السبت 01 / صفر / 1442 - 19 / سبتمبر 2020
[3] من قوله تعالى: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا} الآية:28 إلى قوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} الآية:41
تاريخ النشر: ٠٦ / رجب / ١٤٣٢
التحميل: 6114
مرات الإستماع: 3298

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم اغفر لشيخنا والحاضرين والمستمعين.

 قال المصنف -رحمنا الله وإياه- في تفسير قوله تعالى:

ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ۝ بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [سورة الروم:28، 29].

هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين به، العابدين معه غيره، الجاعلين له شركاء وهم مع ذلك معترفون أن شركاءه من الأصنام والأنداد عبيد له، ملك له، كما كانوا في تلبيتهم يقولون: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، فقال تعالى: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أي: تشهدونه وتفهمونه من أنفسكم، هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أي: لا يرتضي أحد منكم أن يكون عبده شريكًا له في ماله، فهو وهو فيه على السواء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ أي: تخافون أن يقاسموكم الأموال.

قال أبو مِجْلَز: إن مملوكك لا تخاف أن يقاسمك مالك، وليس له ذاك، كذلك الله لا شريك له.

والمعنى: أن أحدكم يأنف من ذلك، فكيف تجعلون لله الأنداد من خلقه؟!

روى الطبراني عن ابن عباس قال: كان يلبي أهل الشرك: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، فأنزل الله: هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ.

ولما كان التنبيه بهذا المثل على براءته تعالى ونزاهته بطريق الأولى والأحرى، قال: كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.

ثم قال تعالى مبينا أن المشركين إنما عبدوا غيره سَفَهًا من أنفسهم وجهلا بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أي: المشركون أَهْوَاءَهُمْ أي: في عبادتهم الأنداد بغير علم، فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ أي: فلا أحد يهديهم إذا كتب الله ضلالهم، وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ أي: ليس لهم من قدرة الله منقذ ولا مجير، ولا محيد لهم عنه؛ لأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أصل المثل يأتي بمعنى الشبه أو أنه مأخوذ من الشبه، وذلك أن الاستعمال له تعلق ظاهر بالشبه والشبيه، فقوله -تبارك وتعالى- هنا: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هؤلاء يجعلون لله الشركاء والأنداد، وهؤلاء الشركاء الذين جُعلوا معه هم عبيده ومماليكه، وليس لهم من هذه الشراكة المزعومة قليل ولا كثير. 

فالله يضرب لهم المثل الذي يوضح به المعاني الغائبة بأمور محسوسة، فضرب لهم هذا المثل بشيء قريب يجدونه في أنفسهم، ويحسونه ويشاهدونه وهم هؤلاء المماليك الذين يخالطونهم ويعافسونهم صباح مساء، فيقول لهم: هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم وهم يعلمون أن هؤلاء المماليك لا يقاسمونهم أموالهم لا في الحياة ولا بعد الممات فهم آمنون مطمئنون كل الاطمئنان إلى أن هؤلاء المماليك وما في أيديهم هم ملك لأسيادهم ليس لهم تملّك لا في قليل ولا في كثير، فالمملوك وما في يده ملك لسيده فهو لا يتخوف بالمملوك أن يكون قسيماً في ماله؛ لأن هذا الأمر لا يتأتى أصلاً، لا يملك، فكيف إذا كان هذا المملوك ملكاً لك؟!

ومن هنا فسره الحافظ ابن كثير -رحمه الله- أي قوله تعالى: تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ- قال: أي لا يرتضي أحد منكم أن يكون عبده  شريكاً له في ماله، فهو وهو فيه على السواء، تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ يعني كما تخافون الأحرار، لكن لا يظهر فيه -والله تعالى أعلم- ما يدل على هذا المعنى بخصوصه أن يقيد بالوراثة، وتَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ أي كخيفتكم الأحرار، كخيفتكم نظراءكم أن يقاسموكم ويشاركوكم، هؤلاء الذين أشبهوكم الحرية -والله تعالى أعلم، فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ يعني في الأموال، فأنتم فيه سواء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ثم بين أن هؤلاء إنما فعلوا ذلك اتباعاً للهوى.

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ۝ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ۝ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [سورة الروم:30-32].

يقول تعالى: فسدد وجهك واستمر على الذي شرعه الله لك من الحنيفية ملة إبراهيم التي هداك الله لها، وكملها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره، كما تقدم عند قوله تعالى: وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [سورة الأعراف:172]، وفي الحديث: إني خلقت عبادي حُنَفاء، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم [1]، وسنذكر في الأحاديث أن الله تعالى فطر خلقه على الإسلام، ثم طرأ على بعضهم الأديان الفاسدة كاليهودية أو النصرانية أو المجوسية.

