الإثنين 02 / شوّال / 1441 - 25 / مايو 2020
نظرات في كتب التفسير (3) تتمة التعريف بكتب التفسير
تاريخ النشر: ١٨ / جمادى الآخرة / ١٤٢٨
التحميل: 8255
مرات الإستماع: 9229

وكتاب الدر المنثور كتاب مختصر من جهة الأسانيد ليس فيه إسناد، وهو أوسع كتاب وقفنا عليه من جهة المرويات، سواء المرفوع منها أو غير المرفوع من أقوال الصحابة والتابعين، وهو كتاب في غاية العجب؛ لأن المؤلف كتبه وجمعه من كتب كثيرة جداً، جمعه من كتب التفسير المختلفة التي وصل إلينا بعضها ولم يصل الكثير منها، وكتب التفسير كما قال الحافظ ابن حجر التي يرجع إليها ولا يكاد يخرج منها شيء من المرويات في التفسير هي تفسير ابن جرير، وابن أبي حاتم، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وتفسير ابن مردويه، وهذه الكتب لا يمكن أن يخرج منها شيء من الروايات، وللأسف تفسير عبد بن حميد لا أثر له، وابن أبي حاتم فيه نقص، وابن المنذر موجود منه شيء يسير جداً، وتفسير ابن مردويه غير موجود، ويبدو -والله أعلم- أن السيوطي وقف على هذه الكتب جميعاً بدليل أن الكتاب مليء بالنقل عنها، والكتاب اختصره السيوطي من كتابه الآخر ترجمان القرآن، وترجمان القرآن بالأسانيد فيمكن أن يكون حصل على الأسانيد في هذه الروايات من كتبهم، ولو وُجد الأصل "ترجمان القرآن" لربما عوضنا عن الكتب المفقودة من الأمهات في التفسير، لكن للأسف فُقد هذا الكتاب، ولمعرفة قدر هذا الكتاب العجيب يمكن أخذ أي رواية من الروايات في التفسير عن النبي ﷺ وعن غيره والقيام بتخريجها من أي كتاب من الكتب، وفي فترة زمنية كافية يوم أو يومان، ثم يُنظر لكتاب الدر المنثور ويمكن المقارنة بين هذا التخريج وما في كتاب السيوطي من العزو ستكون النتيجة أن السيوطي ذكر ما تم تخريجه وزيادة، فالسيوطي -رحمه الله- مثلاً يقول: أخرج النسائي والطبراني في الأوسط والكبير والإمام أحمد في المسند وأبو الشيخ مثلاً في الأمثال، وأخرج فلان في جزء كذا، وأخرج فلان في كتاب الدعاء، وكتب تفسير أحياناً كابن جرير وعبد بن حميد، والمنذر، ويأتيك بكتب أخرى، يسرد مجموعة في التخريج، يسمي مجموعة من المصنفين، والإنسان لا يستطيع أن يستحضر كل جزئية في كل آية من آيات القرآن وأنه سيحتاج إلى هذه الآية في المكان الفلاني، فكيف إذا نظر في المعاجم والسنن والمسانيد؟! سيصعب على الإنسان جمعها عند كل آية يحتاج إليها، وهو أمر لا يستطيعه فريق كثير من الباحثين؛ لأنه يحتاج إلى استحضار عند القراءة، ويصعب إعادة جرد هذه الكتب من أجل اختيار الرواية المناسبة، فهذا الكتاب عجب -مع أن مؤلفات السيوطي بالمئات فله أكثر من ثلاثمائة مؤلف- ولو وجد أصله لكان فيه خير كثير، وكتب التفسير بالمأثور كثيرة، وهناك من جمع المرويات في التفسير بالمأثور من الكتب الستة، وهناك من حاول أن يجمع المرويات الصحيحة في التفسير بالمأثور مثلما فعل الدكتور حكمة بشير في "الصحيح المصبور من التفسير المأثور" طبع في أربعة مجلدات، ولم يستوعب كل الصحيح مع طول المدة التي بقي يدرس فيها الروايات، وكان يحرص على أن يذكر الروايات الصحيحة من المرفوع والموقوف، بقي سنين طويلة ومعه فريق من الباحثين، وخرج في أربعة مجلدات وكان بالإمكان -والله أعلم- أن يكون أكثر من هذا، فالروايات الصحيحة كثيرة جداً.

