الإثنين 29 / شوّال / 1446 - 28 / أبريل 2025
مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ وَلَا ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ

المصباح المنير التسهيل في علوم التنزيل لابن جزي مجالس في تدبر القرآن الكريم
مرات الإستماع: 0

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ* مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [سورة البقرة:104-105].
نهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم، وفعالهم؛ وذلك أن اليهود كانوا يُعَانُون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص - عليهم لعائن الله - فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا يقولوا: راعنا، ويورون بالرعونة، كما قال تعالى: مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ [سورة النساء:46].
قوله تعالى: لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا ما المراد بـ رَاعِنَا وإلى أي شيء ترجع؟
إذا جمعت أقوال، وعبارات المفسرين تجد أنها مأخوذة من الرعاية، ومن الرعونة، ومن الرفق، وراعنا بمعنى أمهلنا، وقال بعضهم: راعنا، بمعنى تكلم بكلام نفهمه عنك، وبمعنى ارقبنا، وبمعنى أَرْعِنا سمعك.
فلو نظرنا في المعاني، وأرجعناها إلى ما يمكن أن يفسر به راعنا؛ فإنها ترجع إلى أصل، وجذر في الكلام، فإذا قلنا: إنها بمعنى أرْعِنا سمعك، أو ارقبنا، أو من الرعاية، أو أنها من الرفق، فهل هي مثل الرعونة؟
الجواب: لا، وإنما الرعونة مأخوذة من رعن، وهذه المعاني ترجع إلى رعى، وإذا قلنا: إنها من رعن يرعن رعونةً فهو راعن، وأرعن، وكلمة راعن، وأرعن تدل على الطيش والهوج، يقولون: فلان أرعن يعني أهوج، لا تقترب منه، لا تدري ما الذي يصيبك من مقاربته إذ هو أََحمق، رعن يرعن رعونة فهو راعن وأرعن، فالذين فسروها بأن اليهود كانت تلوي ألسنتها، فمعنى ذلك أن هذه اللفظة تعود إلى شيئين، المعنى الأول: أن هذه اللفظة عند اليهود لفظة سبٍّ في لغتهم يعني في غير العربية، فإن قيل: كيف استعملوا لغة أعجمية في مخاطبة النبي ﷺ وهو عربي؟.
يقال: لما استعملها الصحابة في المعنى الآخر استغل اليهود  الفرصة، وصاروا يطلقون هذه اللفظة الأعجمية التي هي عبارة عن سب باللغة العبرية بحيث صاروا يستعملونها يقصدون بها المعنى الذي في لغتهم، والذي هو من أقبح السب، وأبشعه، والسامع يظن أنهم يتكلمون بلفظة عربية حيث اتفقت لفظة مع لفظة، لكنها في معناها عند العبرانيين سب قبيح، فصاروا يطلقونها، ويتضاحكون فيما بينهم، فالمقصود أنهم استغلوا التوافق في اللغة.
المعنى الثاني: أنها عربية من الرعونة، والمعنى أنهم يعبرون بلفظة ظاهرها قد يستعملها اليهودي مريض القلب في معنىً سيء، فالمسلم يقول: راعنا يقصد ارقبنا، وانظرنا، لكن هذا يستغلها كأنه يقول له: يا أرعن، ولهذا جاء في قراءة تنسب للحسن البصري، وهي شاذة: (راعناً) بمعنى أنهم ينسبونه إلى الرعونة، فالمتكلم بها يحتمل أن يقصد بها ارقبنا ، وانظرنا، ويحتمل أن يقصد بها نسبته إلى الرعونة، والإنسان لا يتكلم بالألفاظ المحتملة المجملة، وهذا أصل كبير يذكره أهل العلم، وأهل السنة سواء في قضايا الاعتقاد، أو في غيره، وهي أن الإنسان يتكلم بالكلام البين الواضح الذي لا يحتمل الحق، والباطل؛ لئلا يفهم عنه غير المراد.
وهذه الآية أصل في هذا الباب، وهي أصل أيضاً في باب التشبه، فلا تتشبه بهؤلاء اليهود الذين يطلقونها، ويقصدون بها المعنى السيئ، وإن قصدت معنىً حسناً.
وإذا فسرت هذه اللفظة بأنها من رعى نجد المعاني التي ذكرت - ارقبنا، وانظرنا، وأمهلنا ، وما أشبه ذلك - بمعنى لا تعجل علينا، فراعنا، وارقبنا، وانظرنا من الرعاية؛ ولهذا يقال لراعي الغنم: راعٍ؛ لأنه يلاحظ هذه الدواب، ويرقبها، وما إلى ذلك، ويقال للحاكم، أو الأمير، أو الوالي، أو الملك، أو الخليفة راعي، وفي الحديث: كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته[1]، فذلك يرجع إلى معنى ارقبنا، واحفظنا، وما أشبه ذلك.
فالإشكال على تفسير الكلمة بالمعنى الثاني - وهو أنها من "رعى" - أنهم عبروا بلفظة محتملة استعملتها اليهود على وجه قصدوا به المعنى السيئ، واستعملها المسلمون من الصحابة في معنىً حسن، فـ "راعنا" حينما يقولها المسلمون فهي قطعاً ليست من الأول، بل هي من الثاني قطعاً، وأما اليهود فحينما لووا بها ألسنتهم فهم إنما نطقوا بها على أنها أعجمية – سب عندهم - أو نطقوا بها على أنها عربية، وقصدوا الرعونة.
وبعض أهل العلم - ومنهم كبير المفسرين ابن جرير الطبري - لمّا أرجعها إلى أصلها أرجعها إلى المعنى الثاني أولاً، وآخراً، وعلل سبب النهي عنها بما لا يرجع إلى المعنى الأول، فقال: راعنا المراعاة تدل على مفاعلة بين شيئين كالملاحظة، والمراقبة، والمبارزة، والمصانعة، والمناجزة، والمقاتلة، والمبايعة، وما أشبه ذلك.