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا الحافظ ابن كثير فسر قوله هنا: فَأَقِمْ وَجْهَكَ قال فسدد وجهك لِلدِّينِ حَنِيفًا والحنيف: الحَنَف أصله الميل كما هو معروف ومشهور، ولهذا بعضهم يربط هذا المعنى الأصل بتفسير هذا الموضع، وتفسير الحنيفية التي هي ملة إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- يقول: أي مائلاً عن سائر الأديان إلى دين الإسلام، تلاحظون هنا أن قوله -تبارك وتعالى- فطرة الله جاءت منصوبة، وبعضهم يقول: إنها مصدر مؤكِّد للجملة التي قبلها فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، وهذا المعنى هو الذي ذهب إليه ابن جرير -رحمه الله- أي فطرة الله الناس على الدين. 

وبعضهم يقول: إنه منصوب على الإغراء وبعضهم يقول: بمقدر محذوف أي الزموا فطرة الله التي فطر الناس عليها، وقوله ﷺ فيما يرويه عن ربه: إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم، هذه الفطرة هي الخلقة في أصلها التي لم تتغير، قال: فطره قبل أن يحصل تدنيس وتبديل وتغيير فالله -تبارك وتعالى- خلق العباد حنفاء: كل مولود يولد على الفطرة[2]، وهو بمعنى قوله ﷺ في هذا الحديث الذي يرويه عن ربه: إني خلقت عبادي حنفاء يعني كل مولود يولد على الفطرة هذه الفطرة على الحنيفية.

قال ابن القيم -رحمه الله: "فبين سبحانه أن إقامة الوجه وهو إخلاص القصد..."[3].

فَأَقِمْ وَجْهَكَ قال: إقامة الوجه إخلاص القصد، يعني اجعل وجهتك واحدة

فلواحدٍ كن واحداً في واحد أعني سبيلَ الحقِّ والإيمانِ

وحد الوجهة إلى الله : لا تعبد الله وتعبد غيره.

وقال -رحمه الله: ".. وبذل الوسع لدينه المتضمن محبته وعبادته حنيفاً مقبلاً عليه معرضاً عما سواه هو فطرته التي فطر عليها عباده"[4].

تفسير الحنيفية هنا –حنيفاً- بالإعراض يعني الميل عن كل معبود، عن كل دين سوى دين الإسلام.

قال ابن القيم -رحمه الله: "هو فطرته التي فطر عليها عباده فلو خلوا ودواعي فِطرهم لما رغبوا عن ذلك ولا اختاروا سواه ولكن غُيرت الفطر وأفسدت كما قال النبي ﷺ: ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تُنتَج البهيمةُ بهيمةً جمعاء هل تُحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها، ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ[5]"[6].

هذه فطرة ظاهرة وهذه فطرة باطنة، الفطرة الظاهرة في الخلق هي كما قال النبي ﷺ هل تحسون فيها يعني من جدعاء؟ تولد البهيمة كاملة في الخلق فيحصل العبث بعد ذلك، والفطرة الباطنة هي على التوحيد على الحنيفية.

وقال -رحمه الله: "فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا وهذا يعم جميع الناس، فعُلم أن الله سبحانه فطر الناس كلهم على فطرته المذكورة، وأيضا فإنه أضاف الفطرة إليه إضافة مدح لا إضافة ذم فعلم أنها فطرة محمودة لا مذمومة كدين الله وبيته وناقته"[7].

يعني يقصد أن الإضافة هنا تفيد التشريف ليست مجرد إضافة خلق، تقول: هَذَا خَلْقُ اللَّهِ [سورة لقمان:11]، هذه إضافة، تقول: هذه السارية خلق الله ، الشيطان خلق الله، هذه إضافة خلق لا تعني التشريف، لكن هنا فطرة الله يريد أن يقول: إن هذا يفيد التشريف؛ لأنها ليس فيها عوج ولا انحراف.

وقال -رحمه الله: "وأيضا فإنه قال: فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها، وأيضا فإن هذا تفسير السلف قال ابن جرير: "يقول: فسدد وجهك نحو الوجه الذي وجهك الله يا محمد بطاعته، وهي الدين، "حنيفا" يقول: مستقيما لدينه وطاعته"[8].

هنا فسر الحنيف بالمستقيم مع أن أصله الميل فذلك تفسير باللازم، ولذلك تجد عبارات أهل العلم: الحنيف هو المستقيم مع أن أصله الميل ويكون الحَنَف ميل في الساق، كما كانت تقول أم الأحنف بن قيس وهو صغير وهي ترقصه تقول:

واللهِ لولا حنَفٌ في رجلِهِ ما كان في فتيانكم مِن مثلِهِ

وقال -رحمه الله: "فِطْرَةَ اللَّهِ يقول: صنعة الله خلق الناس عليها، ونصب فطرة على المصدر معنى قوله: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا"[9].

هناك ذكره مجملاً لكنه صرح بعبارة ابن جرير.

