(3) من قوله تعالى" قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ ... " أية 16 إلى قوله تعالى" إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ..." الآية 27
عدد الزوار : 6452
تاريخ الإضافة : 1 ربيع الآخر 1435
MP3 : 55890 kb
PDF : 11268 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير

سورة الفتح من الآية (19) إلى الآية (44)

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وبعد.

قال المصنف -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا الفتح:16-17.

اختلف المفسرون في هؤلاء القوم الذين يُدعوَن إليهم الذين هم أولو بأس شديد على أقوال:

أحدها: أنهم هوازن، رواه شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير أو عكرمة أو جميعًا، ورواه هشيم عن أبي بشر عنهما، وبه يقول قتادة في رواية عنه.

الثاني: ثقيف، قاله الضحاك.

الثالث: بنو حنيفة، قاله جويبر، ورواه محمد بن إسحاق عن الزهري، وروي مثله عن سعيد وعكرمة.

الرابع: هم أهل فارس، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، وبه يقول عطاء ومجاهد وعكرمة في إحدى الروايات عنه.

وقال كعب الأحبار: هم الروم.

وعن ابن أبي ليلى وعطاء والحسن وقتادة: هم فارس والروم.

وعن مجاهد: هم أهل الأوثان.

وعنه أيضا: هم رجال أولو بأس شديد، ولم يعين فرقة، وبه يقول ابن جريج، وهو اختيار ابن جرير.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى-: قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ هؤلاء هم المذكورون في الآيات قبله، من قوله تعالى: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا الفتح:11.

وهم الذين قال الله فيهم: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ الفتح:15.

فهؤلاء امتُحنوا بهذا: قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ من هؤلاء؟

اختلف فيهم، وهذا هو أحد الأنواع الداخلة تحت ما يعرف بالمبهمات في القرآن، فإن المبهمات في القرآن تارة تكون في أسماء الأشخاص، وتارة تكون في البقاع والأمكنة، وتارة تكون في الأزمان والأوقات، وتارة بغير هذا، ولا طائل تحته في غالب الأمثلة، وقد ألف فيه السهيلي، والغرناطي، وغير هؤلاء، لكن لا فائدة في غالب ما يذكر تحته؛ لأن ذلك لو كان فيه فائدة لذكره الله -عز وجل-، وغاية ما هنالك أنه قد يُحتاج إليه إما لدفع تهمة، أو لبيان فضيلة، كما مضى في قوله تعالى: وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا فمروان قال: إنه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، فردت عليه عائشة -رضي الله عنها- ذلك، فمثل هذا يُحتاج إليه لدفع تهمة، وإلا فالغالب أن هذا لا حاجة إليه، وقد جاء عن عكرمة أنه قال: "تطلبت الذي خرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله أربع عشرة سنة حتى وجدته" يعني الذي في قوله: وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ النساء:100، هل في هذا فائدة؟، لا فائدة في هذا، فهو بقي نحوًا من أربع عشرة سنة وهو يتطلب هذا المعين، هذا مما تنقضي به الأعمار -على قصرها- من غير فائدة، هذا بالإضافة إلى كثرة الاختلاف الواقع تحته، خاصة فيما ينقل عن بني إسرائيل، فتجد أنهم يذكرون أسماء كثيرة، وهذا يدل على أنه ليس هناك ما يمكن أن يوقف عنده في كثير من هذه المواضع؛ فليس عليه دليل صحيح.

فهنا هؤلاء القوم الذين وصفهم الله -عز وجل- أنهم بهذه المثابة: أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فمن قائل: إنهم هوازن. ولا شك أن هوازن يصدق عليهم هذا الوصف، فكما نعلم ما حل بأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في وقعة حنين، فقد خرج بهم مالك بن عوف النضري، وهو قائد هوازن، خرج بهوازن ومن وافقهم وتبعهم في وادي حنين، خرجوا بالنساء والأطفال والإبل والبقر والغنم، ما تركوا شيئا بزعمه -أعني مالك بن عوف النضري- أن الرجل إذا كان أهله وماله وراء ظهره فإنه لا ينهزم، يثبت حتى يموت، وقد ذكرت في بعض المناسبات طرفًا من هذا، وما حل بأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، حيث كمنوا لهم ببعض نواحي وادي حنين، فلما دخلوا انهالت عليهم النبال كأنها مطر يزعزعه الريح، فانهزموا، ولم يبقَ مع النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا نحو عشرة رجال، هذا العدد الكبير ما يقرب من اثني عشر ألف رجل، حتى قال قائلهم: "لن نغلب اليوم من قلة" وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًاالتوبة: 25.

فالمقصود: أن هذا القتال الذي كان مع هوازن لا شك أن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- لقوا فيه ما لقوا.

وبعضهم يقول: ثقيف، وذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حاصرهم بعد هوازن، مع فلول المنهزمين من هوازن، ولم يُفتح عليهم حتى رجعوا، وسَمّى هنا من قال بهذا، ومن قال بهذا.

وبعض السلف قال بهما معًا، يعني أنهم ثقيف وهوازن، كما جاء عن سعيد بن جبير -رحمه الله-.

ومن قائل: إنهم بنو حنيفة، وهؤلاء لا شك أنهم أحدثوا في أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- مقتلة، وقُتل من القراء فقط، وهم أهل العلم، قتل ما يقرب من سبعين، كما هو معروف في خبر عمر مع أبي بكر -رضي الله عنه- في جمع القرآن الأول، الذي كان في الصحف، وكان سببه ما حصل: "استحر القتل بالقراء" وكانوا قد تضعضعوا وهزموا في البداية في اليمامة، حتى أعاد خالد -رضي الله عنه- تنظيم الجيش، فقدم أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكان الأعراب قد اختلطوا بالناس -وهم كثر في جيش المسلمين- فأخرهم، وقدم أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصفوف المقدمة، فحصل الفتح والنصر، فهذا قال به هؤلاء الذين ذكرهم ابن كثير، وقال به غيرهم كمقاتل، وهذا الذي حكاه الواحدي عن أكثر المفسرين، أي قول الجمهور: إن هؤلاء هم أهل اليمامة.

والرابع: أنهم أهل فارس، وهنا نقله عن ابن عباس -رضي الله عنهما- وعن عطاء، وهذا قال به عطاء بن أبي رباح، وعطاء بن يسار، كلاهما، وعكرمة في إحدى الروايات عنه، كما يقول هنا، وغير هؤلاء كابن أبي ليلى.

والمعروف المشهور عند العرب: أن الفرس كانوا أشداء في القتال، في غاية الشدة، ولذلك في أخبار فتح فارس يعني بعد حروب الردة لما كان عمر -رضي الله تعالى عنه- يسير الجيوش بعد وفاة أبي بكر -رضي الله عنه- كان الناس يذهبون إلى الشام؛ لما ورد فيها من الفضائل، ولا يكاد يذهب إلى فارس أحد، فكان يحثهم عمر -رضي الله عنه- على الخروج إلى فارس، حتى إننا نجد في الأخبار المدونة في التاريخ والسيرة أنه لربما كان الذين يذهبون إلى فارس عامتهم ممن وقع لهم شيء يرون أنه لا يكفره إلا القتل في سبيل الله، يعني ممن ارتدوا عن الإسلام، ثم رجعوا، ولذلك تجد أمثال عمر بن معد يكرب -فارس العرب- وغيره ذهبوا إلى فارس، وهذا هو المشهور عند العرب، فغير فضائل الشام الفرس كانوا أهل صلابة وشدة في الحرب.

ومن هنا قال بعضهم: إنهم الفرس.

يقول: وقال كعب الأحبار: هم الروم، وهذا قال به أيضًا الحسن في إحدى الروايات عنه، ورواية أيضًا عن ابن أبي ليلى وعطاء، والحسن في رواية، وعطاء في رواية أيضًا قال: هم فارس والروم معًا، هذا بعد حروب الردة.

وبالمناسبة العداء الشديد بين الفرس والروم في التاريخ، والحروب التي بينهم كانت قبل الإسلام، اجتمعوا في معركة واحدة إبان الفتوح الإسلامية لبلاد فارس، يعني في بعض المعارك اجتمع الفرس والروم في معركة واحدة يقاتلون المسلمين، وهذا لا يعرف في التاريخ قط أنه حصل، ولكن إذا كان العدو هم أهل الإسلام فإن هؤلاء يتناسون العداوات التي بينهم.

وعن مجاهد: هم أهل الأوثان.

وعنه أيضا: هم رجال أولو بأس شديد، يعني أن الله -تبارك وتعالى- لم يبين هذا المبهم، ولا داعي ولا حاجة للتكلف في تحديد هؤلاء؛ لأنه ليس عندنا في ذلك دليل.

ومن ثم اختلف هؤلاء الأئمة من السلف -رضي الله تعالى عنهم-، ومن ثم فإن تحديد مثل هذا يحتاج إلى دليل.

قال: "وبهذا قال ابن جريج، وهو اختيار ابن جرير".

ولا شك أن هذا أسلم، وهؤلاء الذين ذُكروا مثل أهل اليمامة وهوازن، وكل هؤلاء، وكذا فارس هم بهذه الصفة.

وبعضهم جمع بين بعض هؤلاء الكفار، كما جاء عن قتادة: أنهم هوازن وغطفان يوم حنين.

قال تعالى: تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ الفتح: 16 يعني شرع لكم جهادهم وقتالهم، فلا يزال ذلك مستمرًّا عليهم، ولكم النصرة عليهم، أو يسلمون فيدخلون في دينكم بلا قتال، بل باختيار.

قوله: تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ يقول ابن كثير: فلا يزال ذلك مستمرًّا عليهم -يعني القتال أو الجهاد-، ولكم النصرة عليهم أَوْ يُسْلِمُونَ فيدخلون في دينكم بلا قتال، بل باختيار.

بمعنى أنه يحصل واحد من هذين الأمرين: تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ على هذا المعنى ليس معناه: أنكم تقاتلونهم إلى أن يسلموا، يعني أن يكون الخيار الوحيد هو الإسلام، تقاتلونهم إلى أن يسلموا، وهذا الذي قاله ابن كثير، وهو اختيار ابن جرير.

والزجاج يقول: التقدير: أو هم يسلمون، وهذا واضح في أن ذلك يكون بهذا المعنى الذي ذكره ابن كثير وابن جرير.

وفي قراءة لأبيٍّ -وهي قراءة غير متواترة-: "تقاتلونهم أو يسلموا" أي حتى يسلموا، على هذه القراءة: المعنى أن يستمر القتال إلى أن يدخلوا في الإسلام، وهذا غير المعنى الأول.

المعنى الأول: أنه يقع لهم أحد أمرين: إما القتال، وإما أنهم يدخلون في الإسلام اختيارًا وطواعية، فلا يحصل لهم قتال أصلا.

وهؤلاء الذين يُقاتَلون وليس ثمة خيار غير الإسلام هم -كما هو معلوم- أهل الإشراك، فإن أهل الكتاب تؤخذ منهم الجزية، وأخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- الجزية من مجوس "هجر".

و"هجر" هي الأرض الممتدة على ساحل البحرين، كل ذلك يقال له: "هجر".

فهؤلاء أخذ منهم النبي -صلى الله عليه وسلم- الجزية، فيلحقون بأهل الكتاب من هذه الحيثية.

فالذين قالوا: إنهم هوازن أو ثقيف أو أهل اليمامة، أو نحو ذلك، مما يستندون إليه هذا، أنه لم تذكر الجزية، بينما أهل الكتاب قال فيهم الله -عز وجل-: قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ التوبة: 29.

ثم قال -عز وجل-: فَإِن تُطِيعُوا أي: تستجيبوا، وتنفروا في الجهاد، وتؤدوا الذي عليكم فيه: يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يعني زمن الحديبية، حيث دُعيتم فتخلفتم: يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا.