فهو يقول: إن معنى هذا الكلام أي: إذا قالوا: راعنا فمعناه افهم عنا نفهم عنك، وارقبنا نرقبك، واسمع منا نسمع منك، فصارت القضية على سبيل المشارطة، والمقابلة، وهذا لا يليق في خطاب النبي ﷺ، وإنما يليق في ذلك ما كان على سبيل الإفراد لا على سبيل المقابلة، فجاء لهم بلفظة بديلة لا تقتضي هذا، وهي أن يقولوا: انظرنا؛ لأنه لا يقال: انظرنا ننظرك، فالمقصود النهي عن التكلم مع النبي ﷺ بهذه الطريقة وكأنها مقايضة بحيث لا يسمعون منه حتى يسمع منهم.
هذا هو المعنى الذي ذهب إليه ابن جرير - رحمه الله - فهو لم يذهب بها إلى أن النهي من أجل أنها توهم معنى الرعونة، وإنما لقلة الأدب فيها مع النبي ﷺ بمعنى أنهم جعلوه كأدنى الناس ممن تقول له: اسمع مني، وأسمع منك، ارقبني وأرقبك، أرْعِني سمعك وأرعيك سمعي، وهذا لا يليق في الخطاب مع النبي ﷺ.
وبهذا القول تستطيع أن تجمع الأقوال التي قيلت، وتعرف إلى أي شيء ترجع، وبهذا نعرف أن كلمة: "راعنا" لم يطلقها من أطلقها من المسلمين بقصد المعنى الأول - من الرعونة -، لكن نهى الله عنها لما فيها من سوء الأدب في التعبير مع النبي ﷺ، والشريعة جاءت بما يحسن، ويجمل من الألفاظ، والتعابير، والكلام، ولهذا لا يقال: عبدي، وأمتي لكن يقال: فتاي، وفتاتي، ولا يقال: وضئ ربك، وإنما يقال: وضئ سيدك، قال تعالى: لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا [سورة النــور:63] سواء فسرت بأنها في المناداة والمخاطبة بمعنى لا ترفع صوتك، فتتكلم معه كما لو تكلمت مع غيره من الناس، أو كما تتحدثون فيما بينكم، بل تكلم بأدب، وخفض صوت، كما قال في الآية الأخرى: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [سورة الحجرات:2]، أو كان المراد به: لا تقل: يا محمد - مثلاً - كدعاء بعضكم بعضاً، بل قل: يا رسول الله، فإن المقصود من ذلك هو تعليمهم الأدب في الألفاظ، إما لأن هذه اللفظة محتملة، وقد تستغل كما فعل اليهود حيث استعملوها استعمالاً سيئاً، أو لأنه لا يليق مخاطبة النبي ﷺ بذلك؛ لأنها تُفهِم معنى المفاعلة، وأياً كان، سواء كان هذا، أو هذا فكل ذلك لا يليق، ولذلك علمهم الله الأدب في تعاملهم معه بحيث استبعد الألفاظ الموهمة للمعاني الباطلة، وجاء بالألفاظ التي - أيضاً - لا رعونة فيها، ولا جفاء، ولا سوء أدب معه ﷺ.
قال المفسر - رحمه الله تعالى -: نهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم، وذلك أن اليهود كانوا يُعَانُون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص - عليهم لعائن الله - فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا يقولون: راعنا، ويورون بالرعونة، كما قال تعالى: مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً [سورة النساء:].
وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار عنهم، بأنهم كانوا إذا سَلَّموا إنما يقولون: السامُ عليكم، والسام هو الموت؛ ولهذا أمرنا أن نرد عليهم بـ "وعليكم"، وإنما يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا.
والغرض أن الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولاً، وفعلاً فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [سورة البقرة:104]
وروى الإمام أحمد عن ابن عمر - ا - قال: قال رسول الله ﷺ: بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يُعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعلت الذلة، والصَّغارُ على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم[2]، وروى أبو داود عنه : من تشبه بقوم فهو منهم[3] ففيه دلالة على النهي الشديد، والتهديد، والوعيد على التشبه بالكفار في أقوالهم، وأفعالهم، ولباسهم ، وأعيادهم وعباداتهم، وغير ذلك من أمورهم التي لم تشرع لنا، ولم نُقَرر عليها.
فذكرت في الدرس الماضي خلاصة ترجع إليها أقوال أهل العلم في معنى هذه الآية: لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا [سورة البقرة:104]، والذي مشى عليه الحافظ ابن كثير - رحمه الله - كما هو ظاهر هنا أن ذلك من أجل أن لا نشابه اليهود، حيث أطلقوا هذه الكلمة وأرادوا بها معنىً من المعاني السيئة قصدوه، وذهب بها - رحمه الله - إلى أنهم قصدوا بها الرعونة.
وعلى كل حال سواء كان ذلك مما يعبرون به عن الرعونة باللغة العربية، أو أنها كلمة كانوا يقصدون بها السب، والشتم بلغتهم العبرية، فكل ذلك يجري على النهي عن مشابهتهم، ومضاهاتهم من جهة، وأن لا يعبر الإنسان بالعبارات المحتملة للحق، والباطل، وذكرنا أن المسلمين حينما يطلقون هذه الكلمة أنهم يذهبون بها إلى معنى رعى، أي ارقبنا ، وما أشبه ذلك، فعلموا كلمة بديلة لا تحتمل للباطل؛ لئلا يقعوا في هذه المضاهاة وإن لم يقصدوا المعنى السيئ، وهذا من التأديب الذي أدبهم به الشارع في عباراتهم، وألفاظهم.
