الجمعة 13 / شعبان / 1445 - 23 / فبراير 2024
الحديث عن آيات الباب (1-2)، حديث "لعن رسول الله آكل الربا وموكله"
مرات الإستماع: 0

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فلا زال الحديث أيها الأحبة متصلاً بباب تغليظ تحريم الربا، وقد مضى الكلام على قوله -تبارك وتعالى-: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ۝ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ.

مضى الكلام على هاتين الآيتين، وقد ذكرهما الله بعد كلام طويل، وآيات كثيرة، تتصل بالإنفاق في سبيل الله، فذكر أضداد هؤلاء، وهم هؤلاء من أهل الجشع، الذين يستغلون حاجة الناس، وتأملوا ما ذكره الله بعد ذلك، ذكر أيضًا أضاد هؤلاء المرابين إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.

فذكر هذه الآية في ثنايا الكلام على الربا، ثم عاد الكلام إلى الربا مرة أخرى فخاطب الله أهل الإيمان بعدما ذكر صفة المرابين يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ خاطبهم باسم الإيمان، فإن إيمانهم يقتضي الاستجابة لله والامتناع، والكف عن تعاطي الربا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ثم أمرهم بالتقوى التي تحجز صاحبها عن مواقعة ما لا يليق، وتحمله على طاعة ربه، ومالكه اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ما بقي من الربا يعني حينما نزلت الآية، كانت لهم أموال يطالبون بها غيرهم، وهي أموال ربوية، فقال بعدما قرر فيما سبق: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ.

وقال لهم أيضًا: فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ هذا ما مضى ما أخذه، طيب وما بقي؟ هنا قال: اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا ما سلف عفا الله عنه، وبينا حكم ذلك في أحوال شتى، من لم يبلغه الحكم، من أسلم عند نزول هذه الآيات، من كان عالمًا بها، ولكنه كان يخالف مقتضاها، ثم تاب، وأحكام هؤلاء.

على كل حال، فالله يخاطب أهل الإيمان بهذا الخطاب الذي لا يسعهم مخالفته اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ومفهوم المخالفة أنهم إن لم يفعلوا ذلك فهذا يدل على أنهم ليسوا كما ينبغي في أمر الإيمان إن كنتم مؤمنين حقًا كما يقول الرجل لأولاده: إن كنت ابني فافعل كذا، وتقول للرجل من أجل حثه على الفعل: إن كنت ابن الكرام فافعل كذا وكذا، وهذا كثير في القرآن إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فإن إيمانكم يقتضي ترك الربا فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا لم تتركوا ما بقي من الربا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أعلمهم بالحرب، والله -تبارك وتعالى- لم يعلم بالحرب أحدًا في القرآن سوى أهل الربا.

وقد جاء في الحديث القدسي: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب[1] فصار الذين آذنهم الله -تبارك وتعالى- بالحرب هم أهل الربا في كلام الله -تبارك وتعالى- وهو في القرآن، وفي كلامه الآخر الذي هو الحديث القدسي أولئك الذين يعادون أولياء الله -تبارك وتعالى-.

فهنا إذا آذن الله عبدًا بالحرب فما ظنكم هل يوفق؟ يسدد؟ يستجاب دعاؤه؟ يسلك طريقًا فيجد فيها بغيته، وطليبته، هذا لا يمكن أن يحصل له مطلوبه، فإن حصل فذلك على سبيل الاستدراج؛ لأن الله يحاربه، ومن كان محاربًا لله فماذا حصل، وماذا أبقى، وماذا جنى، وماذا اكتسب؟

من أجل هذه الأموال من الربا يتحمل هذا العبء العظيم، والنتيجة التي لا يمكن للإنسان أن يقف معها، وأن يثبت عندها، أن يكون محاربًا لله وأن يعلن الله عليه الحرب، فقد آذنته بالحرب، أعلمته بالحرب، فالله حرب له، فهذا أمر عظيم، هائل كيف يجترئ المجترئ على الله، وعلى الربا، ثم يكون بهذه المثابة فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ فهذه موعظة من الله -تبارك وتعالى- بليغة.

ثم بين أحوال هؤلاء الذين أقرضهم هذا المرابي، وهو يطلب منهم الوفاء، وقد حرم الله عليهم وعليه الربا، فقال: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ يعني هذا الذي تطالبون، وقد أقرضتموه، وكنتم تقولون له قبل ذلك: إما أن تقضي، وإما أن تربي وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فعلمهم المنهج الصحيح في التعامل الشرعي وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة يعني فإنظار، فأنظروه، فأمهلوه إلى وقت اليسر، حيث يكون واجدًا فيفي، ويقضي دينه فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.

وَأَنْ تَصَدَّقُوا يشمل الأقوال التي يقولها السلف، تصدق بالمال كله، تقول له: اذهب أنت في حل، ويدخل فيه أيضًا أن يتصدق ببعضه، كأن يقول: أضع عنك كذا، أضع عنك النصف خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.

