الثلاثاء 13 / ذو القعدة / 1445 - 21 / مايو 2024
[93] من قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ} الآية 214 إلى قوله تعالى: {وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} الآية 216
تاريخ النشر: ١٥ / صفر / ١٤٢٦
التحميل: 3855
مرات الإستماع: 2457

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله تعالى:

وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً [سورة البقرة:213]، قال: كانوا على الهدى جميعاً فبعث الله النبيين، فكان أول من بعث نوحاً .

وروى عبد الرزاق عن أبي هريرة في قوله: فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ... الآية.

قال: قال النبي ﷺ: نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولاً الجنة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، فغداً لليهود وبعد غد للنصارى [1].

وقال ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه في قوله: فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ...، فاختلفوا في يوم الجمعة، فاتخذ اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، فهدى الله أمة محمد ﷺ ليوم الجمعة، واختلفوا في القبلة، فاستقبلت النصارى المشرق، واليهود بيت المقدس، فهدى الله أمة محمد ﷺ للقبلة، واختلفوا في الصلاة، فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلي وهو يتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمة محمد ﷺ للحق من ذلك، واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم بعض النهار، ومنهم يصوم عن بعض الطعام، فهدى الله أمة محمد ﷺ للحق من ذلك، واختلفوا في إبراهيم ، فقالت اليهود كان يهودياً، وقالت النصارى كان نصرانياً، وجعله الله حنيفاً مسلماً، فهدى الله أمة محمد ﷺ للحق من ذلك.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله سبحانه: مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ [سورة البقرة:213] يعني الحجج الواضحات، والبراهين الساطعات.

بَغْيًا بَيْنَهُمْ أي: ما وقع الخلاف والشر بين الناس إلا بسبب تجاوزهم للحد وعدوانهم، وغالب الاختلاف بين الناس نتيجة للبغي أو الجهل بمسائل العلم والدين، ولو أنصف الناس من أنفسهم واتقوا الله ، وجعلوا العلم مطيتهم قاصدين منه الحق ليس غير؛ لاستراحوا من كثير من هذا الشر الملموس فيما بينهم.

فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ المعنى الذي ذكره الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في تفسير هذا المقطع معنى جامع لجميع أقوال المفسرين من السلف -، وهذا الأحسن في التفسير ألا يقتصر على جزء من المعنى، أو على مثال مما ذكره السلف، فالهداية لما اختلفوا فيه من الحق شملت كل الأبواب، هداهم إلى الدين الحق وهو الإسلام، وهداهم إلى الحق من أنبيائهم كعيسى ﷺ، وهداهم إلى الحق فيما يتعلق بالأزمان والأوقات، كرمضان، ويوم الجمعة وما أشبه ذلك، وهداهم إلى الحق في عباداتهم، وفي معاملاتهم، وفي كل شئونهم، فلا يختص بمعنى دون آخر.

قوله -تبارك وتعالى: فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ، هنا قد يرد سؤال، هداهم لما اختلفوا فيه، أو هداهم للحق الذي اختلفوا فيه؟ أو للحق فيما اختلف الناس فيه ممن قبلهم، ما هو المراد؟ بعض أهل العلم كابن كثير يرى أن الآية على ظاهرها، ولذا أورد النصوص بأن هذه الأمة مرحومة، وأن الله قد هداها في الأمور المذكورة وفي غيرها مما اختلف فيه الناس.

ومن أهل العلم من يقول: إن في الآية تقديماً وتأخيراً، والمعنى فهدى الله الذين آمنوا بالحق لما اختلف فيه اليهود والنصارى في الكتاب الذي أوتوه، وهو قول جماعة من أهل اللغة، واختاره كبير المفسرين ابن جرير الطبري -رحمه الله، والمعنى في هذا القول ظاهر، لكن الأصل أن الآية إذا احتملت القول بالقلب -كالتقديم والتأخير- فالأصل الترتيب إذا أمكن حملها على معنى صحيح، فلا حاجة للقول بالتقديم والتأخير، والله أعلم.

هم اختلفوا في عيسى ، فكذبت به اليهود وقالوا لأمه بهتاناً عظيماً، وجعلته النصارى إلهاً وولداً، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى الله أمة محمد ﷺ للحق من ذلك.

وقوله: بِإِذْنِهِ، أي: بعلمه بهم، وبما هداهم له، قاله ابن جرير.

