الثلاثاء 21 / ذو الحجة / 1441 - 11 / أغسطس 2020
[3] من قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} الآية:26 إلى قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} الآية:45
تاريخ النشر: ٢٧ / شوّال / ١٤٢٧
التحميل: 4013
مرات الإستماع: 13424

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر-رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى:

كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۝ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ ۝ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ۝ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [سورة الرحمن:26-30].

يخبر تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون ويموتون أجمعون، وكذلك أهل السموات، إلا من شاء الله، ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم؛ فإن الرب -تعالى وتقدس- لا يموت، بل هو الحي الذي لا يموت أبداً.

قال قتادة: أنبأ بما خلق، ثم أنبأ أن ذلك كله فان.

وفي الدعاء المأثور: يا حي، يا قيوم، يا بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت، برحمتك نستغيث، أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقك.

وقال الشعبي: إذا قرأت كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، فلا تسكت حتى تقرأ: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ.

وهذه الآية كقوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ [سورة القصص:88]، وقد نعت تعالى وجهه الكريم في هذه الآية الكريمة بأنه ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ أي: هو أهل أن يُجلّ فلا يعصى، وأن يطاع فلا يخالَف، كقوله: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [سورة الكهف:28]، وكقوله إخباراً عن المتصدقين: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ [سورة الإنسان:9].

قال ابن عباس -رضي الله عنهما: ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِذو العظمة والكبرياء.

ولما أخبر تعالى عن تساوي أهل الأرض كلهم في الوفاة، وأنهم سيصيرون إلى الدار الآخرة، فيحكم فيهم ذو الجلال والإكرام بحكمه العدل قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ، قوله: ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ عائد إلى وجه الرب -تبارك وتعالى- فهو موصوف بذلك، والحافظ ابن كثير -رحمه الله- يقول هنا: وقد نعت تعالى وجهه الكريم في هذه الآية بأنه ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ أي: هو أهل أن يُجلّ فلا يعصى وأن يطاع فلا يخالف، وهذا بمعنى أنه يكرم عن كل ما لا يليق به ، يجل عن ذلك ويعظم، وبعضهم فسره بأنه يُكرِم أولياءه ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ أي: الإكرام لأوليائه، وعباده المتقين، وفي قراءة ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذي الْجَلالِ وَالإكْرَامِفعلى هذه القراءة يكون ذي الْجَلالِ وَالإكْرَامِ عائداً إلى الرب -جل وعلا- فيكون ذلك تنزيهاً له عن كل ما لا يليق بجلاله وعظمته، فهو ذو العظمة والإكرام.

وقوله هنا في مناسبة ذِكر فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ بعد الفناء أن هذه الآية تتعلق بما قبلها وليس تكراراً محضاً، ووجه الارتباط أو وجه تعقيب الآيات السابقة بهذه الآية ظاهر حينما يذكر أموراً من نعمه -تبارك وتعالى: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ۝ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ [سورة الرحمن:19، 20]، فيعقب بقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ووجه ذكر ذلك بعد ذكر الفناء للخلق ووجه النعمة هنا فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ، بأي نعم ربكما تكذبان؟

أجاب عنه الحافظ ابن كثير -رحمه الله- هنا: لما أخبر تعالى عن تساوي أهل الأرض كلهم في الوفاة وأنهم سيصيرون إلى الدار الآخرة فيحكم فيهم ذو الجلال والإكرام بحكمه العدل عقب بهذا التعقيب، بمعنى أنه سوى بينهم في الموت، ويصيرون إلى الدار الآخرة جميعاً فيحكم بين الظالم والمظلوم فلا يبقى أهل الجدة والغنى والسعة والقوة والاقتدار أحياء، ويموت الفقراء، لا يموت الضعيف ويبقى القوي، الجميع سيموتون، وهذا يكون سبباً لانتقالهم إلى دار النعيم وسبباً إلى حكم الله الفصل العدل بينهم فيقتص للمظلوم من ظالمه، فهذا هو مراد ابن كثير -رحمه الله- ومن قال بهذا المعنى سوى بينهم في الموت.

ومن أهل العلم من قال: لأن الموت سبب للانتقال إلى الآخرة فيعدل بينهم، والحافظ ابن كثير -رحمه الله- جمع بين القولين، وعبر بهذه العبارة، يعني هذا الذي ذكره الحافظ ابن كثير -رحمه الله- هما وجهان للعلماء في تعليل ذكر هذه الآية بعد ذكر الوفاة، وهذه عادته -رحمه الله- في هذا الكتاب يعبر بعبارات ضافية تشمل ما قاله أهل العلم في كثير من المواضع.

