الإثنين 23 / شعبان / 1445 - 04 / مارس 2024
حديث «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك..»
مرات الإستماع: 0

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعدُ:

فمما أورد المصنف -رحمه الله- في باب فضل الذكر مما يقال قبل السلام: ما جاء عن معاذ أن رسول الله ﷺ أخذ بيده، وقال: يا معاذ، والله إني لأحبك فقال: أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك[1]، رواه أبو داود بإسناد صحيح.

قوله: "أن رسول الله ﷺ أخذ بيده" هذا لا شك أنه يدل على مزيد عناية، وأيضًا يكون فيه من تهيؤ المخاطب وحضور قلبه ما لا يكون بغيره.

"وقال: يا معاذ والله إني لأحبك" فالأولى مقدمة عملية، والثانية مقدمة قولية "أخذ بيده" والثانية قال له: والله إني لأحبك والنبي ﷺ أصدق الخلق، ومع ذلك يحلف له أنه يحبه والله إني فجاء بحرف القسم الواو، والمقسم به، و(إني) التي تدل على التوكيد، ولام القسم الداخلة على الجواب، كل هذه مما يقوي القسم، والمحب لا شك أنه سينصح للمحبوب، وسيمحض له النصيحة، والأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- قد جمعوا الأوصاف الأربع التي يحصل بها الكمال في النصح، فهم لا ينقصهم البيان أعظم الناس بيانًا، والأمر الثاني: أنهم أعظم حرصًا على مصلحة المنصوح، وشفقة عليه، والثالث: أنهم أعظم صدقًا، ولا شك أن الصدق له أثر بالغ في وصول النصح إلى القلوب، ومجاوزة الأسماع، وينضاف إلى ذلك أنهم -عليهم الصلاة والسلام- أكمل الخلق علمًا ومعرفة، فإذا وجدت هذه الأوصاف الأربع كان الناصح غاية في الكمال.

فالشاهد: أن النبي ﷺ قال له: أوصيك يا معاذ والوصية هي الطلب، طلب الفعل، أو طلب الترك المؤكد، تقول: فلان أوصي بكذا، فلان أوصى أهله، فلان أوصى أولاده يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ [النساء:11].

أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة وعرفنا أن دبر الصلاة تارة يقال لما قبل السلام، وتارة يقال لما بعد السلام، وفي هذا المقام من أهل العلم من حمله على ما قبل السلام، كشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-[2]، وأن ابن القيم -رحمه الله- راجعه في هذا، ولكنه بقي على قوله، ورأيه أن ذلك قبل السلام، وعلل ذلك بما سبق من أن الدعاء إنما يكون قبل السلام لا بعده أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة وذلك بعد التشهد والصلاة على النبي ﷺ والاستعاذة من الأربع، والمقصود هنا هل هو الصلاة المكتوبة، أو كل صلاة؟ الذي يظهر -والله أعلم- أن ذلك يقال في كل صلاة لا إشكال، ولا يختص بالمكتوبة، وليس هناك دليل يدل على أن ذلك إنما يقال في المكتوبة، فكما يستعيذ الإنسان من أربع قبل السلام، وهكذا حينما يدعو الإنسان، والنبي ﷺ قال: ثم يتخير من الدعاء أعجبه[3]، يعني: بعد الصلاة على النبي ﷺ.

قال: تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك هذه ثلاثة أشياء، فالذكر والشكر كما يقول ابن القيم -رحمه الله-: عليهما تدور قاعدة الدين، وأن مطالب الخلق ترجع إلى هذين الأمرين، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أن هذا الدعاء أنه أجمع الدعاء وأنفعه، وبيّن الحافظ ابن القيم -رحمه الله- في عدد من كتبه: كالفوائد، والوابل الصيب، وغير ذلك معاني يمكن أن تبين هذا المراد، وذلك أن الإنسان إذا أعين على ذكر الله ، فإن الذكر هنا يتضمن ذكره بكلامه، وهو القرآن، كما يتضمن أيضًا ذكره بالقلب كاستحضار عظمته ومراقبته، والخوف منه، ومحبته، والتوكل عليه، ورجاءه؛ إلى غير ذلك من أعمال القلوب.