وقال -رحمه الله: "لأن المعنى فطر الله الناس على ذلك فطرة، قال وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، ثم روى عن ابن زيد قال: "فطرة الله التي فطر الناس عليها، قال: الإسلام منذ خلقهم الله من آدم جميعا يقرون بذلك"، وعن مجاهد: "فطرة الله قال: الدين الإسلام" ثم روى عن يزيد بن أبي مريم قال عمر لمعاذ بن جبل: ما قوام هذه الأمة؟ قال معاذ: ثلاث وهن المنجيات الإخلاص وهو الفطرة فطرة الله التي فطر الناس عليها، والصلاة وهي الملة، والطاعة وهي العصمة، فقال: عمر صدقت"[10].

الله -تبارك وتعالى- يأمر نبيه ﷺ وهو أمر لهذه الأمة فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا أقم وجهك: هذه فطرة الله، هذا هو التوحيد، هذه هي الحنيفية.

وقوله: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ قال بعضهم: معناه لا تبدلوا خلق الله فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها، فيكون خبرا بمعنى الطلب، كقوله تعالى: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [سورة آل عمران:97]، وهذا معنى حسن صحيح.

وقال آخرون: هو خبر على بابه، ومعناه: أنه تعالى ساوى بين خلقه كلهم في الفطرة على الجبلّة المستقيمة، لا يولد أحد إلا على ذلك، ولا تفاوت بين الناس في ذلك؛ ولهذا قال ابن عباس، وإبراهيم النَّخَعي، وسعيد بن جُبَيْر، ومجاهد، وعِكْرِمة، وقتادة، والضحاك، وابن زيد في قوله: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِأي: لدين الله.

وقال البخاري: قوله: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ: لدين الله، خَلْقُ الأولين: دين الأولين، والدين والفطرة: الإسلام.

ثم روى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدَانه أو يُنَصِّرانه أو يُمَجسانه، كما تُنْتَج البهيمة بهيمةً جَمْعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ.

ورواه مسلم أيضاً.

فالنبي ﷺ هنا ذكر الآية مع الحديث فصار ذلك من قبيل التفسير الصريح بالسنة، وإذا كان مثل هذا فلا محيد عنه، فيكون تفسير هذه الآية بهذا الحديث: ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا.

وقوله: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذكر المعنيين أنه خبر بمعنى النهي، خبر بمعنى الإنشاء، أو أنه خبر على بابه، الذين قالوا: إنه خبر بمعنى الإنشاء يعني بمعنى النهي مثل: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ فيحصل التبديل فأبواه يهودانه أو ينصرانه .. إلى آخره، كأن هذا هو الذي حمل هؤلاء على تفسيره بأنه الإنشاء لا تبدلوا خلق الله، "ومن دخله كان آمناً" يعني يكون بمعنى الأمر أن يؤمَّنوا، وإلا فيدخل بعض الناس الحرم ويكون في حال من الخوف هذا يحصل، فهو خبر مع أن الآية "ومن دخله كان آمناً" فيها كلام لبعض أهل العلم من المفسرين وغيرهم غير ما هو مشهور.

وهنا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ هل هو كذلك أي خبر بمعنى النهي، أو يقولون: خبر على بابه بمعنى أصل الخلقة لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ هكذا يخلق الله الناس، لا تجد غير ذلك يعني في أصل الفطرة أي لا يولد بعض الناس مثلاً على غير الفطرة، وبعض الناس على الفطرة لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ فكلهم يولدون على ذلك، كلهم يفطرون على هذا مثلاً، فهي فطرة الله التي فطر الناس عليها، وحملهُ على هذا المعنى أيضاً لا إشكال فيه.

ولو قيل: إنه خبر على بابه على ظاهره، بمعنى أن ذلك هو أصل الخلق لا يحصل فيه تخلف عن بعض الأفراد ولا يمكن لأحد أن يؤثر فيه كون الأب أو الأم على الشرك، لا يكون ذلك مؤثراً في المولود حينما يولد من هذه الحيثية، فلا فرق بين من يولد لمسلمين أو يولد لمشركين، هذا من حيث الفطرة ولا أعني بذلك الإلحاق، فإن الولد يكون تابعاً لهم كما هو معلوم، يعني يحكم له بالديانة، يحكم على تفصيل يذكره أهل العلم فيما إذا كان أحد الأبوين مسلماً والآخر كافراً فيلحق بمن؟ والأقرب أنه يلحق بالأشرف، إن كانت الأم مسلمة والأب مشركاً يلحق بالأم، يحكم بإسلامه.

قال ابن القيم -رحمه الله: "وقوله: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ يقول: لا تغيير لدين الله، أي لا يصلح ذلك ولا ينبغي أن يفعل، قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ "أي لدين الله" ثم ذكر أن مجاهداً أرسل إلى عكرمة يسأله عن قوله: "لا تبديل لخلق الله" قال: "هو الخصا" فقال مجاهد: "أخطأ، لا تبديل لخلق الله إنما هو الدين" ثم قال: "لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ" وروى عن عكرمة: "لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ قال لدين الله" هو قول سعيد بن جبير والضحاك وإبراهيم النخعي وابن زيد"[11].