فأهل الإسلام إنما صاروا مهتدين بعلم الله في تلك الأمور التي اختلف فيها من اختلف، ويحتمل أن يكون هداهم بعلمه يعني بحالهم، حين غرس الله فيهم من الصفات الخيرة ما يؤهلهم ليكونوا بها أمة وسطاً.

وبعض أهل العلم يقول: فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ أي: بأمره، ومنهم من صرح بخطأ المعنى الأول، والحقيقة أن المعنى الأول ليس ببعيد، بل هو مستلزم للمعنى الثاني، فإن الهداية تقع بإذن الله الكوني، هداهم كوناً، وهداهم ديناً، فكلا المعنيين قريب، وتفسر بهما هذه اللفظة من الآية، ولا شطط في ذلك، والله أعلم.

وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء أي: من خلقه، إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ أي: وله الحكم والحجة البالغة.

وفي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة -ا- أن رسول الله ﷺ كان إذا قام من الليل يصلي يقول: اللهم رب جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم[2].

لما اختلف فيه من الحق بإذنك كما جاء في تأويل الآية، أي: بعلمك أو بأمرك.

وفي الدعاء المأثور: (اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إماماً)[3].

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ [سورة البقرة:214].

يقول تعالى: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة، قبل أن تُبتلوا، وتختبروا، وتمتحنوا.

أم: المشهور أنها بمعنى بل في هذا الموضع من القرآن.

وبعض أهل العلم يقول: إن أم تأتي بمعنى همزة الاستفهام الاستنكاري "أحسبتم؟"، والمقصود أنه أنكر عليهم هذا الظن الذي قد يساور نفوسهم بأنهم يمكنهم السلامة والعافية من الابتلاء في الحياة الدنيا، ثم يعقبه النجاة لهم في الآخرة.

كما فعل بالذين من قبلكم من الأمم، ولهذا قال: وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء [سورة البقرة:214]، وهي الأمراض، والأسقام، والآلام، والمصائب، والنوائب.

قال ابن مسعود وابن عباس -، وأبو العالية، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ومرة الهمداني، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع، والسدي، ومقاتل بن حيان: البأساء: الفقر.

وقال ابن عباس -ا: والضراء: السقم.

من أهل العلم من خص كلاً من السراء والضراء بمعنى خاص، فجعل البأساء: بمعنى الحاجة والفقر والجوع والمسغبة، والضراء: بمعنى ما يعتور الأبدان مما يختل به مزاجه من المرض وما أشبه ذلك، فتطلق البأساء على ما يتعلق بجانب الفقر، والضراء على ما يتعلق بجانب المرض، وهذا التفريق لا يكون من قبيل التوارد على معنى واحد، إذ الأصل أن التأسيس مقدم على التوكيد، والله أعلم.

وزلزلوا خوفاً من الأعداء زلزالاً شديداً، وامتحنوا امتحاناً عظيماً، كما جاء في الحديث الصحيح عن خباب ابن الأرت قال: قلنا يا رسول الله ﷺ ألا تستنصر لنا، ألا تدعوا الله لنا، فقال: إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه فيخلص إلى قدميه، لا يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يصرفه ذلك عن دينه، ثم قال: والله ليُتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون[4].

أصل الزلزلة: التحريك بشدة، وحروفها تدل على ذلك لما فيها من التكرار، ومن مثيلتها الصلصلة، والجلجلة، وما أشبه ذلك، فحركة الأرض واضطرابها يقال لها: زلزال وزلزلة.

والزلزلة في الآية باعتبار أنهم امتحنوا امتحاناً شديداً، فقد وقع عليهم ألوان من الأذى والإرجاف، وأنواع المخاوف التي تحرك النفوس تحريكاً شديداً للوقوع في الفتنة، فلا يكاد يثبت فيها إلا أصحاب الإيمان الراسخ، كما قال الله في وقعة الأحزاب: إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ۝ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا [سورة الأحزاب:10-11] هذه الزلزلة كشفت المنافقين وعرّت الذين في قلوبهم مرض حتى إنهم قالوا كما قص القرآن خبرهم: مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا [سورة الأحزاب:12].

وقال الله تعالى: الم ۝ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ۝ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [سورة العنكبوت:1- 3]، وقد حصل من هذا جانب عظيم للصحابة في يوم الأحزاب، كما قال الله تعالى: إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ۝ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا۝ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا [سورة الأحزاب:10-12]، الآيات.