وعرفنا أن ابن جرير - رحمه الله - ذهب بها إلى معنىً آخر لا يخرج عن حد التأديب، ولكنه لم يربط ذلك باليهود، وإنما فسرها بأن المقصود هو أن هذه اللفظة لا تليق من جهة أنها بمعنى المفاعلة - ارقبنا نرقبك، واسمع منا نسمع منك، وراعنا نراعك، وما أشبه ذلك - وأن هذا لا يليق، وإنما الواجب على الإنسان أن يسمع، ويطيع ويتأدب مع رسول الله ﷺ، ولا يكون ذلك على سبيل المقابلة، والمقايضة، أو ما أشبه ذلك مما يطلب فيه من المخاطب فعلاً كفعله هو، بحيث يقول: إن فعلت ذلك فافعل ذلك، افعل كذا، وأفعل كذا، هذا لا يليق.
هذا الذي ذهب إليه ابن جرير، وهو غريب؛ وذلك أن ابن جرير - رحمه الله - من كلام الله عن قصة آدم ﷺ وهو يقرر أن ذلك جميعاً مما خوطب به اليهود، أي من قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ [سورة البقرة:34]، فهو يقول: إن الله يذكِّر اليهود بهذه القضية، وهكذا في كل قضية بعدها يقول: إن المراد بها اليهود، ثم جاءت قضية النسخ - كما سيأتي -، مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا [سورة البقرة:106] وكان المقصود بها الرد على اليهود، ثم جاءت قضية القبلة أيضاً، فقال: والمقصود بها الرد على اليهود، ثم جاءت قضية الولد، وقوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ [سورة البقرة:118]، فجعل مجموعة من الآيات بعدها في النصارى، فالمقصود أنه يجري ذلك على أهل الكتاب، وأغلب هذه الآيات أجراها على اليهود، وإن لم يكن لليهود ذكر فيها، فهذه الآية أولى، وأحرى أن تجعل في اليهود، أو أن يجعل علة النهي من أجل عدم مضاهاة اليهود؛ حيث أطلقوا هذه الألفاظ، لا أن ذلك بسبب أن هذه اللفظة في ذاتها تقتضي المفاعلة، وإنما لأن اليهود قالوا كلمة قصدوا بها معنىً سيئاً، كما قال الله : مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ [سورة النساء:46]، فمعنى ذلك أن اليهود كانوا يطلقون كلمة، وظاهرها السلامة ، أو يحتمل السلامة، وقصدوا بها غير ذلك، والله تعالى أعلم.
وقال الضحاك عن ابن عباس - ا -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا [سورة البقرة:104] قال: كانوا يقولون للنبي ﷺ: أرعنا سمعك، وإنما رَاعِنَا كقولك: عاطنا.قوله: رَاعِنَا كقولك: عاطنا: عاطنا من المعاطاة يعني أنها تقتضي المفاعلة.
وقال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي العالية، وأبي مالك، والربيع بن أنس، وعطية العوفي، وقتادة نحو ذلك، وقال مجاهد: لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا لا تقولوا خلافاً.قوله: وقال مجاهد: لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا لا تقولوا خلافاً: كأنه يقول: لا تقولوا مخالفة، أي لا تقولوا قولاً فيه مخالفة، لا تقولوا شيئاً يخالف ما أمركم الله به، وإنما ينبغي أن تكونوا على حال من الطاعة، والانقياد، والاستقامة.
فقوله: لا تقولوا خلافاً: كما تقول: لا تقل نكراً، يعني لا تقل منكراً، وهذا التفسير إذا أخذ من حيث هو أي بظاهره هكذا على أنه تفسير "راعنا" ففيه إشكال؛ لأن لفظة راعنا، رعى، والمراعاة، ليس من معانيها المخالفة، وإنما الملاحظة، والمراقبة، والنظر، وأشباه ذلك من المعاني التي تدل عليها هذه اللفظة، أو تفسر بها، أما المخالفة فليس ذلك من معانيها، لكن يمكن أن يوجه هذا القول بأن يكون معناه لا تقولوا قولاً مخالفاً، بمعنى لا تقولوا الألفاظ ، والعبارات التي لا تليق كالعبارات التي يمكن أن توصف بالرعونة، والجفاء، أو التي لا تكون بمعنى الاستجابة، والانقياد لأمر الله كما يقولون: وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا [سورة النساء:46] وكأنهم – أي اليهود - يقولون: اسمع لا سمعت، وإن كان يمكن أن يفهم من ظاهر قولهم: واسمع غير مسمع مثل ما يقول بعضهم: ما عليك أمر، وإن كانت اللفظة لا يريدون بها هذا المعنى.
فقوله: لا تقولوا خلافاً: معناها لا تقولوا: سمعنا، وعصينا، وإنما قولوا: سمعنا وأطعنا، فبهذه الطريقة يمكن أن يوجه قول مجاهد، أما أن نفسر لفظة راعنا بمعنى لا تقولوا خلافاً فليس هذا من معانيها، وابن جرير - رحمه الله - أنكر هذا المعنى، ورده، وقال: لا يعرف في معنى راعيت بمعنى خالفت، والله أعلم.
 وفي رواية: لا تقولوا: اسمع منا، ونسمع منك.قوله: اسمع منا، ونسمع منك: هذا يجري على قول ابن جرير - رحمه الله -؛ لأن القضية المشكلة ليست عند لفظة "راعنا" أنها قالتها اليهود، ونهينا لأن اليهود قالتها لما فيها من معنىً سيء في لغتهم، أو أنهم قصدوا بها المعنى السيئ، لا، وإنما لأنها خلاف التأدب مع النبي ﷺ بمعنى أنه يجب عليكم أن تسمعوا أنتم فالأمر إليكم، ومن الأدب أنه عليكم سماعه لا أن تشترطوا أن يسمع منكم.