أي نعم، ذاك نظر إلى الفطرة من جهة الخلق الظاهر كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء، فذكر على سبيل المثال، فهو تفسير بالمثال في أحد نوعي الفطرة، الفطرة التي تكون في الخلق ظاهراً، لكن ما أقره –أي مجاهد- على هذا التفسير وحمل ذلك على الدين بقرينة -هذا في الآية طبعاً- لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم، هذه القرينة، لكن الحديث الذي ذكره النبي ﷺ تفسيراً لهذه الآية ذكر نظير ذلك فيه قال: كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ هذا ذكرٌ لقسيم الفطرة التي هي التوحيد –الحنيفية- في الخلق الظاهر، فهذا المعنى المذكور آنفاً هو بهذا النظر، بهذا الاعتبار وهو من قبيل تفسير المثال؛ لأنه لا يقصد تخصيصه بهذا المثال الذي ذكره، لكن في الآية إذا جئنا نفسرها مباشرة لا نفسرها بالفطرة في الخلق الظاهر؛ لأن الله يقول: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا هي أمر بالإخلاص والتوحيد فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ.

وقال -رحمه الله: "وعن ابن عباس وعكرمة ومجاهد: "هو الخصا"، ولا منافاة بين القولين كما قال تعالى: وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ [سورة النساء:119]"[12].

كل هذا من تغيير الفطرة بالشرك، هذا تغيير الفطرة الباطنة وما يستتبعه ذلك من عبادات وأعمال وجوارح على خلاف ما شرعه الله وبهذه المزاولات من قطع الآذان ونحوها هذا كله تبديل للخلق الظاهر بالفطرة الظاهرة.

وقال -رحمه الله: "فتغيير ما فطر الله عباده من الدين تغيير لخلقه، والخصا وقطع آذان الأنعام تغيير لخلقه أيضا، ولهذا شبه النبي ﷺ أحدهما بالآخر: فأولائك يغيرون الشريعة وهؤلاء يغيرون الخلقة، فذلك يغير ما خُلقت عليه نفسه وروحه وهذا يغير ما خُلق عليه بدنه"[13].

فطريقة ابن القيم هذه الطريقة نفيسة بالتفسير وهي التي تنمي الملكة وتجعل النظر أعمق ويكون الإنسان لديه القدرة على توجيه أقوال السلف والجمع بينها ولا يحتاج رد بعض الأقوال أحيانا.

وقوله تعالى: ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ أي: التمسك بالشريعة والفطرة السليمة هو الدين القويم المستقيم، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أي: فلهذا لا يعرفه أكثر الناس، فهم عنه ناكبون، كما قال تعالى: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [سورة يوسف:103]، وقال تعالى: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الآية [سورة الأنعام:116].

وقوله: مُنِيبِينَ إِلَيْهِ قال ابن زيد، وابن جُرَيْج: أي راجعين إليه.

مُنِيبِينَ إِلَيْهِ يعني ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ۝ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ [سورة الروم:30، 31]، فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا، مُنِيبِينَ إِلَيْهِ فيكون منصوباً على الحال على قول بعض أهل العلم، وهو اختيار ابن جرير -رحمه الله، مُنِيبِينَ إِلَيْهِ حال كونكم مُنِيبِينَ إِلَيْهِ، وبعضهم يقول: إنه خبر كان المحذوفة، كونوا مُنِيبِينَ إِلَيْهِ والإنابة معروفة هي الرجوع والتوبة إليه من الشرك والمعاصي.

وَاتَّقُوهُ أي: خافوه وراقبوه، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وهي الطاعة العظيمة، وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ أي: بل من الموحدين المخلصين له العبادة، لا يريدون بها سواه.

روى ابن جرير عن يزيد بن أبي مريم قال: مر عمر ، بمعاذ بن جبل فقال: ما قوام هذه الأمة؟ قال معاذ: ثلاث، وهن من المنجيات: الإخلاص وهي الفطرة فطرة الله التي فَطرَ الناس عليها، والصلاة وهي الملة، والطاعة وهي العصمة، فقال عمر: صدقت.

وقوله: مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ أي: لا تكونوا من المشركين الذين قد فرقوا دينهم أي: بدلوه وغيروه وآمنوا ببعض وكفروا ببعض.

وقرأ بعضهم: "فارقوا دينهم" أي: تركوه وراء ظهورهم.