ومن كتب التفسير التي تعنى بالمأثور "المحرر الوجيز" لابن عطية المتوفى سنة 546هـ، وهذا الكتاب اسم على مسمى فهو محرر وهو وجيز، فعبارته وجيزة ومحررة وليس فيه استطرادات، ولا يطغى فيه جانب على جانب، فبعض كتب التفسير تغلب عليه الصنعة التي يتخصص فيها المؤلف، فإذا كان المؤلف مثلاً من أهل العربية وجدت النحو مثلاً والإعراب، أو وجدت الجوانب البلاغية أو وجدت الفقه إذا كان فقيهاً وهكذا، بخلاف هذا الكتاب فإنه يشتمل على جوانب مختلفة مما يحتاج إليه الناظر في التفسير دون أن يطغى جانب على جانب، وقد قال عنه أبو حيان: إنه أجلّ من صنف في علم التفسير، يقول المؤلف -رحمه الله- عن كتابه هذا: إنه لخصه من كتب التفسير كلها، والكتاب سهل العبارة، لا يجد القارئ عنتاً في فهم عبارته، ولا تحتاج عبارته إلى فك، ويورد الآثار مع أنه لا يعد من جملة التفسير بالمأثور، مع أنه يستدل فيه ببعض الأحاديث وبأقوال الصحابة، ويورد بعض أقوال التابعين، وينقل عن ابن جرير كثيراً، ينقل ويناقش، فهو ليس بمجرد ناقل بل هو محرر، وعالم في التفسير، ضليع في العلوم المختلفة، وكثيراً ما يستشهد بالعربية، ويذكر ما يحتاج إليه من قضايا اللغة، وما يتوقف عليه المعنى فيما يتصل بالإعراب، تجد فيه إعرابات، وكذلك القراءات المتواترة والشاذة يوردها ويوجهها، وأما القصص فلا يُعنى بها، وإنما يورد منها أشياء مما يحتاج إليه في فهم المعنى، وينقل عن أهل العلم وينسب كل قول إلى قائله، وهذا ما يعرف اليوم في مناهج البحث بالأمانة العلمية، وأبو حيان ذكر في المقارنة بين هذا الكتاب وبين تفسير الزمخشري أن تفسير ابن عطية أنقل وأجمع وأخلص، أنقل يعني تجد فيه من الآثار والحديث، وأجمع يعني يعتني بالجوانب المختلفة بخلاف الزمخشري فيغلب عليه الجانب البلاغي واللغوي، وأخلص من الآفات والاعتزاليات والانحرافات مع أن المؤلف من الأشاعرة، واتهمه البعض بأنه من المعتزلة، وأن صنيعه أعظم من صنيع صاحب الكشاف؛ لأنه باسم أهل السنة، ولكن هذا الكلام غير صحيح، ويقول عنه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله: إنه -يعني تفسير ابن عطية- خير من تفسير الزمخشري، وأصح نقلاً وبحثاً وأبعد عن البدع، وإن اشتمل على بعضها بل هو خير منه بكثير، بل لعله أرجح هذه التفاسير، وقال: تفسير ابن عطية وأمثاله أتبع للسنة والجماعة، وأسلم من البدعة من تفسير الزمخشري، ولو ذَكر كلام السلف الموجود في التفاسير المأثورة عنهم على وجهه لكان أحسن وأجمل؛ لأن شيخ الإسلام ينتقد ابن عطية قال: فإنه كثيراً ما ينقل من تفسير محمد بن جرير الطبري وهو من أجل التفاسير وأعظمها قدرا، ثم إنه يدع ما نقله ابن جرير عن السلف لا يحكيه بحال ويذكر ما يزعم أنه قول المحققين في مسائل الاعتقاد، يعني يأتي بكلام المتكلمين من الاشاعرة ويترك كلام السلف في الاعتقاد الذي يجده في تفسير ابن جرير، لكن ينقل عن ابن جرير من الآثار والقضايا الأخرى من المعاني دون قضايا الاعتقاد، فهذا ملحظ على هذا الكتاب وهو ظاهر في الكتاب لكن يبقى الكتاب من الكتب الجيدة المفيدة في التفسير، كتاب ملخص يُعني بالجوانب المختلفة، لو سألت قلت أريد كتاباً لا يطغى عليه جانب من الجوانب أريد ما أحتاج إليه في الجوانب البلاغية، بعض اللفتات، أريد ما أحتاج إليه من الإعراب، ما أحتاج إليه من القضايا الفقهية باختصار، وهكذا في القراءات وما شابه هذا، هذا الكتاب حاول أن يجمع هذه الأمور جميعاً بطريقة معتدلة متوازنة، وهذا شيء جيد في التفسير، ومن الكتب التي تعنى بالجوانب البلاغية تفسير ابن عطية وهو في الواقع استفاد من تفسير المهدوي، لكن تفسير المهدوي ربما يكون أحد المصادر المهمة لابن عطية، وممن استفادوا من تفسير ابن عطية لدرجة واضحة وكبيرة القرطبي -رحمه الله- في كتابه "الجامع لأحكام القرآن"، والقرطبي متوفى سنة 671هـ، وهو من أعظم كتب التفسير وأجلها وأفضلها وأوسعها وأقعدها، فهو يعنى بالنكات واللغات والإعراب والقراءات والعقائد والأحكام وأسباب النزول، وعقيدته عقيدة المتكلمين الأشاعرة، ويعزو الأقوال إلى أصحابها والروايات إلى المصنفات التي ينقل عنها وأعرض عن كثير مما يذكره المفسرون من الإسرائيليات والقصص وما أشبه ذلك من الأمور التاريخية، هذا الكتاب من جهة المعاني وما يذكره من اللطائف والنكات اعتمد بدرجة كبيرة على تفسير ابن عطية، وضم إليه جانباً توسع فيه جداً وهو ما يتعلق بالأحكام الفقهية، فهذا الكتاب من الكتب التي تعتبر من كتب أحكام القرآن، لكن ليست التي تقتصر على آيات الأحكام فقط التي يسمونها500 آية، فهو يحاول أن يستنبط الأحكام من كل شيء بل حتى الاستنباطات البعيدة يردّ عليها، ففي قوله: وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا [سورة الإسراء:37]، يقول: استنبط منه بعضهم تحريم الرقص، ثم يرد عليهم فيقول: الآية لا تدل على هذا، وهكذا فهو يُعنى بقضايا الأحكام حتى من القصص كما في قصة موسى والخضر وخرق السفينة، وكذلك في قوله مثلاً في قول يوسف ﷺ في القصة المعروفة: وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ [سورة يوسف:72] فالذي نادى في قصة يوسف ﷺ في صواع الملك اتهم أخوة يوسف بالسرقة، وهذه مسألة الجعالة وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ ونحو ذلك، فالشاهد أنه يستنبط الأحكام من القصص، ومن كل موضع يمكن أن يستنبط منه، إضافة إلى المعاني، فالكتاب مليء بالعلم، والمؤلف -رحمه الله- من المالكية إلا أنه أبعد ما يكون للتعصب -رحمه الله رحمة واسعة- كان في غاية الإنصاف، واتباع الدليل والحق، فهو كتاب جليل القدر عظيم النفع لا يُستغنى عنه بحال من الأحوال، ويمكن إلى حد كبير أن يستغنى به عن تفسير ابن عطية؛ لأنه استفاد كثيراً من تفسير ابن عطية، لكن لا يمكن أن يستغنى بتفسير ابن عطية عنه بل ولا تفسير ابن عطية مع كتاب "أحكام القرآن" لابن العربي المطبوع في أربعة مجلدات -يختص بأحكام القرآن- لو ضممت هذا إلى هذا لم يفِ ذلك بتفسير القرطبي لاسيما قضية الإنصاف واتباع الحق والدليل، فالكتاب جيد لا يستغني عنه طالب العلم، ومن الكتب التي استفادت من هذا كتاب "فتح القدير" للشوكاني، وكذلك كتاب "فتح البيان في مقاصد القرآن" لصديق حسن خان، وكتاب فتح القدير للشوكاني يقول: إنه لخصه من كتب كثيرة جداً من كتب التفسير، لكن واقع الأمر أنه استفاد استفادة كبيرة من تفسير القرطبي، إلا أنه لم يتوسع توسع القرطبي فيما يتعلق بالأحكام، يذكر الأحكام لكن لا يتوسع فيها وضم إليه يعني زاد على الجوانب الموجودة في تفسير القرطبي بشكل واضح جداً وبإسهاب وتوسع إلى حد كبير زادَ من كتاب الدر المنثور وهو ذكر هذا في تفسير الكتاب، ويذكر هذا في ثنايا الكتاب -"الدر المنثور" للسيوطي، ولا يرد كل ما أورده السيوطي في التفسير عند تفسير الآية لكنه يرد كثيراً مما ذكره ويحيل أحياناً، فيقول: وفيما ذكرناه كفاية ومن أراد التوسع في هذا يرجع إلى الدر المنثور، والدر المنثور محذوفة منه أسانيد الكتاب، وفيه الصحيح والضعيف ومن ثم فالشوكاني -رحمه الله- كان ينقل الصحيح والضعيف من الروايات المرفوعة وغير المرفوعة مما ينقله عن الصحابة والتابعين، طريقته في ذلك أنه حينما يورد المعاني بعد ذلك يورد تفسير الآيات من كتاب الدر المنثور، فكأنه يعيد التفسير من جديد في كل مقطع يذكر تفسيره من جهة ما يسمى بالدراية؛ لأنه جعل الكتاب بهذا العنوان "فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير" فيورد الدراية أولاً، والدراية يقصد بها ما يتعلق بالاستنباط والمعاني وفهم الآيات، وما يتصل بها من إعراب ولغة وبلاغة، وما يتعلق بها من معانٍ فقهية يستخرجها، ونكات ولطائف إلى آخره، فالكتاب يذكر هذه الأشياء وبطريقة متوازنة، فهو يشبه تفسير ابن عطية، والقرطبي استفاد من ابن عطية وزاد عليه، والشوكاني استفاد استفادة كبيرة جداً من تفسير القرطبي إلا أنه لخص الأحكام من غير توسع، ولا يذكر الروايات أثناء التفسير، وإنما يذكرها بعد الفراغ من تفسير المقطع، ينتقل إلى إيراد المرويات من أول آية شرع يفسرها في هذا المقطع إلى آخر آية، وهذه الطريقة متعبة للقارئ، لذلك جاء صديق حسن خان في كتابه "فتح البيان في مقاصد القرآن" وأتى بهذه الروايات التي يفردها الشوكاني بعد التفسير بالدراية فنثرها أثناء التفسير، ووضعها في مواضعها فلا تحتاج أن تعيد كل رواية في موضعها، لكن لم يميز وينتقِ الصحيح من غيره، وعامة ما يذكره صديق حسن خان في فتح البيان هو كلام الشوكاني، إلا أنه زاد عليه بعض النقولات من بعض كتب المتأخرين؛ ولذلك يمكن أن يستغني طالب العلم  بكتاب "فتح القدير" للشوكاني عن كتاب "فتح البيان" لصديق حسن خان، فالشوكاني -رحمه الله- مثلاً يقول: قد حققت هذه المسألة في كتابنا "السيل الجرار"، أو يقول: حققتها في كتاب "نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار"، ويقول صديق حسن خان: وقد حققها العلامة الشوكاني في نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، أو يقول: حققها الشوكاني في السيل الجرار، يغير بدل "حققتها" "حققها" مع بعض الزيادات القليلة، بل حتى المقدمة وما فيها من الكلام على الحساد إلى آخره تجد تقريباً الكلام نفسه، فكتاب "فتح البيان" كبير يعني يقع في بعض الطبعات في ثمانية مجلدات وفي بعضها أكثر، فيمكن للإنسان أن يستغني عن هذا الكتاب خاصة غير المتخصص في التفسير، لو قلت: هذه الكتب متسلسلة ابن عطية، القرطبي، فتح القدير، فتح البيان، زبدة التفسير، أخبرني عن كتاب واحد يغني عنها جميعاً يمكن أن يقال: كتاب القرطبي جمع ما في ابن عطية وزاد عليه الأحكام، وأما الآثار الموجودة في فتح القدير -وهي زيادة على ما يذكره القرطبي- فهي موجودة في الدر المنثور نقلها منه، ولو قيل: أريد كتاباً يعالج الجوانب المختلفة من غير إطالة، فالقرطبي يطيل، فيمكن أن يقال: فتح القدير، لكن فتح القدير لا يصلح للطلاب المبتدئين؛ لأنهم سيتعبون في تتبع الأقوال في المسألة مع أنه ينبه فيقول: وهذه الأقوال ترجع إلى قول واحد، وأحياناً يذكر بعض الأشياء قد لا يوافَق عليها، وكلٌّ يؤخذ من قوله ويرد، ولهذا إذا أردت أن تقارن مثلاً من ناحية القيمة العلمية بين ترجيحات الشوكاني وترجيحات ابن كثير، أو ترجيحات ابن جرير، أو ترجيحات ابن القيم أو ابن تيمية أو الشنقيطي في أضواء البيان، فكل هذه الكتب في الترجيح أقوى وأقعد من ترجيحات الشوكاني لكن يبقى هذا الكتاب من كتب العلم التي جمعت الجوانب المختلفة في التفسير، والمؤلف له لفتات في الكتاب، ويتكلم على تتبع المناسبات ويقول: هذا قول على الله بغير علم وتكلف، والمفروض أن يُعرض، ومع ذلك تجد غالب كلامه على الآيات يذكر المناسبة، وإن لم يصرح، فيقول مثلاً: بعد أن ذكر الله كذا وكذا ذكر بعده كذا وكذا فهذا هو عين المناسبة، مع أنه يعارض بقوة الذين يتتبعون المناسبات، ولا تكاد تقلب صفحة إلا وتجد فيها كلاماً على مناسبة، ويوجد له بعض الكلام الذي قد يفهم من ظاهره أن ترتيب الآيات ليس بتوقيفي، وهذا لا أعلم أحداً يقول به، وصرح به جماعة من أهل العلم مثل القرطبي وابن جرير وابن كثير وأمثال هؤلاء، وعامة ما في الكتاب هو من القرطبي، وقد تجد بعض الأشياء التي قد يقف عندها طالب العلم، لكن كلٌّ يؤخذ من قوله ويرد، والكمال لله ، والماء إذا بلغ القلّتين لم يحمل الخبث، وبما أننا نتكلم على كتاب من كتب التفسير فإننا ننبه على ما للكتاب وما عليه، فتوجد بعض الأشياء أحياناً غريبة، في بعض كلامه ظاهره أن الله لم ينزل على عيسى كتاباً، وفي موضع آخر يذكر كلاماً يناقض هذا، وكذلك في الكلام على آيات الصفات، ويُحكَم على التفسير بأنه من جملة تفاسير أهل البدع إذا التزم أصلاً بدعياً، أما إذا أخطأ في مثال أو مثالين أو ثلاثة أو عشرة أو نحو ذلك فلا يعد تفسيره من تفاسير أهل البدع، وهذا مثال على تفاسير أهل السنة تفسير الشوكاني -رحمه الله، فهذا ليس من تفاسير أهل البدع مع أنه خالف أهل السنة في جملة من المواضع في نصوص الصفات وقضايا تتعلق بالاعتقاد، وتجد مثل هذه الأشياء -وفي القدَر- لغيره من علماء اليمن ممن هم من جملة أهل السنة، ومن المنافحين عن منهج السلف الصالح تجد هذا للمقبلي وللصنعاني والسبب في هذا -والله تعالى أعلم- أنهم درسوا مذاهب كما ذكر الشوكاني درسوا المذاهب المنحرفة بعد ذلك، الزيدية وعلم الكلام فلما رجعوا إلى طريقة السلف ما استطاعوا أن يتخلصوا من كل شيء، والشوكاني ذكر أن هذا من آفات دراسة العلوم الكلامية، وأبو الحسن الأشعري -رحمه الله- رجع عن مذهب المعتزلة لكنه لم يرجع مائة بالمائة وإنما بقيت عنده أشياء، وهكذا بعض الذين رجعوا تجد في العصر الحديث من مذهب الإمامية مثلاً البرقعي -رحمه الله- كتبه مطبوعة، لكنه لم يرجع إلى مذهب أهل السنة تماماً ولم تخل كتبه من كل لوثة من لوثات التشيع، لكن هذا غاية ما استطاع أن يصل إليه، والله يغفر؛ لأن كل من بذل وسعه في طلب الحق فأخطأ فإن الله يغفر له ذنبه، ولا يجوز أن يعاب بهذا، ولا تُتبع زلاته على سبيل الانتقاص والعيب، لكن يمكن أن يذكر هذا لطلاب العلم من أجل معرفة قيمة الكتاب العلمية ما له وما عليه، أما تنقّص مثل هذا العالم والحط منه وما شابه فلا، وكل كتاب لابد فيه من النقص والخطأ حتى كتاب ابن جرير وغيره من الكتب.

