كما تجد فيها المسالك حينما يمشي الإنسان فيها ما يميل معه في طريقه، لأسباب معروفة، من تضاريس الأرض، أما الأرض التي تكون آنذاك فإنها في غاية الاستواء لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا، فالأمت هي التلال الصغار كما يفسرها بذلك ابن الأعرابي -رحمه الله، وكلام أهل العلم كثير في معنى قوله -تبارك وتعالى: لاّ تَرَىَ فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً، لكن ذلك يرجع إلى معنى أنها في غاية الاستواء، فلا ترى فيها تبايناً من ارتفاع أو انخفاض أياً كان سبب ذلك.

بعض هذه التفاسير هي من قبيل التفسير باللازم، وبعضهم يشير إلى معنى وهو: أن هذا الاستواء يكون في غاية الدقة لاّ تَرَىَ فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً، بعضهم يفرق بين العِوج بالكسر والعَوج بالفتح، يقولون: العِوج يكون في النظر والرأي والمعاني، وأما العَوج فيكون في الأشياء المحسوسة، وهنا قال: لاّ تَرَىَ فِيهَا عِوَجاً، وأجابوا عن هذا فقالوا: إن الإنسان حينما يسوي الأرض قد تبدو للنظر أنها مستوية ولكن عند القياس وفي نظر أهل المساحة أو الهندسة يوجد فيها بعض الميل أو الانخفاض أو الارتفاع أو نحو ذلك مما لا يبدو للنظر، فيخطئ النظر حيث يظن أنها مستوية وليست كذلك، فعُبر بالعِوج لاّ تَرَىَ فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً، هكذا قال بعضهم.

والمقصود -والله تعالى أعلم- أن الأرض تكون في غاية الاستواء.

يَوْمَئِذٍ يَتّبِعُونَ الدّاعِيَ لاَ عِوَجَ لَهُ، أي: يوم يرون هذه الأحوال والأهوال يستجيبون مسارعين إلى الداعي حيثما أُمروا بادروا إليه، ولو كان هذا في الدنيا لكان أنفع لهم ولكن حيث لا ينفعهم، كما قال تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا[مريم: 38]، وقال: مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ[القمر:8].

يَوْمَئِذٍ يَتّبِعُونَ الدّاعِيَ، يعني: الذي يدعوهم بعد خروجهم من قبورهم فينفخ في الصور، يَوْمَئِذٍ يَتّبِعُونَ الدّاعِيَ لاَ عِوَجَ لَهُ، يقول هنا: "أي يوم يرون هذه الأهوال يستجيبون مسارعين إلى الداعي حيثما أمروا بادروا إليه"، بمعنى أنهم يكونون في غاية الإقبال، والاستجابة كما قال الله تعالى: مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ، لاَ عِوَجَ لَهُ بمعنى أنهم لا معدل لهم عن دعائه فلا يقدرون على أن يزيغوا عنه أو ينحرفوا منه، يتبعون الداعي لا عوج له، وإنما هم في غاية الإقبال عليه والاستجابة.

قال الشنقيطي -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى: لا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً: "أي: لا اعوجاج فيها ولا أمت، والأمت: النتوء اليسير، أي: ليس فيها اعوجاج ولا ارتفاع بعضها على بعض، بل هي مستوية، ومن إطلاق الأمت بالمعنى المذكور قول لبيد:

فاجرمَّزت ثم سارت وهي لاهية في كافر ما به أمت ولا شرف

وقول الآخر:

فأبصرت لمحة من رأس عكرشة في كافر ما به أمت ولا عوج

والكافر في البيتين: قيل الليل، وقيل المطر؛ لأنه يمنع العين من رؤية الارتفاع والانحدار في الأرض.

وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة: فإن قلت: قد فرقوا بين العِوج والعَوج فقالوا: العِوج بالكسر في المعاني والعَوج بالفتح في الأعيان، والأرض عين، فكيف صحّ فيها المكسور العين؟