قوله: يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا أطلق هذا الأجر الحسن، ومن ثم فإن بعض أهل العلم أيضا حمله على معنى كذلك، يعني قالوا: في الدنيا وفي الآخرة، أن الله لم يقيد ذلك في الدنيا أو في الآخرة، فيكون الأجر الحسن يشمل هذا وهذا، ففي الدنيا الغنيمة والظفر والنصر، وفي الآخرة الجنة.

وبعض أهل العلم نظر إلى أجلى صور الأجر الحسن، فقال: الأجر الحسن هو الجنة، كما يقول ابن جرير -رحمه الله-.

ولكن هذا الاطلاق، لو أنه بقي معه المعنى على الإطلاق، أو قال هذا قائل لكان له وجه -والله أعلم- أن ذلك يشمل الدنيا والآخرة.

 

أطلق هذا الأجر الحسن، ومن ثم فإن بعض أهل العلم أيضا حمله على معنى كذلك، يعني قالوا: في الدنيا وفي الآخرة، أن الله لم يقيد ذلك في الدنيا أو في الآخرة، فيكون الأجر الحسن يشمل هذا وهذا، ففي الدنيا الغنيمة والظفر والنصر، وفي الآخرة الجنة. وبعض أهل العلم نظر إلى أجلى صور الأجر الحسن، فقال: الأجر الحسن هو الجنة، كما يقول ابن جرير -رحمه الله-. ولكن هذا الاطلاق، لو أنه بقي معه المعنى على الإطلاق، أو قال هذا قائل لكان له وجه -والله أعلم- أن ذلك يشمل الدنيا والآخرة.

 

وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يعني حيث دُعوا فتخلفوا زمن الحديبية.

يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا العذاب الأليم هنا أيضا مطلق، فيشمل القتل والأسر، ويشمل أيضا عذاب الآخرة.

ابن جرير -رحمه الله- لما حمل "الأجر الحسن" على الجنة، حمل هذا أيضا على عذاب النار.

ثم ذكر تعالى الأعذار في ترك الجهاد، فمنها لازم، كالعمى والعرج المستمر، وعارض، كالمرض الذي يطرأ أيامًا ثم يزول، فهو في حال مرضه ملحق بذوي الأعذار اللازمة، حتى يبرأ، ثم قال -تبارك وتعالى- مرغبًا في الجهاد وطاعة الله ورسوله: وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ أي: ينكل عن الجهاد، ويقبل على المعاش يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا في الدنيا بالمذلة، وفي الآخرة بالنار، والله تعالى أعلم.

قال تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا الفتح: 18 – 19.

يخبر تعالى عن رضاه عن المؤمنين الذين بايعوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تحت الشجرة، وقد تقدم ذكر عدتهم، وأنهم كانوا ألفًا وأربعمائة، وأن الشجرة كانت سمرة بأرض الحديبية، روى البخاري عن طارق عن عبد الرحمن -رضي الله عنه- قال: "انطلقت حاجًّا فمررت بقوم يصلون، فقلت: ما هذا المسجد؟..

عبد الرحمن البجلي، وهو من التابعين، هنا قال: "-رضي الله عنه-"، لا إشكال من جهة المعنى كما سبق في الكلام على الأذكار أنه يقال لغير الصحابي: "-رضي الله عنه-"، لكن الذي جرى عليه العمل أن الصحابة يُترضى عنهم، ويترحم على من بعدهم، ذكرت هذا حتى لا يتوهم أن هذا صحابي.

قال: انطلقت حاجًّا فمررت بقوم يصلون، فقلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته، فقال سعيد: حدثني أبي أنه كان في من بايع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تحت الشجرة، قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها، فلم نقدر عليها، فقال سعيد: إن أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- لم يعلموها، وعلمتموها أنتم، فأنتم أعلم؟"([1]).

مضى الكلام على هذا مختصرًا، ففي هذا السياق ما يوضح أنهم يصلون، يعني اتخذوا هذا مسجدًا، وأنه في ذلك الزمان الشريف تجد من الناس إسراع إلى مثل هذه الانحرافات، يعني الآن إذا كان هذا في ذلك الوقت، فإبراز معالم السيرة النبوية بالصور هذا يذكي هذا الجانب ويحييه، هذا بالإضافة إلى وجود ملحوظات علمية على بعض الكتب التي صدرت وبطبعات فاخرة، ورق مصقول، وبالألوان، وأحجام مغرية، في وضوحها وسهولة قراءتها، وضخامتها، والغلاف الذي يزينها، ويجذب القراء ممن لا شأن له بالقراءة، والصور أكثر من المكتوب، أصلا هذه المواقع ليست محل اتفاق، وبعض هؤلاء الذين كتبوا عولوا على بعض من كتب في المعالم الجغرافية، كناحية فقط تعريفية، مثل الذين يكتبون في معاجم البلدان، ولكن كتابتهم عليها استدراكات مع ما فيها من الفائدة، لكن عليها استدراكات كثيرة، بمعنى أنها ليست محل ثقة عند أهل العلم، فجاء بعض هؤلاء ممن لا يميز أصلا هذه القضايا، وإنما هو طارئ عليها، فوقع في يده بعض هذه الكتب، فبنى عليها، وذهب وصور هذه الأماكن، أشجار وأحجار وآبار، وغير ذلك، فنشرت، والناس قد لا يتصورون كيف يتهافتون على مثل هذه الأشياء، من غير شيء، ومن سكن المدينة أو مكة، رأى من هذا عجائب، هؤلاء الذين ينقلون الحجاج يذهبون بهم إلى أماكن لا تخطر على البال، يذهبون إلى بئر، يقولون: هذا بئر عثمان   -رضي الله عنه-، التي اشتراها، يذهبون بالحجاج زرافاتٍ ووحدانًا، أيام الحج، كأن هذا من أعمال النسك! يذهبون ويستقون من هذا الماء، ويأخذون معهم مياهًا، ويذهبون بها إلى بلادهم، في الصحراء، بعيد، بئر صغيرة جدًّا في حجمها واتساعها، وفي عمقها، لا تصل إلى أربعة أمتار، بل أقل، ويأتيها هؤلاء الأعاجم، يتواردون عليها، يقولون: هذه بئر الناقة، التي شربت منها ناقة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا يُعرف لهذا أصل، بل وجد من يبتز هؤلاء الحجاج، ويأخذ أموالهم بالباطل، ويذهبون بهم إلى حجر، ومكان صغير في جبل أحد، أشبه بالغار، وهو ليس بغار، ويجلسون عليه بالتتابع، يصطفون طوابير، هؤلاء المساكين، وبعشرة ريالات: هذا المكان الذي استراح به النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم أحد، اجلس، اجلس، لحظة، ثم يقول: قم، الثاني، الثالث، بهذه الطريقة، وهؤلاء طبعًا يصدقون؛ لأن هؤلاء حينما يأتون هم لا يتصورون الذي أمامهم إلا واحدًا من أحفاد النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو أحفاد أبي بكر، أو أحفاد عمر، هكذا يتصورون، وأن هؤلاء لا يتطرق إليهم الخلل ولا الخطأ، فضلا عن الكذب، لأن هؤلاء قد عرفوا هذه الأماكن معرفة تامة، وتوارثوها عن آبائهم، وهم ينظرون إلى تقاسيم وجوههم كأنما ينظرون إلى أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا شيء مشاهد، فتصوير هذه المشاهد، أو إقامة معارض لمعالم السيرة النبوية التي تشرح الغزوات هذا لا إشكال فيه، لكن التي تذكر مثل هذه الأماكن والآبار والمياه والأشجار التي استظل تحتها النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو جلس أو استراح فيها، أو الثياب و السلاح، ونحو هذا، مع أنه لا يثبت شيء إطلاقًا مما قيل إنه لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا من شعر، ولا من سلاح، ولا من ثياب، أو نعل، كل ذلك لا يثبت فيه شيء، ولذلك في باب التبرك حينما تذكر هذه المسألة هي مجرد مسألة نظرية؛ لأن كل هذه الأشياء المنسوبة في بعض المعارض والمتاحف لا يثبت منها شيء، لا يصح منها شيء.

وهذه -وللأسف- تجد سوقًا رائجة، فلا يُفرح بمثل هذه الكتب، لهذه الأسباب:

أولا: من الجانب العلمي والدقة.

ثانيا: من ناحية الآثار التي توصل إليها؛ لأن هذا يؤدي إلى تتبع هذه الآثار، وتعظيم هذه الآثار، إذا كان في ذلك الزمان هناك من اتخذ هذه الشجرة التي قطعها عمر -رضي الله عنه- مسجدًا، في زمن عمر يتسارعون إليها، فكيف بزماننا هذا بأن تعطي لهؤلاء مواقع إضافية، وبقاعًا، من أجل أن يذهبوا، وأن يتطلبوها، وهؤلاء يستلذون المشاق في هذا، تجد كبارًا في السن قد انحنت ظهورهم، وعجائز، تجدهم في غاية النشاط في هذه الأماكن، ويصعد إلى أماكن مرتفعة، وجبال وصخور، ووعر، وهو يستلذ وهو يزاول هذه الأعمال، نشاط غير عادي، والله المستعان.

"غار حراء" في الحج تجد خطًّا لربما يتوهم الناظر -وأنا من هؤلاء الذين توهموا هذا- في الظهيرة أنه خط في الجبل، من صبغ، قد صُبغ جزء، أو خط في الجبل لسبب أو لآخر، ثم يتبين بعد مدة أن جزءًا من هذا الخط تغير لونه إلى الصفرة، فلما تأملت تبين أن هذا بشر حجاج يمشون، عليهم إحرامات، هؤلاء البيض، ثم جاءت طائفة لا أدري نساء، أو نحو ذلك، صفر، يلبسون ثيابًا صفراء، فكانوا يمثلون جزءًا من هذا الخط في الجبل، مع أن الصعود إلى الجبل يحتاج ما لا يقل عن ساعتين، حتى تصل إلى الغار، وفي الظهيرة، وفي وقت كان الحج في الصيف في شدة الحر، ويصعدون! ما عندهم مشكلة، ويصلون ركعتين في الغار.

إذا كان "جبل عرفات" هناك من يطوفون به، ويصلون إليه، بصرف النظر عن القبلة، ويربطون الخرق، ويكتبون الكتابات، ويضعون الأوراق، وأنا بنفسي سمعت من يدعو: "يا جبل عرفات أودعتك أهلي ومالي" ووراءه جمع من الناس يرددون، هؤلاء بحاجة إلى من يبرز لهم المعالم التي مر بها النبي -صلى الله عليه وسلم- في طريقه للهجرة، أو في غزواته، استراح تحت هذه الشجرة، وجلس تحت هذا الجبل؟!.

وقوله تعالى: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ أي: من الصدق والوفاء والسمع والطاعة فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ وهي الطمأنينة عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا وهو ما أجرى الله -عز وجل- على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدائهم وما حصل بذلك من الخير العام المستمر المتصل بفتح خيبر، وفتح مكة، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم عليهم، وما حصل لهم من العز والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى: وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا.

قوله -تبارك وتعالى-: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ قال: "أي من الصدق والوفاء والسمع والطاعة" كل هذه أقوال للسلف -رضي الله تعالى عنهم-.

وابن جرير -رحمه الله- يقول: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ يعني من الصدق.

وهذا الذي عليه عامة أهل العلم: أن المقصود أنه علم ما في قلوبهم من الصدق والوفاء بالبيعة، والاستجابة لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-، هذا الذي عليه عامة أهل العلم، وإن كان ثمة من قال: إنه علم ما في قلوبهم من التردد والمخاوف فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ فثبتوا، علم ما في قلوبهم من الاضطراب، لكن هذا بعيد، وإنما هذا أشبه بما يكون بأنه كافأهم وجازاهم بإنزال السكينة عليهم، لمّا علم ما في قلوبهم من الصدق والوفاء، فيكون ذلك منقبة لهم.

فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ قال: هي الطمأنينة، والسكينة مضى الكلام عليها وأنها تقال: للطمأنينة، وهي مأخوذة من السكون، والنفس إذا حصل لها السكون -سكنت- حصلت لها الطمأنينة، بخلاف الخوف والاضطراب، فإن ذلك يزعجها ويقلقها، فهنا حصل لهم سكون إلى الحق أورث الثبات والإقدام حين البأس.

أما قوله هنا: "والسمع والطاعة" فهذا جاء من كلام بعض السلف أيضًا، كما جاء عن قتادة وابن جريج، قالوا: من الرضا بأمر البيعة على أن لا يفروا كما سبق.

والمعنى الآخر الذي أشرت إليه منقول عن مقاتل: أنه علم ما في قلوبهم من كراهة البيعة على الموت، فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ.

قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- معلقًا على قوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا "علم الله -سبحانه وتعالى- ما في قلوبهم من القلق والاضطراب لما منعهم كفار قريش من دخول بيت الله، وحبسوا الهدي عن محله، واشترطوا عليهم تلك الشروط الجائرة الظالمة، فاضطربت قلوبهم وقلقت، ولم تطق الصبر، فعلم تعالى ما فيها، فثبتها بالسكينة رحمةً منه ورأفة ولطفًا، وهو اللطيف الخبير.

وتحتمل الآية وجها آخر: وهو أنه -سبحانه- علم ما في قلوبهم من الإيمان والخير، ومحبته ومحبة رسوله، فثبتها بالسكينة وقت قلقها واضطرابها.

والظاهر: أن الآية تعم الأمرين، وهو أنه علم ما في قلوبهم مما يحتاجون معه من إنزال للسكينة، وما في قلوبهم من الخير الذي هو سبب إنزالها"([2]).

هنا حمل على المعنيين.

وكلام مقاتل -رحمه الله-: علم ما في قلوبهم من كراهة البيعة على الموت، وهنا: الاضطراب.

والذي عليه عامة أهل العلم من السلف فمن بعدهم: علم ما في قلوبهم من الصدق والوفاء.

هنا قال: وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا فسره هنا بصلح الحديبية، وما حصل من جراء ذلك من الخير المتصل بفتح خيبر، وفتح مكة، ثم فتح سائر البلاد؛ لأن هذا الفتح القريب من أهل العلم من قال: إنه خيبر، كما جاء عن قتادة وابن أبي ليلى، باعتبار أن هذا أقرب فتح كان للمسلمين بعد صلح الحديبية، فوصفه الله بأنه قريب، فكان أقرب ما يلي الصلح هو خيبر.

وبعضهم قال: إنه فتح مكة "أثابهم فتحًا قريبًا" باعتبار أن الفتح إذا أطلق يتبادر إلى الذهن فتح مكة، ولكن الحديبية -كما هو معلوم- كانت في السنة السادسة، وفتح مكة كان في السنة الثامنة، وخيبر كانت في السنة السابعة، فابن كثير -رحمه الله- حمله على هذا المعنى الذي هو صلح الحديبية نفسه، وما اتصل به من فتح خيبر ومكة، فيكون جمعَ بين الأقوال الثلاثة في هذه العبارة، هذا من مزايا هذا التفسير؛ لأن صلح الحديبية يقال له: "فتح" كما هو معلوم في أول السورة: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا الفتح: 1 وهذا هو صلح الحديبية. قال: وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا هذه المغانم الكثيرة الفتح، صلح الحديبية ليس فيه مغانم، ولكن قوله تعالى: وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا لا يقتضي أن ذلك في هذا الفتح نفسه إذا فسر بصلح الحديبية، لكن على كلام ابن كثير: أنه صلح الحديبية وما انجر معه، وترتب عليه، وكان من آثاره، مثل فتح خيبر، فإن من أهل العلم من فسر هذه المغانم التي يأخذونها بغنائم خيبر، وهذا الذي اختاره كبير المفسرين ابن جرير -رحمه الله- باعتبار أنها أقرب غنائم حصلوا عليها بعد صلح الحديبية، فيحمل ذلك عليها عنده.

قال تعالى: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا * وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا * وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًاالفتح: 20 - 24.

قال مجاهد في قوله تعالى: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا هي جميع المغانم إلى اليوم، فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ يعني فتح خيبر.

وروى العوفي عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ يعني صلح الحديبية.

قوله -تبارك وتعالى-: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً هل هذه المغانم هي المذكورة قبله في قوله: وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا؟.

الأقرب أنها ليست كذلك، هذه أخرى، ومن ثم هنا فسرها ابن كثير -رحمه الله- بأنها جميع ما يحصل للمسلمين إلى اليوم مما وعدهم الله -تبارك وتعالى-.

وابن جرير -رحمه الله- فسرها بقريب من هذا، بأنه ما يحصل لهم من الغنائم بعد ذلك، سوى خيبر؛ لأنه اعتبر أن غنائم خيبر هي المفسرة بالآية التي قبلها، فهذه مغانم أخرى زائدة على خيبر، هذا الذي فسره ابن جرير فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ يعني فتح خيبر، وهذا قال به مجاهد، ونقل عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أنه صلح الحديبية، هذا باعتبار ما سبق: وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا.

وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ أي: لم ينلكم سوء مما كان أعداؤكم أضمروه لكم من المحاربة والقتال، وكذلك كف أيدي الناس عنكم الذين خلفتموهم وراء ظهوركم عن عيالكم وحريمكم.

يعني الآن: وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ قال ابن كثير: "لم ينلكم سوء مما كان أعداؤكم أضمروه لكم من المحاربة والقتال".

هؤلاء الأعداء من هم؟

قريش، فحصل كف الأيدي، هذا الموضع في الصلح، وهذه الآيات تتحدث عما جرى في صلح الحديبية.

وبعضهم يقول: هذا يراد به خيبر، وأنصار اليهود، ولكن الآية لا تتحدث عن هذا، -والله تعالى أعلم-.

فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ لكن من فسره بأنه خيبر: فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ يعني خيبر وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ يعني أعوان هؤلاء اليهود، وحلفاء هؤلاء اليهود، فلم ينصروهم، ويقاتلوكم.

وعلى كل حال هذا قال به بعض أهل العلم.

وذهب بعض السلف كقتادة إلى أن المراد اليهود الذين كانوا في المدينة، بمعنى أنه كف أيديهم عن ذراريكم وأهليكم بالمدينة بعد أن خرجتم إلى الحديبية.

وهذا الذي اختاره ابن جرير، باعتبار أن كف أيدي المشركين في الحديبية عند ابن جرير -رحمه الله- هو المذكور في الآيات التي بعده: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ.

لكن ذكرنا: أن هذا إنما هو في أولئك الثمانين الذين أرادوا غِرة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأُخذوا، تمكن منهم المسلمون، ثم عفا النبي -صلى الله عليه وسلم- عنهم، وليس ذلك في كل المشركين، ومن ثم لا إشكال بأن يحمل هذا على قريش؛ لأنهم خرجوا بمن استطاعوا أن يخرجوه معهم لقتال النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومعهم العُوذ المطافيل، ليقاتلوا النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويردوه عن البيت.

هذا الذي كان، وكما سيأتي في قوله -تبارك وتعالى-: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ هذه الحمية على اختلاف تفسيرها كما سيأتي -إن شاء الله- أن من المعاني المشهورة: أنها تلك الحمية والنخوة التي أخذتهم أن لا يدخل المسلمون مكة، وأن لا يعتمروا، مع أنهم جاءوا محرمين، ومعهم الهدي قد قلدوه، فردوهم؛ لئلا يتحدث الناس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد دخلها ضغطة، يعني قهرًا وبالقوة، أنهم في مقام ضعف، هذه حمية الجاهلية في بعض تفسيراتها في هذا الوضع.

وكفُّ الأيدي: وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ إذا فسر بخيبر يكون لأهل خيبر، وإذا فسر بالحديبية يكون كف أيدي المشركين.

ولو قال قائل: وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ في كف المشركين عن قتالكم لمّا جاءوا للقتال، فوقع الصلح، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد شاور أصحابه لما بلغه أنهم قد خرجوا ليصدوه عن البيت، وأنهم عزموا على قتاله، فشاور أصحابه -صلى الله عليه وسلم-: هل يمضي للبيت فيقاتل من صده، أو أنه يميل إلى ذراري هؤلاء، فيقطع بذلك طرفًا من المشركين، وعنقًا من أعداء الله -تبارك وتعالى-، فيبقى هؤلاء موتورين محزونين؟،وأن أبا بكر -رضي الله عنه- أشار عليه بأن يمضي للبيت، ويقاتل من صده.

تأمل، كان القتال مطروحًا بقوة، والمشركون خرجوا على هذا، فهنا الله -عز وجل- يقول: وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ.

وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا أي: يعتبرون بذلك، فإن الله -تعالى- حافظهم وناصرهم على سائر الأعداء، مع قلة عددهم، وليعلموا بصنيع الله هذا بهم أنه العالم بعواقب الأمور، وأن الخيرة فيما يختاره لعباده المؤمنين، وإن كرهوه في الظاهر، كما قال -عز وجل-: وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ البقرة: 216.

وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا أي: بسبب انقيادكم لأمره واتباعكم طاعته، وموافقتكم رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

قوله: وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ قال: أي: يعتبرون بذلك، فإن الله -تعالى- حافظهم وناصرهم على سائر الأعداء، وليعلموا بصنيع الله هذا بهم أنه العالم بعواقب الأمور، وأن الخيرة فيما اختاره الله -تبارك وتعالى-؛ لأنهم كانوا كرهوا الصلح، والرجوع عن مكة وهذه الاشتراطاتَ التي كانت في الصلح، فكانت خيرًا لهم في العاقبة، فهنا "اللام": وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ هنا يحتمل أنها تتعلق بمحذوف يقدر بعده: أي فعل ما فعل من التعجيل، عجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم لتكون آية.

أو على علة محذوفة تقديرها: وعد فعجل، وكف لتنتفعوا بذلك، وتسلموا، وتكون آية للمؤمنين.

وابن جرير -رحمه الله- يذكر معنى يرجع إلى ما ذكره ابن كثير -رحم الله الجميع-: وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ: وليكون كفه أيديهم عن عيالهم؛ لأنه فسرها بأن المقصود اليهود، كف الله أيديهم عن ذراري المسلمين لما خرج المسلمون إلى الحديبية، فهو يقول: إن كف الله -تبارك وتعالى- هؤلاء اليهود عن عيال المسلمين؛ ليكون هذا الكف آية يعلمون بها أن الله -تبارك وتعالى- هو الحافظ لهم، والمتولي لهم، وأن بيده النفع والضر، فيتوكلون عليه، ويعولون عليه، فهو الذي حفظهم من هذا كله، من غير عمل منهم، هذا قاله ابن جرير -رحمه الله-.

يعني يكون لهم آية أن الحافظ هو الله، فما عليهم إلا أن يمتثلوا أمره، ويستجيبوا لرسوله -صلى الله عليه وسلم-، والله يحفظهم ويكلؤهم، ويرعاهم.

وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا قال: أي بسبب انقيادكم لأمره واتباعكم طاعته، وموافقتكم رسوله -صلى الله عليه وسلم-، يعني يزيدكم بتلك الآية هدى، وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا ابن جرير يقول: يسددكم طريقًا واضحًا لا اعوجاج فيه، هذا الصراط المستقيم، فيبينه لكم، وهو أن تتقوه في أموركم كلها، فتتوكلوا عليه في جميعها، ليحوطكم حياطته إياكم في مسيركم إلى مكة في أنفسكم وأهليكم وأموالكم، فقد رأيتم أثر فعله بكم، يعني: وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا بمعنى تحصل لكم هذه الهداية؛ لأن الحافظ هو الله -تبارك وتعالى-، وأنكم إذا أطعتم أمره فإنه لا يضيع أولياءه.