وأعظم هذا الذكر الذكر بالإيمان والتوحيد، كما يتضمن هذا الذكر أيضًا ذكره باللسان، بأن يلهج بذكر الله بالحمد والثناء، ويتضمن أيضًا ذكره بالجوارح بألوان الأعمال الصالحة، فإذا أعين العبد على ذكر الله ، فإن ذلك يعني: أنه أعين على تحقيق العبودية بأقسامها وفروعها مما يتصل بالقلب واللسان والجوارح، وأما الشكر فإن شكر الله -تبارك وتعالى- أيضًا يتضمن شكره بالقلب باستحضار نعمه وآلائه الظاهرة والباطنة، كما يتضمن شكره باللسان أن يشكره دائمًا، وأن يلهج بشكره، والثناء عليه، وحمده كما يتضمن أيضًا شكره بالجوارح بإعمال هذه الجوارح والنعم التي أفضاها الله عليه بما يرضيه فهو في ذكر دائم وشكر، فهذه الأعمال التي يوفق إليها هي نعم من الله تستوجب مزيدًا من شكره، وعبادته، والتقرب إليه، فإذا أعين الإنسان على هذا وهذا الذكر والشكر، فالدين أو التدين أو العبادة والاستقامة يرجع إلى: الذكر والشكر، الإنسان بين ذكر وشكر، إما أن يقوم بالعبادات ابتداء، وإما أن يكون ذلك شكرًا لنعم الله التي لا تحصى ولا تعد، فهو بين ذكر وشكر يعان على الذكر فيشكر بقلبه ولسانه وجوارحه، وبهذا يكون تحقيق العبودية، فإذا ارتقى مرتبة بإحسان ذلك بأن قام بهذه الوظائف والأعمال والعبودية، كأنه يرى الله ، فإن لم يكن يراه فإن الله يراه، استحضر هذا المعنى، فهذه مرتبة الإحسان، وهي أعلى المراتب، وهي التي من أجلها ابتلى الله الخلق، كما قال الله : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:2] فخلق الموت والحياة من أجل الابتلاء في إحسان العمل، فهذا هو المطلوب الأعظم، والمقصود الأكبر أن يصل الإنسان إلى هذه المرتبة، إذا المراتب ثلاث:

الإسلام، وهو إسلام الظاهر.

والإيمان وهو انقياد الباطن وإقراره.

والثالثة: أن يصل إلى مرتبة لا يقف عند الإذعان إذعان الباطن، وإقرار القلب، بل يصل إلى مرتبة يصير بها كأنه يرى الله فهنا تصير أحوال العبد وحركاته وسكناته كلها في غاية الأدب، مع الله في حال الخلوة والجلوة إذا كان الإنسان أمام المخلوقين يتأدب، ولربما يحسب حسابه في كل حركاته وسكناته وتصرفاته، وإذا كان من يقف أمامهم من المخلوقين ممن يعظمهم، فإن ذلك يكون أكثر وأبلغ ولربما كان الإنسان لا يحرك أو لا يكاد يحرك طرفه أمام مخلوق تأدبًا معه فكيف بالله -تبارك وتعالى-؟ فإذا استحضرنا هذا المعنى إذا وصلنا إلى مرتبة الإحسان فهنا تكون أحوال العبد في السر، وأحوال العبد في العلانية على حال، سواء يكون حاله في الباطن، وفي الظاهر على حال سواء من الاستقامة، فيراقب الحركات والسكنات والخواطر والإيرادات والمقاصد لا يزين ظاهره ويغفل عن باطنه، ولا يحسن ظهوره أمام المخلوقين، ولكنه في حال الخلوة يكون في حال لا يتأدب بها مع الله -جل جلاله وتقدست أسماؤه-، فهذه مرتبة عالية، من أهل العلم من جعلها واحدة أن العبد يستحضر هذا المعنى يعبد الله كأنه يراه ويستشعر أنه إن لم يكن يرى الله، فإن الله يراه، وبعضهم جعل الإحسان على مرتبتين أعلاها أن يتعبد كأنه يرى الله، والثانية دونها، وهي أنه إن لم يصل إلى هذه على الأقل يستشعر أن الله ينظر إليه، وأن الله يراه، وإذا كان العبد بهذه الحال صار له الاستسلام الكامل والإذعان الكامل الاستحياء من الله حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى[4]، وحفظ الجوارح، وصار لا يتكلم إلا بما يجمل ويزين؛ لأن الله يسمع ويرى، ولا ينظر إلا إلى ما يحسن ويجمل؛ لأن الله يراه، ولا يمشي، ولا يأخذ ولا يعطي، إلا حيث يرضى الله عن أخذه وعطائه ومزاولاته وتصرفاته هذه مراتب عالية.

فإذا أعين الإنسان على هذا هذه الثلاث، فقد بلغ أرقى مراتب العبودية، والإنسان أحيانًا يفكر كثيرًا في أجمع الأدعية، وقد يرجع إلى هذا، يحاول الإنسان أن يستحضر أجمع الدعاء فيقوله دائمًا، ولكنه قد يرجع إلى هذا، وكما ذكرت لكم كلام شيخ الإسلام لما تأمل أنفع الدعاء وأجمع الدعاء وجده في هذا.

وظاهر كلام ابن القيم وإن لم يصرح بذلك مع نقله كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- إلا أن كلامه يدور عليه؛ لأنه يقول: أن قاعدة الدين ترجع إلى هذين أن يعان الإنسان على الذكر والشكر، والدين كله يرجع إلى الذكر والشكر، فإذا أعين الإنسان عليهما فقد بلغ المراتب العالية، لا أريد أن أطيل، لعل هذا يكفي.

والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه أبو داود في باب تفريع أبواب الوتر، باب في الاستغفار برقم (1522) وصححه الألباني.
  2. الفتاوى الكبرى لابن تيمية (2/210).
  3. أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد وليس بواجب برقم (835).
  4. أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- برقم (2458) وحسنه الألباني.

مواد ذات صلة