قلت: اختيار هذا اللفظ له موقع حسن بديع في وصف الأرض بالاستواء والمَلاسة، ونفي الاعوجاج عنها على أبلغ ما يكون، وذلك أنك لو عمدت إلى قطعة أرض فسويتها، وبالغت في التسوية على عينك وعيون البصراء من الفلاحة، واتفقتم على أنه لم يبق فيها اعوجاج قط، ثم استطلعت رأي المهندس فيها، وأمرته أن يعرض استواءها على المقاييس الهندسية لعثر فيها على عوج في غير موضع لا يدرك ذلك بحاسة البصر، ولكن بالقياس الهندسي، فنفى الله ذلك العوج الذي دق ولطف عن الإدراك، اللهم إلا بالقياس الذي يعرفه صاحب التقدير والهندسة، وذلك الاعوجاج لما لم يدرك إلا بالقياس دون الإحساس لحق بالمعاني فقيل فيه: عِوج بالكسر، والأمت: النتوء اليسير، يقال: مد حبله حتى ما فيه أمت. انتهى منه، وقد قدّمنا في أول سورة الكهف ما يغني عن هذا الكلام الذي ذكره، والعلم عند الله تعالى"[1].

وقال -رحمه الله: "قوله: يَوْمَئِذٍ أي: يوم إذ نسفت الجبال يتبعون الداعي، والداعي: هو الملَك الذي يدعوهم إلى الحضور للحساب، قال بعض أهل العلم: يناديهم أيتها العظام النخرة، والأوصال المتفرقة، واللحوم المتمزقة، قومي إلى ربك للحساب والجزاء، فيسمعون الصوت ويتبعونه.

 ومعنى لا عِوَجَ لَهُ، أي: لا يحيدون عنه، ولا يميلون يميناً ولا شمالاً، وقيل: لا عوج لدعاء الملَك عن أحد، أي: لا يعدل بدعائه عن أحد، بل يدعوهم جميعاً، وما ذكره -جل وعلا- في هذه الآية الكريمة من اتباعهم للداعي للحساب، وعدم عدولهم عنه بيّنه في غير هذا الموضع، وزاد أنهم يسرعون إليه كقوله تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ ۝ خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ۝ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ [سورة القمر:6-8]، والإهطاع: الإسراع.

وقوله تعالى: وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ۝ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ [سورة ق:41-42]، وقوله تعالى: يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ [سورة الإسرء:52]، الآية، إلى غير ذلك من الآيات"[2].

وقال ابن القيم -رحمه الله: "قول الله -تعالى ذكره: يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ، أي: يقبلون من كل أوب إلى صوته وناحيته لا يعرجون عنه.

قال الفراء: وهذا كما تقول: دعوتك دعوة لا عوج لك عنها، وقال الزجاج: المعنى لا عوج لهم عن دعائه، أي: لا يقدرون إلا على اتباعه وقصده، فإن قلت: إذا كان المعنى لا عوج لهم عن دعوتي فكيف قال: لَا عِوَجَ لَهُ؟ قيل: قالت طائفة: اللام بمعنى عن، أي: لا عوج عنه، وقالت طائفة: المعنى لا عوج لهم عن دعائي كما قال الزجاج، وفي القولين تكلف ظاهر ولما كانت الدعوة تُسمع الجميعَ لا تعوج عنهم وكلهم يؤم صوت الداعي ويتبعه لا يعوج عنه كان مجيء اللام منتظماً للمعنيين ودالاً عليهما، والمعنى لا عوج لدعائه لا في إسماعهم إياه، ولا في إجابتهم له"[3].

وقوله: لَا عِوَجَ لَهُ لا عوج لدعائه فيصل إلى الجميع، ولا عوج لهم عن دعائه فيستجيب له الجميع.

وقوله: وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ لِلرّحْمَنِ قال ابن عباس: سكنت، وكذا قال السُدي فَلاَ تَسْمَعُ إِلاّ هَمْساً قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: يعني وطء الأقدام، وكذا قال عكرمة ومجاهد والضحاك والربيع بن أنس وقتادة وابن زيد وغيرهم.

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -ا: فَلاَ تَسْمَعُ إِلاّ هَمْساً الصوت الخفي، وهو رواية عن عكرمة والضحاك، وقال سعيد بن جبير فَلاَ تَسْمَعُ إِلاّ هَمْساً الحديث وسرّه، ووطء الأقدام.

يقال للصوت الخفيف همس، ولهذا يقال لصوت وطء الأقدام: همس، ويقال: للأسد الهموس؛ لأنه إذا مشى في الليل يمشي مشياً خفيفاً، تصور عند هدئة الأصوات، وسكون الناس حينما لا تسمع إلا صوت أقدام، ولهذا يقولون لصوت الأقدام أو لصوت خفاف الإبل وهي تمشي: همس، وصوت خفاف الإبل أو صوت المشي الخفيف الذي يظهر معه صوت وقع الأقدام لا شك أنه صوت يسير، يصح إطلاق الهمس عليه، كما يطلق أيضاً على الصوت الخفيف، حينما يتكلم الإنسان بصوت يسمعه من يلاصقه، تقول: همس في أذنه، يهمس، فَلاَ تَسْمَعُ إِلاّ هَمْساً بعضهم يقول: وقع الأقدام على الأرض، يمشون، يتبعون الداعي، وقال: "الحديث وسرّه، ووطء الأقدام"، قاله سعيد بن جبير -رحمه الله.

