(3) من قوله تعالى"والذين يرمون أزوجهم" الآية 6إلى قوله تعالى"عذاب عظيم" الآية11‏
عدد الزوار : 3932
تاريخ الإضافة : 22 ربيع الأول 1430
MP3 : 54140 kb
PDF : 227 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير

سورة النور من الآية 6 إلى الآية 11

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:

وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَاب َأَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامسةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ * وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُه ُوَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ سورة النور: 6-10.

هذه الآية الكريمة فيها فَرَج للأزواج وزيادة مخرج، إذا قذف أحدهم زوجته وتعسر عليه إقامة البينة أن يلاعنها، كما أمر الله -عز وجل- وهو أن يحضرها إلى الإمام، فيدّعي عليها بما رماها به، فيحلفه الحاكم أربع شهادات بالله في مقابلة أربعة شهداء، إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ أي: فيما رماها به من الزنى، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ فإذا قال ذلك بانت منه بنفس هذا اللعان عند الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وحرمت عليه أبدًا، ويعطيها مهرها، ويتوجه عليها حد الزنى، ولا يدرأ عنها العذاب إلا أن تلاعن، فتشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، أي: فيما رماها به، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ولهذا قال: وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ يعني: الحد، أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ فخصها بالغضب، كما أن الغالب أن الرجل لا يتجشم فضيحة أهله ورميها بالزنى إلا وهو صادق معذور، وهي تعلم صدقه فيما رماها به، ولهذا كانت الخامسة في حقها أن غضب الله عليها، والمغضوب عليه هو الذي يعلم الحق ثم يحيد عنه.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فلما ذكر الله -تبارك وتعالى- حكم رمي المحصنات أعقبه بما يحصل به التوسعة على الناس، وذلك ما يتصل برمي الأزواج، فلما كان الإنسان له مندوحة فيما يتعلق بالأجنبية فهو ليس بملزم ولا مطالب أن يتكلم فيها بمثل هذا، وإن تكلم عليه أن يأتي بأربعة شهداء بخلاف امرأته فإنه إذا رأى منها ذلك فإنه لا صبر عليه وقد لا يتأتى له المجيء بالشهداء الأربعة، فجعل الله -عز وجل- للناس هذا المخرج: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ حيث لا يطالبون بأربعة شهداء، فجُعلت هذه الشهادات الأربع تقوم مقام الشهود الأربعة توسعة من الله على عباده، حيث إن الرجل حينما يبتلى بمثل هذا فإنه لا يكون ذلك بالنسبة إليه كالأجنبية حينما يرى منها شيئاً من هذا الانحراف، هذه علة اللعان، ولاشك أن الرجل قد لا يكون عليه كبير معرة في قذف الأجنبية ورميها، ولكنه لا يقدم على هذا بالنسبة لامرأته إلا وقد رأى ما لا صبر عليه، ولا يجوز له أن يقذف الأجنبية، وإن رماها لقي جزاءه إن لم يأتِ بالشهداء الأربعة، لكن لا يلحقه من العار مثلما لو رمى امرأته، فإذا رمى امرأته فمعنى ذلك أنه لطخ عرضه، وأي تلطيخ وتدنيس للعرض أكثر من هذا!، فالرجل لا يقدم على هذا عادة إلا وقد رأى ما لا صبر عليه.

قوله -تبارك وتعالى-: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ، هناك في وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ سورة النور: 4، الشيء نفسه يرمون المحصنات يرمون المحصنين ولا حاجه للتقدير الذي ذكره بعضهم: والذين يرمون النفوس المحصنات أو الفروج المحصنات؛ ليدخل الرجل في ذلك هناك، وإنما ذكر النساء؛ لأن ذلك في حقهن أشد، فقذف المرأة بالزنا ليس كقذف الرجل، هو عار على للجميع، ولكنه في حق المرأة أشد فيذهب شرفها وعرضها، وفيه ما فيه من تدنيس الفرش وتقذيرها وتدنيس شرف أهلها وما إلى ذلك، فلما كان رمي النساء أشد قال: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ، وهنا وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء هذا في الرجال، وعليه فإن المرأة التي تقذف زوجها لا يقال: إنها تشهد أربع شهادات كالرجل، ولها هذا المخرج، وإنما ذلك للأزواج خاصة، وقوله -تبارك وتعالى-: وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ يعني الحد، وهذا هو الأرجح من أقوال المفسرين، وهو اختيار كبير المفسرين ابن جرير -رحمه الله-، وبه قال جماعة، واختاره من المعاصرين الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-، وليس المقصود به عذاب الآخرة مثلاً: أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ يقول: فخصها بالغضب، وهذا جواب على سؤال مقدر وهو لماذا قال في حق الرجل: أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ وفي حق المرأة أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا؟ صار الغضب في حقها؛ لأن من عرف الحق ثم حاد عنه فهو من أهل الغضب، ولهذا كان اليهود أهل الغضب، عرفوا الحق، وأما النصارى فأهل جهل فوُصفوا بالضلال، فلما كانت المرأة تعرف حقيقة ما قاله الرجل فإن كان ما قاله عنها حقاً فإنها حينما تنكر ذلك وتكابر وتكذب وتحلف هذه الأيمان كاذبة فإنها تستحق الغضب، هذا وجه الجواب الذي ذكره ابن كثير -رحمه الله-، ومن أهل العلم من يذكر جواباً آخر له وجه جيد من النظر -ولا مانع من الجوابين-: وهو أن المرأة لما كانت تكثر من اللعن كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (تكثرن اللعن وتكفرن العشير)([1]) فإن ذلك يخف عليها فقد تذكر ذلك -أعني اللعن- ولا تبالي فذكر في حقها الغضب، والله تعالى أعلم-.

ثم ذكر تعالى رأفته بخلقه، ولطفه بهم فيما شرع لهم من الفرج والمخرج من شدة ما يكون بهم من الضيق، فقال تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ أي: لحرجتم ولشق عليكم كثير من أموركم، وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ أي: على عباده -وإن كان ذلك بعد الحلف والأيمان المغلظة- حَكِيمٌ فيما يشرعه ويأمر به وفيما ينهى عنه.

وقد وردت الأحاديث بمقتضى العمل بهذه الآية، وذكر سبب نزولها، وفيمن نزلت فيه من الصحابة.

قوله: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ أي: للحقكم الحرج والمشقة والعنت، فمن ذلك أن يُطالَب الإنسان حينما يرمي امرأته بأربعة شهداء وهذا أمر شاق، شاق من جهة تطلب الشهداء في هذه الحال، وشاق من جهة الفضيحة فهو يدعو الناس لمشاهدة امرأته تواقع الفاحشة، فكان ذلك توسعة من الله -عز وجل- على عباده، ورأفة بهم

 

قوله: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ أي: للحقكم الحرج والمشقة والعنت، فمن ذلك أن يُطالَب الإنسان حينما يرمي امرأته بأربعة شهداء وهذا أمر شاق، شاق من جهة تطلب الشهداء في هذه الحال، وشاق من جهة الفضيحة فهو يدعو الناس لمشاهدة امرأته تواقع الفاحشة، فكان ذلك توسعة من الله -عز وجل- على عباده، ورأفة بهم

 

، ثم فتح لهم باب التوبة ليتوب المسيء، والمقصر والمذنب، ومن قارف شيئاً من هذه القاذورات، قال: وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ يعني: كثير التوبة، وتوبة الله -عز وجل- على عباده تكون بمعنى أنه يقبل التوبة من التائبين مهما تعاظمت ذنوبهم، وكذلك أن الله تواب بمعنى أنه يوفق من شاء منهم إلى التوبة، وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ سورة النساء: 27، لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ سورة آل عمران:128 هم من المنافقين فمعنى يَتُوبَ عَلَيْهِمْ يوفقهم للتوبة ثم يقبل ذلك منهم.

روى ابن عباس قال: لما نزلت: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا، قال سعد بن عبادة -وهو سيد الأنصار-: هكذا أنزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟)، قالوا: يا رسول الله، لا تَلُمه فإنه رجل غيور، والله ما تزوج امرأة قَط إلا بكرًا، وما طلق امرأة له قط فاجترأ رجل منا أن يتزوجها، من شدة غيرته([2])...