وقال عطاء: لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا كانت لُغة تقولها الأنصار فنهى الله عنها.راعنا كانت لغة تقولها الأنصار بمعنى أن الأنصار يقولون: راعنا بمعنى ارقبنا، من المراعاة، وبمعنى انظرنا، لكن هذه اللفظة لما كانت تحتمل المعنى السيئ، والمعنى الصحيح نهوا عنها، ولا زالت هذه اللفظة تستعمل بمعنيين إلى يومنا هذا، يستعملها البادية الآن بمعنى نظر البصر، يقولون: راع بمعنى انظر يقصدون بها نظر العين، ويطلقها غيرهم يقصدون بها معنى المراعاة، وهي الالتفات إليهم، ورعي أحوالهم، وملاحظة هؤلاء الناس ليس بالعين، وإنما بالفعل، ويدخل فيه ما يقول المشتري للبائع: راعني في هذا، يقصد بها طلب الالتفات إلى مطلوبه، وحاجته، وتحقيق رغبته في أن يضع له من السعر، وإذا قالها المريض مثلاً فهو يقصد بذلك تقدير حاله، وعجزه، والالتفات إلى ضعفه ، ومرضه بحيث لا يطالب بأكثر مما يطيق.
وهؤلاء قالوها للنبي ﷺ بمعنى لا تعجل علينا، وأمهلنا، وارقبنا، ولاحظ حالنا، حتى نفهم عنك، ونأخذ عنك، ونتلقى عنك، فهم قصدوا هذا المعنى، ولكن هذه اللفظة غير مناسبة في التخاطب مع النبي ﷺ فأعطاهم لفظة تقوم مقامها، ولكنها لا تحتمل المعنى السيئ، وذلك أن يقولوا: انظرنا بمعنى ارقبنا، ولاحظنا، وما أشبه ذلك، فالمقصود أن الأنصار كانوا يعبرون بهذه اللفظة في لهجتهم يقصدون بها ما ذكرت، فعلموا لفظة بديلة ليس فيها احتمال.
وعلى قول ابن جرير اللفظة البديلة لا تقتضي المفاعلة، وإنما تكون من طرف واحد، أي انظرنا من أجل أن نفهم عنك، وليس ارقبنا نرقبك، ولاحظنا نلاحظك..
وعلى كل حال فإن الفائدة التي نخرج فيها من هذا أن الإنسان المسلم لا يضاهي أهل الباطل في عباراتهم التي يقصدون بها المعاني السيئة، وكذلك لا يطلق العبارات ابتداءً، وإن لم يقلها أهل الباطل، وأقصد العبارات التي تحتمل معنىً صحيحاً ومعنىً باطلاً، وهذا كثير في كلام أهل العلم من أهل السنة حيث يوضحون موقفهم من مثل هذه الأشياء، ففي العقيدة مثلاً تجدهم يتكلمون على ما إذا خاطبوا أهل الكلام فإنهم ينكرون عليهم استعمال الألفاظ التي تحتمل الحق، والباطل كلفظة الجسم، والعرض، والجوهر، والجهة، والتحيز، وما أشبه ذلك مما يعبرون به عند الكلام على صفات الله ، فأهل الكلام ينفون عن الله هذه المعاني، ويقصدون بها أحياناً، أو غالباً نفي معان صحيحة ثابتة، فينفي الاستواء مثلاً ، ينفي التحيز مثلاً، ويقصد به نفي العلو، والاستواء، وينفي الجسم، ويقصد به نفي الصفات الذاتية غير المعنوية كاليد، والوجه، ونحو ذلك، وينفي الأعراض، ويقصد بها نفي الصفات المعنوية كالضحك، والغضب، وأشباه ذلك، ويقولون: هذه أعراض، وهكذا، فأهل السنة حينما يأتون إلى أهل الكلام، ويناقشونهم يقولون لهم: نحن لا نثبت الجهة، ولا ننفيها، ولا نستجيز إطلاق ذلك، وأما أنتم فماذا تقصدون بالجهة؟ إن قصدتم بها معنى أنه ما فوق العالم فنحن نقول: هذا صحيح، وإن قصدتم أن الله تحوطه جهة من الجهات المخلوقة فالله أعظم شأناً من ذلك، فالله فوق العالم بائن منهم، لا يحوطه شيء من المخلوقات، فالمقصود أنهم يستفصلون منهم هذا الاستفصال عند مثل هذه الألفاظ، والعبارات فلا ينفونها بإطلاق، ولا يثبتونها بإطلاق، بل لا يعبرون بها ابتداءً، وينكرون على من استعمل هذه الألفاظ.
وعلى كل حال هذا الملام في باب الاعتقاد، وقد ذكرنا في الدرس الماضي بعض الأحاديث الواردة في التأديب، واستعمال بعض الألفاظ كعبدي، وأمتي، ماذا يقولون بدلاً من ذلك، فهذه فائدة مهمة، وأساسية.
وأما ما وراء ذلك مثل هل هذه نهي عنها؛ لأن اليهود قالتها بلغتها؟ أو لأنها بمعنى السب عندهم؟ أو قالتها بالعربية، وتقصد بها الرعونة؟ فهذا القدر لسنا مضطرين إليه، يعني لا يتوقف العمل بالآية على هذا القدر من التفسير،  وإنما القدر الذي نحتاج إليه هو أن هذا من التأديب في كيفية التعامل مع الألفاظ التي تحتمل معنىً صحيحاً، ومعنىً باطلاً، وما وراء ذلك لا نضطر إليه سواء قالوها بلغتهم، أو قالوها بالعربية، وسواء قصدوا بها معنى الرعونة، أو غير ذلك، فالمهم أنهم استعملوا عبارات ولووا ألسنتهم بالكلام ليصلوا إلى معانٍ قبيحة لا تليق، ونحن منهيون؛ لئلا نضاهي هؤلاء المبطلين من جهة، ولئلا نستعمل الألفاظ التي تحتمل المعاني الصحيحة، والمعاني الباطلة، فهذا القدر هو الذي نحتاج إليه وينبني عليه العمل في تفسير الآية، فإذا نظر طالب العلم إلى مثل هذه القضايا بهذه الطريقة أراح نفسه من كثير من الإشكالات، والدخول في أمور، أو مضائق قد لا يحتاج إليها، أو ليس بمضطر إليها، خاصة وأن القطع بشيء من هذه الإشكالات أمر قد لا يوجد عليه دليل يعتمد عليه، لكن الآية فيما أظن أنه لا يقتصر في تفسيرها على ما ذكره ابن جرير - رحمه الله - فقط دون غيره، وهو قوله: نحن منهيون لما فيها من معنى المفاعلة، لكن يمكن أن نقول: هي لفظة غير لائقة، فهي تحتمل معانٍ باطلة، ومن ذلك أيضاً أن فيها معنى المفاعلة وهذا أمر لا يليق، والله تعالى أعلم.
