الأحد 22 / شعبان / 1445 - 03 / مارس 2024
حديث «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي..»
مرات الإستماع: 0

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب وجوب صوم رمضان، وبيان فضل الصيام، وما يتعلق به، أورد المصنف -رحمه الله- حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: قال الله : كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي، وأنا أجزي به، والصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم؛ فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله؛ فليقل إني صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه[1] وهذا لفظ البخاري، وفي رواية له: يترك طعامه، وشرابه، وشهوته من أجلي، الصيام لي، وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها[2] وفي رواية لمسلم: كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع شهوته، وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك[3].

قوله ﷺ: قال الله هذا هو الحديث القدسي، وهو كلام الله على الأرجح لفظًا، ومعنى إلا أنه يفترق عن القرآن؛ لكون القرآن معجز، وهذا ليس بمعجز، وكون القرآن يتعبد بتلاوته، وهذا لا يتعبد بتلاوته، وكون القرآن تعهد الله بحفظه، وهذا ليس كذلك، ولكون القرآن لا يجوز أن يقال، أو يروى بالمعنى، وهذا يجوز روايته بالمعنى بشرطه.

قال: كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فإنه لي كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام، ما معناه؟ بعض أهل العلم يقولون: كل عمل ابن آدم له يعني أن ذلك له حظ ونصيب يعود إليه؛ فيحصل به شيئًا مع أجر الآخرة، ولهذا هذه الأعمال الظاهرة يحصل بها كمال العدالة والمروءة، ويكون الإنسان بذلك محققًا لهذه المعاني مثلاً، ولهذا ذكر الشاطبي -رحمه الله- في الكلام على التشريك في النيات[4] ما الحكم لو أن أحدًا يصلي في المسجد مع الجماعة، وهي واجبة من أجل طبعًا طاعة الله واستجابة لأمره، وأيضًا لتحقيق عدالته؛ لأنه إن لم يأت إلى المسجد؛ فإنها لا تقبل شهادته، ولا تكون له عدالة، ولا يكون بذلك كمال مروءته، وما شابه ذلك، فلو أن أحدًا أراد أن يحقق هذه المعاني مع طاعة الله فما الحكم؟

الجواب لا إشكال في هذا؛ لأنها مطالب صحيحة، ليس ذلك هو الرياء والسمعة، ذاك لا يجوز لأن يطلب منه لا قليل ولا كثير، أعني الرياء والسمعة، ولكن هذه مطالب شرعية، يعني يجب على الإنسان أن يعمل ما تتحقق به عدالته، ما يكون الإنسان -نسأل الله العافية- خارج عن هذا.

فالشاهد: أن من أهل العلم من يقول: إن العبادات الظاهرة تحصل بها للإنسان، تتحقق عدالته، والناس يعتبرونه إنسانًا سويًا، وإنسانًا مستقيمًا، وإنسانًا ثقة، وإنسانًا مأمونًا، ونحو ذلك، في هذه الأمور الظاهرة، أما الصوم، فلو كان يصوم الدهر -مع أنه لا يشرع صوم الدهر- لا يشعر به أحد، لا يدري عنه أحد، لكن الناس إذا كانوا يرونه يأتي الجمع والجماعات، ويرون هذا الإنسان يحج، ويخرج الزكاة، ولهذا قالوا في الزكاة: بأنها الأفضل أن تخرج علنًا، لا تكون سرًا، وذكروا أسبابًا منها هذا السبب.

فالشاهد: أن من أهل العلم من فسره بهذا كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي هي في الواقع الأعمال الصالحة الأخرى هي لله لكن يرجع منها شيء له، للإنسان حظ ونصيب في الدنيا غير الرياء والسمعة؛ لأن ذلك لا يجوز الالتفات إليه، وإلا كان مبطلاً للعمل، لو أن هذا الإنسان يقوم على رعاية الأرامل، والأيتام، والمساكين، والفقراء لله، ما الذي يحصل له في الدنيا؟

محبة الناس، إقبال القلوب عليه، دعاء الناس له، وما أشبه ذلك، لكن إذا كان يصوم، لا يشعر به أحد إلا الصيام فإنه لي، وأنا أجزي به هذا معناه أنه يجزي به جزاء لا يجزيه على سائر الأعمال، ثم قال: والصيام جنة جنة يعني وقاية، فهذه أصل هذه المادة الجيم والنون، جن جنن، هذه أصلها تدل على معنى الستر منه الجنين، والجن، فالصوم جنة يعني وقاية، مثل الترس، يقي، يستر صاحبه من ضرب النبال والسهام، وما أشبه ذلك، يقال له: جنة، فالصوم جنة، جنة من ماذا؟

جاء مصرحًا في بعض رواياته: جنة، وحصن حصين من النار[5] في بعض الروايات: جنة من النار[6] إذًا هو ترس يقي الإنسان من النار الله يقول: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الإنسان في العادة إذا جاءه خطر، أو جاءه شيء، أو دهمه أمر؛ فإنه يتقيه بيديه، أما في النار -فنسأل الله العافية- أهل النار يكونون قد قيدت أيديهم، وأرجلهم بالسلاسل، وغلت أعناقهم، فهو لا يجد ما يتقي به حر النار إلا الوجه، الذي هو أشرف الأعضاء.