ولما سأل هرقل أبا سفيان هل قاتلتموه؟ قال: نعم، قال: فكيف كانت الحرب بينكم؟ قال: سجالاً، يدال علينا وندال عليه. قال: كذلك الرسل تبتلى، ثم تكون لها العاقبة[5].

وقوله: مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم [سورة البقرة:214]، أي سنتهم كما قال تعالى: فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ [سورة الزخرف:8]، وقوله: وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ، أي: يستفتحون على أعدائهم ويدعون بقرب الفرج والمخرج عند ضيق الحال والشدة، قال الله تعالى: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ، كما قال: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [سورة الشرح:5-6]، وكما تكون الشدة ينزل من النصر مثلها، ولهذا قال تعالى: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ.

أُثر عن خالد بن الوليد قوله: على قدر المئونة تنزل المعونة، وهذا شيء مشاهد، فإن الله ينزل من ألطافه على الناس في أوقات الشدائد ما يبعث على الاستغراب والدهشة، ولا يخطر لهم على بال من تحملهم ألوائها العظام التي نزلت بهم!، وما يدرون أن اللطيف هو الله .

وقوله سبحانه: حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ، من أهل العلم من استشكل هذا، إذ كيف يقول الرسول: متى نصر الله؟! لما فيه من الكناية عن استبطائه النصر، وهو أعظم الناس ثقةً ويقيناً، وعلماً بالطريق الموصل إلى الله، وبالله الذي لا يخذل أولياءه، وجعل الابتلاء سنة على الموحدين من عباده، وما أشبه ذلك.

فحملوا المراد على وجوه من التفسير لا يدل عليها ظاهر القرآن، فمنهم من يرى أن في الآية تقديماً وتأخيراً، والمعنى: حتى يقول الذين آمنوا: متى نصر الله؟، ويقول الرسول: ألا إن نصر الله قريب، ولا يخفي ما في هذا التفسير من تغيير للمعنى الظاهر من الآية؛ لأن قوله: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ، جواب من الله ، يدل عليه قول النبي ﷺ: ولكنكم تستعجلون [6]

فهذا الذي وقع من هؤلاء الرسل عليهم -الصلاة والسلام، ومن أقوامهم ممن صبر وثبت معهم، ما قالوه إلا لشدة ما نزل بهم، بل قال الله حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا [سورة يوسف:110] وهي أوضح من آية البقرة، فمتى ينزل النصر؟ لما يبلغ الحال في الشدة غايته، عندها ينزل النصر، فيسقط كل منافق، وينكشف زيف كل صاحب مرض، ويُعرف على رءوس الأشهاد، وتتبين الأمور على حقائقها، فمن الناس من يسقط في أول الطريق، ومنهم يسقط في أثنائه، ومنهم من يطول نفَسُه ثم ما يدري إلا وقد زلت به قدمه، فيسقط الجميع، ولا يبقى إلا أصحاب الإيمان الصحيح.

وبعض أهل العلم يختار القراءة الأخرى: أنهم قد كُذّبوا يعني أن أقوامهم قد كذبوهم؛ لأنهم وعدوهم بالنصر، وقد تأخر مجيئه، فخافوا من تكذيب أقوامهم لهم، لكن القراءة المشهورة تدل على معنى لا إشكال فيه إطلاقاً، وعليه فنخلص من هذا أنه لا يُسلَّم بأنه كلما خطر في بال المفسر من إشكال يدعي التقديم والتأخير في الآية، إذ الأصل عدم ذلك.

ومن أحسن ما تفسر به هذه الجملة من الآية أن يقال: إن هذا من الخواطر التي تقع وترد على القلب من غير أن تستقر فيه، فيجب دفعها مباشرةً دون تريث، وهذه الخواطر لا يلام الإنسان فيها، وهي شبيهة بتفسير الهم فيما حكاه الله عن يوسف مع امرأة العزيز يقول الله وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا [سورة يوسف:24]، فمن تأمل أقوال المفسرين يجد الكثير من التعسفات والتكلفات في تفسير الآية، وحملها على المحامل البعيدة. 

ومن أحسن ما ورد في تفسيرها، ما قاله بعض السلف وهو اختيار الإمام أحمد -رحمه الله، أن ثَمّة فرقاً بين الهمين، هم يوسف -عليه الصلاة والسلام، وهم امرأة العزيز، إذ هم امرأة العزيز كان من قبيل العزم، وأما هم يوسف -عليه الصلاة والسلام- فهو من قبيل الخطرات، فدفع ذلك ولم يتحول إلى فكرة فضلاً عن أن يتحول إلى عزيمة أو عمل، وهكذا ما قاله الرسول قد يرد على القلب في أوقات الشدة، ولكن ما يلبث أن يدفعه ولا يثبت فيه، فلا يضر الإنسان. 