وقال السدي: كان رجل من اليهود من بني قينقاع يدعى رفاعة بن زيد يأتي النبي ﷺ فإذا لقيه فكلمه قال: أرعني سمعك، واسمع غير مُسْمع، وكان المسلمون يحسبون أن الأنبياء كانت تُفَخم بهذا، فكان ناس منهم يقولون: اسمع غير مسمع غَيْرَ صاغر، وهي كالتي في سورة النساء.في سورة النساء قال الله عن اليهود: مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ [سورة النساء:46] فالمقصود أن هذه اللفظة نحن منهيون عنها؛ لأن فيها سوء أدب، واليهود يذهبون بها إلى المعنى السيئ، وعلى كل حال سواء قُصِد بها ما كان بلغتهم أو لا، فالمقصود أننا لا نقول ذلك، وكذلك الأمر في قوله: وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ لا يجوز استعمالها أياً كان المقصود بها.
فتقدم الله إلى المؤمنين أن لا يقولوا: راعنا، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بنحو من هذا.قوله تعالى: وَاسْمَعُوا يمكن أن يحمل على ما ذكر في الآية، يعني اسمعوا هذا التوجيه، والتعليم بحيث أنكم منهيون عن إطلاق مثل هذه اللفظة، فلا تعبروا بها في مخاطبته ﷺ، ويحتمل أن يكون ذلك على سبيل العموم، أي اسمعوا ما أمرتم به عن رسول الله ﷺ، وتلقوا عنه.
وقوله تعالى: مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ [سورة البقرة:105] يبين بذلك تعالى شدة عداوة الكافرين من أهل الكتاب، والمشركين الذين حذر الله تعالى من مشابهتهم للمؤمنين؛ ليقطع المودة بينهم، وبينهم.
ونبه تعالى على ما أنعم به على المؤمنين من الشرع التام الكامل، الذي شرعه لنبيهم محمد ﷺ حيث يقول تعالى: وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [سورة البقرة:105].
هذه الآية أيضاً في أهل الكتاب، وهي من جملة الآيات الكثيرة جداً في سورة البقرة، وفي غيرها من سور القرآن التي يذكر الله فيها ما ينفر قلوب أهل الإيمان عنهم.
وحينما نزلت هذه الآيات من سورة البقرة لم يكن اليهود في ذلك الوقت قد احتلوا شيئاً من بلاد المسلمين أصلاً، ولا غصبوا أموالهم، ولا حاربوهم، ولا اعتدوا عليهم، ومع ذلك فإن الله يذكر هذه الأمور التي توجب الكراهية، والبغض، والبراءة من أعداء الله والله يذكي هذه الكراهية في نفوس المسلمين، وقد صارت هذه الكراهية جريمة لا تغتفر في هذا العصر، وللأسف صار بعض الناس يقولون: ليست العداوة للكفار لأنهم كفار؛ وإنما لأنهم قاتلوا النبي ﷺ وبالتالي إنما تكون العداوة للكفار الذين يقاتلون المسلمين، وهكذا يدلسون على الناس في قوله: لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ [سورة الممتحنة:8] فتجدهم يفسرون البِرَّ هنا بمعنى المحبة، والموالاة، إلى غير ذلك مما يقال، وإنما المقصود أن الموالاة ليست مرتبطة بأنهم اعتدوا على المسلمين، أو ما اعتدوا، وإنما هم اعتدوا على أعظم حق لله ، وهو التوحيد، فهذا هو الذي أوجب العداوة، والبغضاء، وليس لأنهم يحاربون المسلمين، فهذا كفر على كفرهم، فالعداوة تجب لجميع الكفار سواء حاربوا المسلمين، أو لم يحاربوهم، فالواجب على كل مسلم أن لا يحب أعداء الله، قال تعالى: وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [سورة الممتحنة:4]، فالمقصود أن مثل هذه الأمور ينبغي أن يعرفها المسلم، وتكون حاضرة على باله، وتبث في الناس، ويعلمها الصغير، والكبير؛ لئلا تضيع حدود الله ، ويُلعب بالدين، بل وصل الأمر ببعض المعممين إلى أنه قال أكثر من هذا، حتى قال: العداوة التي بيننا، وبين اليهود ليست دينية، وإنما عداوتنا مع الصهاينة فقط؛ لأنهم احتلوا أرضنا!!
نحن نقول: لو أرجعوا فلسطين على طبق من ذهب فهم أعدائنا، وأشد أعدائنا؛ فآيات القرآن واضحة قبل احتلال فلسطين، فهي ليست في الصهاينة فقط، وإنما في عموم هؤلاء الكفار، فالله ذكر طبقاتهم في كفرهم، وعداوتهم.
  1. أخرجه البخاري في كتاب: الأحكام - باب: قول الله تعالى: أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ [سورة النساء:59] (6719) (ج 6 /ص 2611) ومسلم في كتاب: الإمارة - باب: فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم (1829) (ج 3 / ص1459).
  2. مسند أحمد (ج 2 / ص 92) وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (2831).
  3. سنن أبي داود في كتاب: اللباس - باب في لبس الشهرة (4031) (ج 2 / ص 441)وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (6149 ). 