يقول هنا: "هكذا أنزلت يا رسول الله؟" هذا السؤال سؤال كبير ليس بالشيء السهل، ولكن لما كان الحامل على ذلك ليس هو التكذيب، وإنما شدة الغيرة كان ذلك محتملاً من سعد -رضي الله تعالى عنه-، وهذا أصل صحيح ينبغي التفطن له، فهو نافع، فأحياناً الإنسان يقول في بعض المقامات مقالة يُعذَر فيها مثله، ولهذا ذكر شيخ الإسلام وجماعة مثل ابن القيم أن الكلمة قد تصدر من محب فتحتمل، ولو صدرت الكلمة نفسها من غيره لم تحتمل، فلو قالها إنسان شاكٌّ أو منافق أو مستهزئ مستخف فإنه قد تذهب بدنياه وآخرته، والله -عز وجل- يقول: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ سورة يوسف:110 أي: أن وعد الله تخلف، على هذه القراءة، وهذا ظن الرسل لما أبطأ عليهم النصر جداً، لكن كان ذلك من قبيل الخواطر في وقت الشدة العصيبة ثم ما يلبث الواحد أن يدفع ذلك، فلا يستقر فيه فيكون شكاً راسخاً في قلبه، فيدفع فلا يضر، مثل الذي أخطأ من شدة الفرح وقال: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك)([3])، وكذلك الحديث المخرج في الصحيح الرجل الذي قال لأولاده، أوصاهم: (إذا مت فاحرقوني...)([4]) إلى آخره، فالشك في القدرة كفر مخرج من الملة! فكيف غفر الله له؟ بعض العلماء يقول: هو شاك بسبب جهله، والأقرب -والله تعالى أعلم- ما ذكره شيخ الإسلام من أن هذا الرجل قال ذلك في حال غلبة الخوف عليه فصدر منه هذا، وإلا فهو يعلم قدره الله  -عز وجل- على جمع ما تفرق منه، وعلى بعثة فغُفر له بسبب غلبة الخوف، وعائشة -رضي الله عنها- قالت للنبي -صلى الله عليه وسلم-: "أنت الذي تزعم أنك رسول الله؟ فلطمها أبوها والنبي -صلى الله عليه وسلم- يتبسم"([5])، لم تقل هذا على سبيل التكذيب وإنكار الرسالة، إنما قالته في لحظة تأججت فيها النفس، وتحركت نوازع الغضب، وصدرت منها هذه الكلمة وهي في غاية الإيمان، وهكذا في أمثلة متنوعة تصدر الكلمة، عمر -رضي الله عنه- حينما قال -لما سمع حديث الفتان في القبر-: لئن سألاني لأقول: بل أنتما من ربكما؟ لو قالها إنسان مستخف أو مستهزئ لتغير الحكم، ولهذا فإن الحال والمقام ومن صدر منه هذا القول كل ذلك يختلف معه الحكم، والمقولة قد تكون واحدة، وهذا يحتاج إلى فقه وبصر وتمييز، ولذلك إذا اشتط من قصر علمه في المسائل الكبار وولج فيها وبدأ يحكم على الناس بالكفر والردة وما أشبه هذا فإن هذا أمر ليس بالهين، ويحتاج إلى فقه دقيق، فإذا حصل مع هذا ما هو أعظم منه من تنزيل هذه الأحكام التي أصدرها ثم صار لم يكتفِ أن يكون قاضياً بل منفذاً فبدأ ينفذ على هؤلاء الناس هذه الأحكام فهذا أخطر وأشد، وهذا من أدق المسائل، الكلمة الواحدة تصدر من شخص فيكْفر بها، وتصدر الكلمة نفسها من آخر ولا يكفر بها.

فقال سعد: والله يا رسول الله إني لأعلم أنها حق وأنها من الله، ولكني قد تعجَبت أني لو وجدت لَكاعاً قد تَفَخَّذها رجل، لم يكن لي أن أهيّجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله لا آتي بهم حتى يقضي حاجته.

في قولهم عنه: رجل غيور والله ما تزوج امرأة قط إلا بكراً وما طلق امرأة له قط فاجترأ رجل منا أن يتزوجها، ومع أن هذا أمر سائغ في الشريعة لا إشكال، لكن من شدة غيرته لا يتزوج إلا بكراً، ولهذا بعض الناس يسأل يقول: هل عليّ حرج لكوني لا أستطيع أن أتزوج ثيباً لأني لا أطيق هذا؟ وهناك امرأة عرفت رجلاً قبل ذلك ثم أتزوجها هل هذا يعتبر اعتراضاً على أحكام الله أو يلحق الإنسان فيه حرج؟ الجواب: لا يلحق الإنسان فيه حرج، فهذا الإنسان لا يستطيع، لا تقوي نفسه، فيعذر بهذا، مثل بعض النساء اللاتي تحتجب من أزواج بناتها وهذا موجود إلى الآن تغطي وجهها وهي تعرف الحكم لكن تفعل ذلك حياءً وتقول: يمنعني الحياء لا أستطيع! هذه ليس عليها حرج، يقول: "ولكني قد تعجبت أني لو وجدت لكاعاً"، هذه اللفظة في الأصل "لكاع" تطلق على الأمَة، ولكن صارت تطلق على معنى أوسع من هذا على المرأة المستحقرة، مثلاً يقال: لكاع، وقد يطلق هذا اللفظ لُكَع ولا يراد به هذا المعنى، لربما يراد به شيء من المداعبة، والتمليح كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((أين لكع؟))([6]) أو كما قال، يقصد الحسن أو الحسين وهو صغير حينما جاء فسأل عنه وطلبه.

قال: فما لبثوا إلا يسيرًا حتى جاء هلال بن أمية -وهو أحد الثلاثة الذين تِيبَ عليهم- فجاء من أرضه عِشاءً، فوجد عند أهله رجلا فرأى بعينيه، وسمع بأذنيه، فلم يُهَيّجه حتى أصبح، فغدا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله إني جئت أهلي عشاء، فوجدتُ عندها رجلا فرأيت بعيني، وسمعت بأذني، فَكَرِهَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ما جاء به، واشتدّ عليه، واجتمعت الأنصار فقالوا: قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة، الآن يضرب رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- هلالَ بن أمية، ويبْطل شهادته في الناس.

هذه الآية لم تكن نزلت بعد؛ لأن الله -عز وجل- قال في الآية التي قبلها ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ سورة النور:4، قال: "ابتلينا بما قاله سعد" كما جاء في بعض الروايات أنه ابن عم سعد بن عبادة -رضي الله عنه- يعني هلال بن أمية، وليس المقصود به أنه ابن عم قريب، وإنما يرجع معه في النسب إلى أصل واحد، وإن كان بعيداً فبين أم هلال بن أمية وسعد بن عبادة قرابة، فقال هلال: "قالوا قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة" يعني كأنهم يقولون: إن كلمة سعد بن عبادة حينما قال: أهكذا أنزلت؟، وما قاله بعدها، قالوا: قد ابتلينا بهذه المقولة، فهو كما يقال: البلاء موكل بالمنطق، فهذا وإن لم يصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لكن هذا له نصيب من الصحة، من جهة المعنى، والإنسان يقول الكلمة أحياناً فيرى ذلك في نفسه، أو فيمن حوله، يقول الكلمة التي ليس له أن يقولها كأن يشمت بأحد أو غير ذلك مما يصدر من الإنسان ولا ينبغي أن يصدر عنه فيحصل بسبب ذلك، هذا الذي يكرهه يراه في نفسه أو في أهله أو نحو ذلك.

واجتمعت الأنصار فقالوا: قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة، الآن يضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هلالَ بن أمية، ويبْطل شهادته في المسلمين. فقال هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجًا. وقال هلال: يا رسول الله، إني قد أرى ما اشتد عليك مما جئت به، والله يعلم إني لصادق، فوالله إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يريد أن يأمر بضربه، إذ أنزل الله على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الوحي -وكان إذا نزل عليه الوحي عرفوا ذلك، في تَرَبُّد وجهه، يعني: فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي- فنزلت: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ الآية، فَسُرّي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: (أبشر يا هلال، قد جعل الله لك فرجًا ومخرجًا)، فقال هلال: قد كنت أرجو ذلك من ربي -عز وجل-، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أرسلوا إليها)، فأرسلوا إليها، فجاءت، فتلاها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عليهما، وذكّرهما وأخبرهما أن عذابَ الآخرة أشدّ من عذاب الدنيا، فقال هلال: والله يا رسول الله لقد صَدَقتُ عليها، فقالت: كذب، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لاعنوا بينهما)، فقيل لهلال: اشهد، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فلما كان في الخامسة قيل له: يا هلال، اتق الله، فإن عذاب الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبةُ التي توجب عليك العذاب، فقال: والله لا يعذبني الله عليها، كما لم يجلدني عليها، فشهد في الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.

المشروع في اللعان التذكير أولاً؛ من أجل أن لا يتقحمه الإنسان ابتداءً، ثم البداءة بالرجل، ويكون ذلك بحضرة الإمام أو من ينوب عنه، مثل القاضي، ثم بعد ذلك تكون شهادة المرأة ويشرع قبل الخامسة التذكير لكل واحد منهما، هذه السنة.

ثم قيل للمرأة: اشهدي أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، وقيل لها عند الخامسة: اتقي الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبةُ التي توجب عليك العذاب، فتلكأت ساعة وهمت بالاعتراف، ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت في الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ففرق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بينهما، وقضى ألا يدعى ولدها لأب ولا يرمى ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد، وقضى ألا بيت لها عليه ولا قوت لها، من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق، ولا مُتَوَفى عنها.

هذه بعض الأحكام المترتبة على اللعان فرقة مؤبدة، ولا يثبت عليها ذلك بحيث يقال: إنها زانية؛ لأنها لاعنت فينتفي عنها الحد وتنتفي عنها التهمة، والأمر الآخر أن الولد لا ينسب إليه، وينسب إليها، ولا يجوز رمي الولد وقذفه أو نحو ذلك، لا يقال: ابن زنا؛ لأن هذا الزنا لم يثبت، ولكن حُفظ حق الأب فلم ينسب إليه هذا الولد حين لاعن، ولا يُعلم الكلام في مسائل مثل: هل يسن أن تكون هذه الشهادة في حال القيام يقوم الرجل ويشهد، ثم تقوم المرأة وتشهد، أو لا يطلب ذلك، وجاء في بعض الروايات فقام الرجل فشهد ولا إشكال في هذا، ثم وقع خلاف بين أهل العلم في هل يعد اللعان طلاقاً أو لا؟، لكنها فرقة مؤبدة، وهي بينونة، فلا يقال: إنها تبقى عنده تعتد، إطلاقاً، فهي بينونة مؤبدة أعظم من بينونة الطلاق بالثلاث.