وهذا المعنى من أحسن من تكلم عليه الشيخ: عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله، في كتابه: "القواعد الحسان"، إذ أورد أمثلة وجهها بهذا التوجيه، ومن أهل العلم من يوجهها بتوجه آخر، إلا أن هذا التوجيه جيد وليس فيه أي تكلف.

يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ [سورة البقرة:215]، قال مقاتل بن حيان: هذه الآية في نفقة التطوع، ومعنى الآية يسألونك كيف ينفقون، قاله ابن عباس -ا- ومجاهد.

إذا فسرت مَاذَا يُنفِقُونَ بكيف ينفقون، فيكون السؤال عن جهة الصرف -الجهة التي يعطى لها المال، لا عن المال المنفق في الآية، وما يدعم هذا التفسير اقتصار الجواب على ذكر الجهات: الوالدين، والأقربين، واليتامى، والمساكين، ..... إلى آخره، لكن بعض أهل العلم يقول: إن السؤال كان عن المال المنفق كما دل عليه ظاهر الآية، ودلت عليه الآية الأخرى يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [سورة البقرة:219]، يعني ما فضل عن حاجتكم، وحاجة عيالكم، ومن يدخل تحتكم، فجاء الجواب متعلقاً بالمال المنفق.

ومن أهل العلم من يقول: كان السؤال عن المال المنفق، إلا أن الجواب جاء عن المطلوب الأهم وهو جهة الصرف، وهذا ما يسميه البلاغيون: "أسلوب الحكيم"، والمعنى أنه كان ينبغي لكم أن تسألوا عن هذا الذي تحتاجون إلى معرفته أكثر.

ومن أهل العلم من يقول: إن سؤالهم عن المال المنفق قد ذكر جوابه ضمناً في قوله: مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فالمنفق الخير وهو: المال الطيب الحلال، والله أعلم. 

ومعنى الآية: يسألونك كيف ينفقون؟ قاله ابن عباس -ا- ومجاهد، فبين لهم تعالى ذلك فقال: قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ .. [سورة البقرة:215]، أي اصرفوها في هذه الوجوه كما جاء الحديث: أمك، وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك[7]، وتلا ميمون بن مهران هذه الآية ثم قال: "هذه مواضع النفقة ما ذكر فيها طبلاً، ولا مزماراً، ولا تصاوير الخشب، ولا كسوة الحيطان".

كسوة الحيطان: أشياء توضع على الجدران وتغطيها، وهي أشبه ما تكون بالديكورات اليوم، ومقصود ابن مهران أن النفقة لا تكون في صرف الأموال على أمور لا طائل تحتها، ولا يحسن المبالغة فيها؛ لأنه يدخل في التبذير المنهي عنه وقد قال سبحانه: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ [سورة الإسراء:27]، وكذا صرفها في المحرمات والأمور غير الجائزة شرعاً.

ثم قال تعالى: وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ [سورة البقرة:215]، أي: مهما صدر منكم من فعل معروف فإن الله يعلمه، وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء، فإنه لا يظلم أحداً مثقال ذرة.

هذه الآية متضمنة معنى الوعد، كأنه يقول: ما أنفقتم من مال تبتغون به وجه الله فأنا أعلم بما تقومون به وبما تنفقونه، وسأجازيكم عليه إحساناً وخيراً، فهو وعد مبطن بالجزاء والإنعام، وقد ورد ذكر أمثلة له في مواضيع عديدة من القرآن الكريم.

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [سورة البقرة:216]، هذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين أن يكفوا شر الأعداء عن حوزة الإسلام.

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أي: فرض عليكم.

وقال الزهري: الجهاد واجب على كل أحد غزا أو قعد، فالقاعد عليه إذا استعين أن يعين، وإذا استغيث أن يغيث، وإذا استنفر أن ينفر.

معنى كلام الزهري أن الجهاد واجب على كل أحد قعد أو غزا، باعتبار أنه فرض على مجموع الأمة على الكفاية، وإذا لم يقوموا به على الفرض فإنهم يأثمون جميعاً، ويدخل في الفرضية من كان الناس بحاجته في جانب لا يحسنه غيره، أو انتدب له من قبل الإمام فإنه لا يسعه الجلوس، ويجب عليه أن ينفر، ويعتبر في حقه فرض عين.