مرات الإستماع: 0

"ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا جنس يعم نوعين: أهل الكتاب، والمشركين من العرب، ولذلك فسره بهما، ومعنى الآية: أنهم لا يحبون أن ينزل الله خيرًا على المسلمين.

مِنْ خَيْرٍ من للتبعيض، وقيل: زائدة لتقدم النفي في قوله: ما يودّ."

لاحظ هنا مِنْ خَيْرٍ من تبعيضية، ويحتمل أن تكون ليست كذلك، يعني: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ نكرة في سياق النفي، فهي للعموم، وسبقت بـ مِنْ التي تنقلها من الظهور في العموم إلى التنصيص الصريح في العموم مِنْ خَيْرٍ يعني: أي خير. وقيل: زائدة لتقدم النفي في قوله: مَا يَوَدُّ: يقصد زائدة هذه التي تكون للتنصيص الصريح في العموم، تُزاد قبل النكرة إعرابًا لتقوية العموم.

"بِرَحْمَتِهِ قيل: القرآن وقيل: النبوءة، والعموم أولى."

وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ من النبوة، نزول القرآن، وغير ذلك، فالذي حمله على النبوة هذا جاء عن بعض السلف: كمجاهد، والربيع بن أنس، لكن العموم أولى، لكن الذين قالوا في قوله تعالى: أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ قالوا: أعظم هذا الخير هو نزول الوحي، والقرآن. والواقع أن هذا ملازم للنبوة، فإن هذا النزول يكون وحيًا من الله - تبارك وتعالى - إلى النبي صﷺ فهما متلازمان، يعني القول بأنه القرآن أو النبوة، لكن المعنى أعم وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ينزل عليهم من الخير من الألطاف الربانية، والنصر، والرزق، وما إلى ذلك.

"ومعنى الآية: الردّ على من كره الخير للمسلمين."

يعني هؤلاء بهذه الصفة مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ جميع أهل الكتاب، وكذلك أيضًا أهل الإشراك كل هؤلاء ما يبقى أحد بعد ذلك من طوائف الضلال إلا اشتملت عليه هذه الآية مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ إذا كان هؤلاء بهذه المثابة الخير من الله لا يدفعونه هم، ولا يأتي عن طريقهم ولا يبذلونه، لا يحبون لكم ذلك، يريدون أن يمنعوا الخير أن ينزل عليكم من الله، والخير هنا نكرة كما سبق في سياق النفي يعني من خير ولو قل، ولو أدنى خير، ما يودون أن ينزل عليكم من خير من ربكم، إذا كانوا بهذه المثابة فهل يؤمل منهم الخير للمسلمين؟! والدفاع عن قضاياهم، والنصر لهم، والوقوف معهم، ودفع الظلم عنهم؟! إطلاقًا هم لا يريدون الخير ينزل من الله علينا، فهل يبذلونه هم؟! هم أبعد ما يكونون عن ذلك.

مرات الإستماع: 0

ثم قال الله -تبارك وتعالى- بعدها: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [سورة البقرة:105] ما يحب الكفار من أهل الكتاب والمشركين أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ أدنى خير مِنْ رَبِّكُمْ سواء كان ذلك من قبيل الوحي، أو العلم، أو النصر، أو غير ذلك وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاء يختص بالنبوة والوحي، ويختص بالهدى، ويختص أيضًا بالعطاء والمنح.

فيُؤخذ من هذه الآية من الفوائد: أن قوله -تبارك وتعالى: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ يعني جميع طوائف الكفر فهم إما أهل كتاب، وإما من غير أهل الكتاب من ملل الشرك والإشراك، فهؤلاء جميعًا حالهم واحدة مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ نزول الخير من الله -تبارك وتعالى- لا يحبونه لنا، إذن هم لا يحبون لنا الخير، وإذا كانوا بهذه المثابة: ما يود هؤلاء أن ينزل الخير من ربنا، ومن معاني الربوبية: الرَزق والعطاء والنفع والمدد، وما إلى ذلك، فهم لا يريدون أن ينزل علينا خيرًا من الله، وإذا كان هؤلاء بهذه المثابة: لا يودون أن ينزل خير من الله على هذه الأمة، فمن باب أولى أنهم لن يتفضلوا بخير، ولن يتسببوا فيه، فإذا كان محض الخير من الله لا يريدونه لنا، ولا يحبونه لنا، فهل سيكون ذلك بتسببهم وسعيهم، أو على أيديهم بمنحهم وتفضلهم وإحسانهم وعطفهم وشفقتهم، من الله لا يريدونه لنا، من ربنا، وإذا كان كذلك فماذا يرجى من هؤلاء؟

من ظن أن هؤلاء يمكن أن يحسنوا إلى الأمة، وأن ينظروا إلى قضاياها بنظر القسط والعدل والإحسان والعطف والمراعاة، وما أشبه ذلك، فهو مخطئ، فهو لم يعرف هؤلاء، ولم يعرف حقائقهم التي جلاها القرآن.

ثم تأمّل قوله -تبارك وتعالى- في هذه الآية: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ فـ(خير) نكرة في سياق النفي، وقد سبقت بـ(من) التي تنقلها من الظهور في العموم إلى التنصيص الصريح في العموم، يعني: أي خير، في أي باب من الأبواب، وفي أي وقت من الأوقات، وفي حال من الأحوال، ولأي شخص من الأشخاص، أو طائفة من طوائف الأمة؛ لأن العموم يشمل أربعة أشياء: عموم الأفراد، وعموم الأحوال، وعموم الأوقات، والأزمان، وعموم المواضع والأمكنة، في أي زمان، وفي أي مكان، ولأي شخص، ولأي فئة، وفي أي حال من الضر والشدة والمسغبة والكرب، لا يودون أن ينزل من الله، فكيف يسعون فيه مِنْ خَيْرٍ أي: خير، حتى لو كان قليلاً، يسيرًا، ولا شأن له ولا يُذكر، لا يودون ذلك، فكيف يفعلون؟

قد يود الإنسان أن يأتي الخير من الله، لكنه هو لا تجود به يده، قد يود الإنسان الخير للمسلمين المتضررين، ولكن قد لا يبذل لهم شيئًا، لكن هؤلاء مجرد محبة الخير لا يريدونها، هذا كلام علام الغيوب، الله وليس بكلام أحد يسيء الظن، وينظر بنظرة سوداء إلى هؤلاء الناس، إنما هذا كلام الخلاق العليم الذي خلقنا وخلقهم وخلق الخير والشر يقول مثل هذا، ومن ثم فإنه ينبغي الحذر من هؤلاء الكفار على اختلاف طوائفهم، وأن يتعامل معهم على هذا الأساس، أنهم لا يريدون بنا خيرًا.