وقوله -تبارك وتعالى-: وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا أي: وغنيمة أخرى، وفتحًا آخر معينًا لم تكونوا تقدرون عليها، قد يسرها الله عليكم، وأحاط بها لكم، فإنه تعالى يرزق عباده المتقين له من حيث لا يحتسبون.

وقد اختلف المفسرون في هذه الغنيمة ما المراد بها، فقال العوفي عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: هي خيبر، وهذا على قوله في قوله -عز وجل-:فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ: إنها صلح الحديبية، وقاله الضحاك وابن إسحاق وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

وقال قتادة: هي مكة، واختاره ابن جرير.

وقال ابن أبي ليلى والحسن البصري: هي فارس والروم.

وقال مجاهد: هي كل فتح وغنيمة إلى يوم القيامة.

وروى أبو داود الطيالسي عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا قال: هذه الفتوح التي تفتح إلى اليوم.

قوله -تبارك وتعالى- في هذه العِدة التي وعدهم الله -عز وجل- بها: وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا هنا بالتأكيد هذا لا يمكن أن يحمل على صلح الحديبية، فإذا كان جرى الخلاف في الفتح الذي قبله هل هو صلح الحديبية أو لا، فهنا هذه الأخرى ماهي؟

فمن فسر صلح الحديبية بأنه الفتح القريب فإن هذه التي قال: لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا بعضهم يقول: خيبر، وهذا منقول عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، وبه قال جماعة من التابعين، مثل الضحاك وابن زيد، ولا يقال هنا: إن الله مكنهم من خيبر، فكيف يقال: لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا؟، إذ المعني بجهدكم وإمكاناتكم.

والقول الآخر: أنها فتح مكة، وقال به قتادة، وهذا الذي اختاره ابن جرير، بأي اعتبار اختار أنه فتح مكة، وليس خيبر مثلا؟.

ابن جرير كعادته -رحمه الله- يعلل حينما يرجح، يبين وجه الترجيح، لماذا كان هذا أرجح من القول الآخر؟ ابن جرير يقول: لأنه لا يقال لقوم: لم يقدروا على هذه المدينة إلا إذا كانوا طلبوها وراموها، فلم يحصل مرادهم، يعني جرت محاولة، ولكنها لم تُجدِ، فابن جرير يقول: قبل نزول هذه الآية لم تكن خيبر مستهدفة، لم يرسل إليها النبي -صلى الله عليه وسلم- سرية، ولا أرسل إليها جيشًا، ولا سار لها بنفسه -عليه الصلاة والسلام-، فلم تجرِ محاولات قبل ذلك ومزاولات لفتح خيبر، فابن جرير يقول: مثل هذا التعبير: لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا معناه أنه كانت هناك محاولة، ولكن لم يتحقق من جرائها المطلوب، هذه المحاولة ابن جرير يقول: إنما كانت في دخول مكة لمّا ذهبوا، وجرى صلح الحديبية، وهذا له وجه.

والقول بأنها خيبر باعتبار أن ذلك لم يكن بإمكاناتكم، وقدراتكم منفردة، وإنما أمكنكم الله -عز وجل- منهم، فألقى في قلوبهم الرعب، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يدخل خيبر في غلس الصبح، لما رأوه وهم قد خرجوا بمساحيهم، فقالوا: محمد والله، محمد والخميس، يعني خرج الفلاحون وهم غارُّون، يعني ما توقعوا نزول النبي -صلى الله عليه وسلم- بساحتهم، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بأرض قوم فساء صباح المنذرين)([3]).

فتهافت هؤلاء ولم يكن ثمة مقاومة، فالله هو الذي أقدرهم عليهم، هذا كله يحتمل، المقصود أنه في مثل هذه المواضع التي لم يحدد الله -عز وجل- فيها شيئًا، وإنما بقيت هكذا مبهمة: الجزم والقطع بأنه هذا، أو ذاك، هذا يحتاج إلى دليل، فيحتمل أن يكون فتح خيبر، ويحتمل أن يكون فتح مكة، وهكذا الفتح القريب فإنه أيضًا يحتمل.

هنا لاحظ: أن بعضهم يقول: هي فارس والروم، كما جاء عن ابن أبي ليلى والحسن وآخرين كمقاتل

وقول مجاهد: كل فتح وغنيمة إلى يوم القيامة، بمعنى أن ذلك يصدق على كل الفتوحات التي حصلت للمسلمين بعد ذلك؛ لأن الله لم يحدد، هذا مبنَى هذا القول: لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا قال: هذه الفتوح التي تفتح إلى اليوم.

وعكرمة يقول: هي حنين.

لكن قوله -تبارك وتعالى-: قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا ما معناه؟

بعض أصحاب المعاني كالفراء يقول: أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا لكم حتى تفتحوها وتأخذوها، يعني أعدها لكم وجعلها كالشيء الذي قد أحيط به من جميع جوانبه، فهي لا تفوتكم، يعني كأنها شيء مدخر لكم، ثابت حاصل لا محالة، قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا بعضهم يقول: أحاط علمًا أنها ستكون لكم، وهذا لا ينافي ما قبله، فهذه التي أحاط بها وعجل لهم شيئًا قبلها ماهي؟ فالذين قالوا: هو فتح مكة، قالوا: أحاط الله بها فهي حاصلة لكم، والظفر متحقق، والفتح كائن، لكن عَجَّل لكم هذه: صلح الحديبية، أو فتح خيبر، أو أن هذه التي لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا هي خيبر، لكن عجل لكم هذه أي الصلح؛ ليكون موطئًا لفتح خيبر.

وبعضهم يقول: حنين، كما جاء عن عكرمة كما سبق.

وقوله تعالى: وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا يقول الله -عز وجل- مبشرًا لعباده المؤمنين بأنه لو ناجزهم المشركون لنصر الله رسوله وعباده المؤمنين عليهم، ولانهزم جيش الكفر فارًّا مدبرًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا لأنهم محاربون لله ولرسوله، ولحزبه المؤمنين.

وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ، قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا هنا يقول: لو ناجزكم المشركون، وأطلقه ابن كثير -رحمه الله-، وقيده بعض السلف هنا بمشركي قريش يوم الحديبية؛ أنهم لو قاتلوكم لولوا الأدبار؛ لأنهم خرجوا يريدون القتال، وهم قد أخذتهم تلك الحمية: حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ هذا قال به قتادة من السلف، أن المقصود كفار قريش، وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ فتكون "أل" هذه عهدية.

وبعضهم يقول: إن هؤلاء هم أسد وغطفان الذين أرادوا أن ينصروا اليهود في خيبر، فإنه لو نهضت هممهم لذلك وخرجوا لنصر اليهود وقاتلوكم فإنهم سيولون الأدبار؛ لأن القضية كانت محسومة، وعلى هذا، أو الذي قبله -يعني أن المقصود قريش، أو أنهم أسد وغطفان- يكون هذا في معين، لو قاتلوكم لولوا الأدبار، وعلى المعنى الآخر الذي مشى عليه ابن كثير في ظاهر كلامه: لو قاتلكم الذين كفروا، مطلقا، أن الكفار لا يستطيعون أن يحققوا، وأن يحرزوا نصرًا على المسلمين في ميدان المعركة، فإن الله ينصر أولياءه إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ غافر:51.

وكذلك قال الله -تبارك وتعالى-: وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ الصافات:173 فهذه الغلبة -كما سبق- يدخل فيها المعنيان: الغلبة في ميدان المعركة، باعتبار أن هذا هو الغالب في الاستعمال في القرآن، ويدخل فيها الغلبة في ميدان الحجة.

قد يقول قائل: انهزم المسلمون يوم أحد ومعهم النبي -صلى الله عليه وسلم-، وانهزموا بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- في وقائع، فكيف قال الله -عز وجل- على هذا المعنى: وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ؟، والجواب: أن هذا إذا كانوا محققين لما أمرهم الله -عز وجل- به، ولهذا أجابهم الله -عز وجل- في يوم أحد: قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا؟ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ آل عمران: 165.

ثم قال الله -تبارك وتعالى-: سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا أي: هذه سنة الله وعادته في خلقه: ما تقابل الكفر والإيمان في موطن فيصلٍ إلا ونصر الله الإيمان على الكفر، فرفع الحق ووضع الباطل، كما فعل الله -تعالى- يوم بدر بأوليائه المؤمنين، نصرهم على أعدائه من المشركين، مع قلة عدد المسلمين وعُددهم، وكثرة المشركين وعُددهم.

وقوله -سبحانه وتعالى-: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا.

هذا امتنان من الله -تعالى- على عباده المؤمنين حين كف أيدي المشركين عنهم، فلم يصل إليهم منهم سوء، وكف أيدي المؤمنين عن المشركين، فلم يقاتلوهم عند المسجد الحرام، بل صان كلا من الفريقين، وأوجد بينهم صلحًا فيه خيرة للمؤمنين، وعاقبة لهم في الدنيا والآخرة.

وقد تقدم في حديث سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه- حين جاءوا بأولئك السبعين الأسارى، فأوثقوهم بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فنظر إليهم، فقال: (أرسلوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه) قال: وفي ذلك أنزل الله -عز وجل-: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم الآية([4]).

وروى الإمام أحمد عن أنس عن مالك -رضي الله عنه- قال: لما كان يوم الحديبية هبط على رسول الله-صلى الله عليه وسلم- وأصحابه ثمانون رجلا من أهل مكة بالسلاح من قبل جبل التنعيم، يريدون غِرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فدعا عليهم، فأُخذوا، قال عفان: فعفا عنهم، ونزلت هذه الآية: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ([5])، ورواه مسلم وأبو داود في سننه والترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما.

قوله -تبارك وتعالى-: سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ هنا نصب سُنَّةَ اللَّهِ يمكن أن يكون على المصدرية، فهو مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله، ومحمل هذا الموضع في قوله: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم كما سبق أن ذلك في أولئك الذين راموا غِرة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

قال تعالى: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا الفتح: 25–26.

يقول تعالى مخبرًا عن الكفار من مشركي العرب من قريش، ومن مالأهم على نصرتهم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي: هم الكفار دون غيرهم.

وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أي: وأنتم أحق به وأنتم أهله في نفس الأمر.

وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ أي: وصدوا الهدي أن يصل إلى محله، وهذا من بغيهم وعنادهم، وكان الهدي سبعين بدنة، كما سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى-.

قوله -تبارك وتعالى-: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا كلام ابن كثير -رحمه الله- يقول: "أي هم الكفار دون غيرهم"، هو لا يقصد الحصر، لكن المقصود أن مثل هذا اللون من التعبير يُشعر بكمال الاتصاف، يعني أن هؤلاء هم الذين حصّلوا الوصف الكامل من الكفر، يعني هؤلاء هم الكفار حقيقة، وليس المقصود أن هؤلاء هم الكفار فقط، وغيرهم ليسوا بكفار، هو لا يعني هذا إطلاقاً.

قال: وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ فهنا هذا الموضع: وَالْهَدْيَ معطوف على الضمير المنصوب في قوله: وَصَدُّوكُمْ على قول بعض أهل العلم، صدوكم وصدوا معكم الهدي.

وقوله -تبارك وتعالى-: مَعْكُوفًا بعض أهل العلم يقول: إنه منصوب على الحال، أي والحال أنه كذلك، يعني صدوكم وصدوا الهدي حال كونه مَعْكُوفًا أي: محبوسًا، وأصل هذه المادة عند كثير من أهل العلم يرجع إلى هذا المعنى: الحبس، ومنه الاعتكاف، العبادة المعروفة، وهي بمعنى حبس المكلف نفسه في المسجد بقصد التعبد، هذا الذي يعبر به الفقهاء: لزوم المسجد للعبادة، فهذا حبس للنفس، مع أن من أهل العلم من فسر ذلك أعني هذا الموضع: وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أي: مجموعًا، مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ "أن يبلغ محله":

يحتمل أن يكون مفعولا لأجله، أي كراهة أن يبلغ محله، وما محله؟

الحرم، كان النبي -صلى الله عليه وسلم- على حد الحرم، الحديبية كما سبق أن بعضها في الحل وبعضها في الحرم.