وقوله: يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ وهذا إخبار عن غناه عما سواه وافتقار الخلائق إليه في جميع الآنات، وأنهم يسألونه بلسان حالهم وقالهم، وأنه كل يوم هو في شأن.

قال الأعمش، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ، قال: من شأنه أن يجيب داعيا، أو يعطي سائلا أو يفك عانيًا، أو يشفي سقيمًا.

يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ يدخل الجميع في هذا، لا يخرج من هذا أحد لا ملك ولا أحد، كلهم يسألونه، يتقربون إليه ويسألونه الحاجات فكلهم مفتقرون إليه كل الافتقار، وقوله: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ما ذكره هنا من المعنى صحيح، ويمكن أن تفسر بما جاء عن النبي ﷺ حينما سئل عن هذه الآية وهذا نص منه -عليه الصلاة والسلام- في التفسير، فذكر أن من شأنه أن يغفر ذنباً ويفرج كرباً ويرفع أقواما ويضع آخرين وهكذا ما ذكره كثير من أهل العلم، وبعضهم أطال في هذه الجمل: يفك أسيرا ويهلك ظالماً، ويطعم جائعاً، ويرد غائبا، ويخلق ويرزق.

سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ ۝ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ ۝ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ ۝ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [سورة الرحمن:31-36].

وقال ابن جريج: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أي: سنقضي لكم.

وقال البخاري: سنحاسبكم، لا يشغله شيء عن شيء، وهو معروف في كلام العرب، يقال: "لأتفرغن لك" وما به شغل، يقول: "لآخذنك على غِرَّتك".

قوله: سَنَفْرُغُ لَكُمْ وفى قراءة حمزة والكسائي بالياء المفتوحة وضم الراء "سيَفرُغ"، والمتبادر إلى الأذهان أن الفراغ يكون بعد شغل والله لا يشغله شيء عن شيء، ولذلك احتاج العلماء -رحمهم الله- إلى بيان وجه هذه العبارة هنا سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ، الفراغ في كلام العرب يأتي بمعنيين:

يأتي بمعنى الفراغ من شغل، تقول مثلا: "سأتفرغ لهذا العمل في الأجازة".

ويأتي بمعنى القصد تقول: "سأفرغ له" أي سأقصد سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ أي: سنقصد محاسبتكم، ولهذا فسره كثير من أهل اللغة والمعاني -معاني القرآن- هنا بالقصد، أي نقصد لحسابكم، نحاسبكم سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ، وهذه الكلمة قد تكون مضمنة أيضاً معنى التهديد، تقول لغيرك: "سأفرغ لك" ولا تعنى أنك مشغول ولكن سأقصد إلى محاسبتك، وهذا المعنى -أي تفسير هذه الآية بالقصد- هو الذي اختاره ابن القيم  -رحمه الله- وجمع من المحققين.

وقوله: أَيُّهَا الثَّقَلانِ الثقلان: الإنس والجن، كما جاء في الصحيح: يسمعها كل شيء إلا الثقلين[1]، وفي رواية: إلا الجن والإنس[2]، وفي حديث الصُوّر الثقلان الإنس والجن.

سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ قال: الإنس والجن، وسموا بالثقلين؛ لأن الذنوب تثقلهم، هذا وجه ذكر في سبب التسمية، ومن أهل العلم من يقول: سموا بذلك؛ لأنهم يمثلون ثقلاً على الأرض أحياء وأمواتاً، والله يقول: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا [سورة الزلزلة:2].

ومن أهل العلم من قال: لعظم شأنهم بالنسبة لغيرهم من المخلوقات، فلا تمثل شيئا بالنسبة إليهم الدوابُّ والبهائمُ والنباتاتُ، وإنما هم أهل الامتحان والاختبار والعمل، وبهم تكون عمارة الأرض، بالإنس والجن تبع، وهم محل الجزاء والحساب، وهم الذين تصدر منهم الذنوب والمعاصي، وفيهم الشهوات، والله أعلم.

ووجه ذكر فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ بعد قوله: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ: أن المحسن يجازى بإحسانه والمسيء بإساءته، ومن أهل العلم من يقول: إن هذا من آيات الوعيد، وهذا يكون سبباً لانزجار الإنسان عن الاسترسال بالذنوب والمعاصي ويرعوي ويتوب، فهذه نعمة من الله أنْ خوّف عباده وأعلمهم بما سيكون لهم وما سيلاقون وما ينتظرهم من الحساب والجزاء فقال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ.

