قوله - تبارك وتعالى - : قَدَّرَ فَهَدى هكذا على قراءة الجمهور "قدّر"، وعلى القراءة الأخرى المتواترة قراءة الكسائي "قدَر فهدى" وما المراد بـ"قدّر فهدى"؟ هنا قال مجاهد: هدى الإنسان للشقاوة وَالسَّعَادَةِ، وَهَدَى الْأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا، والله - تبارك وتعالى - قد أطلق ذلك، فيدخل فيه كل المعاني التي يحتملها، وإن قال من قال من المفسرين وهذا قال به كثيرون، والظاهر أنهم يقصدون بذلك التفسير بالمثال، فالواحدي يعزو للمفسرين: "قدّر فهدى" يعني خلق الذكر، والأنثى، وهداه - يعني من الدواب الآدميين، وما إلى ذلك - فهدى الذكر للأنثى كيف يأتيها، هذا من قبيل التفسير بالمثال، وإن قال به كثير من المفسرين، فإن المعنى لا يحصر بهذا إطلاقًا، وليس في اللفظ ما يدل على التحديد، وهكذا أيضًا ما جاء عن بعضهم وهو رواية عن مجاهد أيضًا غير الرواية السابقة: قدر السعادة، والشقاوة، والرشد، والضلال، وهدى الأنعام لمراعيها، هذه عبارة مشابهة للعبارة السابقة لكن في بعض حروفها ما يوضح بعض ما سبق، وبعضهم يقول: قدر الأرزاق، والأقوات، وهداهم للمعايش سواء كانوا من الآدميين، أو الحيوانات، والمراعي إذا كانوا من البهائم السائمة، وجاء عن عطاء: جعل لكل دابة ما يصلحها، وهداها له، وبعضهم يقول: خلق المنافع في الأشياء وهدى الإنسان إلى أوجه استخراجها منها، وبعضهم كالسدي يقول: قدر مدة الجنين في الرحم تسعة أشهر، أو أقل، أو أكثر ثم هداه للخروج من الرحم، هذه كلها تصلح أن تكون من قبيل التفسير بالمثال، السلف يفسرون بالمثال، وببعض المعنى للتوضيح، ولهذا ذهب ابن جرير، وابن القيم إلى حمل ذلك على أعم معانيه، فكل هذه المعاني المذكورة داخلة في ذلك، قدر أجناس الأشياء، وأنواعها، قدر صفاتها، وأفعالها، وأقوالها، وآجالها، فهدى كل واحد منها إلى ما يصدر عنه وينبغي له، ويسّره لما خلق له، وألهمه إلى أمور دينه، ودنياه، قَدَّرَ فَهَدى فيدخل فيها هداية التوفيق، ويدخل فيها هداية الإرشاد، ويدخل فيها الهداية الغريزية الفطرية، يعني الله - تبارك وتعالى - ألهم النحل: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ [سورة النحل:68] فهذه النحل في أي مكان ذهبت بها هي تقيم المحال التي تأوي إليها، وتضع فيها العسل بنفس الطريقة، وبنفس التشكيل، وهذا المولود البهيمة حينما يخرج من بطن أمه حتى الآدمي فإنه يلتقم الثدي من غير تعليم، تجده يسقط على الأرض ثم بعد ذلك يحاول التحرك ليصل إلى ثدي أمه، وهو ما رآه من قبل، ولا عُرّف بهذا، تجد هذه السباع من آكلة اللحوم هي تنشأ على هذا، وتطلبه، وتجد غيرها من بهيمة الأنعام، ونحوها تأكل، وتطلب ما يصلح لمثلها، فالله - تبارك وتعالى - هو الذي هدى هذه الأشياء في مآكلها، ومحالها التي تأوي إليها، وفي طرق تكاثرها على تنوع هذه الطرق، يعني في تزاوجها هي تختلف في طرقها وأحوالها، وكذلك أيضًا فيما يتعلق بالأماكن التي تأوي إليها تجد أنها أيضًا تختلف، وقد ركبها الله تركيبًا يصلح لذلك، ومن نظر في أحوال المخلوقات، وما يصدر عنها عرف هذا المعنى معرفة مشاهدة، "والذي قدر فهدى" ابن القيم - رحمه الله - لما ذكر أنواع الهداية في كتاب "شفاء العليل لمسائل القضاء، والقدر، والتنزيل" ذكر أنواع الهداية، ومنها هذه الأنواع النوع الفطري الغريزي، الهداية العامة للمخلوقات لمعايشها، وما تقوم به مصالحها، وما إلى ذلك، فذكر عجائب من أحوال المخلوقات، وكنت ذكرت أشياء من هذا مفرقة في مواضع في الكلام على الأسماء الحسنى، الرب، والخالق، والبارئ، والمصور، والعليم، والحكيم، والقدير، وما إلى ذلك من الأسماء ذكرت أشياء من هذا القبيل، وغير ابن القيم يذكرون أشياء عجيبة انظروا مثلاً كتاب "غريزة أم تقدير إلهي"، وانظروا كتاب "النحلة تسبح الله"، وانظروا "التبيان في أقسام القرآن" لابن القيم، وانظروا "مفتاح دار السعادة" لابن القيم، يذكرون أشياء عجيبة: رجل يضع العسل في طست فيه ماء من أجل ألا يصل إليه النمل، فتتسلق النملة حتى تصل إلى السقف، وتوازي هذا الإناء ثم تلقي نفسها، والقط إذا رأى في السقف الفأرة - السقوف في السابق خشب، وسعف، وجريد ففيه حشرات، وفئران - يستلقي على ظهره، ويبدأ يحرك قوائمه يديه، ورجليه، فما تلبث الفأرة أن تسقط عليه، من الذي علمه هذا؟!.
وذكروا من هذه الأشياء: الثعلب إذا أراد أن يصيد الطيور التي في النهر مثلاً يذهب إلى الناحية التي يأتي منها الماء فيأخذ من الحشائش، والقش، والأعشاب، ويلقيها، فيمر بها الماء بجانب الطيور، فتفزع في البداية، ثم تطمئن، ثم يرسل ثانية، ثم يرسل ثالثةً، ثم يرسل بعدها، ويكون كامنًا تحتها، فتأتي هذه الحشائش والقش، وتطمئن هذه الطيور، تقول: إنها كسابقتها، فيأخذ منها ما أراد، من الذي علمه هذا التحيل؟!.
- رواه مسلم، كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى - عليهما السلام - ، برقم (2653).