كتب التفسير بالرأي:

كتب التفسير بالرأي تنقسم إلى قسمين: رأي يمكن أن يقال عنه: إنه رأي صحيح أو مقبول أو محمود، وهناك رأي آخر مردود أو مذموم أو مطرح، هذا التقسيم من حيث الكتب التي أدخلتُها تحت الرأي المذموم لا تجدونه في كتاب فيما أعلم؛ لأن الذين يكتبون ينقل بعضهم عن بعض، فأوائل الذين كتبوا في مناهج المفسرين في هذا العصر يذكرون كتب الأشاعرة على أنها كتب أهل السنة والجماعة، فإذا ذكروا الرأي المحمود ذكروا كتب الاشاعرة، وإذا ذكروا الرأي المذموم ذكروا كتب المعتزلة، فجاء من أبناء أهل السنة من كتب في هذه القضايا في مناهج المفسرين، وجعل ينقل عنهم الكلام كما ذكروه، وهكذا كثير من الذين يدرسون هذه القضايا في الجامعات وفي غيرها يرددون هذا الكلام، فنحن لابد أن نضبط هذه المسألة بضبط يتضح به المراد، والمقصود بالتفسير بالرأي التفسير بالاجتهاد ولا يكون تفسيراً بالنقل كالذي ينقل عن الصحابة والتابعين، وإذا كان المفسر يستنبط ويجتهد ويفسر القرآن بحسب المعطيات التي عنده فإن هذا يكون من قبيل التفسير بالرأي، ومسألة التفسير بالرأي فيها كلام كثير، وخلاصة ما يقال في ذلك: إن ما ورد من الذم -ذم تفسير القرآن بالرأي- فالمقصود به الرأي المذموم، الرأي الذي لا يكون بعلم، الذي يقول في القرآن بمجرد رأيه بالتخرص أو بالهوى، أو من غير أن ينطلق من قواعد صحيحة في العلم فإن هذا لاشك أنه مذموم، وهذا يقع فيه كثير من العامة أحياناً، يعني تُطرح مسألة ويُسأل إنسان عن آية ويأتي بعض العامة ويسرع في الجواب ويذكر المعنى، وقد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز له أن يتكلم في هذا ولو أصاب فهو مخطئ، وهو مذموم؛ لأنه تكلم فيما لا علم له به، ومن توقف من السلف عن تفسير بعض النصوص برأيه أو نحو ذلك فهذا محمول على التورع، أنه تورع من ذلك أو أنه لم يتضح له المعنى، وأما هذا التفسير من حيث إنه سائغ وجائز لمن كانت عنده الأهلية فهذا لا إشكال فيه، وأبو بكر قال في مسألة الفرائض: أقول فيها برأيي، ولهذا اختلف الصحابة في كثير من المواضع في تفسير الآيات، والتابعون اختلفوا، ولو تلقوا ذلك عن رسول الله  ﷺ لما اختلفوا، وإنما قالوا باجتهاداتهم فوقع الاختلاف بينهم، وهذه مسألة يطول الكلام فيها، وهذه خلاصته: فما ورد من الذم فهو محمول على الرأي الفاسد الذي هو بالجهل والتخرص، فمن كان عنده قاعدة صحيحة في العلم ومتطلبات التفسير ففسر القرآن باجتهاده ويستنبط فهذا لا إشكال فيه، هذا فيما يتعلق بالتفسير بالاجتهاد والنظر والرأي، وهكذا حينما تستقرئ النصوص الواردة عن السلف في ذمه أو الإقرار بمثل هذا النوع من التفسير تخرج بنتيجة أن هناك من الرأي ما هو مذموم، ومن الرأي ما هو محمود، لابد أن نجعل ضابطاً يضبط المسألة.