وقال: (إن جاءت به أصَيْهِب، أرَيسح، حَمْش الساقين فهو لهلال).

الأصيهب الذي تعلو شعره حمرة مع السواد، وقوله: "أريسح" يعني: خفيف الأليتين، وحمش الساقين بمعنى فيهما ميلان كل واحدة ناحية الأخرى، والذي كان أحمش الساقين الأحنف بن قيس الذي قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ارفع) حين أمره أن يرفع إزاره، فقال: إني أحمش الساقين، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (كل خلق الله حسن)([7])، وكانت أمه ترقصه وتقول:

واللهِ لولا حنَفٌ في رجله *** ما كان في فتيانكم من مثلِه

وابن مسعود كان دقيق الساقين، ولم يكن أحمش الساقين.

وإن جاءت به أورق جَعدًا جَمَاليًّا خَدلَّج الساقين سابغ الأليتين، فهو الذي رُميت به".

"أورق" يعني أسمر، الورقة سمرة، يقال: جمل أورق، ألك جمل أورق؟ أو قال: ما لونها؟، فالورقة حمام الحرم ورق، هذا اللون ليس بالأبيض وليس بالأسود، و"الجعد" بمعنى أن شعره كشعر العرب جعد الشعر، ليس الذي يكون كشعر الأحابيش ونحو ذلك، وليس بالشعر السبط المسترسل مثل شعور الأوربيين ونحو هذا، فشعور العرب يقال لها في الغالب: جعد الشعر، "جمالياً" يعني ضخم الأعضاء، كأنه جمل ضخم الأعضاء، و"خدلج الساقين" يعني عظيم الساقين، "سابغ الأليتين" يعني عظيم الأليتين عكس الوصف الأول، فهو للذي رميت به.

فجاءت به أورق جعدا جماليًّا خدلج الساقين سابغ الأليتين، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لولا الأيمان لكان لي ولها شأن)، قال عكرمة: فكان بعد ذلك أميرًا على مصر، وكان يدعى لأمه ولا يدعى لأب.

ورواه أبو داود([8])، ونحوه مختصراً.

هذا الحديث سكت عنه الحافظ -رحمه الله-، وصححه الشيخ أحمد شاكر، وضعفه الألباني بهذا السياق، وحسنه محقق المسند الطبعة المحققة الجديدة، والروايات الواردة في قصة اللعان هي روايات متنوعة، وهي تحتاج إلى تأمل ودراسة، تحتاج أن تجمع وتميز الروايات الصحيحة منها على حدة، ثم بعد ذلك ينظر في ألفاظها بدقة، ففي بعضها أن الذي جاء هو هلال بن أمية، وفي بعضها أنها نزلت بسبب عويمر العجلاني، وفي بعضها أنه عاصم بن عدي، والذي يظهر -والله أعلم- أن عاصم بن عدي هو سيد قومه، فجاء إليه عويمر العجلاني وأخبره بما رأى وما حصل مع امرأته، وطلب منه أن يأتي للنبي -صلى الله عليه وسلم- فيسأله، فهذا يدل على أن الآية لم تنزل بسبب قصة اللعان، فكره النبي -صلى الله عليه وسلم- المسائل فرجع عاصم بن عدي، ولما سأله عويمر العجلاني أخبره أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كره المسائل، وكأن عاصم أيضاً قد كره ذلك أنه قد جاء بمسألة كرهها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فعويمر العجلاني أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فسأله، فأخبره النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الله قد أنزل فيه وفي صاحبته قرآناً، فنحتاج إلى دراسة هذا، وجمع الروايات، هل يقصد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الله قد أنزل فيه في قصة هلال فقرأها عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- فكان سبب النزول هو هلال، ولا يقال: إن النزول قد تعدد، فترجح قصة هلال بن أمية، ومن أهل العلم من يضعف هذا الحديث، وينكر أن يكون ذلك وقع لهلال، وبعضهم يعزو ذلك الغلط لبعض الرواة، ويذكر أن الواقعة واحدة لكن وقع الخطأ في الأسماء عاصم وعويمر وهلال، ومن أهل العلم من يقول: إن الآية نزلت مرتين نزلت في شأن هلال ثم نزلت في قصة عويمر العجلاني، ومنهم من يقول: إنه جاء هلال ثم جاء عويمر العجلاني في وقت متقارب فنزلت الآية بعدهما وهذا ذهب إليه جماعة -بناءً على أن الجمع مطلوب ما أمكن إلى آخره- مثل القرطبي، قالوا: إن الآية نزلت عقب الواقعتين، فمنهم من يقول: في هلال، وإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قرأها فقط (قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك) فهذا ليس بصريح أنها نزلت بسبب عويمر العجلاني، نحن نمثل على تعدد الأسباب، وكون النازل واحداً بمثل هذا المثال وبأمثلة أخرى، لكن الأمثلة تذكر عادة من أجل التقريب، وإذا جاء الكلام على الرواية سبب النزول الحقيقي فهذا يحتاج إلى تحرير، وهو جدير بالعناية في مثل هذه الأشياء، فحينما تأخذ بعض الروايات لأول وهلة تأخذ رواية فقط قد تحكم بأن هذا من قبيل ما تكرر نزوله، أو أنه حصلت واقعتان فنزلت الآية بعدهما، وحينما تتتبع الروايات أو تتتبع الألفاظ بدقة قد لا تجزم بهذا، أو تقول بغيره، والله أعلم.

ولهذا الحديث شواهد كثيرة في الصحاح وغيرها من وجوه كثيرة.

في الأصل ذكر قصة عويمر، وكان المفترض أن المختصر يأتي بها، يعني: كأن المختصر يرى أن سبب النزول هو قصة عويمر فقط أنه جاء فقرأ عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- الآية، وهذا لا يكفي في الاختصار، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- قصة عويمر فوجده أنه قد أنزل عليه فيهما فظاهره هذا يشعر أنها نزلت في هلال، لكن هذا لا يقطع به، ويحتمل أن الله أوحى إليه لما جاء أنه قد أنزل عليه فيهما، لكن حينما نقول: إن هناك يعني ما جاء عويمر فقط وليس هناك قضية أخرى سابقة له، فيكون النبي -صلى الله عليه وسلم- أوحى الله إليه أن سيأتيك عويمر، وهذه هو جواب مسألته، لكن حينما يكون هلالٌ قد ذَكر هذا للنبي -صلى الله عليه وسلم- فجاء عويمر فوجد أنه أنزل عليه، فهذا في الماضي، وقد هذه تفيد التحقيق قد أنزل دخلت على الفعل الماضي، فالقول: إنه قد أنزل عليه بمعنى أن الله أوحى إليه قبل أن يصل عويمر، فقضية هلال سابقة، وهذا الإنزال لم يكن بسبب مجيء عويمر فأطلع الله نبيه على ذلك وأنزل الآيات، لكن الذي يسأل هنا هو هلال بن أمية -رضي الله عنه-، وهذا يدل على التقارب أنها لم تبلغهم، فجاء فوجد أنه قد أنزل عليه، فالمقصود تتبع مثل هذه الألفاظ فإنه يفيد طالب العلم، وكثير من الأمثلة التي قد نمثل بها إذا دُرست ومحصت قد لا يقال فيها، لكن كما هو معروف الأمثلة للتقريب، فالأمثلة للتقريب والإيضاح، وليست للتقرير، فالتقرر يكون بالأدلة في قواعد التفسير، وهكذا في الفقه، والقواعد الفقهية وغير ذلك، فتجد الواحد من العلماء من المالكية مثلاً يأتي بمثال على قول الحنفية وهو لا يقول به من أجل أن يوضح ويقرب، وليس معنى ذلك أن هذا هو نهاية المطاف.

إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ سورة النور:11.

هذه العشر الآيات كلها نزلت في شأن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها-، حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين بما قالوه من الكذب البحت والفرية التي غار الله تعالى لها ولنبيه -صلوات الله وسلامه عليه-، فأنزل الله تعالى براءتها صيانة لعرض الرسول -عليه أفضل الصلاة والسلام- فقال: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ أي: جماعة منكم، يعني: ما هو واحد ولا اثنان بل جماعة، فكان المقدّم في هذه اللعنة عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين، فإنه كان يجمعه ويستوشيه، حتى دخل ذلك في أذهان بعض المسلمين، فتكلموا به، وَجوّزه آخرون منهم.