يعني هذه قراءة متواترة قراءة حمزة والكسائي أي: من الذين فارقوا دينهم، والمعنى واحد أو مختلف فيه فرقوا دينهم، فارقوا دينهم؟ المعنى جديد، معنى آخر لكن بين المعنيين الارتباط، بينهم ارتباط بلا شك فالذين فرقوا دينهم معناها أنهم انحرفوا وضلوا، ومن فارق دينه فقد وقع أيضاً في مثل هذا، الناس إذا تركوا الدين الصحيح -فارقوا دينهم- فهم في الواقع فرقوه صار هؤلاء على النصرانية، وهؤلاء على اليهودية وتركوا دين الإسلام.

وهؤلاء كاليهود والنصارى والمجوس وعَبَدة الأوثان، وسائر أهل الأديان الباطلة، مما عدا أهل الإسلام، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ الآية [سورة الأنعام:159]، فأهل الأديان قبلنا اختلفوا فيما بينهم على آراء وملَل باطلة، وكل فرقة منهم تزعم أنهم على شيء، وهذه الأمة أيضًا اختلفوا فيما بينهم على نحل كلها ضلالة إلا واحدة، وهم أهل السنة والجماعة، المتمسكون بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، وبما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين في قديم الدهر وحديثه، كما رواه الحاكم في مستدركه أنه سئل عن الفرقة الناجية منهم، فقال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي[14].

قوله -تبارك وتعالى: وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ۝ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا [سورة الروم:31، 32]، هذا تفسير لما قبله يعني كأنه يذكر أوصاف هؤلاء المشركين الذي نهى عن مشابهتهم فذكر صفة من أبرز صفاتهم أنهم فارقوا دينهم الحق وصاروا شيعاً، فإذا فارق الناس الحق تفرقوا واختلفوا، وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ [سورة البقرة:113] يعني المشركين، مثل قولهم: فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ فكل طائفة تدعي أنها على الحق، فكان من أبرز صفات المشركين أنهم فرقوا دينهم، وأيضاً فارقوا دينهم، فالله ينهى هذه الأمة عن مشابهتهم. 

والعلماء كثيراً ما يذكرون مثل هذه الآية، والآية الأخرى إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [سورة الأنعام:159]، والمقصود بها اليهود والنصارى ومن شاكلهم، لكن كثير من أهل العلم يذكرون هذا الكلام على أهل البدع والضلالات وهذا الاستدلال استدلال صحيح في محله، يعني حينما يذكرون هذه الآية هناك فإن الاختلاف في الدين -وهو الاختلاف بسبب الأهواء- هو الذي يورث التفرق، وهو الخلاف المذموم التي جاءت النصوص بذمه والتحذير منه؛ ولهذا فإن أصحاب النبي ﷺ لما اختلفوا في قضايا من الأمور العملية، اختلفوا في اجتهاداتهم، بل حصل بينهم قتال، ومع ذلك لم يتحولوا إلى فرق ولم تقع فيهم الأهواء التي حصلت لمن بعدهم، مرجئة وخوارج وشيعة وقدرية، ما حصل هذا لأحد من أصحاب الرسول ﷺ ولا يعرف لأحد من الصحابة قط أنه نبز بشيء من هذه الأهواء فكان اختلافهم بسببها.

اختلاف أصحاب النبي ﷺ غير مذموم، فيتوجه الذم إلى كل خلاف أورث في الدين فرقة وتناحر، فمثل هذه الآيات يستدل بها في مثل هذا المقام حينما يقع الاختلاف بين الناس في الدين فيتفرقون، أما اختلافات الفقهاء فليست موجبة للتفرق، لكن يكون هؤلاء طائفة على هوى وهؤلاء على هوى، ولهم اسم ينتسبون إليه غير الأسماء الشرعية ونحو ذلك فهذا هو المذموم، وهذا الذي جاء التحذير منه، وعندئذ يمكن أن يستدل بمثل هذه الآيات على هذا؛ لأن الله إنما نهى نبيه ﷺ نهى هذه الأمة- حتى لا نقع بمشابهتهم في قليل أو كثير، فالغاية -نسأل الله العافية- مفارقة الدين بالكلية وهي عبادة غير الله وأن يكون الإنسان على ضلالة كاملة كاليهود والنصارى وطوائف المشركين، وقد يكون له شعبة من هذا بضلالة وبدعة كما حصل لهذه الفرق التي أشرت إليها المرجئة والمعتزلة والقدرية وما شابه ذلك، والله المستعان.

وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ۝ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ۝ أَمْ أَنزلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ۝ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ۝ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [سورة الروم:33-37].

يقول تعالى مخبرًا عن الناس أنهم في حال الاضطرار يدعون الله وحده لا شريك له، وأنه إذا أسبغ عليهم النعم إذا فريق منهم في حالة الاختبار يشركون بالله، ويعبدون معه غيره.

وقوله: لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ، هي لام العاقبة عند بعضهم، ولام التعليل عند آخرين، ولكنها تعليل لتقييض الله لهم ذلك.