وقوله -عز وجل-: وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ أي: بين أظهرهم ممن يكتم إيمانه، ويخفيه خيفة على أنفسهم من قومهم لكنا سلطانكم عليهم فقتلتموهم وأبدتم خضراءهم، ولكن من بين أفنائهم من المؤمنين والمؤمنات أقوام لا تعرفونهم حالة القتل، ولهذا قال تعالى: لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ أي: إثم وغرامة بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاء أي: يؤخر عقوبتهم ليخلص من بين أظهرهم المؤمنين، وليرجع كثير منهم إلى الإسلام.

تأمل هذا التعليل الذي تأخر فيه دخول المسلمين إلى مكة، خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- ومعه الهدي ومعه هؤلاء الذين قد تشوفوا غاية التشوف إلى دخول مكة، والطواف بالبيت، وأخبرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الرؤيا التي رآها، حتى صار ذلك يقينًا عندهم أنهم داخلوه قطعًا في هذه السفرة، ومع ذلك يُصدون عن البيت، والله -تبارك وتعالى- يذكر هذا التعليل في هذا الموضع، حصل كف الأيدي، فلم يحصل قتال، ولم يدخلها المسلمون بالقوة لما صدهم هؤلاء، وقد تهيئوا للقتال، وأخذتهم حمية الجاهلية، فالله -تبارك وتعالى- يذكر هذا التعليل في هذا المقام: وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ هؤلاء كانوا من أهل الإيمان من المستضعفين في مكة، الذين لا يستطيعون الهجرة، فإذا دخل المسلمون فإن هؤلاء قد يقع لهم مكروه، إذا دخلها المسلمون بالقوة؛ لأن هؤلاء لا يميزهم المسلمون، فيقع عليهم شيء من القتل بغير قصد، فهنا: فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ فأخر هذا الدخول، وكان هذا هو التعليل، فانظر إلى هذا، ومعهم النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومعه هؤلاء الأصحاب الأطهار الأخيار، وهم محرمون، وقد قلدوا هديهم، وفي غاية التطلع إلى دخول مكة، فيُؤخَّروا من أجل هذا، فأين هذا ممن يقتل هؤلاء الذين يستهدفهم بالقتل بطريقة لا تميز بين البشر والحجر والدواب؟!.

وإذا سئل عن هذا في هؤلاء من المسلمين قال: "من كان مسلمًا عجلنا به إلى الجنة، ومن كان كافرًا عجلنا به إلى النار"، وهكذا بكل سهولة، ليكون هذا العمل الذي عمل يقتل به العشرات، وأحيانا قد يقتل به المئات، وبعض هؤلاء ممن لا شأن لهم ممن كانوا يجتازون في الطريق، أو وقفوا لحاجة، وأحيانًا في جامع من أجل أن يستهدف زعيمًا من الزعماء وشيوخ القبائل، ونحو ذلك، أو خطيبًا لا يلائمهم، أو نحو ذلك -نسأل الله العافية-، يفجر المسجد بكامله، وإذا نوقش هؤلاء قالوا: من كان من أهل الإيمان عجلنا به إلى الجنة، ومن كان من أعداء الله عجلنا به إلى النار، بكل بساطة، انظر إلى القرآن وما يقرره: وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ ما قالوا: نعجل بهم إلى الجنة، ثم ماذا إذا قتلوا هؤلاء، وحصل هذا الخير العظيم بفتح مكة، ودخول مكة، وتخليص مكة من الأوثان والشرك، قارن هذا مع ما تشاهد، ليس ما ينقله الخصوم، وإنما مما يفتخر به هؤلاء الذين يعملون هذه الأعمال، ويصورونها ويتبجحون بذلك، ويجادلون ويعادون كل من خالفهم، بل يستحلون عرضه ودمه وماله، نسأل الله العافية.

أين الفقه؟!

وهذه الهدايات القرآنية، والاحتراز للدماء، هذا من غير قصد، فكيف إذا كان القتل بقصد؟.

هؤلاء لا يُعلم بهم ممن يخفي إيمانه خوفًا من الكفار، هو في ظاهر الأمر من المشركين، ما يقال: هذا له حكمهم، وهو بين أظهرهم، ولماذا لم يظهر دينه، ويعتز بإيمانه؟، مثل هؤلاء الضعفاء لا مكان لهم، هذا ما قاله ربنا -تبارك وتعالى-، وهو أرحم الراحمين.

فأقول: نحن بحاجة إلى أن نتعلم ونتفقه، وأن ندرس مثل هذه السور والآيات، ليعرف الإنسان ما يأتي وما يذر، فلا يكون في زعمه مجاهدًا وهو محارب لله ورسوله، ولأهل الإيمان؛ لأن مثل هذا -نسأل الله العافية- يخرج ليس بمعرة فقط، إنما يخرج بخزي الدنيا وعذاب الآخرة، قد يموت ميتة السوء، ويحصل له سوء المنظر والمنقلب، نسأل الله العافية.

يقول: لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ يحتمل أن يكون قوله: أَن تَطَئُوهُمْ بدلا من رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ، وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ أو أن يكون بدلا من مفعول: تَعْلَمُوهُمْ يعني "الهاء" تَعْلَمُوهُمْ ماذا؟

أَن تَطَئُوهُمْ هذا يعني أَن تَطَئُوهُمْ بماذا؟

بالقتل والإيقاع بهم، فإن هذا يعبر به عن الإيقاع بالغير بقتل وإذلال، وأسر وغلبة.

أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم أي: من جهتهم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ، مَّعَرَّةٌ هنا قال: الإثم والغرامة.

الإثم معروف وتأمل هنا: بِغَيْرِ عِلْمٍ ابن كثير يقول: إثم، والغرامة المقصود بها: الكفارة فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ النساء: 92 ولا يقال هنا: الدية لماذا؟.

فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ تأمل: إذا كان بين المؤمنين وبينهم ميثاق فهنا الكفارة والدية، وإذا كان من قوم أعداء فما يعطون ما يتقوون به، وإنما يبقى حق الله -عز وجل-، وليس لأولياء المقتول، فهنا الكفارة: تحرير رقبة مؤمنة، هذه هي الغرامة التي أشار إليها ابن كثير -رحمه الله-، وتفسيره بالإثم قال به جماعة، وكذلك تفسيره بالغرامة -يعني الكفارة- قال به آخرون، وممن فسر المعرة بالإثم جماعة من أهل اللغة، مثل الزجاج في معاني القرآن، وكذلك قال به الجوهري، وقال به من السلف ابن زيد -رحم الله الجميع-.

والذين قالوا: المقصود كفارة القتل الخطأ -وهذا قال به مقاتل والكلبي، وهو اختيار ابن جرير -رحمه الله-، باعتبار أن هذا بغير علم، وهو الذي رتب الله عليه ذلك في قوله: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ الآية التي أشرت إليها آنفًا.

وبعضهم يفسر المعرة بالمشقة، بما يلزمهم في قتلهم من الكفارة، فبينهما ملازمة، يعني من قال: إنها الكفارة، أو قال: المشقة.

وبعض أهل العلم يرجع ذلك إلى معنى مما يحصل من الأدواء للدواب، أو لبعض الدواب كالجرب الذي يقع للإبل، عرار، فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ، تأمل: لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاء هنا يقول: أي: يؤخر عقوبتهم ليخلص من بين أظهرهم المؤمنين، وليرجع كثير منهم إلى الإسلام.

هنا ابن كثير -رحمه الله- جمع بين المعنيين، وهذه من عادته -رحمه الله- يجمع بين الأقوال ما أمكن، فهذا الذي قاله أولا: ليخلص من بين أظهرهم المؤمنين، هذا قال به بعض أهل العلم: لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاء يعني لم يأذن بدخولكم مكة، وكف أيديكم، لماذا؟

لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاء من هم؟

بعض أهل العلم يقول: هم أهل الإيمان الذين في مكة، هؤلاء حصل لهم الفرج والمخرج بعد ذلك لما فتح النبي -صلى الله عليه وسلم- مكة، وأمن أهلها.

والمعنى الثاني -وهو الذي اختاره ابن جرير-: أنه لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاء يعني من هؤلاء الكفار، فيدخلون الإسلام، بسبب هذا التأخير، يعني صارت لهم مهلة، وهذا الصلح اختلط به الناس، وسمع بعضهم من بعض، فدخل بعض المشركين في الإسلام قبل أن يدخلها النبي -صلى الله عليه وسلم- فاتحًا، فابن كثير هنا جمع بين المعنيين، فكان من رحمته -تبارك وتعالى- أن خلص هؤلاء المستضعفين من بين أظهر المشركين.

وكذلك أيضًا منَّ على بعض هؤلاء من أهل الإشراك فدخلوا في دين الله -تبارك وتعالى- لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاء.

ثم قال -تبارك وتعالى-: لَوْ تَزَيَّلُوا أي: لو تميز الكفار من المؤمنين الذين بين أظهرهم: لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا أي: لسلطناكم عليهم فلقتلتموهم قتلا ذريعًا.

لَوْ تَزَيَّلُوا يعني لو تميزوا، بعضهم يعبر بالافتراق، وهو يرجع إلى هذا المعنى، يعني يحصل تمايز، تأمل: هذا هو المانع: لو تميزوا عن الكفار لعذب الله -عز وجل- هؤلاء الكفار بالقتل الذريع والاستئصال، عذبهم عذابا أليما، أباد خضراءهم، لكن السبب هو وجود نفر من المؤمنين لا تعلمون عنهم، ولا تدرون عن حالهم من أنهم كانوا يخفون الإيمان، وهم معذورون بذلك؛ لأنهم من المستضعفين، فكان ذلك مانعًا لهذه المدة -لسنتين-، تأخير فتح مكة وهو أعظم فتح في التاريخ يؤخر سنتين على شأن أفراد، مجموعة قليلة، الله أعلم بعددهم، أخر هذه المدة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والأصنام تحيط بالكعبة، وتقام مظاهر الشرك وأدناسه وأرجاسه في أطهر بقعة، ويُصد عنها أشرف الخلق لسنتين من أجل هؤلاء، يحتاج الإنسان أن يتبصر فيما يأتي ويذر، والله المستعان.

وقوله -عز وجل-: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وذلك حين أبوا أن يكتبوا: بسم الله الرحمن الرحيم، وأبوا أن يكتبوا: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى.

قال مجاهد: كَلِمَةَ التَّقْوَى الإخلاص.

وقال عطاء بن أبي رباح: هي "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير".

وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن الزهري عن عروة عن المسور: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له".

قوله -تبارك وتعالى-: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ الحمية هي الأنفة.

يقول: وذلك حين أبوا أن يكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم، يعني عند الصلح، قالو: لا نعرف الرحمن الرحيم، قالوا: اكتب باسمك اللهم، كما كانوا يكتبون، وقد مضى في بعض المناسبات في الكلام على البسملة والفاتحة: أن المشركين كانوا يعرفون الرحمن، وأن ذلك جاء في أشعارهم في الجاهلية، ولكن إنما قالوا ذلك مكابرة وعنادًا، وإلا فقد وُجد حتى في أسمائهم في الجاهلية من تسمى بـ"عبد الرحمن".

وقوله -تبارك وتعالى-: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ المراد: بـحَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ في هذا المقام كما ذكرنا: الأنفة، لكن بأي مظهر تجلت؟ ما الذي أفرزته هذه الحمية؟

بعضهم هنا يقول: "حينما أبوا أن يكتبوا: بسم الله الرحمن الرحيم، وأبوا أن يكتبوا: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله".