يعني: الآن يجمعه ويستوشيه، يستوشي الحديث بمعنى أنه يبحث عنه، ويطلبه ويفتش عنه، وما شابه ذلك يعني كأنه يستخرجه بالبحث والتنقيب أو التفتيش عنه، يستوشيه، يقول هنا: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْأي: جماعة منكم ما هو واحد ولا اثنان بل جماعة، العصبة: كثير من أهل العلم يقولون: ما بين الثلاثة إلى العشرة هذا هو المشهور، ومن أهل العلم من يقول: ما بين العشرة إلى الأربعين، ومنهم من يقول في هذه الواقعة: جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ يقول: أربعون وهذا فيه إشكال، والمشهور أن الذين جاءوا بالإفك هم عبد الله بن أبي وهو الذي اختلقه وأْتَفَكه، وحسان بن ثابت مَن وقع في هذا، ومسطح، وحمنة بنت جحش أخت زينب أم المؤمنين، هؤلاء الأربعة جاءت الروايات الصحيحة بتسميتهم، وجاء في روايات أخرى في بعض كتب السيرة وغيرها أسماء لآخرين وقعوا في مثل هذا، ولا يشكل قوله -تبارك وتعالى-: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ إذا قلنا: إن العصبة من الثلاثة إلى العشرة مع قوله -تبارك وتعالى-: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ سورة النور:15، وقال: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا سورة النور: 12، فكأن هذه القضية تحدث بها كثيرون لكن ليس معنى ذلك أنهم هم الذين قاموا بالقذف فاستوجبوا الحد، يعني: هناك من كانوا يتساءلون هل سمعتم ما قال؟ هل سمعتم ما حصل؟ هل سمعتم ما قيل؟ بهذه الطريقة بحيث إنهم لم يصدر منهم قذف صريح، لكن الذين تكلموا في هذا بالقذف هم هؤلاء الأربعة حيث دلت الروايات الصحيحة على تسميتهم صراحةً، التعبير هنا الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ جاءوا بالإفك يعني هذا يشعر بأنه خبر غير صحيح جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ، فالأخبار الغريبة عادة أو غالباً تأتي مع من يفد، فعبر هنا بالمجيء، والإفك هو الكذب، وأشد الكذب البهتان، وهو الكلام المختلق، قيل له: إفك من الإفك وهو القلب وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى سورة النجم: 53 فالله قلبَ قرى قوم لوط، والذي يرمي الصديقة بنت الصديق زوج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرمي أشرف عرض وأطهر عرض هذا الذي جاء به قول كذب مختلق لا أساس له، وقوله: عُصْبَةٌ مِنْكُمْ يعني أن هذا لم يأتِ من الروم أو من الفرس أو من خارج الصف، وإنما جاء من الداخل فعبد الله بن أبي مع أنه منافق، وهو كافر بالباطن لكنه محسوب على المسلمين في الظاهر فتجري عليه أحكام الإسلام في الظاهر، فصحت هذه النسبة عُصْبَةٌ مِنْكُمْ.

وسياق ذلك في الأحاديث الصحيحة.

روى الإمام أحمد عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسَيَّب، وعُرْوَة بن الزبير، وعلقمة بن وقاص، وعُبَيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن حديث عائشة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم-، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله تعالى، وكلّهم قد حدثني بطائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت اقتصاصاً.

أثبت له اقتصاصاً يعني سياقاً، والزهري بهذا الصنيع لفق هذه الروايات في سياق واحد، وهي روايات متعددة، فلفق منها رواية متحدة فجاءت بهذا السياق.

وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني، وبعض حديثهم يصدق بعضًا: ذكروا أن عائشة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أراد أن يخرج سَفَرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معه.

وهذه هي السنة أن الرجل الذي عنده زوجات لا يقال: إنه يعاقب بينهن، وهذه المرة السفرة لفلانة، والمرة القادمة السفرة لفلانة، وإنما بالقرعة، ثم لا تستحق المرأة بعد ذلك أن يقسم لها بقدر ما خرج مع التي خرجت القرعة في نصيبها، وإنما يبدأ يدور كما كان يفعل.

قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي.

هذه الرواية الصحيحة الثابتة، وما جاء في بعض الروايات من أن أم سلمة كانت معه فإنه لا يثبت.

وخرجتُ مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وذلك بعدما أنزل الحجابُ.

الواقعة أو الغزوة هي غزوة المريسيع، بعدما أنزل الحجاب، المقصود بالحجاب حجب أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- كما قال عمر -رضي الله عنه-: إن أزواجك يدخل عليهن البر والفاجر في القصة المعروفة.

وهذه الغزوة النقل صريح في أنها كانت بعد فرض الحجاب، ولهذا كانت تحمل في الهودج مثل القبة فوق البعير، وتوضع وعليها ستور، فالمرأة لا يراها الرجال، وكان نزول الحجاب هذا الذي جاء في سورة الأحزاب وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ سورة الأحزاب:53، فهذه المسألة الروايات في كتب السير ليست متحدة فيها، كذلك متى كانت غزوة المريسيع؟ لأن هذا يحتاج إلى معرفته، فيما يتصل بما وقع من  سعد بن معاذ -رضي الله تعالى عنه- لما قام النبي -صلى الله عليه وسلم- على المنبر فقال: (من يعذرني في رجل...) الخ.

فأنا أُحْمَل في هَودَجي وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من غَزْوه وقفل ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى الرحل فلمست صدري، فإذا عقْد لي من جَزْع ظفار قد انقطع.

من جزع ظفار، جزع ظفار خرز أسود فيه مثل العروق البيضاء، وظفار -وفي بعض الروايات أظفار- مدينة في اليمن، وقيل: جبل يمكن أن يكون نسبت إليه المدينة في اليمن، جزع ظفار، وهذه المدينة هي في أقصى اليمن، يعني: مما يقرب من ناحية الهند، فمادة هذه العقد أو الخرز من جزع ظفار، وبعضهم يقول غير هذا: إنه نوع من مثل القسط الهندي طيب الرائحة.

فرجعت فالتمست عقدي، فحَبَسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي فحملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب -وهم يحسبون أني فيه- قالت: وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يُهَلبْهُنَّ ولم يغشهن اللحمُ.

لم يُهَلبْهُنَّ يعني: لم يثقلن باللحم والشحم.

إنما يأكلن العُلقْة من الطعام.

العلقة من الطعام، العلقة هي الأكل، بعضهم يقول: ما يسد الرمق، وبعضهم يقول: ما يكفيه إلى الوجبة الثانية وليست أكلة مشبعة، وإنما الأكل الذي يحصل به قيام البدن فقط، العُلقة من الطعام.

 فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه، وكنت جارية حديثة السن.

كانوا يحملون الهودج ويضعونه وهي بداخله وعليه ستور، ويظنون أنها فيه، فوجودها مع عدمه سواء لا يشعرون بهذا؛ لصغر سنها وخفة وزنها، فكانت جارية حديثة السن، كما يقول الحافظ ابن حجر -رحمه الله: إن أكثر ما قيل في المريسيع أنها كانت في السنة السادسة، يعني: الروايات التي وردت في السير كانت في السادسة في شعبان كما عند ابن إسحاق، فعلى هذا إذا أخذنا بأكثر ما قيل في الروايات يكون عمرها خمس عشرة سنة، وإذا أخذنا بالروايات الأخرى التي تقول: إن المريسيع قبل هذا يكون عمرها أقل من خمس عشرة سنة؛ ولهذا لم تذهب مع أحد، ولما وقع لها مثل هذا صارت تخرج كما في آخر الرواية إلى المناصع لقضاء الحاجة مع أم مسطح، فهي في هذه الخرجة لم تخرج مع أحد بحيث إنها إن تأخرت تبعث من يخبرهم، أو ينظر هل ساروا أو لا، فبقيت وحدها، وبقيت تجمع في هذا الخرز وتحاول نظمه، تعيد العقد شُغلت به، جارية صغيرة، فلقلة الخبرة في الحياة ونحو ذلك حصل مثل هذا التأخر، واستفادت منه بعد هذا، فذكر حداثة السن يفيد فيما يتعلق بقضية الوزن؛ لأن الإنسان كلما تقدم به السن غالباً فإنه يحمل اللحم، والأمر الآخر قله الممارسة والخبرة، وكذا، فجلست وانشغلت بهذا العقد حتى فاتها القوم أو الجيش.

فبعثوا الجمل وساروا، ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدوني فيرجعون إليّ.

يعني: تيممت منزلي وهذا هو الثابت أنها جلست في مكانها، وما جاء في بعض الروايات من أنها مشت في أثر القوم حتى تعبت ثم جلست هذا لا يصح، بل بقيت في مكانها، وهذا من ذكائها فلو ذهبت يمنة أو يسرة فمن سيجدها؟ فبقيت مكانها وظنت، والظن هنا يمكن أن يحمل على ظاهره، بمعنى أنها ظنت ذلك، ولم يتفطنوا متى حصل ذلك، يعني: أنه جاءت الظهيرة وهم لم يتفطنوا لها؛ لأنها كانت في الهودج، ويحتمل أن يكون المراد به العلم، ظنت يعني علمت أنهم سيرجعون متى ما تفطنوا إلى ذلك.

فبينا أنا جالسة في منزلي، غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذّكْوَانَي قد عَرّس من وراء الجيش فادّلج فأصبح عند منزلي.

التعريس بعضهم يقول: هو النزل في السفر في أي وقت كان، والمقصود به هنا النزول ليلاً، أو النزول في آخر الليل للراحة في السفر، النزول في آخر الليل، وكان صفوان بن المعطل -رضي الله تعالى عنه- يتبعهم، كان في الساقة يعني في مؤخر الجيش من أجل أنه إذا ترك أو نسي أحد شيئاً كان يأخذه ويأتي به، وكذلك أيضاً يحمي ظهورهم بحيث لا يتبعهم أحد، فجاء في بعض الروايات أنه طلب من النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يكون في الساقة، وجاء في بعض الروايات أنه كان يصلي حتى يرتحلوا، يعني: يتأخر عنهم يتعمد التأخر من أجل هذه المصلحة، عرّس من وراء الجيش فادّلج والادّلاج السير في آخر الليل، سار في آخر الليل؛ من أجل أن يستقبل الصباح فيرى الأشياء التي من أجلها يتأخر.

فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وقد كان يراني قبل أن يُضْرَب عليّ الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخَمَّرت وجهي بجلبابي، والله ما كلمني كلمة، ولا سمعت منه كلمة غيرَ استرجاعه، حتى أناخ راحلته، فَوطئ على يَدها فركبتُها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا مُوغرين في نحر الظهيرة.