وانظروا إلى أحوال هؤلاء المنكوبين -نسأل الله أن يرفع الضر عنهم- حينما يلجؤون إلى بلادهم، ويركبون الأخطار، كيف يتعاملون معهم؟ وهم يدعون أنهم حماة الحرية، ودعاة الإنسانية، كل هذا يذهب ويتلاشى حينما يكون المتضرر البائس من المسلمين.

ثم لاحظ هذا الوصف لهم بالكفر مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فلم يقل: ما يود أهل الكتاب، فهم قد كفروا بكتبهم، ولو كانوا مؤمنين بها حقًا لآمنوا بهذا القرآن، وبمحمد ﷺ لأن كتبهم تأمرهم بذلك.

وتأمل في التعليل: حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ [سورة البقرة:109] لا يتمنون لنا الخير إطلاقًا؛ لماذا؟ حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ [سورة البقرة:109] الحسد يكون على ماذا؟ هل يُحسد الإنسان على الفشل؟ الجواب: لا، وهل يُحسد الإنسان على الإخفاق؟ الجواب: لا، وهل يُحسد الإنسان على الضلال؟

الجواب: لا، إنما يُحسد على المنح والهبات الجزيلة، والعطايا الجليلة، فهذا يدل على أنهم يعلمون أن هذه الأمة قد أعطاها الله وحباها واجتباها، فجاء الحسد، البائس ما يُحسد، المحروم ما يُحسد، التائه لا يُحسد، ولكن الذي يُحسد هو المنعَم عليه (صاحب النعمة) فدل على أنهم يعلمون جيدًا ما عليه هذه الأمة من الهدى الكامل، والاجتباء والاصطفاء، فجاء الحسد بناءً على ذلك، فلا يُحسد الإنسان إلا على منقبة ونِعَم.

ثم أيضًا تأمل تقديم الجار والمجرور في قوله: عَلَيْكُمْ فلم يقل: إن ينزل خير عليكم، وإنما قال: عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ فهذا التقديم يفيد الاختصاص، فكما هو معلوم أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الاختصاص، وتقوية المعنى، ولإظهار كمال العناية بشأن المنزَّل، والمنزَّل عليه أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ أنتم بالخصوص، المشكلة معكم؛ لأن هذا الكتاب لم ينزل على بني إسرائيل، وأما المشركون فاقترحوا: لو أنه أنزل هذا القرآن على غير النبي ﷺ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [سورة الزخرف:31] مكة أو الطائف أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ [سورة الزخرف:32] يعني النبوة، هذا رد على المشركين، وأما اليهود فقد حسدوا هذه الأمة على تحويل الكتاب والرسالة والوحي من بني إسرائيل بعد أن كان ذلك فيهم ردحًا من الزمان متطاولاً، فنزل على هذه الأمة، وصار فيها الاجتباء والاصطفاء، فحسدوهم، كما هو معلوم.

ثم إن هذا الحسد من قبل هذه الطوائف جميعًا من أهل الكتاب، وطوائف المشركين لن يغير من الأمر شيئًا، فالله -تبارك وتعالى- يختص برحمته من يشاء، كما قال هنا: وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ [سورة البقرة:105] فهذا الفضل من الله والألطاف الربانية، لا يمنعها حسد حاسد، ولا تمني متمني وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ۝ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [سورة الأنعام:17، 18] فهذا هو ربنا -تبارك وتعالى- كما قال النبي ﷺ : واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك[1].

هذا قضايا محسومة، ونحن دائمًا نرى ما يُصدِّق ذلك، من العبر والعظات والآيات الشواهد على هذا، هذا الذي حصل في بيت الله الحرام نسأل الله أن يتقبلهم في جملة الشهداء، وأن يعوضهم خيرًا، وأن يجبر مصاب ذويهم، تلاحظ هذا السقوط في لحظة في ثانية، الذي لم يكتب له أن يصاب به يتقدم قليلاً خطوات، والذي كتب عليه يرجع خطوات، هذا يمشي يسير إلى حتفه، وهذا يتقدم خطوات؛ لأن أجله لم يحضر بعد، هذه أم صبيانها يمشون خلفها، وهي وادعة في أأمن الأماكن في بيت الله الحرام، وإن كنت لا أحب أن تنشر مثل هذه الصور إطلاقًا؛ لأن هذا هو المكان الآمن، ومن دخله كان آمنًا، فلا يصح نشر أي صور تبعث على القلق والخوف، ولو كان الذي ينشرها بحسن نية، لكن المؤدى في النهاية أن هذا المكان خطر، هذا مؤدى هذه الصور التي تنشر، فهذا ينشر هذه الصور، وآخر ينشر حريقًا في المكان الذي يعتمل فيه، وهو تحت الإنشاء، فما الفائدة من نشر مثل هذا؟

لكن ليس هذا موضع الحديث الآن، لكن الشيء بالشيء يذكر، ينبغي أن ينشر ما يبعث الطمأنينة في نفوس الناس، وليس الخوف، هذا مقتضى العقل، وما يدعو إليه الشرع، الناس يطمئنون، فهم آمنون في بيت الله الحرام، لكن إذا جاء القدر، فهنا كما قيل لابن عباس -رضي الله عنهما- يقال: إن الهدهد يرى الماء الذي تحت الأرض، وهو في الهواء، يقال والله أعلم، ويقال: إن سليمان حينما تفقد الطير فلم يرَ الهدهد أنه احتاج إلى الماء، فالهدهد كان يدله على مواضع الماء تحت الأرض إذا احتاجوا إلى حفر لاستخراج الماء، هكذا يقال.