ابن كثير هنا جمع بين قولين؛ لأن من السلف من قال: إن المقصود بذلك هو إباؤهم أن يكتبوا: بسم الله الرحمن الرحيم.

وبعضهم يقول: هو إباؤهم أن يكتبوا: هذا ما قاضى عليه رسول الله، وقالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، ولما صددناك عن البيت، فبعضهم يقول هذا، وبعضهم يقول هذا، وكل ذلك يحتمل، وكله وقع في مقام واحد، وهو من حمية الجاهلية، ولهذا جمع بينهما ابن كثير -رحمه الله-، ووافقه ابن جرير، مع زيادة ثالثة، وهي منعهم من دخول مكة، منعوه من دخول مكة بأي اعتبار؟ لما امتنع سهيل بن عمرو من كتابة ذلك، ومن الموافقة عليه، إلا العام المقبل، يأتون عُمارًا بشروط، كل ذلك من أجل ماذا؟

من أجل ألا تتحدث العرب أنه دخلها -صلى الله عليه وسلم- ومن معه ضغطة، يعني بقوة وغلبة وقهر للمشركين، فدخلها بالرغم من أنوفهم، فيكونون في موقف ضعف، فأخذتهم حمية الجاهلية، قالوا: ما تدخل هذا العام، إذا قلنا: لا يعني لا، حتى تعرف العرب أننا نستطيع أن نقول: لا لأي أحد، هذه حمية الجاهلية، البيت لا يُصد عنه، النبي -صلى الله عليه وسلم- محرم ومعه الهدي، ومع ذلك منعوه، فكل ذلك من حمية الجاهلية.

وبعضهم فسره بهذا الأخير، يعني بمنع النبي -صلى الله عليه وسلم- من الدخول؛ لئلا تتحدث العرب.

وبعضهم فسره ببعض ما سبق، كما قال الزهري: إن ذلك بالامتناع عن الإقرار برسالته -صلى الله عليه وسلم-، فكل هذه واقعة، وكلها من حمية الجاهلية، ولهذا فإن ابن كثير -رحمه الله- في حمله على المعنيين، وابن جرير في حمله على الثلاثة -وهو أحسن- كل ذلك يدخل في المعنى والله تعالى أعلم.

فتجلت حمية الجاهلية عندهم بهذه التصرفات المشينة.

فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ، سَكِينَتَهُ بينا أن السكينة من السكون، وهي الطمأنينة، الوقار الذي يورث الصبر والثبات، بهذا فسره ابن جرير.

وَأَلْزَمَهُمْ ماذا؟

كَلِمَةَ التَّقْوَى.

ماهي كَلِمَةَ التَّقْوَى؟

يقول: قال مجاهد: الإخلاص.

وقال عطاء: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.

وقال المسور: لا إله إلا الله وحده لا شريك له.

والجمهور يقولون: كَلِمَةَ التَّقْوَى هي: لا إله إلا الله، فهي التي يُتقى بها عذاب الله -عز وجل.

هذه كَلِمَةَ التَّقْوَى من حقق هذه الكلمة، (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)، فهم يتقون بأس الله -عز وجل- وعذابه في الدنيا والآخرة بهذه الكلمة (فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام)([6]).

فالجمهور يقولون: هي لا إله إلا الله.

ابن جرير يقول: يتقون بها النار؛ لأنه جاء في النصوص: أنه يحرم على النار، وكذلك أيضًا دلت النصوص على أنه لا يخلد في النار أحد من أهل لا إله إلا الله.

وبعضهم زاد: الشهادة للنبي -صلى الله عليه وسلم- بالرسالة، محمد رسول الله.

وجاء عن بعض السلف كالزهري أن وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى يعني: بسم الله الرحمن الرحيم، عند كتابة الصلح، رفضها المشركون، فأقر بها أهل الإيمان: وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا تُخص بذلك.

وبعضهم يقول: كَلِمَةَ التَّقْوَى هي الوفاء بالعهد، فكان النقض من المشركين.

والظاهر -والله أعلم- والذي عليه عامة أهل العلم أن كَلِمَةَ التَّقْوَى: لا إله إلا الله.

ألزمهم كَلِمَةَ التَّقْوَى بخلاف أهل الإشراك.

قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- معلقاً على قوله تعالى: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا: "لمّا كانت حمية الجاهلية توجب من الأقوال والأعمال ما يناسبها جعل الله في قلوب أوليائه السكينة تقابل حمية الجاهلية، وفي ألسنتهم كلمة التقوى مقابلة لما توجبه حمية الجاهلية من كلمة الفجور، فكان حظ المؤمنين السكينة في قلوبهم، وكلمة التقوى على ألسنتهم، وحظ أعدائهم حمية الجاهلية في قلوبهم، وكلمة الفجور والعدوان على ألسنتهم، فكانت هذه السكينة، وهذه الكلمة جندًا من جند الله، أيد بها رسوله والمؤمنين، في مقابلة جند الشيطان الذي في قلوب أوليائه، وألسنتهم، وثمرة هذه السكينة الطمأنينة للخير تصديقًا وإيقانًا، وللأمر تسليمًا وإذعانًا، فلا تدع شبهة تعارض الخير، ولا إرادة تعارض الأمر، فلا تمر معارضات السوء بالقلب إلا وهي مجتازة من مرور الوساوس الشيطانية التي يبتلى بها العبد، ليقوى إيمانه، ويعلو عند الله ميزانه بمدافعتها وردها، وعدم السكون إليها، فلا يظن المؤمن أنها لنقص درجته عند الله"([7]).

وقال -رحمه الله- معلقاً على قوله تعالى: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا: "وكَلِمَةَ التَّقْوَى هي: الكلمة التي يُتقى الله بها، وأعلى أنواع هذه الكلمة هي قول: "لا إله إلا الله" ثم كل كلمة يُتقى الله بها بعدها فهي من كلمة التقوى، وقد أخبر سبحانه أنه ألزمها عباده المؤمنين، فجعلها لازمة لهم لا ينفكون عنها، فبإلزامه التزموها، ولولا إلزامه لهم إياها لما التزموها، والتزامها فعل اختياري، تابع لإرادتهم واختيارهم، فهو الملزم وهم الملتزمون"([8]).

روى البخاري -رحمه الله- في صحيحه في كتاب الشروط عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم، يزيد أحدهما على صاحبه قالا: "خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره، وأحرم منها بعمرة، وبعث عينًا له من خزاعة، وسار النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى كان بـ"غدير الأشطاط" أتاه عينه، قال: إن قريشاً جمعوا لك جموعاً، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك، وصادوك عن البيت، ومانعوك، فقال: (أشيروا أيها الناس عليّ، أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت؟)([9]).

وفي لفظ: "أترون أن نميل على ذراري هؤلاء الذين أعانوهم؟"([10]).

"حتى كان بـ"غدير الأشطاط" هذا ماء بقرب عسفان.

"قلد الهدي" معروف، يأخذون من لحاء شجر الحرم مثلا، أو نحو ذلك، أو يضعون نعلا، أو أي شيء، ثم يقلدون الهدي، ليعرف أن هذا يساق إلى البيت، وأنه هدي.

وهنا: "الأحابيش" فيه كلام كثير في المراد بهم، لكن ليس المقصود بالأحابيش أنهم من أهل الحبشة، ليس هذا هو المراد، وإنما هم بطون من العرب تجمعت في عهد معين، وحلف معين، فقيل لهم: الأحابيش، ويحددهم بعضهم: ببني الهون بن خزيمة بن مدركة، وهؤلاء هم الذين يقال لهم: القاريون، وبنو الحارث من كنانة، هؤلاء كلهم من العرب الأقحاح، وبنو عبد مناة، وبنو المصطلق من خزاعة، هؤلاء قيل: إنهم تحالفوا مع قريش تحت جبل يقال له: "حبشي، قريب من مكة، أسفل مكة، قيل: سمو بذلك لتحبّشهم، يعني تجمعهم. التحبُّش هو التجمع، والحباشة الجماعة، ليسوا من قبيلة واحدة، الأحابيش.

"فإن يأتونا كان الله قد قطع عنقًا من المشركين، وإلا تركناهم محزونين".

تأمل أن القتال كان أمرًا قريبًا، فكف الله أيدي هؤلاء وأيدي هؤلاء.

وفي لفظ: "فإن قعدوا قعدوا موتورين مجهودين محزونين، وإن نجوا يكن عنقًا قطعها الله -عز وجل-، أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه؟

فقال أبو بكر -رضي الله عنه-: يا رسول الله، خرجتَ عامدًا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حربًا، فتوجه لهم فمن صدنا عنه قاتلناه.

وفي لفظ: فقال أبو بكر -رضي الله عنه-: الله ورسوله أعلم، إنما جئنا معتمرين ولم نجيء لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فروحوا إذن).

وفي لفظ: (فامضوا على اسم الله تعالى) حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن خالد بن الوليد في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين) فوالله ما شعر بهم خالد، حتى إذا هم بقَتَرة الجيش.

يعني غبار الجيش.

فانطلق يركض نذيرًا لقريش، وسار النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حل حل.

هذه كلمة تزجر بها الإبل.

فألحت، فقالوا: خلأت القصواء.

يعني انقطعت من طول السير وكلت، فحرنت، ما تنهض أبدًا.

فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال -صلى الله عليه وسلم-: (والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله -تعالى- إلا أعطيتهم إياها) ثم زجرها فوثبت، فعدل عنهم، حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء.

"ثمد" يعني هو الماء القليل الذي لا ماد له، ولهذا بعضهم يقول: حوض، أو حفرة فيها ماء قليل، لكن الآبار الكثيرة التي في الحديبية فيها ماء ماد هذه أخذها المشركون، ونزلوا عليها، وبعضهم يقول: إن الثمد هو ما يظهر في الشتاء من الماء، ثم يختفي في الصيف.

يتبرضه الناس.

يعني يأخذونه قليلا قليلا، لا يكفي لشيء.

فلم يلبث الناس حتى نزحوه، وشُكي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- العطش، فانتزع -صلى الله عليه وسلم- من كنانته سهمًا فأمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه، فبينما هم كذلك إذ جاء بُديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عَيبةَ نُصحِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أهل تهامة.

"عَيبةَ نُصحِ" يعني موضع الأمان على سره، يعني كأنه شبه الصدر الذي هو مستودع السر بالعيبة التي هي مستودع الثياب، يعني لا يخفون عليه شيئًا، يخبرونه بما يجري، بما يرون، بما يشاهدون، بما يحصل.

فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعدادًا مياه الحديبية.

أبناء لؤي: أربعة، لؤي من الأجداد لقريش بينه وبين عام الفيل أكثر من خمسمائة سنة، فهذا من أجدادهم، وأولاده أربعة منهم: كعب، وعامر اللذين تنتسب إليهما قريش التي في الحرم، وهم الخلص من قريش الذين لا شك في أنسابهم، وهناك من ينتسب إلى قريش فمنهم في الظواهر وخارج الحرم، فهؤلاء ينتسبون إلى ولديه الآخريْن، معنى هذا إذا كان هنا يقول لهم: إني تركت كعب بن لؤي، وعامر بن لؤي فهو يعني ويقصد أن أهل الحرم أي قريشًا قد خرجت إليه.

معهم العُوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت.

نزلوا أعدادَ مياه الحديبية، أعداد: جمع عد، وهو الماء الذي لا انقطاع له، نزلوا على هذه المياه الكثيرة، معهم العُوذ المطافيل، العوذ جمع عائذ وهي الناقة ذات اللبن، والمطافيل التي معها الأطفال، يعني العوذ المطافيل: النوق التي معها أولادها، في وقت نتاج الإبل تكون معها الأولاد الصغار، وتكون ذوات لبن، أخرجوا معهم هذه، يعني أنهم في حال من الترهل.

فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب، وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهرْ فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جمُّوا) "جمُّوا" يعني حصل لهم إجمام، يعني عادت لهم قوتهم من جديد (وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، أو لينفذن الله أمره) يعني السالفة: هي صفحة العنق، والإنسان له سالفتان، فانفرادها عن الجسد معنى ذلك الموت، فارقت الحياة، يقول: سأصبر على ذلك، سأستمر عليه إلى آخر نفس.

قال بديل: سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشًا، فقال: إنا قد جئنا من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء، وقال ذَوُو الرأي منهم: هات ما سمعته، يقول: قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قاله -صلى الله عليه وسلم-، فقام عروة بن مسعود، فقال: أيْ قوم، ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أوَلستُ بالولد؟ قالوا: بلى.

يعني عروة بن مسعود هو ليس من قريش هو ثقفي، من ثقيف، فهو يقول: ألستم بالوالد؟، لأن أمه من قريش، وهي سبيعة بنت عبد شمس القرشية، فهم أجداده لأمه، وهو ولد لهم بهذا الاعتبار، أوَلستُ بالولد؟ يعني يقول: أنا غير متهم.

قال: فهل تتهمونني؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرتُ أهل عكاظ، فلما بلّحوا عليّ -بلّحوا عليّ يعني امتنعوا عن الإجابة- جئتكم بأهلي وولدي، ومن أطاعني، قالوا: بلى، قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد، فاقبلوها، ودعوني آته، قالوا: ائته، فأتاه فجعل يكلم النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- له نحوًا من قوله لبديل بن ورقاء، فقال عروة عند ذلك: أيْ محمد، أرأيتَ إن استأصلتَ أمر قومك هل سمعتَ بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك؟، وإن تكن الأخرى فإني والله لأرى وجوها وإني لأرى أوشابًا من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك.

يعني هنا يريد أن يقول: هذه معركةٌ المنتصر فيها خاسر، إن انتصرت عليهم فهؤلاء قومك لا فخر، وإن انتصروا عليك أرى معك أخلاطًا من الناس يتفرقون كل يذهب إلى قبيلته وقومه، وتبقى بعد ذلك وحيدًا، فهكذا قال: أوشابًا من الناس، يعني أخلاطًا من الناس، والأوباش قريب من هذا، الأوباش: الأخلاط من السفلة.

فقال له أبو بكر -رضي الله عنه-: امصُصْ بظرَ اللات، أنحن نفر وندعه؟

هذه العبارات هي عبارة صريحة وقوية، لكن كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه، ولا تكنوا)([11])، يعني يقال له صراحة كذا، كما قال أبو بكر -رضي الله عنه-، يعني أن الفحش حرام، لا يجوز، ولم يكن -عليه الصلاة والسلام- فاحشًا ولا متفحشًا، ولكن من دعا بدعوى الجاهلية، تعزى بعزاء الجاهلية فإنه يقال له ذلك صراحة، فيكون هذا استثناء، كما تُستثنى بعض الأشياء، مثل مشية الخيلاء في الحرب، فهذا مستثنى.

أنحن نفر وندعه؟ قال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر، قال: أمَا والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك.

يعني هؤلاء على جاهليتهم وشركهم كانوا يعرفون لصاحب المعروف معروفه، فلا يقابلون شتمه بالشتم، استبقاءً لذلك المعروف الذي لم يكافئوه عليه، واليوم ترى من ينتسب إلى الإسلام، وينتسب لربما للجهاد، ولا يرقب في مؤمن إلًّا ولا ذمة، ولا يعرف له سابقة، ولا يعرف له عهدًا، ولا يعرف له فضلا، ولا يعرف له إحسانًا سابقًا عليه، وعلى من معه، يرميه بالكفر وبالعظائم، ويتكلم عليه بكلام لا يقوله إطلاقًا من يحمل أدنى تربية، دعك مما يقال من الناس، اقرأ ما يكتبونه هم، كلام لا يمكن أن يصدر إلا ممن تربى في الحظائر -أعزكم الله-، لا يمكن أن يصدر من إنسان مؤمن، إنسان فيه خير، إنسان تلقى أدنى تربية، لغة شوارع بمعنى الكلمة، بكل استحقاق -نسأل الله العافية-، دعك مما يقال، ما عليك مما يقال من الخصوم، اقرأ ما يقوله هؤلاء أنفسهم -نسأل الله العافية-، بجدارة تربية شوارع، في غاية الوقاحة، لا يعرف لأحد سابقة، ولا فضلا، ولا علمًا، ولا دينًا، ولا جهادًا، ولا مرؤة، ولا بذلًا، ولا نفقة في سبيل الله، يرمى بأعظم الأوصاف وأقبحها، ولا يعرف لكبير فضلا، -نسأل الله العافية-.

قال: وجعل يكلم النبي -صلى الله عليه وسلم-، فكلما كلمه وأخذ بلحيته -صلى الله عليه وسلم-، والمغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- قائم على رأس النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومعه السيف، وعليه المِغْفر، وكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي -صلى الله عليه وسلم- ضرب يده بنعل السيف، وقال: أخِّرْ يدك عن لحية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

نعل السيف: يعني مؤخرته، يعني ما يكون في أسفل جفن السيف من فضة، أو حديد، أو نحو ذلك، يكون في أسفل الجفن معدن، فيضربه به.

فرفع عروة رأسه، وقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة، قال: أيْ غُدَر ألستُ أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- صحب قومًا في الجاهلية، فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: مّا الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء).

المغيرة بن شعبة ابن عم هذا الذي يفاوض النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو عروة بن مسعود، يقول: من هذا؟ قالوا له: هذا ابن عمك، فذكر ما ذكر، أنه يسعى في غدرته فيما ذكر مما وقع من المغيرة من قتل هؤلاء غدرًا في جاهليته، يعني قبل إسلامه، وأخذ الأموال، فماذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ (أما الإسلام فأقبل) يعني حينما جاء مسلمًا (وأما المال فلست منه في شيء) يعني لا أتعرض له ولا آخذه؛ لأنه أخذ غدرًا، فتأمل: أُخذ من أهل الجاهلية، وأخذه رجل من أهل الجاهلية، ثم أسلم، أخذه في جاهليته، ومع ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- يتبرأ من هذا المال، فكيف بأموال المسلمين؟ كيف بأموال المسلمين المجاهدين، أو التجار، أو غيرهم ممن يأتيهم أموال من هنا وهناك، فتؤخذ هذه الأموال تحت ذرائع واهية؟، هذا لا يحل، ولا يجوز بحال من الأحوال، النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (وأما المال فلست منه في شيء) لأنه أخذ بغير حق، ما قال: الإسلام يجبّ ما قبله، وهذا الرجل أسلم، وما أخذه من أموال أهل الجاهلية فإن ذلك لا يؤاخذ عليه، وهذا المال يبقى للمسلمين، فكيف بأموال المسلمين؟ أثناء المفاوضة، يعني لم يكتب الصلح بعد مع المشركين؛ لأن ذلك تحقق على يد سهيل بن عمرو لما جاء بعدُ؛ لأنه جاء أكثر من واحد يفاوض النبي -صلى الله عليه وسلم- في وقت الصلح، وهذه عرضًا مجاوبة بينه وبين ابن عمه، لما صار يضربه بنعل السيف، فيقول: هذا جزائي، أحسنت إليك، ولا زلت أسعى في غدرتك، وتفعل معي هذا؟! النبي -صلى الله عليه وسلم- يسمع المحاورة بينهما، فيقول: (أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء).

ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- بعينيه، قال: فوالله ما تنخم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه.

يعني هذا لم يكن عادة لأصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه إذا بصق تلقوا ذلك، وتبركوا به، مع أنه يتبرك بالأجزاء المنفصلة من النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا تبرك صحيح، لكن لم يكن عادة لهم، لكن في هذا المقام أرادوا أن يظهروا لرسول المشركين هذه الطاعة، وهذه المحبة، وأنهم يفدون النبي -صلى الله عليه وسلم- لاسيما أنهم تكلموا، وقالوا: ما نرى إلا أوشابًا، أو نحو ذلك مما تكلموا به، بهذا أرادوا أن يظهروا لهؤلاء للمشركين محبتهم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأنهم ليسوا كما قيل.

وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحدّون النظر إليه، تعظيمًا له -صلى الله عليه وسلم-، فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أيْ قوم -هذه النتيجة الآن، لما رأى التصرفات، انظر بماذا رجع؟- فقال: أيْ قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على كسرى وقيصر، والنجاشي، والله إنْ رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدًا.

"إن" هذه نافية، إن رأيت: يعني ما رأيت.

والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحدّون النظر إليه، تعظيمًا له ، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، فقال رجل منهم من بني كنانة: دعوني آته، قالوا: ائته، فلما أشرف على النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -رضي الله عنهم- قال النبي -صلى الله عليه  وسلم-: (هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له) فبُعثت، واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدوا عن البيت.

هذا من فقه النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومعرفته بحال هؤلاء الذين يفاوضهم (هذا رجل من قوم يعظمون البدن) فاحفظوها له مقلدة -أي هديًا-، فلما رآها قال: مثل هؤلاء لا يمكن أن يُصَدوا عن البيت، فكفاه ذلك عن تطويل الكلام.

فلما رجع إلى أصحابه، قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يُصَدوا عن البيت، فقام رجل منهم يقال له: مكرز بن حفص، فقال: دعوني آته، فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (هذا مكرز، وهو رجل فاجر) فجعل يكلم النبي -صلى الله عليه وسلم-، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو، وقال معمر أخبرني أيوب عن عكرمة أنه قال: لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (قد سهل لكم من أمركم).

تفاءل النبي -صلى الله عليه وسلم- باسمه "سهيل".

قال معمر: قال الزهري في حديثه: "فجاء سهيل بن عمرو، فقال: هات اكتب بيننا وبينك كتابًا، فدعا النبي -صلى الله عليه وسلم- بعلي -رضي الله عنه- وقال: (اكتب، اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم) فقال سهيل بن عمرو: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب: باسمك اللهم، كما كنت تكتب، قال المسلمون: والله ما نكتبها إلا "بسم الله الرحمن الرحيم"، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اكتب باسمك اللهم) ثم قال: (هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله) فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: (والله إني لرسول الله، وإن كذبتموني).

تأمل! الآن علي -رضي الله عنه- لما كفره الخوارج، قالوا: إنه محا من اسمه إمرة المؤمنين، فهو أمير الكافرين، سار إلى المفاوضة مع أهل الشام في القصة المعروفة، فقالوا: محا نفسه من إمرة المؤمنين، فهو أمير الكافرين إذًا، فناقشهم ابن عباس، وناظرهم -رضي الله تعالى عنه-، هو ذكر لهم هذا، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- محا "محمد رسول الله"، وكتب "محمد بن عبد الله"، فهل صار بذلك مؤاخذًا -عليه الصلاة والسلام-؟.

فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: (والله إني لرسول الله، وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله) قال الزهري: وذلك لقوله، والله لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله -تعالى- إلا أعطيتهم إياها، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: (على أن تخلوا بيننا وبين البيت، فنطوف به) فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أُخذنا ضغطة.

هذه حمية الجاهلية أيضًا، ما يمكن، يعني قهرًا.

لكن ذلك من العام المقبل، فكتب، وقال سهيل: وعلى ألا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، فقال المسلمون: سبحان الله! كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟ فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة، حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين -الرسف هو المشي الثقيل، كمشي المقيد-فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه، أن ترده عليّ، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (إنا لم نقضِ الكتاب بعد).

يعني لم ينته بعدُ عقد الصلح.

