الخميس 12 / ربيع الأوّل / 1442 - 29 / أكتوبر 2020
(214) دعاء الكرب " اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت "
تاريخ النشر: ٠١ / ذو الحجة / ١٤٣٥
التحميل: 2212
مرات الإستماع: 4896

الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.

أما بعد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته،

مما أورده المؤلفُ فيما يتَّصل بدُعاء الكرب: ما جاء عن أبي بكرة قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: دعوات المكروب: اللهم رحمتَك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفةَ عينٍ، وأصلح لي شأني كلّه، لا إله إلا أنت. هذا الحديث أخرجه أبو داود[1]، والنَّسائي[2]، وصححه عبدالحقِّ الإشبيلي[3]، وقال المنذري: "إسناده صحيحٌ، أو حسنٌ، أو ما قاربهما"[4]، وحسَّنه أيضًا جماعةٌ: كالهيثمي[5]، والحافظ ابن حجر[6]، والشيخ ناصر الدِّين الألباني[7] -رحم الله الجميع-، وصححه السيوطي[8].

قوله: دعوات المكروب عرفنا أنَّ الكربَ هو شدّة الهمِّ والغمِّ إذا تعاظم ذلك، وقيل لهذا الذكر: دعاء؛ لأنَّه -كما سبق- أنَّ الذكر يُقال له: دعاء، والإنسان حينما يقول ذلك فهو يطلب دفع الغمِّ، فيكون سائلًا داعيًا بهذا.

اللهم رحمتَك أرجو لم يقل: أرجو رحمتَك، فتقديم ما حقّه التَّأخير يُشعر بالحصر، يعني: لا أرجو إلا رحمتك، فيدلّ على هذا المعنى، أو الاختصاص، يعني: نخصُّك برجاء الرحمة منك، فلا نرجوها من أحدٍ سواك، وهذه الرحمة تشمل الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن رحمة الله -تبارك وتعالى- بالعبد أن يُجيب دُعاءه، ويُعطيه سُؤله، ومن رحمته -تبارك وتعالى- أن يرفع عنه الضّر والغمَّ والحزن والألم، وما إلى ذلك.

 فلا تكلني إلى نفسي طرفةَ عينٍ لا تتركني فأضيع، ولا تتركني طرفةَ عينٍ، يعني: لحظة، لا تُفوِّض أمري إلى نفسي قدر ما يتحرك البصر: طرفة عين، وهذا يُعبّر به عن الزمان والوقت القليل جدًّا، فإنَّ العبدَ إذا وُكِلَ إلى نفسه ضاع.

ولاحظوا هنا أنَّه يُعلن عجزه، وأنَّ نفسَه لا تقدر على قضاء مطالبه وحوائجه، وعقَّب ذلك بالفاء: فلا تكلني، فهذه الفاء تدلّ على ترتيب ما بعدها على ما قبلها، يعني: كأنَّه يقول: أنا لا أتوجّه طالبًا الرحمة من أحدٍ سواك: فلا تكلني إذًا لا تكلني إلى نفسي طرفةَ عينٍ فأضيع، إلى مَن أتوجّه؟ أنا مُتوجّه إليك وحدك، وأطلب رحمتَك، وبناءً عليه: لا تكلني إلى نفسي طرفةَ عينٍ.

وهذا يلزم منه التَّفويض الكامل؛ تفويض جميع الأمور إلى الله -تبارك وتعالى-، كأنَّه يقول: فإذا فوضتُ أمري إليك فلا تكلني إلى نفسي؛ لأني لا أدري ما صلاح أمري، وما فساده، ربما زاولتُ أمرًا، واعتقدتُ أنَّ صلاح أمري في ذلك، فانقلب ضرًّا وفسادًا، وكانت عاقبتُه وخيمةً، وكذلك العجز: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [البقرة:216].