ضابط الرأي المذموم:

إذا وُضع ضابط لمعرفة التفسير بالرأي المذموم من التفسير بالرأي المحمود واتفق عليه نستطيع أن نميز،  وشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- له كلام قيم يمكن أن يكون ضابطاً حيث قال -رحمه الله: "وفي الجملة من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئاً في ذلك بل مبتدعاً"[1]، فلم يقل: من أخطأ، وإنما قال: "من عدل عن تفسير الصحابة والتابعين عدل عنه.. بلمبتدعاً، وإن كان مجتهداً مغفوراً له خطؤه"، يعني أن الرجل إن اتخذ منهجاً آخر في النظر والاستنباط والفهم عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين ، فقد يكون مجتهداً في فعله هذا، وهذا غاية ما به بذل وسعه والله يغفر له خطأه، لكن هذا التفسير الذي بين أيدينا لم يكن على نفَس السلف الصالح فيكون من جملة التفاسير البدعية، يقول: "ونحن نعلم أن القرآن قرأه الصحابة والتابعون وتابعوهم وأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه، كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به رسوله ﷺ، فمن خالف قولهم وفسر القرآن بخلاف تفسيرهم فقد أخطأ في الدليل والمدلول جميعاً"[2]، أخطأ في الدليل بمعنى أنه جعل الآية دالة على ما لم تكن دليلاً عليه، وأخطأ في المدلول إذا كان استدل بها على معنى باطل في نفسه، مثلاً هذا رجل يقول بأن الله -تبارك وتعالى- يشبه خلقه في صفاته، مثل طوائف المشبهة أراد أن يستدل على هذا في قوله تعالى: وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [سورة الشورى:11] أثبت السمع والبصر، وقال: هذان وصفان من أعلق الأوصاف بالمخلوق، فهذا أخطأ في الدليل، استدل به على التشبيه، وأخطأ في المدلول وهو المعنى الذي توصل إليه وهو التشبيه، أخطأ في الدليل والمدلول، ولو أن هذا الإنسان من الصوفية وأراد أن يستدل على رقص الصوفية، فبعض الصوفية يرقص في الحضرة والمولد فأراد أن يستدل على هذا بقوله تعالى: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ [سورة ص:42]، فقال: يعني الرقص، وهذا الدليل لا يدل على الرقص، فهذا خطأ في الدليل، والمدلول هو المعنى الباطل الذي أراد أن يصل إليه وهو الرقص، فأخطأ في الدليل والمدلول، وقد يخطئ في الدليل لكن المدلول صحيح، لكن الآية لا تدل عليه مثل لو أراد أن يستدل على تحريم الرقص بقوله: وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا [سورة الإسراء:37]، فقال: هذا يدل على أن الذي يرقص يتبختر في مشيته، والله قال: وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا استدل بها بعض الفقهاء على هذا، فالمعنى الذي أراد أن يصل إليه حق، لكن الدليل لا يدل على مطلوبه، هذا يسمى خطأ في الدليل لا في المدلول، وشيخ الإسلام -رحمه الله- يقول: "فمن خالف قولهم وفسر القرآن بخلاف تفسيرهم فقد أخطأ في الدليل والمدلول جميعاً، ومعلوم أن كل من خالف قولهم له شبهة يذكرها إما عقلية وإما سمعية"[3]، قوله: "إما عقلية" يعني عنده قواعد وشبه يتشبث بها، "وإما سمعية" يستدل بدليل من المنقول.

فيمكن أن نقعد من هذا قاعدة تضبط الفرق بين التفسير المذموم والتفسير بالرأي المحمود فنقول -والله أعلم: كل من التزم أصلاً بدعياً يحاكم إليه النصوص فتفسيره من قبيل التفسير بالرأي المذموم، كالذي يجعل القاعدة محدثة، قاعدة منحرفة يحاكم إليها النصوص، فيريد أن يجري النصوص على هذه القاعدة فتفسيره من قبيل التفسير بالرأي المذموم، قاعدة مثل في باب الأسماء والصفات من قواعد الجهمية من طوائفهم وعلى اختلاف درجاتهم، تجهم الجهمية وتعطيل المعتزلة والأشاعرة هؤلاء عندهم قواعد ماذا يقولون:

كلُّ نص أوْهَمَ التشبيه أوله أو فوِّض ورُمْ تنزيها

يعني إما أن تؤوله "تحرف"، يسمونه تأويلاً، أو فوِّض وهو لا يدل على هذا المعنى الذي توهمناه، لكن الله أعلم بالمراد على اختلاف طوائف المفوضة، ففي نصوص الصفات اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [سورة الأعراف:54]، عندهم قاعدة: كل نص أوهم التشبيه عندهم فيقولون: استوى هذا يوهم التشبيه بالمخلوق، الاستواء يقولون:

قد استوي بِشرٌ على العراق من غير سيفٍ ولا دم مُهراق

فيقولون: قل: استولى، ولا تقل: استوى، أو فوض المعنى المتبادر من لفظة استوى على العرش وأن المعنى الظاهر غير مراد، فلا نخوض فيه، ما نحدد المعنى لكن قطعاً يقولون غير الظاهر المتبادر وهذا شيء عجيب، وابن جرير كان يجري الكلام على ظاهره، وهذه طريقة السلف، فلا يتجاوزون المعنى الظاهر إلا بدليل، ولا دليل لديهم، هذا مثال واحد في الصفات، ونستطيع أن نرد عليهم بسهولة، فنقول: أنتم تقولون استولى فالمخلوق يستولي، بل بالعكس إنما يكون الاستيلاء لمن كان عادماً للشيء وكان فيه مغالبة له فغلب واستحوذ عليه، فكيف شبهتم الله بالمخلوقين؟!، كيف شبهتم استواء الله على العرش باستيلاء بشر بن مروان على العراق؟!، وإذا فوضوا نقول لهم: أنتم جعلتم أعظم ما في القرآن وهو ما تعرّف الله به إلى عباده من أسمائه وصفاته جعلتموه لا يدرك معناه، ولا يراد به ظاهره فجعلتموه من قبيل الألغاز، وقلتم: الظاهر المتبادر غير مراد، فأي جرم وعدوان وجراءة على الله وعلى كتابه أعظم من هذا؟!، والرد عليهم يطول، المهم هذا في باب الصفات.