فقال: إذًا والله لا أصالحك على شيء أبدًا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فأجزه لي) قال: ما أنا بمجيز ذلك لك، قال: (بلى فافعل) قال: ما أنا بفاعل، قال مكرز: بلى قد أجزناه لك، قال أبو جندل: أي معشر المسلمين أُرد إلى المشركين وقد جئتُ مسلمًا ألا ترون ما قد لقيت؟! وكان قد عذب عذابًا شديدًا في الله -عز وجل-، قال عمر -رضي الله عنه-: فأتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقلت: ألست نبي الله حقًّا؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: (بلى) قلت: أولسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: (بلى) قلت: فلِمَ نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: (إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري) قلت: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: (بلى، أفأخبرتك أننا نأتيه العام؟) قلت: لا، قال -صلى الله عليه وسلم-: (فإنك آتيه ومطوِّف به) قال: فأتيت أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقًّا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلِمَ نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: أيها الرجل إنه رسول الله، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرْزه.

هذا للإبل بمنزلة السرج للفرس، أو الركاب، بحيث إن الراكب يتمسك به.

فوالله إنه على الحق، قلت: أوليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك تأتيه وتطوف به، قال الزهري: قال عمر -رضي الله عنه-: فعملت لذلك أعمالا.

تأمل! من أجل هذه المجادلة للنبي -صلى الله عليه وسلم- يعمل أعمالا ليكفر ذلك.

قال: فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: (قوموا فانحروا ثم احلقوا) قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال -صلى الله عليه وسلم- ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل -صلى الله عليه وسلم- على أم سلمة -رضي الله عنها- فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة -رضي الله عنها-: يا نبي الله، أتحب ذلك، اخرج فلا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بُدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نحر بُدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا -يعني من الزحام- ثم جاء نسوة مؤمنات، فأنزل الله -عز وجل-: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا حتى بلغ: بِعِصَمِ الْكَوَافِرِالممتحنة:10 فطلق عمر -رضي الله عنه- يومئذ امرأتين، كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية.

يعني هنا لاحظ أن أبا بكر -رضي الله عنه- كان جوابه كجواب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا يبين منزلة أبي بكر -رضي الله تعالى عنه-، وأنه كان في حال من الطمأنينة والثبات في هذا المقام العظيم، وهنا أيضا حين أمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم-: (قوموا فانحروا ثم احلقوا) هذا للوجوب، ما قام منهم رجل واحد، فإذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يأمرهم ثم يدخل على أهله، ويشكو، فكيف بغيره؟!، وكما هو الحال اليوم وقد استوت الرؤوس، من يستجيب لأهل العلم، ومن الذي يستجيب للناصحين؟، والله المستعان

 

لاحظ أن أبا بكر -رضي الله عنه- كان جوابه كجواب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا يبين منزلة أبي بكر -رضي الله تعالى عنه-، وأنه كان في حال من الطمأنينة والثبات في هذا المقام العظيم، وهنا أيضا حين أمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم-: (قوموا فانحروا ثم احلقوا) هذا للوجوب، ما قام منهم رجل واحد، فإذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يأمرهم ثم يدخل على أهله، ويشكو، فكيف بغيره؟!، وكما هو الحال اليوم وقد استوت الرؤوس، من يستجيب لأهل العلم، ومن الذي يستجيب للناصحين؟، والله المستعان

 

، ثم ما أشارت به أم سلمة -رضي الله عنها- يدل هذا على فضلها، ثم هؤلاء الصحابة -رضي الله عنهم- لما رأوا ذلك من النبي -صلى الله عليه وسلم- عرفوا أن الأمر قد فرغ منه، نحر هديه، وحلق شعره، فأيسوا، كانوا يرجون لعله يحصل شيء، كل هذا: وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ.

ثم رجع النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين.

تأمل: الآن في أبي جندل رده النبي -صلى الله عليه وسلم- إليهم، وأبو بصير الآن يرده النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهم كفار، ومع ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- يفي لهم، وهو أهل للوفاء -عليه الصلاة والسلام-، هذا مع الكفار، فكيف مع المسلمين؟، ثم جاء نسوة مؤمنات، فأنزل الله -عز وجل-: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُالممتحنة:10 هذا مضى في الكلام على سورة الممتحنة، وأن نصفها الثاني: إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ إذا قيل: إن أولها -صدرها، نصفها الأول-: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءالممتحنة:1 إن هذه في قصة حاطب في فتح مكة، فيكون النصف الثاني -الذي نزل قبل صدر السورة- قطعًا نازلا في الحديبية، وإذا قيل: إن صدر السورة في قصة حاطب وإنها وقعت في صلح الحديبية فيكون بين النزولين -صدر السورة، وآخر السورة- وقت يسير، بنفس قضية الصلح، هذا صدرها نزل في قصة حاطب، وهذا نزل في المؤمنات المهاجرات، لما هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فما ردها النبي -صلى الله عليه وسلم-، فبعض أهل العلم يقول: هذا غير داخل أصلا في الصلح؛ لأن العبارة التي كانت في الصلح: لا يأتين منا رجل، والنساء غير داخلات، وبعضهم يقول: هذا مما نسخ القرآنُ به السنة؛ لأن الصلح ثابت بالسنة، فهذا قرآن نسخ ما ثبت في السنة، نسخ رد النساء، مضى الكلام في هذا في تفسير سورة الممتحنة.

فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به، حتى إذا بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدًا، فاستله الآخر، فقال: أجل، والله إنه لجيد.

القائل الآن هو صاحب السيف، يقول: أجل، إنه جيد، أنا جربته.

لقد جربت منه ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه فضربه حتى برَدَ.

يعني مات.

ففر الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين رآه: (لقد رأى هذا ذعرًا).

هو يعدو؛ لأن أبا بصير يشتد في طلبه، فهو دخل، فدخل أبو بصير بعده.

فلما انتهى إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول.

لماذا يقول: مقتول؟ لأنه طلبه، ما تركه.

فجاء أبو بصير، فقال: يا رسول الله والله قد أوفى الله ذمتك، فقد رددتني إليهم ثم نجاني الله -تعالى- منهم، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ويل أمه، مسعر حرب لو كان معه أحد).

"مسعر حرب" يعني موقد حرب، أو مذكيها ومهيجها، لو كان معه أحد.

فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر، قال: وتفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير.

خلاص، هو الآن غير داخل تحت حكم النبي -صلى الله عليه وسلم- من الناحية الإدارية، فكان يهاجم قوافل المشركين، والنبي -صلى الله عليه وسلم- غير مسئول عنه، ومن ثم ليس على النبي -صلى الله عليه وسلم- سبيل بسبب هذا، هذا رجل فر منكم إلى سيف البحر، نحن لم نستقبله، فلا يحسب علينا.

فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعيرٍ خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم، فمن أتاه منهم فهو آمن.

تأمل! الآن هم كانوا يقولون: ما يأتيك منا رجل إلا رددته، والآن يقولون: خذهم، يتوسلون إليه أن يأخذهم.

فأرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- إليهم، وأنزل الله -عز وجل-: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ حتى بلغ: حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه رسول الله، ولم يقروا بـ"بسم الله الرحمن الرحيم" وحالوا بينهم وبين البيت.

هكذا ساقه البخاري هاهنا، وقد أخرجه في التفسير، وفي عمرة الحديبية، وفي الحج، وغير ذلك([12]).

والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.

وروى البخاري في التفسير عن حبيب بن أبي ثابت قال: أتيت أبا وائل أسأله، فقال: كنا بصفين.

يعني أهل الشام رفعوا المصاحف كما هو معلوم، وقالوا: ندعو إلى كتاب الله.

فقال رجل: ألم ترَ إلى الذين يدعون إلى كتاب الله؟ فقال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: نعم، فقال سهل بن حنيف: اتهموا أنفسكم، فلقد رأيتُنا يوم الحديبية -يعني الصلح الذي كان بين النبي -صلى الله عليه وسلم- والمشركين- ولو نرى قتالا لقاتلنا، فجاء عمر -رضي الله عنه- فقال: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ فقال: بلى، قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: يا ابن الخطاب، إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبدًا، فرجع متغيظًا، فلم يصبر حتى جاء أبا بكر -رضي الله عنه-، فقال: يا أبا بكر ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ فقال: يا ابن الخطاب إنه رسول الله، ولن يضيعه الله أبدًا، فنزلت سورة الفتح([13]).

وقد رواه البخاري أيضًا في مواضع أخر، ومسلم والنسائي من طرق أخر عن أبي وائل عن سفيان بن سلمة عن سهل بن حنيف به، وفي بعض ألفاظه: يا أيها الناس اتهموا الرأي، فلقد رأيتُني يوم أبي جندل، ولو أقدر على أن أرد على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمره لرددته([14]).

وفي رواية: فنزلت سورة الفتح، فدعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقرأها عليه.

وروى الإمام أحمد عن أنس -رضي الله عنه- قال: "إن قريشًا صالحوا النبي -صلى الله عليه وسلم- وفيهم سهيل بن عمرو، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لعلي -رضي الله عنه-: (اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم) فقال سهيل: لا ندري ما "بسم الله الرحمن الرحيم"، ولكن اكتب ما نعرف: باسمك اللهم، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (اكتب من محمد رسول الله) قال: لو نعلم أنك رسول الله لاتبعناك، لكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اكتب من محمد بن عبد الله) واشترطوا على النبي -صلى الله عليه وسلم- أن من جاء منكم لا نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا، فقال: يا رسول الله، أنكتب هذا؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: (نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله) رواه مسلم]([15]).

وروى أحمد أيضًا عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: "لما خرجت الحرورية اعتزلوا، فقلت لهم: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الحديبية صالح المشركين، فقال لعلي -رضي الله عنه-: (اكتب يا علي: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله) قالو: لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (امحُ يا علي، اللهم إنك تعلم أني رسولك، امحُ يا علي، واكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله)، والله لرسول الله خير من علي، وقد محا لنفسه، ولم يكن محوه ذلك يمحوه من النبوة، أخرجتُ من هذه؟-يعني الآن أجبت عنها بما فيه مقنع؟-قالوا: نعم". [ورواه أبو داود بنحوه]([16]).

وروى الإمام أحمد عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "نحر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الحديبية سبعين بدنة، فيها جمل لأبي جهل، فلما صُدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها"([17]).

هذه الرواية فيها ضعف في إسنادها.



[1]- رواه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، رقم (4163).

[2]- إعلام الموقعين عن رب العالمين (4/155).

[3]- رواه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، رقم (4197)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة خيبر، رقم (1365).

[4]- جزء من حديث رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة ذي قرد وغيرها، رقم (1807).

[5]- رواه مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب قول الله -تعالى-: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ الآية، رقم (1808).

[6]- رواه البخاري، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، رقم (1399)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: "لا إله إلا الله"، رقم (20).

[7]- إعلام الموقعين عن رب العالمين (4/155).

[8]- شفاء العليل، ص (60).

[9]- رواه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، رقم (4178).

[10]- رواه أحمد (18928)، والبيهقي في السنن الكبرى، رقم (8789)، وقال محققو المسند: "إسناده صحيح".

[11]- رواه أحمد، رقم (21234)، وقال محققو المسند: "حديث حسن".

[12]- رواه البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط، رقم (2731)، وفي كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، رقم (4178)، وأحمد، رقم (18928).

[13]- رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِالفتح:18، رقم (4844).

[14]- رواه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، رقم (4189)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب صلح الحديبية في الحديبية، رقم (1785).

[15]- رواه مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب صلح الحديبية في الحديبية، رقم (1784)، وأحمد، رقم (13827).

[16]- رواه أبو داود، كتاب اللباس، باب لباس الغليظ، رقم (4037)، وأحمد (3187)، وقال محققو المسند: "إسناده حسن".

[17]- رواه أحمد (2880)، والبيهقي في السنن الكبرى، رقم (10159)، وقال محققو المسند: "إسناده ضعيف".

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about