وابن جرير الطبري ينقل الإجماع على فرضية الجهاد على الكفاية، والصواب في المسألة أن ذلك ليس محل إجماع، وإن كان ما ذهب إليه ابن جرير هو الراجح من أقوال أهل العلم، لكن ابن جرير -رحمه الله- ينقل الإجماع باعتبار قول الأكثر، وجاء عن بعض السلف القول بأن الجهاد فرض على كل مكلف، في كل وقت، وليس في الحالات التي يذكرها الفقهاء، كحالة إذا دهم العدو بلاد المسلمين، واستدلوا بقول الله تعالى: انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً [سورة التوبة:41]، وأن الله توعدهم فقال: إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [سورة التوبة:39] حتى نقل عن بعضهم أنه خرج وقد كف بصره، ومنهم من خرج إلى الجهاد وقد ضعف وشاخ فكان أبناؤه يحملونه، فلما قال له أبناؤه: نحن نكفيك، قال: هذه الآية لم تدع أحداً: انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً، وبعضهم كان يحمل الراية وهو أعمى.

لكن الراجح أن الله قد خفف عنهم بعد ذلك كما في سورة برآة، قال: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [سورة التوبة:122]، فعلى أحد القولين في معنى الآية، أن تنفر طائفة مع النبي ﷺ فتصحبه في أسفاره، وتتفقه مما يرون من حاله -عليه الصلاة والسلام- ومقاله، فيرجعون إلى قومهم يعلمونهم ما تعلموه منه ﷺ.

والقول الآخر: أنها تبقى طائفة تتفقه، وطائفة تجاهد في سبيل الله، قال الإمام أحمد -رحمه الله: لا أعلم شيئاً أفضل من العلم إذا كان له نية، ولا الجهاد في سبيل الله.

فالمقصود أن هذه الآية تدل على فرضية الجهاد باعتبار أصل الفرض على مجموع الأمة، وقال بعض أهل العلم كالإمام أحمد -رحمه الله- وطائفة: إنه يجب على الإمام أن يسير جيشاً في جهاد الطلب، في كل عام مرة، وتكلموا في مسألة الصلح وأنها لا تزيد عن عشر سنين، أما جهاد الدفع فإذا هجم العدو على بلد المسلمين فيجب عليهم وجوباً أكيداً عينياً على كل قادر ممن داهم العدو أرضهم أن يدفعه.

وإن لم يُحتج إليه قعد، قلت: ولهذا ثبت في الصحيح: من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو، مات ميتة جاهلية[8].

وقال يوم الفتح: لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا[9].

وقوله: وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ، أي: شديد عليكم ومشقة، وهو كذلك، فإنه إما أن يقتل، أو يجرح مع مشقة السفر، ومجالدة الأعداء.

ثم قال تعالى: وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ، أي لأن القتال يعقبه النصر والظفر على الأعداء، والاستيلاء على بلادهم وأموالهم وذراريهم وأولا دهم.

والله أعلم، وصلى الله على نبيه وآله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً.

  1. رواه مسلم في كتاب الجمعة –باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة برقم (855) (2/585).
  2. رواه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها –باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه برقم (770) (1/534).
  3. ذكره البهوتي في شرح منتهى الإرادات وعزاه إلى عمر بن الخطاب .
  4. رواه البخاري في كتاب فضائل الصحابة –باب ما لقي النبي ﷺ وأصحابه من المشركين بمكة برقم (3639) (3/1398).
  5. رواه البخاري في كتاب بدء الوحي –باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ برقم (7) (1/7) ومسلم في كتاب الجهاد والسير –باب كتاب النبي ﷺ إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام برقم (1773) (3/1393).
  6. رواه البخاري في كتاب المناقب –باب علامات النبوة في الإسلام برقم (3416) (3/1322).
  7. سنن النسائي برقم (2532) (5/61)، وأحمد في مسنده برقم (7105) (2/226)، وصححه الألباني في صحيح وضعيف الجامع الصغير برقم (14027).
  8. رواه مسلم في كتاب الإمارة –باب ذم من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو برقم (1910) (3/1517).
  9. رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير –باب فضل الجهاد والسير برقم (2631) (3/1025)، ومسلم في كتاب الإمارة –باب المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام والجهاد والخير وبيان معنى لا هجرة بعد الفتح برقم (1864) (3/1488)

مواد ذات صلة