ثم قال: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ أي: لا تستطيعون هرباً من أمر الله وقدره، بل هو محيط بكم، لا تقدرون على التخلص من حكمه، ولا النفوذ عن حكمه فيكم، أينما ذهبتم أحيط بكم، وهذا في مقام المحشر، الملائكة محدقة بالخلائق، سبع صفوف من كل جانب، فلا يقدر أحد على الذهاب.

إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الأقطار يعني الأطراف، من أطراف السماوات والأرض من نواحيها فَانفُذُوا هذا يحتمل أن يكون في الدنيا، بمعنى إذا استطعتم أن تخرجوا من ملك الله   فافعلوا فإنكم لا تستطيعون ذلك، ويحتمل أن يكون في الدنيا –أيضاً- بمعنى إن استطعتم أن تفروا من قبضته ومن الموت فافعلوا.

ويحتمل أن يكون ذلك في الآخرة، إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أي إن استطعتم أن تفروا من الحساب والجزاء وما ينتظركم من الأهوال والأوجال فافعلوا فإنكم لن تستطيعوا ذلك.

وهذا قد يكون أقرب -والله أعلم- باعتبار السياق، يعنى بالنظر إلى ما قبله سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ فإذا حملنا هذا على أنه في الآخرة -بل هي في الآخرة- فقال بعده: فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ [سورة الرحمن:37] إلى آخر ما ذكر فهذا كله في الآخرة، مع أن الآية تحتمل أن يكون ذلك في الدنيا، ويمكن أن تحمل على المعنيين، والله أعلم.

إِلا بِسُلْطَانٍ أي: إلا بأمر الله، يَقُولُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ ۝ كَلا لا وَزَرَ ۝ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ [سورة القيامة:10-12].

السلطان يأتي بمعانٍ، يأتي بمعنى الحجة، قال بعض أهل العلم: السلطان في القرآن بمعنى الحجة، وبهذا فسره كبير المفسرين ابن جرير -رحمه الله، لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ أي: بحجة، ومن أهل العلم من قال: إلا بقوة وقهر، فـ "السلطان" يأتي بمعانٍ، والله يقول: وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ [سورة الإسراء:33] بعضهم قال: حجةً، وبعضهم قال: اقتداراً وتسلطاً على القاتل، أن له سلطاناً فسلطه عليه شرعاً وجعل له إليه سبيلاً، ومكنه منه قدراً، لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ بقوة وقهر أو بحجة، هنا قال: إلا بأمر الله.

وقال تعالى: وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [سورة يونس:27]؛ ولهذا قال: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ.

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الشواظ: هو لهب النار.

لهب النار وبعضهم يقيده باللهب الصافي الذي لا دخان فيه، وهذا اختيار ابن جرير -رحمه الله.

وقال أبو صالح: الشواظ هو اللهيب الذي فوق النار ودون الدخان.

الذي فوق النار يعنى الملون، ولهذا بعضهم قال: الأخضر الذي فوق النار في أعلاها، ودون الدخان؛ لأن النار يكون جلها في أسفلها ثم بعد ذلك يكون ما ارتفع منها من لسانها ثم بعد ذلك يكون الدخان، يتصاعد منها، وبعضهم فسره بالدخان شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ أي دخان من نار، وبعضهم قال: النار والدخان.

وقال الضحاك: شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ سيل من نار.

وقوله: وَنُحَاسٌ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: وَنُحَاسٌ دخان النار، وروي مثله عن أبي صالح، وسعيد بن جبير، وأبي سنان.

وَنُحَاسٌ قال: دخان النار يعني الذي لا لهب له، وهذا قال به الخليل بن أحمد، وهو اختيار ابن جرير، وفي القراءة الأخرى المتواترة قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالخفض ونحاسٍ فيكون ذلك عائداً إلى النار يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٍ فيكون عائداً إلى النار مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٍ.

قال ابن جرير: والعرب تسمي الدخان نحاسا -بضم النون وكسرها- والقراء مجمعة على الضم، وقال مجاهد: النحاس: الصُّفر، يذاب فيصب على رءوسهم، وكذا قال قتادة، وقال الضحاك: وَنُحَاسٌ سيل من نحاس.

والمعنى على كل قول: لو ذهبتم هاربين يوم القيامة لردتكم الملائكة والزبانية بإرسال اللهب من النار والنحاس المذاب عليكم لترجعوا؛ ولهذا قال: فَلا تَنْتَصِرَانِ ۝ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ.