وفي باب الوعد والوعيد: من قواعد الخوارج والمعتزلة أن فاعل الكبيرة مخلد في النار، إلا أنهم يختلفون في باب الأسماء والأحكام فالخوارج يقولون: كافر، والمعتزلة يقولون: فاسق في منزلة بين المنزلتين بين الإيمان والكفر لكنه مخلد في النار، فيتفقون على النتيجة خلود في النار، ويأتون للنصوص بهذه الطريقة فيركبونها على عقيدتهم، فما خالف عقيدتهم حرفوه، ولهم تحريفات في هذا في غاية الشناعة، يعني انظر مثلاً في باب الصفات لما قال الله: وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [سورة النساء:164]، وهم يقرون بأن التأكيد بالمصدر ينفي احتمال المجاز وهذه قاعدة، فتورطوا في هذا المثال وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا أكده بالمصدر فلا يمكن أن يكون من باب المجاز، فقالوا: نعم كلمه تكليماً، الكَلْم يأتي بمعنى الجرح، جرحه، أي جرحه بمخالب الحكمة، فهذا التحريف، كل هذا من أجل وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً هذا من الخلة، والخلة هي الفقر، أي: اتخذه فقيراً، كل الخلق فقراء إلى الله ، فيقعّدون قواعد فاسدة يجرون عليها النصوص، وقل مثل هذا في قواعد الصوفية، وقواعد المرجئة، وقواعد الطوائف المنحرفة جميعاً، فمن جعل أصلاً يحاكم إليه النصوص ويجريها عليه فتفسيره من قبيل تفاسير أهل البدع، والذين يكتبون في مناهج التفسير أغلبهم من الأشاعرة، أو ممن يظنون أن الأشاعرة هم أهل السنة، وبناء عليه يجعلون مثل تفسير الرازي من تفاسير الرأي المحمود، ويجعلون تفسير الزمخشري من قبيل التفسير بالرأي المذموم المعتزلي، جعلوه من قبيل التفسير بالرأي المذموم لأنه معتزلي، ويجري النصوص على قواعد المعتزلة، فيحرف المعاني والكلم عن مواضعه على قواعد المعتزلة، والأشاعرة نفس الشيء ولا فرق فيمن يحملها على عقيدته الأشعرية، أو الماتريدية، أو إن كان من الخوارج، أو إن كان من الباطنية أو غيرهم، فالقاعدة: كل من أصل أصلاً يحاكم إليه النصوص ويجريها عليه ويحرفها إن خالفت أصله فإن هذا يكون تفسيره من قبيل التفسير بالرأي المذموم، وإذا جهلنا هذا الأصل يُفهم الكلام على غير المراد، نحن نريد أن نجعل أصلاً.

والذين كتبوا من المتقدمين "التفسير المأثور" هؤلاء من أهل السنة على طريقة السلف الصالح، لكن الذين جاءوا من بعدهم صارت الفرق تؤلف المعتزلة والخوارج، والأشاعرة الماتريدية كل الطوائف صارت تؤلف؛ من أجل أن تنصر مذهبها بالقرآن، وهذه مشكلة كبيرة ولم يُقتصر على التفسير بل حتى أصول الفقه سُرق من قرون متطاولة من بعد الشافعي -رحمه الله- وما رجع إلى أهل السنة إلى الآن، فدخلت المؤلفات في أصول الفقه القضايا المنطقية والكلامية وصارت قضايا معقدة وصعبة وأشياء فلسفية، حتى البلاغة والنحو حتى أصبح صعباً عند الكثير من الناس، فهذه الكتب إذا نزلناها على هذا الأصل نحكم على هذا التفسير أنه من تفاسير الرأي المذموم أو الرأي المحمود، لكن هنا ينبغي أن يتنبه إلى أمر حينما نقول: إن هذا التفسير من تفسير الرأي المذموم هذا بناء على القاعدة التي ذكرناها، ولا يعني ذلك أن كل ما فيه سيئ ومذموم، فقد تكون نسبة الانحراف عند المؤلف لا تزيد على خمسة بالمائة من الأشياء التي في الكتاب، فحينما يقال: هذا تفسير بالرأي المذموم ليس معنى ذلك أن الكتاب يطرح ولا يستفاد منه، لكن الذي يستفيد منه من كان يميز هذه القضايا وهم طلاب العلم وأهل الاختصاص، أما العامة فنوصيهم بالكتب النقية كتب أهل السنة التي ليس فيها انحرافات، وسنذكر بعض الكتب، منها: كتاب تفسير "الكشاف عن حقائق التنزيل" للزمخشري وهو أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخوارزمي الحنفي، ولد في رجب في سنة 467هـ، وتوفي في سنة 538هـ، فرغ من تأليفه في سنتين وأربعة أشهر، والذين تكلموا عن كتاب الزمخشري ذكروا أنه ذكر أشياء يعني أموراً فواقر وأموراً فيها جراءة عظيمة في التفسير على السلف الصالح، وعلى التحريف، لكن الكثير مما يذكرون غير موجود في الكتاب والسبب في ذلك أن الزمخشري حينما كان في طريقه إلى مكة إذا نزل في مكان يطلبون منه أن يفسر، وكان رجلاً صاحب بلاغة وبيان، فكان يفسر لهم القرآن، وكتب أشياء، طلبوا منه أن يكتب فكتب فكانت كتابته في غاية الجرأة في إظهار عقيدته الاعتزالية، وتحريف النصوص، والطعن في سلف الأمة فواجه إنكاراً شديداً، فقال: لأضعن لهم تفسيراً لا يستخرجون منه هذه الأمور يعني عقيدة المعتزلة، فدسها بطريقة في غاية الخفاء، فيأتي ويفسر مثلاً قوله تعالى: فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [سورة آل عمران:185] يقول: فقد حصل له الفوز المطلق، المتناول لكل ما يفاز به، ولا غاية للفوز وراء النجاة من سخط الله والعذاب السرمد، ونيل رضوان الله، والنعيم المخلد وهو يقصد نفي رؤية الله ، أن المؤمنين لا يرونه وهذه عقيدة المعتزلة، فهو يقول: لا يوجد نعيم بعد دخول الجنة، ولما وصل إلى مكة طلب منه أميرها أن يكتب في التفسير، فجاور في مكة مدة ولهذا يقال له: جار الله، فبدأ يكتب بهذه الطريقة الخفية في دس الاعتزاليات، ولهذا تتبعه كثيرون بعدة حواشٍ سواء الذين يضيفون المعاني، أو الذين يتكلمون على شواهده الشعرية، أو الذين يناقشونه في قضايا الاعتزال من الأشاعرة وغيرهم، وهذه الحواشي فيها فوائد، فيها علم، فيها قضايا وشواهد شعرية كثيرة جداً، فهذا الكتاب يبرز وجوه الإعجاز، ولا يميز بين الصحيح والمكذوب، ولهذا جاء بالحديث الطويل في فضائل السور مع أنه موضوع، قطّعه وجزأه، ووضعه في آخر كل جزء، وهذا الكتاب فيه شتم لأعلام الأمة، فالزمخشري يسهب في المعنى الوجيز، وينسب المعاني لنفسه، ويكتب محرراً ما ينقل قال فلان، وقال فلان، تأويلاته كثيرة، ولذلك تتبعه ابن المنير وهو من الأشاعرة -رحمه الله- يقول: استخرجت اعتزالياته بالمناقيش، وهو مطبوع في حاشية الكشاف، ويشير للخلافات الفقهية، ويذكر الروايات الإسرائيلية بقلة، وهذه بعض النماذج من الكلام الذي يذكره:

يقول في رد التفسير النبوي ويرد على الصحابة في مواضع فيقول في تفسير قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ [سورة الأنعام:82]، فالنبي  ﷺ فسر الظلم بالشرك، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، فالمعتزلة يفسرونه على عقيدتهم الفاسدة أن صاحب الكبيرة مخلد في النار، فالظلم ليس الشرك وإنما هو الظالم، والظالم عندهم مخلد في النار، يقول: "وأبى تفسير الظلم بالكفر لفظ اللبس"، فهو الآن يرد التفسير النبوي، لم يلبسوا، وقوله: "لم يخلطوا إيمانهم بمعصية تفسقهم" يرد على النبي ﷺ، وله أشياء من هذا على الصحابة مثلاً مع أنه حاول أن يخفي هذه الأشياء، يقول عند قوله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ [سورة هود:107]، يقول: ولا يخدعنك قول المجبرة: إن المراد بالاستثناء خروج أهل الكبائر من النار، يسميهم مجبرة، يقول: فإن الاستثناء الثاني ينادي على تكذيبهم ويسجل بافترائهم وما ظنك بقوم نبذوا كتاب الله لما روى لهم بعض النوابت عن ابن عمرو: "ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد..."، ثم قال: "وأقول: ما كان لابن عمرو في سيفيه ومقاتلته بهما علي بن أبي طالب ما يشغله عن تسيير هذا الحديث"، يعني عن اختلاقه والكذب، والحديث لا يصح، وله أشياء من هذا القبيل، والله المستعان.