مضى نظائر لذلك قريباً، وهذا من كلام ابن كثير -رحمه الله، وعامة أهل العلم في مثل هذا يقولون: إنها لام العاقبة مثل: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [سورة القصص:8]، والحافظ ابن كثير -رحمه الله- في مثل هذه المواضع يذكر المعنيين يقول: هي بالنسبة لهم لام العاقبة وبالنسبة لفعل الله وتقديره هي لام التعليل، يعني أن الله أغراهم بذلك يعني أن يلتقطوه في حكمته وتقديره أي من أجل أن يكون لهم عدواً وحزناً، لكن بالنسبة لهم هم ما أخذوه بهذا هي بالنسبة لهم لام العاقبة فهو يذكر المعنيين يقر المعنيين هذا باعتبار، وهذا باعتبار.

وهذه طريقة حسنة جيدة وجهها ظاهر كما ترون فهنا لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ قال: هي لام العاقبة عند بعضهم، ولام التعليل عند آخرين، لام العاقبة أن الله -تبارك وتعالى- يذيق هؤلاء من رحمته فيقع فيهم الإشراك فيكون ذلك سائراً بهم ومنتهياً بهم إلى الكفر بما أتاهم من هذه، يعني جحد هذه النعم، وتكون لام التعليل يعني أن الله يعطيهم وينعم عليهم ليكفروا، ليجحدوا نعمه التي أعطاهم إياها إلى الكفر بما أتاهم من هذه يعني جحد هذه النعم، ولهذا يفسرها ابن جرير -رحمه الله- هنا بكي، كي يكفروا، يذيقهم النعم فيحصل منهم الإشراك كي يكفروا ويجحدوا بنعمه -تبارك وتعالى.

لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ قالوا: إنها لام العاقبة هل يقصدون في فعلهم أنها لام العاقبة؟ أو في فعل الله ؟ في تقدير الله عليهم أو في فعلهم هم؟ لام العاقبة في فعلهم هم، ويكون المعنى هم قصدوا الإشراك يعني ما وقع، إنما تكون العاقبة حيث يصير ذلك بالإنسان دون قصده وتطلبه، واضح؟

لكن هم الذين أقبلوا على الشرك وهم الذين أداروا ظهورهم عن التوحيد والعبادة فذلك الآن تزمُّل، الآية: وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ۝ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ قلنا: لام العاقبة، تكون العاقبة الكفر، يكون ذلك في فعلهم أو في فعل الله؟ إذا قلنا: إن ذلك في فعل الله يعني أن الله أعطاهم وأنعم عليهم بعد الشدة والضر؛ لتصير عاقبتهم ومآلهم إلى ما ذكر من الشرك، ويمكن أن تكون للتعليل بالنسبة لفعل الله هل يمتنع أن تكون العاقبة بالنظر إلى فعلهم هم؟!

قال الله : ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ، خذ صورة من الصور بالإشراك لما يحصل للناس بسبب القحط فإنهم يصلون إلى حال من اليأس والقنوط ثم ينزل عليهم المطر، فيقول قائلهم: "مطرنا بنوء كذا"، هذا يسمى إشراكاً، هذا الإشراك بالنظر إلى نعمة الله آل بهم إلى جحد نعمة الله -تبارك وتعالى- عليهم فنسبوها إلى غيره فصار -بهذا الاعتبار- هذا الشرك الذي وقع منهم حيث وضعوا الشكر أو العبادة في غير من خلق صار ذلك في العاقبة كفراً وجحداً بنعمة الله عليهم، فعلى هذا تكون اللام للتعليل بالنسبة لفعل الله أعطاهم ليكفروا، وبالنسبة لفعلهم هم أن هذا الإشراك عاقبته الجحد والكفر فنسبوا النعمة إلى غير المنعم ولهذا كان الشرك عظيماً؛ لأنه توجه بالعبادة والشكر إلى غير من خلق.

ثم توعدهم بقوله: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ، قال بعضهم: والله لو توعدني حارس دَرْب لخفت منه، فكيف والمتوعِّد هاهنا هو الذي يقول للشيء: كن، فيكون؟!.

ثم قال منكرًا على المشركين فيما اختلقوه من عبادة الأوثان بلا دليل ولا حجة ولا برهان، أَمْ أَنزلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا أي: حجة بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ؟ وهذا استفهام إنكار، أي: لم يكن لهم شيء من ذلك.

قوله: هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ [سورة الجاثية:29] ألزمنا عليهم حجة، "سلطاناً" يعني حجة، كتاباً وهو ينطق بما عندهم أثارة بالعلم، كتاباً أنزله الله ، عندهم برهان ناطق بما هم عليه يحتجون به، يركنون إليه.