فهنا الصوم جنة، يقيه، حرز من النار كما جاء مصرحًا به في الحديث، فهذا أعظم مطالبه، وآثاره، ونتائجه، ويمكن أن يقال أيضًا: الصوم جنة، بمعنى لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ هو جنة من المعاصي، ومن ثم هو جنة من النار، هو جنة من كل ما لا يليق؛ لأن الإنسان حينما يصوم يجوع بطنه؛ تشبع جوارحه، فلا تمتد إلى ما حرم الله .

الصوم يورث التقوى، فالتقوى تكون حائلة بين الإنسان ومساخط الله ، أي الأسباب التي تؤدي إلى النار، الصوم جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم، وفي بعض الروايات: الصوم جنة، وحصن حصين من النار[7] وفي بعضها: ما لم يخرقه بالغيبة[8] فدل على أن هذا الترس يمكن أن يخرق، يخرق بالغيبة، ويؤثر فيه أيضًا ألوان المعاصي -كما سيأتي في النهي عن الرفث إلى آخره-.

فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب الله المستعان، الرفث ما معناه؟ الرفث أصله يقال للجماع، وما يحتف به من مقدماته العملية والقولية، يعني الكلام في مثل هذه القضايا ما جاء في الحج مثلاً فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ لا يجامع، ولا يكون لون من ألوان الاستمتاع من مقدمات الجماع، فهي رفث، وإن كان أصله الجماع، وكذلك ما يقال في هذا الشأن، وقد جاء عن ابن عباس ما يدل على تخصيصه في الحج بحضرة النساء[9] الحديث عن الجماع، ومقدماته بحضرة النساء، ثم صار يقال الرفث لكل فحش، الكلام الفاحش، الكلام السيئ، الكلام البذيء، كل ذلك يقال له: رفث، فالإنسان لا يتكلم بمثل هذه القضايا، ولا يكتبها برسالة جوال، أو غير ذلك.

فلا يرفث، ولا يصخب والصخب: رفع الأصوات، يصخب في شجار، خصومة، يصخب في الأسواق، يرفع صوته، الصائم يكون في حال من الهدوء والوقار والسكينة، فإن سابه أحد أو قاتله، يعني إن وجدت السبب فليقل إني صائم هل يقول لغيره، أو يقول ذلك في نفسه لكفها؟

بعض أهل العلم يقول: ظاهره أنه يقول لغيره، طيب إذا كان في غير الفرض؟ في الفرض لا إشكال، يقول: إني صائم، لكن في النافلة، قالوا: وهذا خلاف إخفاء العمل، ستر العمل، الصوم لا يطلع عليه أحد، فكيف يقول: إني صائم؟

قالوا في هذا المقام يستثنى، ويصحح نيته، لا يقصد بذلك الرياء والسمعة، وبعض أهل العلم يقول: فليقل إني صائم يقوله لنفسه لزجرها وكفها، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، خلوف، وبعضهم ضبطه بالفتح لخلوف، وهو تغير رائحة الفم، بسبب الصوم، هذا الشيء الذي لا يستحسن لدى الناس يكون عند الله أطيب من ريح المسك المسك أطيب الطيب [10] كما جاء عن النبي ﷺ فهنا ذكر الأعلى، أطيب من ريح المسك عند الله، هل هذا في الدنيا؟ يعني الآن عند الله أطيب من ريح المسك، أو أن ذلك في اليوم الآخر، كدم الشهيد فإنه يأتي اللون لون الدم، والريح ريح المسك، بعض أهل العلم يقول: هذا في الآخرة، تتحول هذه الرائحة، فيأتي الصائمون بهذه الصفة، كما يأتي الشهداء بدمائهم، والرائحة رائحة الدم، كرائحة المسك.

الجمهور عامة أهل العلم أطيب عند الله الآن، وليس عند الناس[11] بمعنى أن لا أحد يفهم أن المقصود أن من قبل صومه، أو صح صومه، أو كان مخلصًا أن رائحة الفم، الخلوف أنها تكون الآن في الدنيا عند الناس أطيب من ريح المسك، لا، لم يفهم هذا أحد، وإنما المقصود عند الله -تبارك وتعالى- وإن كانت عند الناس بخلاف ذلك.

للصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر؛ فرح بفطره... بعض أهل العلم قال: يفرح بفطره أنه أتم الطاعة، ووفق إليها، ما يفرح بالأكل، أنه أكل اليوم، وبعضهم يقول: يفرح أنه حصلت له ساعات الفطر؛ فينقضي العطش، والجوع، وكل ذلك متحقق، الواقع أن المؤمن يفرح بأن الله وفقه لصوم يوم، ويفرح أيضًا بفطره؛ لانقضاء التعب، والعطش، والجوع، وما أشبه هذا، فكله صحيح، فهي فرحة ذكرها النبي ﷺ- ولم يحدد ذلك، ولم يقيده.

إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه[12] متفق عليه، فرح بصومه، لاحظ، كما نفرح الآن بالفطر، فالفرح عند الله أعظم بالصوم، مع ما فيه من مشقة، إلا أن العبرة أيها الأحبة بالعواقب، وهذا التعب الذي نلقاه من الصوم بمجرد ما يفطر الإنسان ينتهي كل شيء، تبقى ذكرى، بل حتى هذه الذكرى ينساها، لو الإنسان حاول أن يستحضر الأيام التي صامها في العمر من أيام التطوع، ونحو ذلك ربما ما يستحضر، فيذهب تعبها، ويبقى أجرها.

وكثير من الناس يتوهم أن للصائم دعوة مستجابة، أو دعوتان، أو دعوة مستجابة عند فطره، هذا جاء في بعض الروايات لكنها ضعيفة[13] لا يصح شيء في أن للصائم دعوة عند الفطر مستجابة، فلا حاجة أن يتحرى الإنسان الدعاء عند الفطر، وإنما للصائم دعوة مستجابة في كل وقت، فأحسن ما يكون هذا متى؟

حينما يجتمع الصيام مع السجود، أو بين الآذان والإقامة، أو عند الآذان، فهذه أوقات، أو في أي وقت من الأوقات وهو صائم، فله دعوة مستجابة يحرص عليها قال: وفي رواية للبخاري: يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي[14] يعني هذا كأنه تفسير لقوله: إلا الصيام فإنه لي، وأنا أجزي به لي؛ لأنه يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، ولهذا اختص الصيام بهذه القضية، يترك رؤوس الشهوات التي هي الطعام والشراب والجماع، يتركها لله -تبارك وتعالى- مع أنه لا يطلع أحد على ذلك، قال: الصيام لي، وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها[15] هذا في الأعمال الصالحة عمومًا، وفي رواية: كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به[16] معناه أنه أكثر من سبعمائة ضعف، أنه لا يحد بهذا المقدار، أما باقي الأعمال فإنها إلى سبعمائة ضعف، بحسب ما يقوم بالعبد من الإخبات، والإخلاص، وتطامن النفس فلا يقوم بالعمل كأنه مقدم لله شيء يمتن به على ربه -تبارك وتعالى- بحسب الزمان، الزمان الشريف، كالإثنين والخميس، عشر ذي الحجة، رمضان، كذلك في المكان الشريف، فالحرم غير الأماكن الأخرى، طول اليوم، الاحتساب، احتساب الأجر، الناس يتفاوتون في الاحتساب، بعض الناس: أف، الله يعين، دخل رمضان، ليته الليلة ما يدخل الشهر، ليت شعبان يكتمل ثلاثين، فإذا قيل له: دخل الشهر؛ تأفف، فهذا، أين هو، وأين الاحتساب؟ أين هذا من الاحتساب؟

فالناس يتفاوتون كما أن المصلين يتفاوتون، كما أن المتصدقين يتفاوتون، كذلك أهل الصيام، فيزيد على سبعمائة ضعف، لا يحد، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، الحديث، فأسأل الله أن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام، وأن يغفر لنا ولوالدينا ولإخواننا المسلمين، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب: هل يقول إني صائم إذا شتم، برقم (1904).
  2. أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب فضل الصوم، برقم (1894).
  3. أخرجه مسلم، كتاب الصيام، باب فضل الصيام، برقم (1151).
  4. انظر: الموافقات، للشاطبي (2/345).
  5. أخرجه أحمد في مسنده، برقم (9224)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير، برقم (3877).
  6. أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الصيام، باب ما جاء في فضل الصيام، برقم (1639)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير، برقم (3877).
  7. أخرجه أحمد في مسنده، برقم (9224)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير، برقم (3877).
  8. أخرجه الدارمي في سننه، كتاب الصوم، باب الصائم يغتاب فيخرق صومه، برقم (1773)، وقال محققه: إسناده حسن.
  9. انظر: معالم التنزيل في تفسير القرآن، للبغوي (1/251).
  10. أخرجه مسلم، كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، باب استعمال المسك وأنه أطيب الطيب وكراهة رد الريحان والطيب، برقم (2252).
  11. انظر: مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، للمباركفوري (6/409).
  12. أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب: هل يقول إني صائم إذا شتم، برقم (1904) ومسلم، كتاب الصيام، باب فضل الصيام، برقم (1151).
  13. أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الصيام، باب في الصائم لا ترد دعوته، برقم (1753)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير، برقم (1965).
  14. أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب فضل الصوم، برقم (1894).
  15. أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب فضل الصوم، برقم (1894).
  16. أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب ما يذكر في المسك، برقم (5927)، ومسلم، كتاب الصيام، باب فضل الصيام، برقم (1151).

مواد ذات صلة