مثل هذا لم يرد فيه دليل ثابت يوقف عنده.
"فكان كذلك، وهداها الله به، وأهلكه الله على يديه، وقوله: عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا وقد حصل لها ذلك، وهداها الله به، وأسكنها الجنة بسببه، وقوله: أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا أي: أرادت أن تتخذه ولدًا، وتتبناه، وذلك أنه لم يكن لها ولد منه.
وقوله تعالى: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أي: لا يدرون ما أراد الله منه بالتقاطهم إياه من الحكمة العظيمة البالغة، والحجة القاطعة".
وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يقول: "ما يدرون ما أراد الله منه بالتقاطهم إياه من الحكمة" وهكذا قول من قال: لا يَشْعُرُونَ بما هو كائن من أمره وأمرهم، أو قول من قال أيضاً: لا يَشْعُرُونَ بأن هلاكهم على يده، وهذا الذي اختاره الحافظ ابن جرير - رحمه الله -، وهذا كله يرجع إلى شيء واحد لا يَشْعُرُونَ بما يكون من أمر هذا الغلام، ومن أمرهم معه إذ كان هلاكهم على يده، وما وقع لهم قبل ذلك من السنين القحط، والجراد، والقمل، والطوفان، والدم إلى غير ذلك مما نزل بهم كل ذلك كان بسبب معصيتهم لموسى - عليه الصلاة والسلام -، وتكذيبهم له، وقوله: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ظاهره أن ذلك من كلام الله وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ لا يشعرون ما سيكون من حالهم وحاله، لا يشعرون ما يصيرون إليه في نهاية المطاف من الهلاك، والشقاء؛ هذا ظاهره أنه من كلام الله ، ويحتمل أن يكون ذلك من تمام كلامها، أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ باعتبار أنها تقصد بني إسرائيل، وهذا يتوقف على مقدمة وهي أنهم عرفوا أنه لبني إسرائيل، فهي تقول: هم لا يدرون أنه صار إلينا، فينشأ في قصر فرعون، ولا يعرفون خبره، ومآله؛ فلا يتوقعون أن هذا الناشئ في القصر أنه ذلك الإسرائيلي الذي ألقي بهذه الطريقة، لكن هذا بعيد، وهم لا يعرفون أن هذا من بني إسرائيل في الغالب، ومن أراد أن يجادل فإنه لا يعجز أن يقول: إن قولها: لَا تَقْتُلُوهُ دل على أنهم أرادوا قتله لكونهم عرفوا أنه من بني إسرائيل، يعني لو أنه من القبط عندهم فلماذا يقتلون هذا الرضيع الصغير حديث الولادة؟ على خلاف بين المفسرين في وقت إلقائه، والظاهر أنه حديث الولادة، ولا داعي للتكلف في هذا، وقوله: لَا تَقْتُلُوهُ دل على أنهم أرادوا قتله، فكأنها تقول لهم: عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ يعني: وأن قومه وأهله من الإسرائيليين لا يشعرون، فالذين قالوا بهذا القول ما رأيت أحداً منهم علل بهذا التعليل وهو قولها: لَا تَقْتُلُوهُ وأنه يشعر بأنهم عرفوا أنه من بني إسرائيل، والعلم عند الله ، ولكن عامة المفسرين أن ذلك من كلام الله، فيكون من قبيل الموصول لفظاً المفصول معنى، فالكلام متصل في ظاهره ولكنه لمتكلميْن، وقائليْن، فالأول من كلامها، والثاني من كلام الله ، وأكثر أهل العلم يقولون بهذا - والله أعلم -.