ثم قال: وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ، هذا إنكار على الإنسان من حيث هو، إلا مَنْ عَصَمه الله ووفقه؛ فإن الإنسان إذا أصابته نعمة بَطِر وقال: ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ [سورة هود:10]، أي: يفرح في نفسه ويفخر على غيره، وإذا أصابته شدة قَنط وأيس أن يحصل له بعد ذلك خير بالكلية، قال الله: إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [سورة هود:11]، أي: صبروا في الضراء، وعملوا الصالحات في الرخاء، كما ثبت في الصحيح: عجبا للمؤمن، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرًا له، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضَرَّاء صبر فكان خيرًا له.

في قوله -تبارك وتعالى: وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً الناس: ابن كثير -رحمه الله- يقول: هذا إنكار على الإنسان من حيث هو إلا من عصمه الله، يعني هذه طبيعة الإنسان إلا من ترقّت نفسه وتهذبت بطاعة الله وعبادته والإيمان به وتوحيده، وكلما ترقت النفس بهذا كلما تخلت من مثل هذه الأوصاف كما قال الله تعالى: إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ [سورة العصر:2] هذا من حيث هو إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [سورة العصر:3]. 

فالنفس هكذا حالها من الضعف والعجز، وما ذكر من هذه الأوصاف المذمومة إذا حصلت له النعمة إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى [سورة العلق:6]، هذه طبيعة الإنسان من حيث هو أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى [سورة العلق:7]، وإذا حصل له الضر فيظن أن هذا هو نهاية المطاف، يقنط وييئس وتظلم الدنيا في عينيه، فإذا كشف عنه هذا الضر نسي وغفل عن نعمة الله عليه بل لربما نسي الضر الذي نزل به ولربما أضاف رفعه إلى غير الله .

وقوله هنا: إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ [سورة هود:11] قالوا: أي صبروا بالضراء وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بالرخاء، فهنا تفسير ذلك "إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات" هنا في هذا الموضع في الاستشهاد أي صبروا في الضراء وعملوا الصالحات في الرخاء هل يختص هذا بما ذكر؟ يعني هذا بعض المعنى وإلا فإن الصبر أوسع من ذلك، فالصبر يكون على ذلك، والصبر يكون على طاعة الله في الرخاء، والأعمال الصالحة تكون أيضاً في الضراء، فالصبر والعمل الصالح كلاهما في السراء والضراء، فالصبر يكون على طاعة الله ، والصبر يكون على المصائب والمكاره وعلى أقدار الله المؤلمة، والصبر على المعاصي كل هذا، إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ

والصبر حبس للنفس عن المعصية أو عن التسخط على أقدار الله ، وذكر العمل الصالح وهو يحتاج إلى صبر في فعله، وصبر في تصحيح القصد فيه، وصبر على إقامته على ما شرع الله ، وصبر على الاستمرار فيه، وصبر على مجانبة ما يُبطله بَعده مِن مَنّ وأذى، لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى، أو الرياء، وقد يعمل الإنسان العمل ولا يزال به شيطان، والنفس الأمارة بالسوء فيذكر ذلك للناس وتتزين به فيكون ذلك مبطلاً لهذا العمل الذي يحتاج أيضاً إلى صبر -والله المستعان، لكن يدخل في هذا دخولاً أولياً الصبر على أقدار الله المؤلمة؛ لأن الله يذكر كما في الآية التي نحن بصدد الكلام عليها وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ فمن صبر لا يحصل له القنوط ولا يحصل له الفرح الذي يورث الأشَر والبَطر، ولهذا قال الله : وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ [سورة الحديد:23] أيّ فرح؟ المقصود الفرح المذموم.

وقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ أي: هو المتصرف الفاعل لذلك بحكمته وعدله، فيوسع على قوم ويضيّق على آخرين، إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.

فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ۝ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ۝ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سبحانه وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ [سورة الروم:38-40].

يقول تعالى آمرًا بإعطاء ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ أي: من البر والصلة، وَالْمِسْكِينَوهو: الذي لا شيء له ينفق عليه، أو له شيء لا يقوم بكفايته، وَابْنَ السَّبِيلِ وهو المسافر المحتاج إلى نفقة وما يحتاج إليه في سفره.

قوله تعالى هنا: فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ حقه بالنسبة للقريب الصلة، وهذه الصلة تكون بالمال وغيره بحسب حاله، وذِكر الحق هنا فهم منه بعض أهل العلم الوجوب، فالقريب له حق في مالك، وابن السبيل له حق فيه، وهو الذي انقطع في سفره؛ ولهذا تجد بعضهم أيضاً يفسره بالضيف، وكذلك المسكين، ومن أهل العلم -كما هو معلوم- من يقول: في المال حق الزكاة، فيجعلون هذا من هذا الحق، غير الزكاة، والمسألة فيها كلام معروف. 