ومن التفسير بالرأي المذموم كتاب آخر اسمه "أنوار التنزيل وأسرار التأويل"، وهو المعروف بتفسير البيضاوي لناصر الدين أبي سعيد عبد الله بن عمر الشيرازي البيضاوي المتوفى سنة 691هـ، وقيل 685هـ، وهذا الكتاب يعد من الكتب المختصرة نسبياً، ليس شديد الاختصار مثل الجلالين، وإنما هو أوسع، ولهذا قد يعده من نظر إلى الجلالين من الكتب المتوسطة، حاول أن يضمنه ما وجد يعني من كتب التفسير سواء من المنقول عن الصحابة أو التابعين أو من جاء بعدهم، واعتنى بالجوانب البلاغية، والنكات واللطائف، منها ما استنبطه، ومنها ما نقله عن غيره، وكذلك يذكر وجوه القراءات المشهورة سواء كانت متواترة أو غير متواترة، وهذا الكتاب كتبه المؤلف في عناية شديدة بحيث إنه يصلح أن يكون كتاباً تعليمياً، وهو على عقيدة الأشاعرة، بحيث إن الإنسان مثلاً أول ما يبدأ بتفسير الجلالين، ثم يدرس حاشية الصاوي على الجلالين، وإذا توسع درس حاشية الجمل، وإذا أراد أن ينتقل إلى شيءٍ آخر درس تفسير البيضاوي، وفي البلاد المشرقية يدرسون تفسير النسفي، وهذه التفاسير تستفيد من كتاب الكشاف، وتُعنى بالجوانب البلاغية، وهي كتب تعليمية، والذي يميز بين عقيدة أهل السنة، وعقيدة الأشاعرة يمكن أن يستفيد منها وأن يدرسها، أما الذي لا يميز فيبقى على الكتب التي كتبت على الاعتقاد الصحيح، وهذا الكتاب اعتنى به العلماء الذين لهم اهتمام بالتفسير عناية كبيرة، وكتبت عليه حواشٍ كثيرة جداً، منها المختصر، ومنها المتوسط، ومنها المطول، ومن الكتب أيضاً كتاب "مدارك التفسير وحقائق التأويل" المعروف بتفسير النسفي البيضاوي، وهو أبو البركات عبد الله بن أحمد النسفي المتوفى سنة 701هـ، وقيل غير هذا، والمؤلف حاول أن يجمع ما بين تفسير الكشاف للزمخشري وبين تفسير البيضاوي، وحاول لإخراج كتاب تفسير بلاغي يغني عن الكشاف بعقيدة أو بثوب أشعري، ومن هذه المحاولات تفسير النسفي، وهذا الكتاب وتفسير البيضاوي يُعتنى بهما في بلاد المشرق الماتريدية؛ لانتشار الأشعرية، والأشعرية والماتريدية بينها تقارب شديد، وإنما يختلفون في بعض التفاصيل في الاعتقاد، فحاول أن يتخلص من اعتزاليات صاحب الكشاف والإسرائيليات والأحاديث الموضوعة التي في الكشاف بل حاول أن يتخلص حتى من الأحاديث الضعيفة التي في البيضاوي، ولخص كثيراً مما في الكشاف والبيضاوي وأضاف إليها من تأويلات الماتريدي، والماتريدي له كتاب مطبوع في مجلدين اسمه "تأويلات الماتريدي" من الكتب المتوسطة بين الطول والقصر، مثل تفسير البيضاوي، يُعنى بالقراءات وتوجيهها، ويذكر وجوه الإعراب من غير تطويل، ويشير إلى الأحكام وهو حنفي المذهب، وزاد كثيراً من أقوال النحاة من غير توسع، ويسند القراءات إلى أصحابها، لكنه لا يقرأ القراءات الشاذة كما فعل البيضاوي، وإنما يقتصر على القراءات السبع فقط، فتفسير النسفي يشبه تفسير البيضاوي؛ لأنه يلخص من البيضاوي والزمخشري، وهناك كتاب "إرشاد العقل السليم" لأبي السعود محمد بن محمد بن مصطفى الحنفي المولود سنة 893هـ، وتوفي في القسطنطينية 982هـ، وهذا اعتمد على الكشاف والبيضاوي وزاد عليهما، لكنه أطول من تفسير النسفي والبيضاوي، ويُعنى بالجوانب البلاغية، ويعنى بالمناسبات بين الآيات، ويذكر القراءات وبعض الروايات الإسرائيلية، والمسائل الفقهية قليلة، والإعرابات فيه قليلة، وجُل عناية المؤلف بالنواحي البلاغية، فالكتب التي تعني بالنواحي البلاغية تفسير الزمخشري، والبيضاوي، والنسفي، والرابع تفسير أبي السعود "إرشاد العقل السليم"، و كتاب "روح المعاني" لأبي الثناء شهاب الدين السيد محمود أفندي الألوسي، المولود في بغداد سنة 1217هـ، المتوفى سنة 1270هـ، بدأ تأليفه في16/8/1252هـ، وانتهى منه 4/4/1267هـ، ألفه في خمس عشرة سنة، والكتاب كبير ومتوسع جداً، وإذا قرأت في هذا الكتاب تقرأ لرجل متفنن متضلع في علوم البلاعة، والعجيب أنه ألفه وهو صغير عمره 34سنة، وهذا الكتاب يصلح للمتخصصين في نظري في البلاغة؛ لأن غير المتخصص يتعب لغلبة الصنعة البلاغية على الكتاب، فهو يناقش كثيراً هل هذا استعارة مكنية أو استعارة تصريحية، ويناقش هل هذا مجاز عقلي أو مجاز مرسل؟ والقارئ العادي لا يعرف المجاز المرسل ولا المجاز العقلي، ولا الفرق بينهما، ويطيل الكلام في مثل هذه القضايا حتى يمل القارئ، صفحات طويلة، وينقل عن أبي حيان في البحر المحيط، وكشاف الزمخشري، وتفسير الرازي، وأبي عطية، وأبي السعود، والبيضاوي، وهؤلاء جميعاً عدا الأول -أعني أبا حيان- يُعنون باللطائف والنكات البلاغية، إلا أن أقلهم في ذلك ابن عطية، مع أنه يشير إلى أشياء باعتدال، وليست سمة بارزة على تفسير ابن عطية، واللطائف والنكات التي قد تعجب بها أحياناً في تفسير روح المعاني تجدها منقولة في الغالب من الرازي، وقد تكون نقلت من البيضاوي أو غيره، وإذا نقل عن أبي السعود يقول قال شيخ الإسلام، وإذا نقل عن البيضاوي قال: قال القاضي، وإذا نقل عن الرازي، قال: قال الإمام، فهذه مصطلحات له في الكتاب، ويرد على الشيعة وعلى المعتزلة في قضايا الاعتقاد وهو أشعري، وينقل كلام أهل الهيئة والأمور الكونية كما يفعل الرازي، ويستطرد في المسائل النحوية، والقضايا الفلكية، ويفصل في الفقه، ويورد الإسرائيليات ويناقشها، وكان بالإمكان الاستغناء عنها، ويعنى بالمناسبات بين السور والآيات، إذاً فمن الكتب التي تُعنى بذكر المناسبات تفسير أبي السعود، والألوسي، ويذكر القراءات، ويذكر المعاني اللغوية والشواهد عليها، ثم بعد ذلك كله يذكر المعاني والتفسيرات الإشارية - تفسيرات الصوفية، والتفسير الإشاري يعني الصوفي على خلاف ظاهر القرآن، مثال من كلام الألوسي على آية: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً [سورة البقرة:67] قال: هي النفس تذبح بسكين الطاعة، النفس يعني المجاهدة تحتاج أن تجاهد نفسك تذبحها بالطاعة، ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ [سورة البقرة:68] قال: هذا الصوفي لا في شرخ الشباب والطيش، ولا في سن الضعف والشيخوخة، وسط، عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ، قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا [سورة البقرة:69]، صفرة وجوه أصحاب الرياضة النفسية، رياضة التصوف، صفرة عبادة ما هي صفرة مرض، صفرة تصير من العبادة وكثرة الاجتهاد في الطاعة والصيام، تَسُرُّ النَّاظِرِينَ إلى آخره، وهذا خلاف المعنى الظاهر.

