الإثنين 07 / ذو القعدة / 1446 - 05 / مايو 2025
يَسْـَٔلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَٰبًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ۚ فَقَدْ سَأَلُوا۟ مُوسَىٰٓ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوٓا۟ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ۚ ثُمَّ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَٰلِكَ ۚ وَءَاتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَٰنًا مُّبِينًا

المصباح المنير التسهيل في علوم التنزيل لابن جزي
مرات الإستماع: 0

 
يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُّبِينًا ۝ وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا [سورة النساء:153-154].
قال محمد بن كعب القرظي، والسدي، وقتادة: "سأل اليهود رسولَ الله ﷺ أن ينزل عليهم كتابًا من السماء كما نزلت التوراة على موسى مكتوبة"، قال ابن جُرَيج: "سألوه أن ينزل عليهم صحفاً من الله مكتوبة إلى فلان، وفلان، وفلان؛ بتصديقه فيما جاءهم به، وهذا إنما قالوه على سبيل التعنت، والعناد، والكفر، والإلحاد كما سأل كفارُ قريش قبلهم نظير ذلك كما هو مذكور في سورة "سبحان": وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا الآيات [سورة الإسراء:90] ولهذا قال تعالى: فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ [سورة النساء:153] أي: بطغيانهم، وبغيهم، وعتوهم، وعنادهم، وهذا مفسر في سورة البقرة حيث يقول تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ۝ ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [سورة البقرة:55-56]".

قوله - تبارك وتعالى - عن هؤلاء اليهود: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء [سورة النساء:153] ذكر فيه المعنيين:
الأول: أن ينزل عليهم كتاباً جملة كالتوراة؛ لأن القرآن نزل على غير المعهود في نزول الكتب التي قبله، وذلك أنه نزل منجماً، وهذا أقرب المعنيين في تفسير الآية.
والمعنى الثاني: أن يؤتى لكل واحد منهم كتاب، وهذا المعنى وإن كانت تحتمله الآية إلا أن الأقرب - والله تعالى أعلم - هو المعنى الأول.
وقوله تعالى: فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ [سورة النساء:153] أي أنهم طلبوا رؤية الله كما قال سبحانه: فَقَالُواْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً [سورة النساء:153] حيث طمعوا في ذلك لما ذهبوا مع موسى - عليه الصلاة والسلام - إلى الطور، وسمعوا موسى يناجي ربه، فأرادوا رؤية الله ، فأخذتهم الصاعقة.
والصاعقة سبق في سورة البقرة أن بعض أهل العلم يفسرها بأنها نار محرقة مع صوت مزعج، وهي معروفة إذ إنها تكون مع الصوت الذي يعرف بالرعد، ويكون معها إحراق، ويفسرها أهل العصر الحديث أو أهل العلوم الحديثة بأنها شحنة كهربائية قوية جداً بسببها يحصل الإحراق، وهذا لا ينافي ما ذُكر، إذ ليس معنى الصاعقة أن ناراً تنزل من السماء فيراها الناس، وإنما يرون ما يحصل من آثارها من تفحم مَن أصابته، أو موته أو نحو ذلك بحسب ما يصيبه منها، والله تعالى أعلم.
"وقوله تعالى: ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ [سورة النساء:153] أي: من بعد ما رأوا من الآيات الباهرة، والأدلة القاهرة على يد موسى في بلاد مصر وما كان من إهلاك عدوهم فرعون، وجميع جنوده في اليمّ فما جاوزوه إلا يسيرًا حتى أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم فقالوا لموسى: اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [سورة الأعراف:138] الآيتين.
ثم ذكر تعالى قصة اتخاذهم العجل مبسوطة في سورة الأعراف، وفي سورة طه بعد ذهاب موسى إلى مناجاة الله ، ثم لما رجع وكان ما كان جعل الله توبتهم من الذي صنعوه وابتدعوه أن يقتُلَ من لم يعبد العجل منهم من عبده، فجعل يقتل بعضهم بعضاً ثم أحياهم الله وقال الله تعالى: فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُّبِينًا [سورة النساء:153]".

مرات الإستماع: 0

"يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ [النساء:153] الآية، رُوي أن اليهود قالوا للنبي ﷺ: لن نؤمن بك حتى تأتينا بكتاب من السماء جملةً كما أتى موسى بالتوراة، وقيل: كتابٌ إلى فلانٍ، وكتابٌ إلى فلانٍ بأنك رسول الله، وإنما طلبوا ذلك على وجه التعنت، فذكر الله سؤالهم من موسى، وسوء أدبهم معه تسليةً للنبي ﷺ للتأسي بغيره، ثم ذكر أفعالهم القبيحة؛ ليبين أن كفرهم إنما هو عناد، وقد تقدَّم في البقرة ذكر طلبهم للرؤيا [وفي النسخ الخطية: ذكر طلبهم للرؤية] واتخاذهم العجل، ورفع الطور فوقهم، واعتدائهم في السبت، وغير ذلك مما أُشير إليه هنا."

يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ [النساء:153] هذا صريح أنهم طلبوا ذلك، لكن ما ورد من سبب النزول لا يصح من جهة الإسناد فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [النساء:153] كما قال في البقرة: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة:55] وقال: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ [النساء:153] كما قال في البقرة: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ [البقرة:51].