يعني: أن صفوان -رضي الله عنه- جاء في بعض الروايات أنه تقدم، وفي بعضها أنه غطى وجهه، فالحاصل أنه تقدم؛ لئلا ينظر إليها لا يكون خلفها فلما ركبت صار يقودها يمشي أمامها لا يراها تقول: "فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا مغيرين في نحر الظهيرة"، مغيرين يعني نازلين في الوغرة وهي شدة الحر، فشدة الحر يقال لها: وغرة؛ لهذا يقال: فلان أوغرَ قلب فلان، أو صدر فلان، أوغر قلوبهم فكأنها صارت تتحرق، ويجدون فيها حرارة بسبب ما وقع فيها من الغل، أوغر صدره، فالوغرة هي شدة الحر، موغرين في نحر الظهيرة يعني في وسط الظهيرة حينما تكون الشمس في كبد السماء.

فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كِبْره عبد الله بن أبي بن سلول، فَقَدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمنا شهراً، والناس يُفيضُون في قول أهل الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يَريبني في وجعي أني لا أرى من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اللُّطْف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيسلم، ثم يقول: " كيف تِيكُم؟" فذلك يَرِيبني ولا أشعر بالشر، حتى خرجت بعدما نَقِهْت.

بعدما نقهت، والناقه هو الذي قد تعافى من المرض، وخرج منه، لكنه لم ترجع إليه كمال الصحة يعني الإنسان حينما يكون فيه الحمى أو يكون فيه المرض يكون طريح الفراش لا يقوم ولا يذهب، ولا يخرج فإذا بدأت عافيته ترجع ولم تكتمل يبدأ يصل إلى المسجد، ويبدأ يخرج يعني يستطيع الحركة، فلما نقهتُ يعني أنها بدأت تتعافى من المرض لكن لم ترجع إليها كمال العافية.

وخَرَجَت معي أم مِسطْح قِبل المناصع -وهو مُتَبَرَّزُنا -.

مسطح -رضي الله تعالى عنه- هذا لقب له وليس باسمه، والمسطح هو الواحد من أعمدة الخباء في الخيمة، أعمدتها الواحد منه يقال له: مسطح، والمشهور أن اسمه عوف، وبعضهم يقول: عامر، وجاء في شعر ينسب لأبي بكر الصديق -رضي الله عنه- يخاطبه ويعاتبه فهو من قرابته، ويسميه بعوف، والمناصع صعيد أفيح خارج المدينة، يذهبون إليه لقضاء حاجتهم وليس عندهم كُنف -وهي الحمامات والأماكن المخصصة لقضاء الحاجة-، فيخرجون إلى أماكن، إلى ساحة، إلى فضاء، إلى خارج المدينة لقضاء الحاجة.

ولا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نَتَّخذَ الكُنُف قريبا من بيوتنا، وأمرُنا أمر العرب الأُول في التنزه.

أمْر العرب الأُول يعني قبل أن يختلطوا بالعجم، فالعرب الأول كانوا يتنزهون ولا يضعون الكنف قريباً من بيوتهم؛ لئلا يتأذوا بذلك، وكان ذلك مما عرف عن العجم أو الأعاجم، ثم بعد ذلك انتقلت هذه العادة عند العرب وصارت فيهم وكثر هذا واعتاده الناس.

وكنا نتأذى بالكُنُف أن نتخذها في بيوتنا.

الكنف إلى عهد ليس بالبعيد يتأذى منها الناس؛ لأنها عبارة عن أماكن يتخلى فيها الناس -أعزكم الله-، وكان يوجد من يقوم بهذه المهنة من وضعاء الناس ونحو هذا، فيستأجر من يأتي لإبعاد ذلك بعيداً عنهم بعد حين ونحو هذا، ولا يقال مثل هذا في الكنف التي عند الناس؛ لأنه لا يحصل بها التأذي.

فانطلقت أنا وأم مسْطَح وهي ابنة أبي رُهْم بن المطلب بن عبد مناف.

فانطلقت أنا وأم مسطح وهي بنت أبي رهم، ويقال: إن اسمها سلمى، وأبو رهم اسمه أنيس.

وأمها ابنة صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصديق.

يعني: هي أم مسطح بنت خالة أبي بكر، ولهذا فإن مسطح قد نشأ يتيماً، فكان أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- هو الذي يتولى النفقة عليه.

وابنها مسْطَح بن أثاثة بن عَبَّاد بن المطلب، فأقبلت أنا وابنة أبي رهم قِبَلَ بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسْطح في مِرْطها.

قوله: "فأقبلت أنا وابنة أبي رهم أم مسطح قِبل بيتي حين فرغنا من شأننا"، ظاهر هذه الرواية أنها ذهبت وقضت حاجتها ثم رجعت فأخبرتها في طريقها في العودة أخبرتها أم مسطح، وفي بعض الروايات أن ذلك وقع في ذهابها حتى إن عائشة -رضي الله عنها- ذكرت أنه لما أخبرتها بهذا الخبر لم تعد تجد شيئاً مما كانت تجد، يعني لم تذهب لقضاء حاجتها، ومعلوم أن الإنسان في حالات يحتاجها المتخصصون في طب النفس، وعلم النفس، ومعلومات تفيدهم أن الإنسان في حالة غلبة الحال عليه بشهوة أو حزن شديد أو نحو ذلك فإن ذلك يذهله عما كان يشغله، ولو كان ذلك من الأمور الحسية يعني يشغله عن وجع فلا يشعر به، يشغله عن حاجته لو كان مثلاً إنسان يريد الخلاء ففي حال مفاجئة الحزن الشديد، أو في حال الشهوة إذا جاشت واضطرمت النفس بها فإن ذلك يذهب جميعاً، فهنا ذهب الجميع إلى أن هذه الروايات بطريق الذهاب وهذا يشعر أنه في طريق العودة، ويحتمل أن يكون لما أخبرتها في طريق الذهاب رجعت ولم تقضِ حاجتها، فأقبلت أنا وابنة أبي رهم أم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرتْ أم مسْطح، يحتمل أنها قضت حاجتها، ويحتمل قولها: فرغنا من شأننا أي أنها صرفت النظر عن هذا الذهاب أصلاً، لكن حتى هذا الجواب الذي ذكره بعض أهل العلم مثل الحافظ ابن حجر لا يخلو من إشكال، وقولها: فعثرت، فقالت: من قِبل بعض الرواة...، إلى آخره فدل أنها ما أخبرتها، فيكون هذا التفاوت قد وقع من قبل بعض الرواة، الذي حاول الجمع فيه، وبعض أهل العلم كالحافظ حمل قولها: فرغنا من شأننا على أنها ذهبت فلما أخبرتها صرفت النظر، فرجعت، لكن هذه الرواية تدل أنها في طريق عودتها أيضاً هي أخبرتها بهذا، -والله أعلم-، فعثرت أم مسطح في مرطها، والمرط هو كساء من صوف فقالت: تعس مسطح.

فقالت: "تَعس مسْطح"، فقلت لها: بئسما قلت، تسبين رجلاً قد شهد بدرا؟ قالت: أي هَنْتاه.

قوله: أي هنتاه يعني يا هذه، نداء للبعيد في الأصل، وقد ينادي به القريب لمعنى، يا هنتاه يقال: للمرأة أو يا هذه، وبعضهم يقول: كأن العبارة يا هنتاه: أي يا غافلة أو نحو لك.

ألم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددتُ مرضًا إلى مرضي، فلما رجعتُ إلى بيتي دخل عليّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فسلم، ثم قال: (كيف تِيكُم؟)، قلت: أتأذن لي أن آتي أبويّ؟ -قالت: وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قِبَلهما- فأذنَ لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فجئت أبوي فقلت لأمي: يا أمَّتاه، ما يتحدث الناس؟ فقالت: أيْ بُنَية هَوِّني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قَطّ وضيئة عند رجل يحبها، ولها ضرائر إلا أكثرن عليها.

الضرائر يعني الزوجات الأخريات للرجل قيل لهن ضرائر؛ لأنه في الغالب يصل إلى الواحدة الضرر، بطريق مباشر أو غير مباشر من الأخرى يعني لو لم يأتها من ذلك إلا ما يحصل من الغيرة، والكمد، والمرأة مسكينة يعني لا تفكر ولا تقوم إلا بهذه المرأة الثانية، تقوم معها وتقعد، ماذا قال لها؟ وماذا أعطاها؟ وهل عندها الحظوة؟ وأول سؤال إذا تزوج الرجل توجهه الأولى كم عمرها؟ هذا أول سؤال، والسؤال الثاني من أين؟ يعني لا تكون من بلد معروف بالجمال والحسن، وما بعد ذلك فهو هين وسهل، فإن قال: عمرها "15" وذكر لها بلداً عرف بالجمال فهذا هو القتل هذا هو الموت، فإن قال: إنها كبيرة عمرها بلغ "40" ونحو هذا، وإنها ثيب مسكينة ضعيفة، وذكر لها أنها من بلد لا يعرف بالحسن والجمال سُري عنها، وبدأت تحاور فيما بعد في الأمور الأخرى، في التعامل والقسْم وما إلى ذلك، فالقضية قابلة تستقيم معها الحياة، فالشاهد أن أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يصدر منهن هذا، كما جاء في آخر الرواية لما سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- زينب بنت جحش قالت: أحفظ سمعي وبصري، وقالت: إنها لا تعلم عنها إلا خيراً، فمنعها ورعها -رضي الله عنها-، لكن تكلمت أختها، والدافع لكلام أختها حمنة هو المحاماة من أجل زينب، فهي تريد أن تكفأ إناء ضرائرها أو عائشة بالذات؛ لأنها هي التي تساميها يعني تضاهيها في المنزلة عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومن جهة الشرف أيضاً.