يَوْمَئِذٍ لاّ تَنفَعُ الشّفَاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً ۝ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ۝ وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيّ الْقَيّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً ۝ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً[سورة طه:109-112].

يقول تعالى: يَوْمَئِذٍ، أي: يوم القيامة، لاّ تَنفَعُ الشّفَاعَةُ، أي: عنده، إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً، كقوله: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [سورة البقرة:255]، وقوله: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [سورة النجم:26].

وقال: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ[سورة الأنبياء:28]، وقال: وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سورة سبأ:23]، وقال: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً [سورة النبأ:38].

وفي الصحيحين من غير وجه عن رسول الله ﷺ وهو سيد ولد آدم، وأكرم الخلائق على الله أنه قال: آتي تحت العرش، وأخر لله ساجداً، ويفتح عليّ بمحامد لا أحصيها الآن، فيدعني ما شاء أن يدعني، ثم يقول: يا محمد، ارفع رأسك، وقل تسمع، واشفع تشفع فيحد لي حداً، فأدخلهم الجنة ثم أعود فذكر أربع مرات[4]، -صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء، وفي الحديث أيضاً: يقول تعالى: أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقول: أخرجوا من النار من كان في قلبه نصف مثقال من إيمان، أخرجوا من النار من كان في قلبه ما يزن ذرة، من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان[5] الحديث.

وقوله: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ، أي: يحيط علماً بالخلائق كلهم وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً، كقوله: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ[البقرة: 255]، وقوله: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيّ الْقَيّومِ قال ابن عباس -ا- وغير واحد: خضعت وذلت واستسلمت الخلائق لجبارها الحي الذي لا يموت، القيوم الذي لا ينام، وهو قيم على كل شيء يدبره ويحفظه، فهو الكامل في نفسه، الذي كل شيء فقير إليه لا قوام له إلا به.

قوله -تبارك وتعالى: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ، ما بين أيديهم مما يستقبل من أمر الساعة، وما خلفهم ما تركوه ورائهم من أمر الدنيا، والكلام على قوله تعالى: لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا [سورة مريم:64]، وهناك من قال من أهل العلم أقوالاً غير هذا أيضاً، بعضهم يقول: ما بقي من الدنيا، وبعضهم يقول: البرزخ، لكن الفرق بين المقامين أن هذا قاله الله في الآخرة، وذاك في الدنيا، ويَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ يعني من أمر الدنيا والآخرة، أي يحيط علماً بالخلائق كلهم.

بعضهم يقول: إن المراد بقوله: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ الضمير يرجع إلى الذين يتبعون الداعي، يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا، يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ ثم قال: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ قال: "أي يحيط علماً بالخلائق كلهم"، وبعضهم يقول بأن الضمير يرجع إلى الملائكة، وهذا بعيد، قال: "وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا، كقوله: وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء". 

وقال بعضهم قوله: وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ مع قوله هنا: وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا، قيل: الضمير يرجع إلى الله -تبارك وتعالى، وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ، أي: بالله، بذاته، وأسمائه وصفاته، والقول الآخر: وَلَا يُحِيطُونَ بِهِأن الضمير يرجع إلى ما سبق من علم ما بين أيديهم وما خلفهم، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا، أي: بعلم ذلك، أو: ولا يحيطون بذلك علماً، فهذان قولان، وبين هذين القولين ملازمة، فإذا كانوا لا يحيطون بعلم ما بين أيديهم وما خلفهم فإن كونهم لا يحيطون بالله -تبارك وتعالى- وذاته وأسمائه وصفاته وعلمه من باب أولى، وإذا كان الضمير يرجع إلى الله -تبارك وتعالى- لا يحيطون به ولا بذاته ولا بأسمائه ولا علمه فإن ذلك يتضمن علم ما بين أيديهم وما خلفهم؛ لأنه بعض من علم الله -، فمثل هذا لا يحتاج معه إلى ترجيح.

