الثلاثاء 01 / ذو القعدة / 1446 - 29 / أبريل 2025
وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ

المصباح المنير التسهيل في علوم التنزيل لابن جزي
مرات الإستماع: 0

"قال المفسر - رحمه الله تعالى - في تفسير قوله تعالى: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ۝ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۝ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ۝ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ۝ تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ ۝ وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ [سورة آل عمران:104-109].
"يقول تعالى: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ منتصبة للقيام بأمر الله في الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [سورة آل عمران:104] قال الضحاك: هم خاصة الصحابة، وخاصة الرواة يعني المجاهدين، والعلماء، والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجباً على كل فرد من الأمة بحسبه كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان[1] وفي رواية: وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل[2].
وروى الإمام أحمد عن حذيفة بن اليمان - ا - أن النبي ﷺ قال: والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده، ثم لتدعنَّه فلا يستجيبُ لكم[3] ورواه الترمذي وقال: حسن، والأحاديث في هذا الباب كثيرة مع الآيات الكريمة، كما سيأتي تفسيرها في أماكنها".

فقوله - تبارك وتعالى -: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله -: والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من الأمة متصدية لهذا الشأن، وهذا الذي مشى عليه الحافظ ابن كثير - رحمه الله - بناءً على أن "مِن" للتبعيض، وعلى ذلك يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من قبيل فرض الكفاية؛ إذا قام به البعض سقط عن الباقين، فالمقصود وجوده دون النظر إلى فاعله، والآية تحتمل هذا احتمالاً قريباً.
والمعنى الآخر أن تكون "مِن" بيانية، فقوله: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ أي: ولتكونوا أمة، كما يقول الإنسان لأولاده: أريد منكم أبناء بررة، أو أريد منكم أن تكونوا صالحين، فالمقصود أنه لا يريد من بعضهم أبناء بررة دون البعض، وإنما يريد منهم أن يصيروا كذلك جميعاً، وهنا وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ أي كونوا أمة، تقول: أريد أن أجعل من فلان رجلاً متميزاً، أو عالماً وهكذا، فإذا كانت "مِن" بيانية فبناء عليه يكون المعنى: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ من قبيل فرض العين، فيجب على كل إنسان أن يأمر بالمعروف، وأن ينهى عن المنكر، ولا تبرأ ذمته إلا بذلك، ولا يقول: غيري سيقوم به، فالآية معناها كونوا جميعاً أمة تقوم بهذا كما قال الله : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ [سورة آل عمران:110] وهذه الآية يمكن أن يحتج بها لهذا القول، كما يمكن لصاحب القول الأول القائل بأن "مِن" تبعيضية، أن يقول: إن قوله: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أي أن هذا وجد في هذه الأمة فصارت قائمة بأمر الله بقيام البعض بهذه الفريضة.
وعلى كل حال خلاف العلماء في مسألة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ هل هو فرض عين، أو فرض كفاية؛ مرجعه إلى هذه الآية، فأصل الخلاف يدور على هذه الآية، ثم بعد ذلك يستدلون بأدلة منها قوله ﷺ: من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فيقولون: المعنى هنا من رأى منكم منكراً فإنه يجب عليه، ولا يعفيه أن يقوم أحد آخر بهذا.
والأقرب - والله تعالى أعلم - أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، وأن "مِن" هنا للتبعيض وليست بيانية، وأن ذلك إذا وجد فإن الأمة تكون بتلك المرتبة والمنزلة التي ذكرها الله في قوله: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [سورة آل عمران:110] بقيام بعضهم بذلك.
وأما قوله ﷺ: من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإنه يجب عليه أن يغيره بحسب استطاعته، فإن قام به غيره حصل المقصود، والله أعلم.
  1. أخرجه مسلم في كتاب الإيمان - باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان (49) (ج 1 / ص 69).
  2. أخرجه مسلم في كتاب الإيمان - باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان (50) (ج 1 / ص 69).
  3. أخرجه الترمذي في كتاب الفتن - باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (2169) (ج 4 / ص 468) وأحمد (23375) (ج 5 / ص 391) وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب برقم (2313).

مرات الإستماع: 0

"وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ [آل عمران:104] الآية: دليلٌ على أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر واجبٌ، وقوله: منكم: دليلٌ على أنه فرض كفاية؛ لأن من للتبعيض، وقيل: إنها لبيان الجنس، وأن المعنى: كونوا أمة. وتغيير المنكر يكون باليد، وباللسان، وبالقلب، على حسب الأحوال."

وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ هنا يقول: دليل على الأمر بالمعروف إلى آخره، اللام هذه لام الأمر، ومعروف أن الأمر له صيغتان: الصيغة الأولى افعل، والصيغة الثانية: الفعل المضارع الذي دخلت عليه لام الأمر لتفعل وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ فهذا أمر، والأمر للوجوب.

يقول: وقوله: منكم: دليلٌ على أنه فرض كفاية؛ لأن من للتبعيض، وقيل: إنها لبيان الجنس، يعني: كونوا أمة على القول بأنها للتبعيض وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ [آل عمران:104] أن ذلك لا يجب على الجميع، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين، لكن إذا كان المنكر قائمًا فيجب على كل من استطاع تغييره أن يغيره، وعلى القول بأنها بيانية، يعني وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ كما يقول الإنسان مثلًا لأولاده: أريد منكم أبناء بررة، هو لا يريد أن يكون بعض هؤلاء بررة، وإنما يريد الكل، المعلم لتلامذته: أريد منكم تلامذة نُجباء، لا يريد بعضهم، وإنما يريد من جميعهم أن يكونوا كذلك نُجباء، وهذا وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ لتكونوا أمة تتصف بهذه الصفة، وهي تأمر بالمعروف تنهى عن المنكر؛ لأن ذلك مناط الفلاح أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ومناط الخيرية: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران : 110] وكأن هذا هو الأقرب أما من هنا بيانية، وليست تبعيضية، كونوا أمةً.