قالت: فقلتُ: سبحان الله أوَقد تحدث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي، فدعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عَلِيّا وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه له من الود، فقال: يا رسول الله، هم أهلك، ولا نعلم إلا خيرا، وأما علي بن أبي طالب فقال: لم يُضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدُقك الخبر، قالت: فدعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بَريرة، فقال: "أيْ بَرِيرة، هل رأيت من شيء يَريبك من عائشة؟" فقالت له بريرة: والذي بعثك بالحق إنْ رأيت عليها أمرا قَطّ أغمصُه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجنُ فتأكله.

بريرة أعتقتها عائشة في القصة المعروفة، زوجها مغيث، وتعرفون ما حصل من اشتراط أهلها أن يكون الولاء لهم، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- يعني ما قال في هذا، فأعتقتها عائشة -رضي الله عنها- هذه الواقعة متأخرة عن غزوة المريسيع، وبعضهم يقول: عام الفتح فيحمل هنا أن بريرة كانت تخدمها، ولم تكن قد أعتقتها؛ لأنها لم تكن مملوكة أصلاً لعائشة -رضي الله عنها-، وعائشة -رضي الله عنها- اشترتها من أهلها لتعتقها، فلا يفهم من هذا أن بريرة كانت جارية لعائشة -رضي الله عنها- في ذلك الحين، فقالت: بريرة والذي بعثك بالحق إن رأيت منها أمراً قط أغمصه عليها يعني أعيبه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجنُ يعني هذا مدح بما يشبه الذم، يعني هذا مما يؤكد براءة عائشة -رضي الله تعالى عنها وأرضاها-، تأتي الداجنُ والداجن هي الشاة التي تألف الدار، تألف أهلها فلا تخرج إلى المرعى يقال لها: داجن فتأتي هذه الشاة وتأكل العجين.

فقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سَلُول.

النبي -صلى الله عليه وسلم- سأل أسامة بن زيد وسأل الجارية وسأل عليا -رضي الله عنه- باعتبار أن هؤلاء من أقرب الناس إليه، فعليٌّ نشأ معه منذ صغره، وهو من أهل بيته، وكذلك أسامة فهو حِبّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبوه زيد كان ينسب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فهؤلاء ممن يعرفون حال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأهل بيته معرفة تامة، فاستشارهم؛ لأنه يطلب ما عرفوا من حال أهله   -رضي الله تعالى عنهم.

قالت: فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو على المنبر: (يا معشر المسلمين مَنْ يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي).

قوله: (من يعذرني من رجل) بعضهم يقول: من يعذرني يعني من ينصفني، وبعضهم يقول: من يعذرني إذا عاقبته، وجازيته جراء هذا القذف والأذى، وبعضهم يفسره بغير هذا.

فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، قالت: فقام سعد بن عبادة -وهو سيد الخزرج، وكان رجلا صالحا، ولكن احتملته الحمية- فقال لسعد بن معاذ: لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، فقام أُسَيد بن حُضير -وهو ابن عم سعد بن معاذ- فقال لسعد بن عبادة: كذبت، لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين.

غزوة المريسيع إذا أخذنا رواية ابن أبى إسحاق أنها في السنة السادسة فسعد بن معاذ -رضي الله تعالى عنه- استشهد بعد قريظة، وقريظة كانت بعد الخندق مباشرة، وغزوة الخندق كانت في السنة الخامسة، فيكون سعد بن معاذ قد توفي، ولهذا استشكل بعض أهل العلم ذكر خبر سعد بن معاذ -رضي الله تعالى عنه- هنا، وبعضهم قال: هذا وهم، ومن قال بهذا القاضي عياض، ووافقه عليه جماعة مثل ابن العربي المالكي وآخرون قالوا بقوله هذا باعتبار أن المريسيع كانت بعد غزوة الخندق، ولكن هذا ليس محل اتفاق، فمن أهل العلم من يقول: إن المريسيع كانت قبل غزوة الخندق، وإن هذا اسم سعد بن معاذ -رضي الله تعالى عنه- مصرح به في الروايات في الصحيحين وفي غيرهما، وهذا ثابت، ولا يقال فيه: إن هذا من قبيل الخطأ من الراوي، وبعض أهل العلم يقول: إن سعداً -رضي الله عنه- حينما أصيب في أكحله في غزوة الخندق بقي مدة فكانت غزوة المريسيع ثم مات -رضي الله تعالى عنه- بعدها، هكذا قال بعض أهل العلم، هذا الموطن فيه هذا الإشكال، والحافظ ابن حجر -رحمه الله- أجاب عنه، وذكر كلام أهل العلم في الجواب ومن شاء أن يتوسع فليراجع هذا في شرح الحديث بكتاب التفسير من صحيح البخاري، تفسير هذه الآيات، وهنا لما قال سعد    -رضي الله عنه-: هذا قام سعد بن عبادة قالت: كان رجلاً صالحاً، ولكن احتملته يعني العصبية للقبيلة فقال لسعد: لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، ثم قال له أسيد بن حضير: كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين فتثاور الحيان يعني كادوا أن يقتتلوا فجاء في بعض الروايات أنه وصل إلى حد الضرب وما شابه، يعني النبي -صلى الله عليه وسلم- على المنبر في قضية مثل هذه، مصيبة ثم تنشب مشكلة جانبية في هذه الأثناء حينما يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من يعذرني في رجل بلغ أذاه...) فمثل هذا يؤخذ منه أن النفوس مهما بلغت في التربية فإن الجانب البشري يبقي له علاته وجواذبه، وله حالة من الصعود والهبوط، طبيعة النفوس البشرية ومثل هذا لا يُسقط الإنسان إذا كانت حسناته كثيرة، وأفضاله في الإسلام، وبذله وجهاده ونصحه ونصرته، فتنغمر مثل هذه الأشياء في بحر حسناته، لكن الذي يهلك بمثل هذا هو إذا كان الإنسان مفلساً من المعالي فلا بذل ولا نصرة ولا دين، وإنما حصيلته وبضاعته هذه العصبيات!! فإنها قد تعطبه وتذهب بشرفه.... إلى آخره، فالشاهد أن مثل هذا الموقف لو حصل على مرأى منا اليوم بين أناس ينتسبون للعلم أو الدين أو الدعوة أو الخير لربما سقط من أعين الناس تماماً وغسلوا أيديهم منه، ورموه بالعظائم، لكن لم يكن هذا يقع عند أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- بقي لسعد بن عبادة -رضي الله عنه- مكانته، ومنزلته في الإسلام، وكانت هذه الهنات منغمرة في بحر حسناته -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-، فينبغي أن تُعطَي مثل هذه الأخطاء والتقصير الذي يحصل من الإنسان والهبوط الذي يقع من البشر أن يعطي الحجم الطبيعي لا يخلو إنسان، لكن الذي يرجع عن التقصير ويستدرك الخطأ، ويستمر على طريقة صحيحة هذا هو الموفق المسدد، ولا ينبغي أن تلاحقه هذه الزلة، وتكون لعنة تطارده حيث حل، هذا خطأ حتى أولائك الذين وقعوا فيما وقعوا فيه من فواحش ونحو هذا، أو رموا بهذا يعني المغيرة بن شعبة شهد عليه أربعة -رضي الله تعالى عنه- وتراجع واحد فجلد أولائك، ولم يكن هذا مسقطاً للمغيرة -رضي الله تعالى عنه-، ولم يكن مسقطاً لهؤلاء الشهود، فالله -عز وجل- فتح لهم باب التوبة فإذا تابوا قبلت شهادتهم ورجعت عدالتهم، وانتفى عنهم الحكم بالفسق كما قال الله -عز وجل-: إِلَّا الَّذِينَ تَابُواسورة النور:5 فمن تاب من ذنبه تاب الله عليه، أما نحن فنتعامل مع هذه القضايا بصورة أخرى تماماً، نحن نتعامل مع من وقع في شيء من هذه الزلات أو من هذا النوع أو ما شاكله معاملة أخرى، فإن هذه يحصل بها المحق التام فلا يقبل منه لا صرف ولا عدل ولا يسأل عن توبته، ولا عن رجوعه، ولا عن صلاح الحال، ولا نزيده إلا إيغالاً في المنكر ونفوراً من أهل الإيمان، فيحصل له من الجفاء، وهذا عندنا في كل شيء للأسف، ولو تأمل الإنسان أحوال الصحابة -رضي الله عنهم- ما يصدر منهم، وتأمل تعامل النبي -صلى الله عليه وسلم- معهم، وتعامل الصحابة فيما بينهم، وتأمل هذا الرجل الذي يشرب الخمر بل ما يكتفي بهذا فيقول:

إذا متُّ فادفني إلى جنب كَرْمــة *** تُروِّي عظامي في الممات عروقُها

ولا تدفنني في الفلاةِ فإننـي *** أخافُ إذا ما متُّ ألا أذوقُهـــا

ما كان هذا نهاية هذا الرجل وإنما هذا البلاء المعروف في القادسية، وكان ذلك سبباً لتوبته، بل الذين ارتدوا عمرو بن معديكرب وطليحة وأمثال هؤلاء لما تابوا تاب الله عليهم، وكانوا من المجاهدين في فتوح العراق، وقل مثل هذا في أشياء أخرى تجد كثيراً من العلماء إذا قرأت في تراجمهم، وما يكتبونه أحياناً من الكتب، ويقدمونه إلى بعض الأمراء ونحو ذلك، ويكتبون كتابات كبيرة يقبّل الأرض، وعبارات يعني عظيمة يكتبها لو كتب عشرَ معشارها أحدُ طلبة العلم اليوم الناس لم يوفروا من عرضه شيئاً، وهذا ليس بتبرير لأحد أن يقع في شيء من هذه الأمور، وليس هذا المقصود، ولكن انظر إلى طريقتنا يعني أقرأ مثلاً ما يكتبه ابن قتيبة في مقدمات بعض كتبه، دعك من الناس مثل الذين عندهم انحرافات العقائد مثل الشهرستاني، وبعض كتاباته وكذا لبعض المعاصرين له، دعنا من هؤلاء لكن أقصد أنك تقرأ أحياناً بعض الكتابات تجد عبارات كبيرة تقبيل الأرض، وكلام لا يقال ولا يصلح أن يقال، ومع ذلك بقي لهؤلاء من المكانة، فالإنسان يكون عنده جوانب أحياناً مشرقة، جوانب أحياناً من الخير والفضل والحسنات، المفروض وهذا هو المقصود أن لا تُهدر هذه كلها وتُمحى بسبب أنه وقع في شيء من الانحرافات في أخلاقه، وفي سلوكه، وقع في أمر مخل، ليس ذلك تبريراً لأحد يقع في ريبة، ويقع في فاحشة أو يتكلم بكلام لا يليق ليس هذا تبريراً، هذا لا تقوله لأهل المعاصي، لكن كثيراً ما يفكر الإنسان يقارن بين نظرتنا وقياسنا للأمور وبين قياس المتقدمين من السلف -رضي الله عنهم-، كيف يتعاملون مع هذه الأشياء، فرق كبير نحن في آخر الزمان ونريد أن الأمور تكون على الأعلى في كل شيء، وهذا لا يتأتى، لابد من احتمال أخطاء الناس، واحتمال ما عندهم من تقصير، والعبرة بما غلب على الإنسان، وتُعطي الأمور مقدارها الصحيح، -والله أعلم-، وكثير من الناس لا يفهمون هذا الكلام، يخشى أن يكون ما أنت بمحدث قوم....

فتثاور الحيان الأوس والخزرج حتى هَمّوا أن يقتتلوا، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُخَفّضهم حتى سكتوا، وسكت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قالت: وبكيت يومي ذلك، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي.

 يعني في حال الهم الإنسان لا ينام، بخلاف الغم فإن الإنسان يُغلب عليه إذا كان مغموماً، مغموم يعني الأمر وقع وانتهى خلاص ما فيه هم وقلق في أمر مستقبل وتخوّف من شيء، المهموم لا ينام، والمغموم يغلب عليه النوم، والأطباء من المعاصرين يقولون: إن النوم مع الحزن أو الغم يضر ولا أظن أن هذا صحيح، بل أظنه يخفف عنه كثيراً، وفي حديث زيد بن أرقم -رضي الله عنه- لما تكلم في قصة يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ سورة المنافقون:8، في غزوة المصطلق فلما كذبه عبد الله بن أبيّ وحلف عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى آخره، وعاتبه عمه ما حملك على هذا؟ فذهب فنام، يعني من الغم فنزل الوحي يصدقه، فبعث إليه النبي -صلى الله عليه وسلم-، والعامة عندهم مثل يقولون: إذا كثرت همومك فخذ من الأرض طولك، وإذا أخذت من الأرض طولك معناها أنك نمت.

وترى الفكرة صحيحة، ولكن ليس هذا من شأننا، بمعنى أن الإنسان يغيب، وأصحاب المخدرات يتعاطونها؛ من أجل أن يغيبوا عن واقعهم المظلم والحياة البائسة فيفروا إلى هذا الجحيم، لكن النوم دواء مباح لا يحصل به ضرر، فيغيب عن هذا فتسلو النفس وترتاح، ولهذا سبحان الله تجد الإنسان أحياناً إذا اشتد المرض جداً يغمى عليه، وهذا من لطف الله -عز وجل- بحيث لا يشعر، وهذا من -رحمة الله-؛ لهذا الأطباء يعمدون في الأمراض الصعبة أو الحالات المتقدمة من السرطان -أعاذنا الله وإياكم والمسلمين-، وفي بعض الحالات التي فيها الآم شديدة لا تطاق إلى تنويم المريض وتخديره في الأسابيع لربما، ثم إنه فيه اختصار للوقت إذا نام اليوم الطويل بسبب الغم والحزن، فأصحاب الكهف ينامون "300" سنة، وتسعاً كأنها يوم.

قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي، استأذَنَت عليَّ امرأة من الأنصار، فأذنتُ لها، فجلست تبكي معي، فبينا نحن على ذلك إذ دخل علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل، وقد لبث شهرًا لا يُوحَى إليه في شأني شيء، قالت: فتشهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين جلس، ثم قال: أما بعد يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألْمَمْت بذنب فاستغفري الله ثم توبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب، تاب الله عليه، قالت: فلما قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مقالته قَلَص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عني رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: والله ما أدري ما أقول للرسول، فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله، فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله، قالت: فقلت -وأنا جارية حديثة السن، لا أحفظ كثيراً من القرآن-: والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا، حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، ولَئن قلت لكم إني بريئة -والله يعلم إني بريئة- لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله -عز وجل- يعلم أني منه بريئة تصدقوني، وإني والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ سورة يوسف:18، قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، قالت: وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة، وأن الله مُبَرِّئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولشأني كان أحقرَ في نفسي من أن يتكلم الله فِيَّ بأمر يُتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في النوم رؤْيا يبرّئني الله بها، قالت: فوالله ما رام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من مجلسه، ولا خرج من أهل البيت أحد، حتى أنزل الله على نبيه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي.

يتحدر العرق منه مثل الجمان، أخذه ما كان يأخذه البرحاء من الوحي، البرحاء هي الحالة التي كانت تعتريه -صلى الله عليه وسلم- عند نزول الوحي، والجمان مثل الدر من صفاء هذا العرق يتحدر كأنه الدر.

 

يتحدر العرق منه مثل الجمان، أخذه ما كان يأخذه البرحاء من الوحي، البرحاء هي الحالة التي كانت تعتريه -صلى الله عليه وسلم- عند نزول الوحي، والجمان مثل الدر من صفاء هذا العرق يتحدر كأنه الدر.

 

حتى إنه لينحدر منه مثل الجُمَان من العرق في اليوم الشاتي.

هذا ليس صريحاً أنها نزلت في الشتاء، وإنما هي تذكر من شدة الوحي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن ذلك يقع له في اليوم الشاتي، ولا يعني أن ذلك كان في الشتاء.

من ثِقَل القول الذي أنزل عليه، قالت: فلما سُرّيَ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يضحك، كان أول كلمة تكلم بها أن قال: "أبشري يا عائشة، أما الله فقد بَرّأك، فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله -عز وجل-، هو الذي أنزل براءتي، وأنزل الله -عز وجل-: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ عشر آيات، فأنزل الله هذه الآيات في براءتي قالت: فقال أبو بكر -رضي الله عنه- وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق عليه شيئًا أبدا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله -عز وجل-: وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ إلى قوله: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ سورة النور:22 فقال أبو بكر: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فَرجّع إلى مِسْطَح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: لا أنزعها منه أبدًا.

لو جلس الإنسان ونظر في تعاملاته مع من يعتقد أنه ظلمه فيما هو دون هذا بكثير، فالنفوس لا تطيق هذه المراتب، يمكن أن يمر الإنسان عليها مروراً، و الوصول إلى هذا يحتاج إلى مجاهدة، يُرمى عرضه بهذه الفاحشة من قبل رجل يحسن إليه، وينفق عليه سنوات ثم يأتي يرميه، ومع ذلك يقول الله -عز وجل-: وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ سورة النور:22 يعني لا يحلف، لا يأتل كما سيأتي إن شاء الله، أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أصحاب المراتب العالية الفضل والسعة في المال.

قالت عائشة: وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سأل زينبَ بنت جحش زوجَ النبي -صلى الله عليه وسلم-، عن أمري: يا زينب، ما علمت، أوما رأيت أوما بلغك؟ فقالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمتُ إلا خيرًا، قالت عائشة: وهي التي كانت تُسَاميني من أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-، فعصمها الله تعالى بالورع.

تساميني يعني تضاهيني شرفها، ومنزلتها وجمالها.

وطَفِقَت أختها حَمنة بنت جحش تحارب لها، فهلكت فيمن هلك.

قال ابن شهاب: فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط.

أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، من حديث الزهري، وهكذا رواه ابن إسحاق، عن الزهري كذلك، قال: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة، وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، عن عمرة، عن عائشة بنحو ما تقدم، والله أعلم.

فقوله: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ أي: بالكذب والبهت والافتراء، عُصْبَةٌ أي: جماعة منكم، لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ أي: يا آل أبي بكر بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ أي: في الدنيا والآخرة، لسان صدق في الدنيا ورفعة منازل في الآخرة، وإظهار شرف لهم باعتناء الله بعائشة أم المؤمنين، حيث أنزل الله تعالى براءتها في القرآن العظيم الذي لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ الآية سورة فصلت:42.