قول ابن جرير والعرب تسمي الدخان نُحاسا بضم النون وكسرها يعني نُحاسا ونِحاسا قال: والقراء مجمعة على الضم يعني أن الكسر لغة ولكنه لم يرد في القراءة، وليس مقصوده أن نحاساً أجمع القراء فيه على الرفع ليس هذا المراد؛ لأن القراءة الأخرى المتواترة ونحاسٍ، وقال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ هنا كما قيل في السابق وجه الامتنان أن هذا التهديد والوعيد يكون سببا لازدياد المحسن في إحسانه والمسيء يرعوي ويكف عن إساءته.

فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ۝ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝ فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ ۝ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأقْدَامِ ۝ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ۝ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ۝ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [سورة الرحمن:37-45].

يقول تعالى: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ يوم القيامة، كما دلت عليه هذه الآية مع ما شاكلها من الآيات الواردة في معناها، كقوله: وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ [سورة الحاقة:16]، وقوله: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنزلَ الْمَلائِكَةُ تَنزيلا [سورة الفرقان:25]، وقوله: إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ۝ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [سورة الانشقاق:1، 2].

وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا من الأذن يعنى استمعتْ وهو مضمن معنى الانقياد والطاعة وَحُقَّتْ حق لها ذلك.

وقوله: فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ أي: تذوب كما يذوب الدّرْدي والفضة في السبك، وتتلون كما تتلون الأصباغ التي يدهن بها، فتارة حمراء وصفراء وزرقاء وخضراء، وذلك من شدة الأمر وهول يوم القيامة العظيم.

وقال السدي: تكون كلون البغلة الوردة، وتكون كالمهل كدردي الزيت، وقال مجاهد: كَالدِّهَان كألوان الدهان.

فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ هذا التشبيه يتصل باللون لون السماء كيف يتغير إلى الحمرة؟ كانت وردة يتغير لونها إلى الحمرة، من أهل العلم من يقول: إن لونها أحمر أصلا لكن لِمَا بيننا وبينها من المسافة الشاسعة والغازات وما أشبه ذلك نراها بهذا اللون الأزرق.

ومن أهل العلم من يقول: يتغير لونها إلى الحمرة من الحرارة يوم القيامة فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ الدهان هذا التشبيه لها إما أن يكون باعتبار اللون كَالدِّهَانِ إذا فسر الدهان بالزيت يعني في تغير الألوان، فالزيت يكون له ألوان تتحول، تجده في وقت يختلف لونه عن وقت آخر لو وضعته الظهيرة أمام الشمس فإن لونه لا يكون كلونه في الليل مثلاً، لا يكون كلونه في أول النهار، وهكذا يتغير لونه وفيه بقع وألوان، وَرْدَةً كَالدِّهَانِ فيكون التشبيه في الموضعين باعتبار اللون، كالدهان يتغير هذا اللون ويتحول.

ويحتمل أن يكون التشبيه الأول باعتبار اللون وَرْدَةً يعني يتغير إلى الحمرة، وكَالدِّهَانِ باعتبار ما يصير إليه من الحال، من الذوبان وَرْدَةً كَالدِّهَانِ كما قال الله وأخبر في موضع آخر: يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاء كَالْمُهْلِ [سورة المعارج:8] وهو الزيت المذاب، أو الشيء المذاب من معدن من حديد، فالمنصهر هذا الحار، فهناك قال: كَالْمُهْلِ وهذا يدل على أنها تذوب، وهذا قال به كثير من أهل العلم: إن المقصودكَالدِّهَانِ أي: أنها تذوب.

وهذا لا يمنع عن المعنى الآخر فإنها إذا ذابت وصارت كالزيت فإن الزيت فيه ألوان متعددة.

يقول ابن كثير -رحمه الله- هنا: أي تذوب كما يذوب الدردى والفضة في السبك وتتلون كما تتلون الأصباغ التي يدهن بها، جمع بين المعنيين وهذا من دقته، فذكر أنها تذوب تتغير حقيقتها وتتغير ألوانها، فالدهان يدل على المعنيين، وما احتاج أن يرجح بينهما؛ لأن هذا كله يحصل، فالزيت المذاب فيه هذا وفيه هذا، والله شبهها به.

يقول: وتتلون كما تتلون الأصباغ التي يدهن بها فتارة حمراء وصفراء وزرقاء وخضراء وذلك من شدة الأمر والهول.

وقال السدي: تكون كلون البغلة الوردة، ولون البغلة الوردة هو الأبيض الذي يضرب إلى الحمرة، أبيض يضرب إلى الحمرة أو الصفرة، وتكون كَالْمُهْلِ كدردي الزيت.

وقال مجاهد: كَالدِّهَانِ كألوان الدهان يعني يكون شبهها به في اختلاف ألوانه، ومن أهل العلم من قال: تكون في حمرة الورد وجريان الزيت، تذوب وتنصهر -والله المستعان، وبعضهم يقول: إن الدهان هو الجلد الأحمر، فشبهها بأنها تكون وردة كالدهان في حمرتها.