ومن الكتب التي تعنى بالجوانب البلاغية كتاب "التحرير والتنوير" لمحمد الطاهر بن عاشور -رحمه الله- بناه على قراءة نافع برواية قالون، ثم يذكر سائر القراءات العشر ويقتصر عليها، ويقتصر على القراءات المتواترة العشر، ولا يأتي بالشواذ وجرى في ترتيب السور حسب النزول على ما جاء في رواية جابر بن زيد، لا أنه رتب التفسير حسب الرواية، لكن حينما نزلت هذه الآية بعد كذا وقبل كذا بناء على الرواية التي جاءت عن جابر بن زيد، والرواية المشار إليها ضعيفة، ولا تصلح حتى الرواية الأخرى، ولا يصح في ترتيب النزول شيء، الروايات الواردة في هذا لا يصح فيها شيء، وينقل عن ابن عربي الصوفي، لم يتبين له أمره، يحسن الظن به، بل أبلغ من هذا تجد القاسمي -رحمه الله- على عقيدة أهل السنة، يقول: قال العارف الكبير ابن عربي، فهؤلاء العلماء -رحمهم الله- لم يتضح لهم حال ابن عربي، فأحسنوا الظن به، واضح؟ لا يعني أنهم يوافقونه، لكن كانوا يؤولون كلامه ويحملونه على محامل أخرى، ويا ليته ما نقل عنه، ويطيل في المسائل البلاغية، وهو رجل جبل في العلم، رجل محرر وصاحب قلم، يعني من النوادر، فإذا كتب يكتب كتابة محررة، وإذا نقل ينقل جملة أو عبارة ليناقشها معدودة ويزن الحرف وهو يكتب، والكتاب كبير، الكتاب ضخم، وهذا الكتاب مليء بالعلم واللطائف والفوائد والتحريرات، ولكن يتنبه لقضايا العقيدة، فالمؤلف -رحمه الله- لربما لكثرة تضلعه بالعلم لا ينظر في كثير من الأحيان هل سُبق إلى هذا التقرير أو ما سبق إليه، فيحرر قناعاته، والإنسان لا يقول بقول ليس له فيه إمام، مع أنه ضليع في العلم منذ نشأته وصغره، وله كتاب في العلم والتعلم، يذكر أنه لو مشى على الطريق -في الطريقة- التي تفطن لها بعدما وصل إلى الرابعة والعشرين فيقول: لو تفطنت -ما احتجت لكثير من الدراسة على الشيوخ- إلى الأمور التي انقدحت لي، وكذا في طريقة التعلم، وفي كلامه كثير من الكلام الذي نذكره أحياناً في قضية الكتب والاستفادة من الدرس، وكيف تنتقل إلى كتاب أوسع وتعتني بالزيادة، ويكون عندك مراجعة، وكل الكتاب المفروض ما يتوسع فيه عن الحد الذي وضع له، وهو يطيل في المسائل البلاغية، وذكر في أول الكتاب مقدمات مهمة هي التي يعنى بتقريرها أثناء التفسير في كل الكتاب، يرى أن القرآن نزل لتقرير هذه القضايا وتأصيلها، واستفاد من الكشاف، وابن عطية، والرازي والبيضاوي، والألولسي، وحاشية الطيب على الكشاف، والغزويني، والتفتزاني على الكشاف، وحاشية الخشاف على البيضاوي، وتفسير أبي السعود، والقرطبي، وابن عرفة، وابن جرير، فهو يستنبط ويضيف ويناقش ولا يعتبر مجرد ناقل من هذه الكتب، ولذلك لو قال قائل: أريد كتاباً يعنى بالجوانب البلاغية، فيمكن إرشاده إلى تفسير ابن عاشور، ويُعنى –أيضا- ببيان وجوه الإعجاز، ونكات البلاغة، وأساليب الاستعمال، والمناسبات بين الآيات، ولا يعنى بالمناسبات بين السور، ومن فوائد هذا الكتاب ومزاياه أنه يبين أغراض السورة في أولها، ويتكلم عن المعاني الغريبة، المفردات، ونكات المعاني، وتوجد في هذا الكتاب لطائف ولفتات ودرر، ففي قوله تعالى مثلاً: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [سورة الإسراء:23]، يقول: فبدأ بقضية الاعتقاد؛ لأن إصلاح التفكير مقدم على إصلاح العمل، فالناس أسرى لعقائدهم وأفكارهم كما هو معروف، فإذا أصلحت التفكير والاعتقاد استقام العمل، فبدأ بقضية التوحيد. فالكتاب مليء بمثل هذه النفائس، وفي كثير من كتب التفسير تجد في الغالب تكراراً بخلاف تفسير ابن عاشور ففيه أشياء عجيبة جداً وليست تحصيل حاصل، والمؤلف -رحمه الله- توفي وعنده حاشية على الكتاب وإضافات لم تطبع مع الكتاب للأسف، وهي موجودة عند أحفاده وأولاده، ومن الكتب كتاب "مفاتيح الغيب" لأبي عبد الله محمد بن عمر التميمي البكري الرازي، المولود سنة 544هـ، وتُوفي سنة 606هـ في الري، مات قبل إتمام كتابه وهذا متفق عليه، لكن المختلف في الذي أكمله، فذهب الحافظ ابن حجر إلى أن الذي أكمله هو أحمد بن محمد بن أبي الحزم مكي نجم الدين القامولي المتوفى سنة 727هـ، وهو مصري كما في الدرر الكامنة، وفي كشف الظنون ذكر تكملة أخرى للقاضي شمس الدين بن خليل الخُوَيِّي الدمشقي المتوفى سنة 637هـ، وذكر أن الرازي وصل إلى سورة الأنبياء، وأن التكملة لمن بعدهم، وتجد عند قوله تعالى مثلاً: جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [سورة الواقعة:24]، يقول: المسألة الأولى: وهي أصولية، ذكرها الإمام فخر الدين -رحمه الله- في مواضع كثيرة ونحن نذكر بعضها، هي في سورة السجدة، يقول ذكرها في مواضع كثيرة ونحن نذكر بعضها، هذا يدل على أن هذا الموضع ليس للرازي، وتجد في الكلام على الآية السادسة من سورة المائدة إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ يستشهد بقوله: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ [سورة البينة:5]، يقول الرازي: وقد حققنا الكلام في هذا الدليل في تفسير قوله وَمَا أُمِرُوا، وفي النساء يقول: حققناه في المائدة إلا إذا كان يقصد أنه سيحققه في سورة المائدة ولم يكن قد كتبه، وربما كان لا يكتب كتابة متسلسلة، وهذا الذي توصل إليه الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني -رحمه الله، والشيخ ابن مانع في قطر -رحمة الله عليه- كتب يسأل الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني عن تفسير الرازي هل كل الكلام للرازي أو بعضه على الراوي وبعضه لغيره؟ فالمعلمي -رحمه الله- عالم وهمته عالية قرأ الكتاب من أوله إلى آخره، ثم بعد ذلك قراءة متأملة وبدأ يقارن في الأسلوب فجعل يحدد يقول من مقطع كذا إلى مقطع كذا ليس من كلام الرازي، وقسمه إلى نحو خمسة أقسام في مواضع متفرقة، فالمعلمي له رسالة مطبوعة في هذا مفيدة، وهذا خلاف كلام المتقدمين، يعني الذين قبله يقولون: إلى سورة الأنبياء لكن المعلمي ساق أمثلة وأشياء فيها إشارات أن البعض من كلام الرازي وبعض ذلك ليس من كلامه، وفي ثنايا الكلام، فقد يكون الرازي يكتب في مواضع متفرقة ثم توفي، مثل الأمير الصنعاني -رحمه الله، فإن كتابه بدأ بالتفسير من أوله ثم بعد ذلك صار يكتب مقاطع متفرقة، ولم يكمل الكتاب، وهو عبارة عن تفسير بعض المواضع وليس على الترتيب، والرازي يذكر أشياء من الغرائب كما يقال حتى قال عنه ابن خلّكان في ترجمته في وفيات الأعيان: جمع فيه كل غريب وغريبة، يُعنى بقضايا علوم الفلك والهيئة والفلسفة والمنطق، ويقول أبو حيان: جمع الإمام الرازي في تفسيره أشياء كثيرة طويلة لا حاجة بها في علم التفسير، ولذلك قال بعض العلماء: فيه كل شيء إلا التفسير، وهذا الكلام فيه مبالغة ففيه أشياء من التفسير كثيرة، وفيه فوائد ولطائف واستنباطات دقيقة وجميلة ولكن كيف تصل إليها مع هذا الكم الهائل من القضايا التي يذكرها ويناقش دائماً الفلاسفة والمعتزلة؟!، ويقول الحافظ ابن حجر في اللسان: وكان يعاب بإيراد الشبهة الشديدة ويقصر في حلها، يجيء بالشبهة مفتوحة -شبهة المخالفين- والرد يكون ضعيفاً هشاً، حتى قال بعض المغاربة: يورد الشبهة نقداً ويحلها نسيئة، ويقول الطوفي في كتابه "الإكسير في علوم التفسير" -وهو مطبوع أكثر كتاب الإكسير يعني في علوم القرآن لكن أكثر ما فيه قضايا لغوية وبلاغية: وما رأيت في التفاسير أجمع لغالب علم التفسير من القرطبي ومن تفسير الإمام فخر الدين إلا أنه كثير العيوب، فحدثني شرف الدين النصيبي عن شيخه سراج الدين السرنياحي المغربي أنه صنف كتاب المأخذ في مجلدين بين فيهما ما في تفسير الفخر من الزيف والبهرج، يعني أدخل أشياء لا يقر عليها، وكان ينقم عليها كثيراً، ويقول: يورد شبه المخالفين في المذهب والدين في غاية ما يكون في التحقيق، ثم يورد مذهب أهل السنة والحق على غاية الوهاء، قال الطوفي: ولعمري أن هذا دأبه في كتبه الكلامية، والحكمة، يعني كتبه في الفلسفة، حتى اتهمه بعض الناس، إلى أن قال: وقد صرح في مقدمته في نهاية العقول أنه مقرر مذهب خصمه تقريراً لو أراد خصمه تقريراً لم يقدر على الزيادة على ذلك، كما في كتاب لسان الميزان للحافظ ابن حجر، هذا اعتذر به شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عن الرازي، وهذا من إنصافه، والذين اتهموا الرازي قالوا: إنه قصد الدس في الدين بهذه الطريقة، يورد شبه المخالفين قوية، والرد يكون ضعيفاً؛ لخلخلة قناعة القارئ في الدين، ورد عليهم شيخ الإسلام معتذراً له قال: إنه لشدة حرصه على إنصاف المخالف يستنفذ كل الجهد بحيث لا يبقي للمخالف أدنى شيء يمكن أن يستدل به إلا وذكره، فيكون قد أجهد فإذا جاء الرد تكون قوته قد استنفذت وتعب فيكتب كتابة ضعيفة، ويورد أيضاً حتى المسائل الفقهية وهو على مذهب الشافعي، وكذلك مسائل أصول الفقه، ومسائل النحو ويستطرد في ذلك، وفي قضايا البلاغة ويبالغ في كثير من الأمور حتى إنه قال: إنه يمكن أن يستنبط من سورة الفاتحة عشرة آلاف مسألة، ومن الاستعاذة عشرة آلاف مسألة، وهذا الكلام فيه مبالغة، وبدأ يذكر بعض النماذج والتطبيقات على الاستعاذة أو البسملة، والواقع أنه يبني هذه الأمور على بعض بحيث يخرج عن الكلام على الآية، ويقال إنه مر ومعه كوكبة من أتباعه وتلامذته على امرأة عجوز فقالت: من هذا؟ قالوا: هذا الذي يعرف على وجود الله ألف دليل، فقالت: لو لم يكن في قلبه ألف شك لما عرف عن وجود الله ألف دليل، بمعنى أن وجود الله لا يحتاج إلى ألف دليل.