ويقال: إنه لما كانت تحمله الريح كانت الطيور تظله، فبقيت فجوة مكان الهدهد، وكانت هذه الطيور منظمة، كل طائر قد عرف مكانه، فلما دخلت عليه الشمس نظر فإذا هذا مكان الهدهد وجده غائبًا، فسأل عنه، على كل حال هذا أو هذا، فسئل ابن عباس -رضي الله عنهما: إذا كان الهدهد بهذه المثابة يرى الماء تحت الأرض، فهذا الصبي الغلام يضع له الفخ (حبه في فخ) ويصيده، فقال ابن عباس -رضي الله عنهما- وهو الشاهد: إذا جاء القدر عمي البصر[2] ولهذا قالوا: الحذر يؤتى من مأمنه، ولا ينجي حذر من قدر، نعم يجب تعاطي الأسباب، ولكن إذا جاء القدر فقد جاء أمر الله فهذا يسير إلى حتفه بخطوات، وهذا ينتقل بخطوات؛ لأن حتفه لم يحن بعد، هي هكذا، هؤلاء وقوف يتفرجون وينظرون ما جاءت آجالهم، وآخرون قد جاءت آجالهم فيسيرون إليها، فهنا وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ [سورة البقرة:105].

فما يصل إليك من الخير لن يرده أحد، وما يصل إلى الآخرين لن يستطيع أحد رده، إذن لماذا الحسد؟ هؤلاء الذين حصلوا على أرباح في التجارات، أو عمروا قصورًا أو دورًا، أو حصل لهم ثروة، أو حصلوا وظائف جيدة، أو أنهم تفوقوا في دراستهم، وتخرجوا من الجامعات، وحصلوا أعلى الشهادات؛ فلماذا الحسد؟

هم ما أخذوا منك شيئًا، وما أخذوا من رزقك شيئًا إطلاقًا، فلو حصل كل واحد منهم مثل مال قارون لم يكن ذلك على حساب رزقك بربع هللة، وفضل الله واسع، فيُطلب منه، ماذا تريد؟ تريد النجاح والوظيفة والمال والثروة والعلم؟ عليك أن تسأل ربك -تبارك وتعالى- مع بذل الأسباب، أما هؤلاء زملائك وغير زملائك الذين حصل لهم ما لم يحصل لك ما أخذوا منك شيئًا، لم يضيقوا عليك الفرص، فإن رزقك سيأتي، وذكرت لكم من قبل مثالاً في ذلك الرجل الذي سقط في القليب، ثم تداعى الناس فأخرجوه، وإذا به لم يُصب بأي أذى، فحملوه معهم، وذهب إلى مجلسهم، وسقوه لبنًا، ثم بعد ذلك سألوه: كيف وقعت؟ وماذا حصل؟ فأخذهم معه ليريهم كيف سقط، فبينما هو يمشي وإذا بقدمه تزل، فوقع فأصابته جوانب البئر، أو القليب، فما وصل إلى قعرها إلا وقد فارق الحياة، كان بقي له دقائق، وشربة لبن، فالأجل بقي فيه شيء، والرزق بقي فيه شيء، وقد أخبر النبي ﷺ : لو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت[3].

تطلب العلم وقد لا تحصل، تبقى سنوات طويلة، وآخر في عُشر هذه المدة التي تقضيها يحصل من العلم الكثير ويحفظ الكثير، فهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، لم يكن عائقًا وحائلاً بينك وبين العلم، فلماذا الحسد؟ فلان عنده، وفلان عمَّر، وأولاده عمَّروا، وفلان كذا، وفلان كذا، هم ما أخذوا منك شيئًا، وما كانوا سببًا لحجزك عن شيء من رزقك، هذا النظر الصحيح، والإيمان بالقدر يورث مثل هذه المعاني.

ثم أيضًا تأمل قوله -تبارك وتعالى: وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [سورة البقرة:105] فهنا ذُو الْفَضْلِ أكد الخبر بالجملة الاسمية، فهي تدل على الثبوت، الفضل الثابت العظيم، الذي لا يمنعه حسد حاسد، ولا يجلبه مجرد الأماني، وهكذا التعبير بالمضارع يَخْتَصُّ يدل على تحقق الوقوع والاستمرار، فهذا الاختصاص حينًا بعد حين.

وهكذا في قوله -تبارك وتعالى: وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ فلم يقل: وهو ذو الفضل، فوضع الظاهر الاسم الكريم (والله) للتعظيم، وتربية المهابة في نفوس العباد، ولم يقل: والله يختص برحمته من يشاء وهو ذو الفضل العظيم، وإنما قال: وَاللَّهُ يَخْتَصُّ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ فإظهار الاسم الكريم، والاستغناء به عن الضمير مكانه، لا شك أن أفخم، وأدعى للتعظيم، وتربية المهابة.

ولاحظ إضافة الرب إليهم مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ هذا فيه تشريف لهذه الأمة، وعناية الله  بها، وكذلك أيضًا يدل على أنّ هذا الرب هو الذي يربيهم وينقلهم من طور إلى طور، ومن حال إلى حال، ومن كمال إلى كمال، ومن معاني ربوبيته أن يبعث الرسل، وأن ينزل الوحي والكتب، وما إلى ذلك. 

  1.  أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب صفة القيامة والرقائق والورع برقم: (2516) وصححه الألباني. 
  2.  شعب الإيمان - البيهقي (1/ 233). 
  3.  أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (7/ 90) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (5240).