قوله: لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ ليس ذلك يختص بأبي بكر -رضي الله عنه- فقط بل حتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فإنه أعظم من وقع عليه هذا البلاء، وكذلك أهل الإيمان الذين عصمهم الله -عز وجل- من هذا فأصابهم ما أصابهم من الحزن، والهم لقذف عرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكانت مصيبة في ذلك المجتمع، وقع فيها من وقع، وسقط من سقط، وعصم الله من شاء، فالله -عز وجل- قال: لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْفبهذا يحصل رفع الدرجات والتمحيص، وتكفير السيئات وتشريف عائشة المطهرة، ولهذا قال الإمام مالك -رحمه الله-: بأن من رمى عائشة -رضي الله عنها- قُتل؛ لأن الله برأها في القرآن، وشرفها، ومن سب أبا بكر وعمر عزر فذكر الله براءتها في كتابه، وهذا شرف عظيم جداً لم يكن ولم يحصل لو لم تكن تلك الأسباب وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْسورة البقرة:216، وكذلك تَمحصَ الناسُ، وتبين أهل الإيمان من المنافقين من ضعفاء الإيمان، وحصل بسبب ذلك تربية الأمة في هذا الموقف بهذه التوجيهات، فإذا أحصيتها تجد تسعة أمور ذكرها الله -عز وجل- في الآيات التي بعدها، كقوله -تبارك وتعالى- مثلاً: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ سورة النور:12، علّمهم وأدّبهم، لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءسورة النور:13، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ سورة النور:14، إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ سورة النور:15، وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَاسورة النور:16، يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا سورة النور:17، وهكذا إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُسورة النور:19، فأدبهم بهذه الآداب وعلمهم كيف يكون موقف المسلم حينما يسمع قالة السوء كيف يحفظ سمعه وبصره، فرباهم هذه التربية العالية؛ ليكون المجتمع نظيفاً لا يتطاول فيه الوضعاء، ومن لا خلاق له، فيتطاول إلى الأعراض الشريفة فيدنس ما شاء منها، وتألف الأسماع سماع قالة السوء، ويكون ذلك سبباً وسبيلاً إلى تهوين ذلك في النفوس، فتقع مثل هذه المقارفات في المجتمع إلى غير ذلك، لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم والعبرة ليس بنقص البدايات، وإنما بكمال النهايات، فإذا نظرت إلى العاقبة التي حصلت بعد ذلك كانت خيراً، وحصل فيها من هذه المنافع والآثار مما ذكرت، ومما لم أذكره، فليست العبرة بأن ينظر الإنسان إلى ما وقع من أمر يكرهه في البداية، فإذا نظر وطويت تلك الصفحات، ونظر في العواقب فيما بعد عرف، وأدرك أن هذا كان خيراً له، لَا تَحْسَبُوهُ فإذا كان هذا الأمر العظيم وهو قذف عرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الله يقول: إلَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ، فكيف بما دونه مما يقع للإنسان؟ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا سورة النساء:19 الإنسان لا يدري عن العواقب.

ولهذا لما دخل عليها ابن عباس -رضي الله عنه- وهي في سياق الموت، قال لها: أبشري فإنك زوجة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان يحبك، ولم يتزوج بكراً غيرك، وأنزل براءتك من السماء.

وقوله: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ أي: لكل من تكلم في هذه القضية ورَمَى أم المؤمنين عائشة، -رضي الله عنها-، بشيء من الفاحشة نصيب عظيم من العذاب.

وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ قيل: ابتدأ به، وقيل: الذي كان يجمعه ويستوشيه ويذيعه ويشيعه، لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ أي: على ذلك، وهو عبد الله بن أبيّ بن سَلُول -قبحه الله ولعنه-.

قوله: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ أي: تولى معظمه وأكبره، وعبد الله بن أبي بن سلول هو الذي كان يروج لمثل هذا وينشره ويذيعه في الناس، وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ هل هذا القول بأنه عبد الله بن أبي بن سلول هو الذي تولى كبره محل اتفاق أو لا؟ جاء عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أنه عبد الله بن أبي ولما دخل الزهري على الوليد بن عبد الملك، وسأله عن الذي تَوَلَّى كِبْرَهُ من هو؟ فقال له: عبد الله بن أبي بن سلول، وذكر له الرواية، فعائشة -رضي الله تعالى عنها- تصرح وتقول: إنه عبد الله بن أبيّ، ولكن هذا يشكل عليه ما جاء في صحيح البخاري -مع أن قولها: إنه عبد الله بن أبيّ في الصحيح أيضاً- أنه كما جاء عن مسروق بن الأجدع أن حسان دخل على عائشة -رضي الله عنها- وقال لها ما قال:

                      حصانٌ رَزانٌ لا تُزَنُّ بريبةٍ *** وتُصْبح غَرْثَى من لُحوم الغَوافل

 فقالت له عائشة -رضي الله عنها-: لكنك لست كذلك، فلما خرج، قال لها مسروق: كيف يدخل هذا عليك، وقد نزل فيه: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ؟ فعائشة لم تنكر، وإنما ذكرت أمراً آخر، فالله -عز وجل- قال: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ فقالت: وأي عذاب أعظم من العمى؟ فهذا يشعر أن وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ أنه حسان -رضي الله تعالى عنه-، والجمهور من السلف فمن بعدهم على أنه عبد الله بن أبي، وعائشة -رضي الله عنها- صرحت أنه عبد الله بن أبي، وجاء عن جماعة من السلف -رضي الله عنهم- من أهل العلم من يقول بأن: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ تولى كبره أن هذا لا ينفرد به واحد يعني من حصلت له هذه الصفات وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ فالذي اسم موصول، وهو من صيغ العموم فيدخل فيه كل من كان متصفاً بذلك، فقالوا: إن ذلك يصدق على عبد الله بن أبي، ويدخل فيه غيره ممن كان يذيعه ويشيعه إلى آخره، ومن أهل العلم من أخذ بما جاء صريحاً عن عائشة -رضي الله عنها-، وأن المراد عبد الله بن أبي بن سلول هو الذي تولى معظم هذا الإفك، وحسان -رضي الله عنه- له أبيات متعددة يثني على عائشة -رضي الله عنها-، ويتنصل مما نسب إليه من قذفها -رضي الله تعالى عن الجميع-، ويَذكر أن ما نسب إليه أو ما بلغها من ذلك لا يصح، ولم يقله ونحو هذا، وعائشة -رضي الله تعالى عنها- كانت تعتذر لربما بدخوله أو بالإذن أو نحو ذلك؛ لأنه قال في حق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- البيت:

فإنّ أبي ووالدتي وعِرضي *** لعِرض محمدٍ منكم فداءُ

لما قال:

هجوتَ محمداً فأجبتُ عنه ***

 يهجو أبا سفيان بن الحارث، فحينما قال هذا البيت جعل عرضه فداءً لعرض النبي -صلى الله عليه وسلم-، فكأن ذلك يعني كان يجعل عائشة -رضي الله تعالى عنها- تعتذر، وهذا شأن النفوس الكبيرة التي لا تحمل الغل والحقد على الناس، ولا تنسَ ما سبق من الحسنات والفضائل للمرء، والله يصلح الحال.

 

تم بحمد الله وفضله.


 

[1] - رواه البخاري، كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم، برقم (298)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، برقم (79).

[2] - رواه الإمام أحمد في المسند، برقم (2131)، وقال محققوه: حديث حسن، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب اللعان، باب الزوج يقذف امرأته فيخرج من موجب قذفه بأن يأتي بأربعة شهود يشهدون عليها بالزنا أو يلتعن، برقم (15069).

[3] - رواه مسلم، كتاب التوبة، باب في الحض على التوبة والفرح بها، برقم (2747).

[4] - رواه البخاري، كتاب الأنبياء، باب {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ} [سورة الكهف:9]، برقم (3291)، ومسلم، كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه، برقم (2757).

[5] - رواه أبو يعلى في مسنده، برقم (4670)، وذكره البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة بزوائد العشرة، كتاب الحج، باب ما جاء في تحويل الأمتعة على الجمال، برقم (2426)، وقال: رواه أبو يعلى بسند ضعيف؛ لتدليس ابن إسحاق، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، برقم (7695)، وقال: رواه أبو يعلى وفيه محمد بن إسحاق وهو مدلس، وسلمة بن الفضل وقد وثقه جماعة ابن معين وابن حبان وأبو حاتم وضعفه جماعة وبقية رجاله رجال الصحيح، وقد رواه أبو الشيخ ابن حبان في كتاب الأمثال وليس فيه غير أسامة بن زيد الليثي وهو من رجال الصحيح وفيه ضعف،وبقية رجاله ثقات، وقال الحافظ ابن حجر: إسناده لا بأس به، فتح الباري (9/325)، وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة برقم (4967).

[6] - رواه البخاري، كتاب اللباس، باب السخاب للصبيان، برقم (5545).

[7] - المعجم الكبير(7/316)، (7241).

[8] - رواه أبو داود، كتاب الطلاق، باب في اللعان، برقم (2254)، والنسائي، كتاب الطلاق، باب كيف اللعان، برقم (3469)، والإمام أحمد في المسند، برقم (2131)، وقال محققوه: حديث حسن، وقال الألباني في صحيح أبي داود برقم (1951): "إسناده صحيح على شرط الشيخين".

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about