فالإنسان أحيانًا يجتهد في تحصيل أمرٍ، ويبذل الأسبابَ، فإذا فاته ربما يغتمّ، وهذا غير صحيحٍ، وإنما عليه أن يستخير الله -تبارك وتعالى-، فإنَّه لا يعلم ما في العواقب، وما تصير إليه الأمور، ومن ثم فهو بحاجةٍ إلى التَّفويض، فيبذل السَّبب ويستخير، فإن لم يُقدّر هذا الأمر فإنَّ نفسَه تكون راضيةً مُطمئنَّةً، لا يحصل له انزعاجٌ، ولو أنفق في سبيله الأموال، ولو أنفق الأوقات والجهود، فإنَّ ذلك خيرٌ له.

وهكذا قد ينصرف الإنسانُ عن أمرٍ ولا يعبأ به، ويزهد فيه غاية الزُّهد، ثم بعد ذلك يجد أنَّه يُساق إليه، هذا في أمور الناس كلِّها؛ فيما يتعلَّق بمصالحهم الدُّنيوية والدِّينية.

فنجد أنَّ الإنسان أحيانًا في بيعٍ أو شراءٍ –تجارة-، أو ما يتَّصل بتزوجٍ، أو نحو ذلك، يسعى سعيًا حثيثًا، ثم بعد ذلك يُصرَف عن هذا، ولو في آخر لحظةٍ، فلا ينبغي أن يسوء ظنُّه بربِّه -تبارك وتعالى-، أو أن يسوء ظنُّه بالناس؛ فيقول فيهم ما لا يحسن، ولا يجمل، إنما ينبغي أن يرجع إلى هذا المعنى: أنَّه ضعيفٌ قاصرُ النَّظر، لا يعلم عواقبَ الأمور، ويغتبط بما يسَّر اللهُ له، وما قدَّر عليه مما لا يدري ما عاقبته.

فهنا يقول: فلا تكلني إلى نفسي طرفةَ عينٍ، وأصلح لي شأني كلّه فهذا إظهارٌ لشدّة الافتقار، وأنَّ العبد لا غنى له عن ربِّه -تبارك وتعالى- طرفةَ عينٍ في كل شأنٍ من شؤونه؛ ولهذا قال: وأصلح لي شأني كله، معنى ذلك: أنَّه يطلب إصلاحَ القليل والكثير، حتى الأمور اليسيرة، فإنَّ هذه الأمور اليسيرة لا تتيسَّر إلا بتيسير الله ، وكم من أمرٍ يسيرٍ كانت فيه الحتوف، وكم من أمرٍ عظيمٍ ذُلِّل للعبد حتى صار يسيرًا.

ولما فرغ من خاصَّة نفسه، وأراد أن ينفي تفويضَ أمره إلى غير الله -تبارك وتعالى-، وأن يُثبت ذلك لله، قال هذه الجملة: وأصلح لي شأني كلّه، في البداية قال: لا تكلني إلى نفسي طرفةَ عينٍ، ثم توجّه إلى ربِّه؛ إذًا أصلح لي شأني كلّه لا يكله إلى نفسه طرفةَ عينٍ في قليلٍ ولا كثيرٍ، ثم يسأل ربَّه أن يُصلح له شأنه كلّه.

فهكذا ينبغي أن يكون المؤمنُ: أن يسأل إصلاح الشَّأن في كل جزئيةٍ من جزئياته، وفي كل جانبٍ من جوانب حياته.

ومن ثم شُرِعت لنا الاستخارة، وهذه الاستخارة لا تكون بالضَّرورة حينما يتردد الإنسانُ بين أمرين، وإنما إذا همَّ بالأمر فإنَّه يستخير؛ لأنَّه لا يعلم ما عاقبة هذا الأمر الذي قد همَّ به.

ثم ختم ذلك بكلمة التوحيد، هذه الكلمة العظيمة: لا إله إلا أنت

والتوحيد -أيّها الأحبّة- كما قال الحافظُ ابن القيم -رحمه الله-: هو ملجأ الطَّالبين، ومفزع الهاربين، ونجاة المكروبين، وغياث الملهوفين[9].

هذا التوحيد الذي هو إفراد المعبود بالوحدانية، والعبادة، وإفراده بالمحبَّة، والإجلال، والتَّعظيم، والذل، والخضوع، والخوف، والرَّجاء، وما إلى ذلك، فاشتمل هذا الذكرُ على ما يتَّصل بتحقيق الرَّجاء لمن الخير كلّه بيده، والاعتماد عليه وحده، وتفويض الأمر إليه، والتَّضرع إليه: أن يتولى صلاح شأنه، وألا يكله إلى نفسه طرفةَ عينٍ، فتوسّل إليه بتوحيده، فهذا التوحيد هو من أقوى ما يكون في دفع العِلل والأوصاب والأدواء.