وقوله: وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً، أي: يوم القيامة، فإن الله سيؤدي كل حق إلى صاحبه حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء، وفي الحديث: يقول الله : وعزتي وجلالي لا يجاوزني اليوم ظلم ظالم[6]، وفي الصحيح: إياكم والظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة[7]، والخيبة كل الخيبة من لقي الله وهو به مشرك، فإن الله تعالى يقول:إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [سورة لقمان:13].

ظاهر كلام ابن كثير هو الذي ذهب إليه كثير من المفسرين، أن المقصود بالظلم هو الظلم الأكبر الذي هو الإشراك إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ، وقوله -تبارك وتعالى: الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ [سورة الأنعام:82]، فسرها النبي ﷺ بالشرك بآية لقمان.

وبعض أهل العلم رأى أن الخيبة هنا بمعنى الخسارة المحققة وأن هذه الخسارة المحققة إنما تكون للكافرين، فتكون لهم النار، ولذلك حملوها على الإشراك وأنه الظلم الأعظم، وبعض أهل العلم يقول: إن الآية على ظاهرها وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً فالظلم يقع على الإشراك ويقع على ما دونه، والحكم المعلق على وصف يزيد بزيادته وينقص بنقصانه،فعلى قدر ما يكون له من الظلم يقع له من الخيبة.

وقوله: وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً، لما ذكر الظالمين ووعيدهم، ثنى بالمتقين وحكمهم، وهو أنهم لا يظلمون ولا يهضمون، أي: لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم، قاله ابن عباس -ا- ومجاهد والضحاك والحسن وقتادة وغير واحد، فالظلم الزيادة بأن يُحمَّل عليه ذنب غيره، والهضم النقص.

الهضم النقص، ولهذا يقال: هضْمُ الطعام بمعنى انتقاصه، وذلك لما يقع لهذا الطعام، فيقال فلان هضم الطعام، يهضم الطعام، بمعنى هضم الطعام فلا يبقى ثقله على المعدة، فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً هنا ذكر تفسير الظلم بأنه يزاد في سيئاته أو يحمل سيئات الآخرين، وهكذا قول من قال بأن الظلم بمعنى أنه لا يذهب حقه بالكلية، والهضم بمعنى أنه لا ينقص، فمعنى ذلك أنه يأخذ أجره وافياً لا يمنع من حقه، فيكون هذا هو الظلم، ولا ينقص منه فهذا هو الهضم، وكذلك أيضاً لا يُحمَّل سيئات غيره، والحاصل أنه لا يحصل له ظلم بتحمله تبعة عمل غيره ولا يد له فيه، ولا يمنع من حقه بالكلية كما أنه لا يحصل له نقص في أجره وثوابه عند الله -تبارك وتعالى.

وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلّهُمْ يَتّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً ۝ فَتَعَالَىَ اللّهُ الْمَلِكُ الْحَقّ وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَىَ إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رّبّ زِدْنِي عِلْماً[سورة طه:113، 114]

يقول تعالى: ولما كان يوم المعاد والجزاء بالخير والشر واقعاً لا محالة أنزلنا القرآن بشيراً ونذيراً بلسان عربي مبين فصيح لا لبس فيه ولا عيّ، وَصَرّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلّهُمْ يَتّقُونَ أي: يتركون المآثم والمحارم والفواحش، أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً وهو إيجاد الطاعة وفعل القربات.

يُفسر الذكر بالطاعة والقربات، فالذكر يقال للذكر باللسان، والذكر بالقلب، واستحضار عظمة الله ومراقبته، ويقال أيضاً للذكر بالجوارح، والقيام بوظائف العبودية، بعض أهل العلم يفسر قوله: أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً، أي: اتعاظاً واعتباراً، وهذا قال به جمع من أهل العلم، وهو اختيار ابن جرير -رحمه الله، وعلى هذا يكون تفسير من فسره -كالحافظ ابن كثير- بأنه فعل القربات والطاعات من باب الأثر واللازم، فإذا حصل للإنسان الاتعاظ والاعتبار بالقرآن فإن ذلك هو السبيل، أو أن هذا يقتضي العمل والطاعة، والتقرب إلى الله -تبارك وتعالى، فإن الغفلة هي التي تحول بين الإنسان وبين الامتثال.