وليس يصحُ في الأذهان شيءٌ إذا احتاج النهارُ إلى دليل

وله كتب كثيرة منها كتب في السحر ومخاطبة النجوم، وكتب -نسأل الله العافية- لكن له وصية كتبها لأولاده، يذكر فيها رجوعه عن العقائد الباطلة إلى عقيدة الحديث والسنة والقرآن وإثبات ذلك وكذا، كلام جيد للغاية في وصيته لأولاده، فلعل الرجل رجع وإن كان لم يكتب كتباً ينقض فيها هذا الكم الهائل الذي تركه من المؤلفات وفيها ما الله به عليم، فتفسير الرازي لا يقرأ فيه إلا من كان يميز بين الحق والباطل، ومن الكتب أيضاً كتاب "غرائب القرآن ورغائب الفرقان" لنظام الدين الحسن بن محمد أحمد بن الحسين القمي النيسابوري، المتوفى سنة 728هـ، وهو مطبوع، وكبير أورد حاصل كلام الرازي وزاد عليه من الكشاف وغيره، وأورد القراءات المتواترة أو المعتبرة، فهذا الكتاب يوجد فيه اللطائف والأشياء التي هي من الرازي حيث أورد حاصل كلام الرازي، وترك أشياء كثيرة مما ذكره الرازي، لكن زاد عليهم من الأمور الواضحة في الكتاب زيادة التفسير الإشاري الصوفي، وبعد أن يذكر التفسير المعروف يضع عنواناً يؤخذ من إشارة الآية ويأتي بتفسيرات الصوفية، ومن الكتب التي استفادت من الرازي كتاب "اللباب من علوم الكتاب" لابن عادل الحنبلي، وهو في القرن الثامن تقريباً الهجري، ذكر أنه جمعه من علوم القرآن، وهو ينقل من الزمخشري والرازي وقد لا يسميه أحياناً يقول: قال بعضهم، وتارة دون عزو أصلاً، والكتاب طبع أخيراً لكن كان مخطوطة له نسخ خطية بعضها واضح مثل المطبوع، وتوجد بعض اللطائف والأشياء الجميلة في الكتاب، لكن عند المقارنة تجدها مأخوذة من تفسير الرازي.

  1. مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (13/ 361).
  2. المصدر السابق (13/ 362).
  3. مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (13/ 362).

مواد ذات صلة