وكذلك أيضًا ينبغي أن يكون مُلتجئًا إلى الله، مُفوِّضًا إليه، مُقبِلًا عليه، طالبًا منه أن يرفع عنه الغمَّ والكربَ والشِّدة، فإنَّه لا يقدر على ذلك إلا الله -تبارك وتعالى.

هكذا مَن أراد -أيّها الأحبّة- أن يتخلص من الشَّدائد والغموم والهموم والكروب، فإذا كان العبدُ أعظم توحيدًا وضراعةً إلى الله، ولجوءًا إليه، فإنَّ ذلك يكون أقرب إلى تخلي النفس والقلب من هذه الأدواء، فيستريح؛ ولذلك كان الموحِّد أشرح الناس صدرًا: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:125]، فهذا الضِّيق عن القبول -عن قبول الحقِّ- ضيقٌ يُلازمه -نسأل الله العافية-، فإنَّ له: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا [طه:124]، فلا تسأل عن ضيق صدره وحرجه، وما يعتري قلبَه من الغمِّ والهمِّ والحزن والكرب، ولو كان يعيش بين نِعَمٍ مُتدفقةٍ، فإنَّ ذلك لا معنى له.

وإذا أردتَ أن تُجرب هذا انظر إلى حالك؛ حينما تكون في حالٍ من الهمِّ والغمِّ، وبين يديك أطايب الطَّعام، فإن النفسَ لا تطلبه أبدًا، بل تنفر منه غاية النُّفور، وإذا أراد الإنسانُ أن يأكله فإنَّه لا يستسيغه، فالقضية ليست بوفور هذه اللَّذات الحسيَّة، وإنما بانشراح هذا الصَّدر، وهذا الانشراح لا يمكن أن يكون بعيدًا عن الله -تبارك وتعالى-.

وماذا يفعل العبدُ إذا كان شاردًا عن ربِّه -تبارك وتعالى-؟!

مهما ذهب إلى الأطباء، ومهما أعطوه من العقاقير، فإنَّ العلَّة تُلاحقه وتُلازمه، وهذا شيءٌ مُشاهَدٌ، وهذه النفوس لا تكون أدواؤها مُرتفعةً بعقاقير، كما يُفْعَل للعلل الحسيَّة الجسديَّة، بل تحتاج إلى شيءٍ آخر.

وهذا الإنسان الذي ضاق صدرُه بسبب بُعده عن ربِّه، هل يمكن أن ينشرح بعقاقير؟ لا يمكن، إنما هي مُسكنات، وما شابهها مدةً من الزمان، مع ما تُؤثره من الآثار التي لا تخفى.

فنسأل الله أن يشرح صدورنا، وأن يُيسر أمورنا، وأن يغفر ذنوبنا، وأن يرحم موتانا، وأن يشفي مرضانا، وأن يُصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، وأن يرفع الكربَ عن المكروبين من المسلمين، إنَّه سميعٌ مُجيبٌ.

اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما صليتَ إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنَّك حميدٌ مجيدٌ، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنَّك حميدٌ مجيدٌ.

 

  1. أخرجه أبو داود: كتاب الأدب، باب مَن يأخذ الشَّيء على المزاح، برقم (4426)، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع"، برقم (5700).
  2. أخرجه النَّسائي في "السنن الكبرى"، برقم (10486).
  3. "الأحكام الصغرى" (898)، أشار في المقدّمة إلى أنَّه صحيح الإسناد.
  4. "الترغيب والترهيب" (3/57).
  5. "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" (10/ 137).
  6. "نتائج الأفكار" لابن حجر (4/ 88).
  7. "صحيح الجامع"، برقم (5700).
  8. "الجامع الصغير من حديث البشير النذير" (1/ 400).
  9. "إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان" ط. المعرفة (2/ 135).

مواد ذات صلة