"وقوله تعالى: إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى هذه الآية كقوله تعالى فِي سُورَةِ النَّجْمِ: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا مَا سَعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى [سورة النجم:36-42] الْآيَاتِ إِلَى آخِرِهِنَّ.
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: قِصَّةُ هَذِهِ السُّورَةِ فِي الصُّحُفِ الْأُولَى، وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى ثم قال تعالى: إِنَّ هَذَا أَيْ مَضْمُونُ هَذَا الْكَلَامِ، لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وهذا الذي اختاره حسن قوي، وقد رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ، وَابْنِ زَيْدٍ نَحْوُهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ سَبِّحْ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَبِهِ التَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَةُ."
إِنَّ هَذَا الإشارة هنا إلى قريب فيكون ذلك متوجهًا كما قال ابن جرير - رحمه الله - إلى قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى يعني هذا الحكم الذي حكم الله - تبارك وتعالى - به، وما ذكر بعده وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى، وهذا قال به جماعة من السلف كقتادة، وابن زيد، ويقولون: تتابعت هذه الكتب - كتب الله - تبارك وتعالى - على أن الآخرة خير، وأبقى من الأولى، وجاء عن الحسن البصري نحو هذا إلا أنه حدد البداية، قول ابن زيد، وقتادة: إِنَّ هَذَا يعني الآخرة خير، وأبقى، والحسن البصري يقول كما قال ابن جرير: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى إلى قوله: وَأَبْقى هو المراد، يعني الإشارة هنا ترجع إلى أي موضع من هذه الآيات؟ عند ابن جرير، والحسن البصري من قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى إلى قوله: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ، وَأَبْقى، وعند الآخرين كقتادة، وابن زيد أن ذلك يرجع إلى قوله: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى أن هذه الكتب متتابعة على تقرير هذا المعنى، يقول: قال أبو العالية: قصة هذه السورة في الصحف الأولى، فقوله: لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى يعني أن هذا المذكور ثابت في هذه الصحف.