هذا في المقاييس البحتة أيها الأحبة عند المرابين، وعند الجشعين يعتبرونه خسارة، وإذا اضطر بشفاعات، ووساطات، وقيل له: هذا الإنسان مفلس، لا يستطيع أن يعطيك إلا بعض الحق، فاقبل بالنصف، وهو يشعر أنه مغرم، ويتذكر هذا دائمًا، ويتنغص، ويحزن، ويذكره، ويردده لربما كثيرًا في مجالسه، والله يقول: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.

فهذه معاني إذا آمن بها العبد، واستيقنها حصل له الاسترواح، ولم تذهب نفسه حسرات على أموال تذهب هنا، وهناك، وديون لربما أعسر أصحابها، وما إلى ذلك.

ثم ذكر بعد ذلك، قال: وأما الأحاديث فكثيرة في الصحيح مشهورة، منها: حديث أبي هريرة السابق في الباب قبله، لما ذكر النبي ﷺ السبع الموبقات، وذكر منها أكل الربا[2].

وذكر حديث ابن مسعود قال: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله، رواه مسلم[3] زاد الترمذي، وغيره، وشاهديه، وكاتبه[4]، كل هؤلاء مشتركون في اللعن؛ لأنهم متعاونون عليه، مشتركون في هذه الجريمة فآكل الربا هو الذي يأخذ، وموكله هو الذي يعطي، قال له: أنا أقرضك اثنين ونصف بالمائة الزيادة، هذه هي الربا، فهذا المقرض هو آكل للربا، وذاك الذي يدفع له هو موكل الربا، فكلاهما في اللعن سواء.

ويدخل في ذلك الكاتب بينهما، ويدخل في ذلك الشهود، فالكاتب هو الذي يكتب في الكمبيوتر، الذي يكتب في ورقة، هو الذي يسجل هذه المعاملة، كل هؤلاء داخلون في هذا اللعن -نسأل الله العافية- أن يبيع الإنسان آخرته، ويتعرض للعنة الله من أجل عرض من الدنيا زائل، وهذا الإنسان الذي يعمل في هذا البنك، الذي يتعامل بالربا لربما يقول: ما وجدت عملاً، ما وجدت مكانًا، بحثت فلم أجد، يقال: هذا ليس بعذر، والله -تبارك وتعالى- يقول: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ.

وأهل السنة كما هو معروف من اعتقادهم أن الرزق ما يحصل للإنسان من الحلال والحرام، ولكنه لا يجوز له أن يأكل الحرام، فإن صبر؛ جاءه رزقه الذي كتب له بالحلال، وحينما كان في بطن أمه، وتم له أربعة أشهر؛ بعث إليه الملك، فأمر بأربع كلمات منها: رزقه[5]، الأجل، والرزق، والعمل: شقي أو سعيد.

فالرزق يطارده كما يطارده الأجل، لا يمكن أن ينقص من رزق الإنسان قليل، ولا كثير، ولا حبة واحدة، كل ما كتب له سيأتيه، لا يمكن، فإن صبر؛ جاءه بطريق الحلال، وإن استعجل؛ أخذه بطريق الحرام، وما ذهب، وفات فلا داعي على تقضي النفس عليه حسرات، حصلت لي فرصة، وما قيل لي ذلك الحين اشتر هذه الأرض بمائة وسبعين ألف، والآن تباع بمليون وسبعمائة ألف، هي ذهبت عليّ، ما أخذتها، ما كان عندي تدبير، ولا كنت أفكر، ولا كنت أتوقع.

يقال له: لا ذهبت عليك، ولا ما ذهبت عليك، ولا تحتاج إلى تدبير، ولا إلى دهاء، هذه ما كتبت لك أصلاً، فلا يمكن لو كان عندك بعد نظر، وتخطيط، وفريق ألف من المستشارين، من حذاق التجارة، هذه ما كتبت لك معناه أنها لن تأتي أبدًا، فلا داعي للإنسان، فالرزق مكتوب، وكون الإنسان يقول: لا، أنا سأستعجل، الآن أريد أن آخذ هذا العمل، وهذه الوظيفة، يأتيني فيها راتب، عشرة آلاف، أو أقل، أو أكثر.

يقال: أبدًا إن صبرت، وكانت مكتوبة لك ستأتيك بالحلال، ثق بهذا تمامًا وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وكم قيلت هذه الكلمة، ثم سمعناهم يرجعون، ويقولون، أو يرسلون، أو يتصلون، يقولون: سبحان الله، تركنا هذا ففتح الله لنا ما هو خير، ولكنه كان ابتلاء.

فأسأل الله أن يغنينا وإياكم بحلاله عن حرامه، وبطاعته عن معصيته، وبفضله عمن سواه، والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع، برقم (6502).
  2. أخرجه البخاري، كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا، إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء:10]، برقم (2766)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، برقم (89).
  3. أخرجه مسلم، كتاب المساقاة، باب لعن آكل الربا ومؤكله، برقم (1597).
  4. أخرجه الترمذي في سننه، أبواب البيوع، باب ما جاء في أكل الربا، برقم (1206)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (5090).
  5. أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، برقم (3208)، ومسلم، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته، برقم (2643).

مواد ذات صلة