وبعضهم فسر الذكر بالشرف كما قال بعضهم في قوله -تبارك وتعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ [سورة الزخرف:44]،أي: شرف، والأكثر في استعمال الذكر في القرآن أن المقصود به التذكر؛ وذلك بالاتعاظ والاعتبار، وطرد الغفلة، هذا هو الغالب في القرآن.

فَتَعَالَىَ اللّهُ الْمَلِكُ الْحَقّ، أي: تنزه وتقدس الملك الحق الذي هو حق، ووعده حق، ووعيده حق ورسله حق، والجنة حق والنار حق، وكل شيء منه حق، وعدله تعالى أن لا يعذب أحداً قبل الإنذار وبعثة الرسل، والإعذار إلى خلقه؛ لئلا يبقى لأحد حجة ولا شبهة.

وقوله: وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ، كقوله تعالى في سورة لا أقسم بيوم القيامة:لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ  بِهِ ۝ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، أي: أن نجمعه في صدرك، ثم تقرأه على الناس من غير أن تنسى منه شيئاً، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ۝ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ.

وثبت في الصحيح عن ابن عباس -ا- أن رسول الله ﷺ، كان يعالج من الوحي شدة، فكان مما يحرك به لسانه، فأنزل الله هذه الآية، يعني أنه كان إذا جاءه جبريل بالوحي، كلما قال جبريل آية قالها معه من شدة حرصه على حفظ القرآن، فأرشده الله تعالى إلى ما هو الأسهل والأخف في حقه؛ لئلا يشق عليه، فقال: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ  بِهِ ۝ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، أي: أن نجمعه في صدرك، ثم تقرأه على الناس من غير أن تنسى منه شيئاً، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ۝ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ، وقال في هذه الآية: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ، أي: بل أنصت، فإذا فرغ الملَك من قراءته عليك فاقرأه بعده، وَقُل رّبّ زِدْنِي عِلْماً، أي: زدني منك علماً، قال ابن عيينة -رحمه الله: ولم يزل ﷺ في زيادة حتى توفاه الله .

قوله -تبارك وتعالى: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ، هذا المعنى الذي ذكره الحافظ ابن كثير -رحمه الله- حيث فسره بقوله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ۝ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، والحديث في سبب نزولها هو الأقرب -والله تعالى أعلم.

ومن أهل العلم من فسره بغير هذا، فابن جرير -رحمه الله: يرى أن المعنى وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ، أي: في إقرائه لأصحابك، وإملائه عليهم مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ، أي: قبل أن نفُهمك ونبين لك معانيه حتى تفهمه، فلا تعجل بإقرائهم وإملائه عليهم، وتفسيرها بما ذكره الحافظ ابن كثير -رحمه الله- أولى للحديث وللآية الأخرى، لأنه تفسير لها بالقرآن، تفسير القرآن بالقرآن أقرب وأولى، وكذلك أيضاً هو تفسير بالسنة، وسبب النزول -كما هو معلوم- من فوائده أنه يبين ويجلي المعنى، والله تعالى أعلم.

  1. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، للعلامة الشنقيطي (4/ 99).
  2. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، للعلامة الشنقيطي (4/ 100).
  3. التبيان في أقسام القرآن، للإمام ابن القيم الجوزيه (124).
  4. رواه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [سورة ص:75]، برقم (6975)، عن أنس بلفظ قال فيه: فأنطلق فأستأذن على ربي فيؤذن لي عليه، فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال لي ارفع محمد، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأحمد ربي بمحامد علمنيها، ثم أشفع، فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة، ثم أرجع فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال: ارفع محمد، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأحمد ربي بمحامد علمنيها ربي، ثم أشفع، فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة، ثم أرجع فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال: ارفع محمد، قل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأحمد ربي بمحامد علمنيها، ثم أشفع، فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة، ثم أرجع فأقول: يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود، ومسلم، كتاب الإيمان، باب أدني أهل الجنة منزلة فيها، برقم (193).
  5. رواه الترمذي، كتاب صفة جهنم عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء أن للنار نفسين وما ذكر من يخرج من النار من أهل التوحيد، برقم (2593)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأحمد في المسند برقم (12772)، وقال محققوه: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وبرقم (13928)، وقال محققوه: إسناده صحيح على شرط الشيخين، والطبراني في المعجم الأوسط واللفظ له برقم (3976)، كلهم من حديث أنس ، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب برقم (3645).
  6. انظر: مسند الشاميين، لأبي القاسم الطبراني برقم (156).
  7. رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، برقم (2578)، من حديث جابر بن عبد الله -ا.

مواد ذات صلة