الجمعة 05 / ربيع الأوّل / 1447 - 29 / أغسطس 2025
فَٱلْتَقَطَهُۥٓ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ۗ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا۟ خَٰطِـِٔينَ

المصباح المنير
مرات الإستماع: 0

"فذهب مع الماء، واحتمله، حتى مر به على دار فرعون، فالتقطه الجواري فاحتملنه، فذهبن به إلى امرأة فرعون ولا يدرين ما فيه، وخشين أن يفتئتنَ عليها في فتحه دونها".

قوله: "يفتئتن عليها" يعني: من الافتئات، فلم يكشفن الصندوق من أجل ألا يكون هناك افتئات عليها، فجعلوها هي التي تفتح الصندوق مع أن هذا فيه غرابة، وبُعد، صندوق مغلق تأخذه الجواري، ويذهبن به إلى زوجة الملك من أجل أن تفتحه؛ قد يكون هذا الصندوق فيه شيء مما ينفر منه الإنسان، ويتأذى به إلى غير ذلك، يعني الأصل أنهم ينظرون ما في هذا الصندوق، فإن كان شيئاً له أهمية، وقيمة، وشأن؛ ذهبوا به إليها، أما ما وجدوا في هذا النيل، والنيل كما هو معلوم يحمل كل شيء، فكلما وجدوا في هذا النيل شيئاً ذهبوا به إلى زوجة الملك من أجل أن تفتحه هي!! مثل هذا لا يعقل في مجاري العادات، إنما يلي ذلك أدنى الناس.

"فلما كشفت عنه إذا هو غلام من أحسن الخلق، وأجمله، وأحلاه، وأبهاه، فأوقع الله محبته في قلبها حين نظرت إليه، وذلك لسعادتها، وما أراد الله من كرامتها، وشقاوة بعلها؛ ولهذا قال: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا".

فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا في قراءة حمزة، والكسائي ليكون لهم عدواً وحُزْنا وهما لغتان بمعنى واحد: حَزَنٌ، وحُزْنٌ.

"قال محمد بن إسحاق وغيره: "اللام" هنا لام العاقبة لا لام التعليل؛ لأنهم لم يريدوا بالتقاطه ذلك، ولا شك أن ظاهر اللفظ يقتضي ما قالوه، ولكن إذا نظر إلى معنى السياق فإنه تبقى اللام للتعليل؛ لأن معناه أن الله - تعالى - قيضهم لالتقاطه؛ ليجعله لهم عدوًا، وحزنًا، فيكون أبلغ في إبطال حذرهم منه؛ ولهذا قال: إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ".

الحافظ ابن كثير - رحمه الله - أشار إلى القول المشهور، وكثيراً ما يمثل به أهل اللغة على لام العاقبة فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا يقولون: اللام للعاقبة بمعنى أنها ليست للتعليل، فهم التقطوه من أجل أن ينتفعوا به، رجاء الانتفاع به عَسَى أَن يَنفَعَنَا، ولم يلتقطوه من أجل أن يكون لهم عدواً، وحزناً، ولو علموا بهذا لقتلوه - إن صح أنهم كانوا يقتلون الصبيان خوف ظهور الغلام الذي قيل لهم: إن مُلكهم سيذهب على يده -، فهو الآن عندهم بين أيديهم، فالتقطوه رجاء الانتفاع به، ولم يلتقطوه ليكون لهم عدواً، وحزناً عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا؛ ولهذا كثيراً ما يعبرون عن هذه اللام بأنها لام العاقبة، تقول: فلان اشترى السيارة الفلانية ليكون بها حتفه، فهو اشتراها لينتفع بها، لكن القول بأنها للعاقبة الحافظ ابن كثير لما أشار إلى هذا القول رده، وهذا من دقته - رحمه الله - فهو يقول: "إن اللام هذه لام التعليل وليست لام العاقبة" كيف تكون لام التعليل وهم ما فعلوا ذلك من أجل أن يكون لهم عدواً؟ هي لام التعليل باعتبار فعل الله بهم، وتدبيره فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ، الله يقول: لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا ليجعله الله لهم عَدُوًّا يعني من أجل أن يصير في النهاية هكذا، من أجل أن يجعله الله لهم عَدُوًّا وَحَزَنًا يعني سبباً لكثير من الحزن الذي يصل إليهم بل يكون سبباً للهلاك الذي وقع لفرعون، ولملئه، وجنوده؛ حتى لم يبقَ في البلد إلا النساء، والأطفال، وأما الخدم فهم بنو إسرائيل، فالشاهد أن هذه اللام بهذا الاعتبار هي لام التعليل عند الحافظ ابن كثير - رحمه الله - يقول: "ولكن إذا نظر إلى معنى السياق فإنها تبقى اللام للتعليل؛ لأن معناه أن الله - تعالى - قيضهم لالتقاطه؛ ليجعله لهم عدواً وحزناً" فهي لام التعليل باعتبار النظر إلى فعل الله بهم، وهذا الذي اختاره - أيضاً - الحافظ ابن القيم - رحمه الله -، وقال به من المعاصرين الشيخ محمد الأمين الشنقيطي - رحم الله الجميع -: أن اللام ليست للعاقبة وإنما هي للتعليل، وهذا ملحظ جيد؛ فهم التقطوا: بالنسبة إليهم اللام لام العاقبة، وإذا نظرنا إلى فعل الله فاللام لام التعليل، وكثير من المفسرين نظروا إلى فعلهم فقالوا: هي لام العاقبة.