وقوله: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ، وهذه كقوله: هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ۝ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [سورة المرسلات:35، 36]، فهذا في حال، وثَمّ حال يسأل الخلائق فيها عن جميع أعمالهم، قال الله تعالى: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ۝ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [سورة الحجر:92، 93]؛ ولهذا قال قتادة: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ، قال: قد كانت مسألة، ثم ختم على أفواه القوم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون.

قوله -تبارك وتعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ هذا يذكره العلماء دائماً، هذا السؤال الوارد الذي أجاب عنه الحافظ ابن كثير بجواب وجيه وهو الذي وضع له الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله- كتابه "دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب" يعني ما ظاهره التعارض يعني في موضع قال: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ، لا عدوى...... [3]، مع حديث: فِر من المجذوم فرارك من الأسد[4]، كيف نجمع بين هذه الأحاديث؟

والعلماء صنفوا في الأحاديث التي ظاهرها التعارض وجمعوا بينها وكان مثل ابن خزيمة يقول: لا يأتيني أحد بحديثين يظن بينهما التعارض إلا جمعت بينهما، وألف في مثل هذا الطحاوي -رحمه الله- كتاب مشكل الآثار، و كذلك ابن قتيبة -رحمه الله- ألف مشكل القرآن، ومن أحسن هذه الكتب فيما يتعلق بالقرآن كتاب الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله- وهو مطبوع في آخر الأضواء، و في الطبعة الجديدة طبع في مجلد مستقل أو في مجلدين.

هنا فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ يمكن أن يكون وجه ذلك لا يُسْأَلُ؛ لأنه معروف كما قال الله : يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ [سورة الرحمن:41] من سواد الوجوه وزرقة العيون وما يرهقهم من القتَرة، والذلة، فيمكن أن يوجه هذا بهذا المعنى، كما ذكره بعض أهل العلم.

ويمكن أن يكون فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ سؤال استعلام واستخبار؛ لأن الله عليم بكل شيء، ولكنه في الموضع الآخر وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ،مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ۝ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [سورة المدثر:42، 43]، هذا سؤال تبكيت، والمنفى هو سؤال الاستعلام فالله عالم بهم، وقد كتب عليهم جميع الأعمال وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا [سورة الكهف:49]، أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [سورة المجادلة:6] فيكون السؤال المنفي سؤال الاستعلام، والسؤال المثبت سؤال التبكيت.

ومن أهل العلم من قال: إن يوم القيامة يوم طويل، ففي وقت منه لا يُسألون، وفي وقت يسألون إذا قاموا من قبورهم يهرعون كأنهم إلى نصب يوفضون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة، فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ وفي مقام آخر من ذلك اليوم يسألون.

ومنهم من يقول: لا يسألون سؤال استعتاب يعني قد تسأل غيرك من أجل أن يذكر عذره ليُعذر، ويقبل منه هذا لا مجال فيه يوم القيامة لهؤلاء المجرمين، وإنما يسأل سؤال تبكيت ما الذي حملك على الكفر ومشاقة الله ومحادة رسله؟ هم في النار يعذبون مَا سَلَكَكُمْ ما الذي أدخلكم النار؟ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ۝ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ [سورة المدثر:43، 44]، فهذا ليس سؤال استعلام، فقد علم تماماً الأمر الذي أدخلهم النار، فهذا الجواب الذي ذكره الحافظ -رحمه الله- هو من أشهر الأجوبة، ومن أحسنها وأوضحها، لا يسأل سؤال استعلام.

ومن أهل العلم من قال: إنه يختم على الأفواه وتنطق الجوارح تشهد عليهم، لكن هذا من أضعفها -والله أعلم، وهو راجع إلى ما ذكرنا من أن ذلك في أحوالٍ من يوم القيامة، وذاك الجواب أوضح وأحسن من أن يخص ذلك بأنه بعد الختم على الأفواه، يخص الجواب بهذا، والله أعلم.

  1. رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب الميت يسمع خفق النعال، برقم (1273).
  2. رواه الطبراني في المعجم الكبير، برقم (1054)، وابن حبان في صحيحه برقم (2772)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح، برقم (1359).
  3. رواه البخاري، كتاب الطب، باب لا صفر -وهو داء يأخذ البطن- برقم (5387)، ومسلم، كتاب السلام، باب لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ولا نوء ولا غول ولا يورد ممرض على مصح، برقم (2220).
  4. رواه البخاري، كتاب الطب، باب الجذام، برقم (5380).

مواد ذات صلة