وكثير من أهل العلم من عامة أهل العلم يقولون: لا حق في المال غير الزكاة، لا يجب فيه شيء أن يخرج سوى الزكاة، لكن لا يختلفون أن من وجبت نفقتهم وأوجبه الشارع أن هذا ثابت فمن ذلك النفقة على العيال، على الزوجات هذه واجبة وليست من الزكاة، ولا يجوز أن تصرف لهم الزكاة في هذه النفقات الواجبة، هذا أمر، والأمر والوجوب إن كان قرى الضيف الذي نزل بهم ولم يجد من يقوم به ما يحصل به الكفاية مما يصلح لمثله أن هذا واجب وهذا غير الزكاة، ولا يكون قرى هذا الضيف من الزكاة بل إن النبي ﷺ في نفس الحديث أجاز له إن لم يقروه أن يأخذ منهم مثل قراه، فهذا يدل على أنه حق ثابت.

فالشاهد أن مثل هذا لا شك مثل الزكاة، ولكن قوله -تبارك وتعالى- في سورة الأنعام: وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [سورة الأنعام:141] مبيَّن بما ذكر الله وبما ذكر رسوله ﷺ من أمور أخرى بعد ذلك في تفاصيل تتصل بالأنصبة أو الأموال الزكوية أو نحو ذلك كما جاء في نصوص أخرى، فكان يخرج ذلك في مكة من غير تقدير يوم الحصاد لمن حضر من الفقراء. 

وهناك أشياء تكون مستحبة كقوله -تبارك وتعالى: وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا [سورة النساء:8] هنا الميراث يقسم، فحضر فقراء ومساكين فيعطون من هذا المال شيئاً جبراً لخاطرهم، فالذين نظروا إلى أن قوله -تبارك وتعالى: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ [سورة الإسراء:26]، القربات لهم حق في المال هكذا بإطلاق، قالوا: هذه الآية منسوخة بآية المواريث، فصار القرابات إنما يأخذون من الميراث وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ

لكن هذه الآية تتحدث عن الحياة عما يكون بعد الموت فما هو حق القرابات؟ حق القرابات من الصلة فإن كانوا محتاجين وهو ذو يسار فإنه يصلهم بالمال، وإن كانوا غير محتاجين فبالتعاهد بالسؤال والزيارة وما إلى ذلك، تختلف الصلة من مكان إلى مكان، بحسب العرف تتفاوت.

لكن القول بأنها منسوخة هذا غير صحيح، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، ومعنى الآية لا إشكال فيه من غير دعوى النسخ، لا حاجة لهذه الدعوى، فالقرابات لهم حق بالصلة كلٌّ بحسبه، والمسكين له حق، ومن حقه أن يعطى من الزكاة، وابن السبيل كذلك فهذا من مصارف الزكاة، وبعض أهل العلم يقول: إن الآية محكمة، وبعضهم يحمل قوله: ذَا الْقُرْبَى على قرابة النبي ﷺ فما هو حقهم؟ لهم حق في المحبة مثلاً والموالاة أعني أهل الإيمان منهم فنحبهم لقرابتهم، ونحبهم لإيمانهم فلهم محبتان. 

لكن من أهل العلم من رد هذا التفسير وقالوا: إن القرابة أعطاهم الله قرابة النبي ﷺ الحق بالفيء والغنيمة، فلهم من الغنيمة خمس الخمس وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ... [سورة الأنفال:41] هذا في الخمس، مخمس إلى خمسة أخماس، فسهم لله وللرسول ﷺ، ولذي القربى سهم، وكذلك في الفيء فإن الفيء مخمس بكامله، ومن هذه الأخماس في الفيء خمس قرابة النبي ﷺ فإنهم يعطون من هذا فهذا حقهم، ولا تحل لهم الصدقة. 

والأظهر -والله تعالى أعلم- أن ذلك لا يختص بقرابة النبي ﷺ لا توجد قرينة تدل على هذا في الآية، وبعضهم كالحسن البصري -رحمه الله- حمل ذلك على الندب وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ فحينما يقال: حق واجب لازم ثابت فهل يجب على الإنسان للقرابات حق في مالك مثلاً؟ فهذا موضع الإشكال، ولكن إذا فهم المعنى الذي ذكر أولاً انحل الإشكال، والله تعالى أعلم.

في قوله: ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ يعني هل يختص هذا بالنظر إلى وجهه يريدون النظر إلى وجهه؟ لا يختص بهذا يريدون وجه الله، يريدون ما عنده، تقول للإنسان يريد بعمله وجه الله يعني الإخلاص، يريد وجه الله، الذين يريدون وجه الله.

ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ أي: النظر إليه يوم القيامة، وهو الغاية القصوى، وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي: في الدنيا وفي الآخرة.

ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ خير أفعل تفضيل يعني خير من كنز المال وجمعه وتثميره، فصرف المال في هذه الوجوه بالإحسان إلى القرابات والمحتاجين أفضل من جمع المال وخزنه وتكثيره وحبسه عن هذه الوجوه، لكن هذا لمن لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ.

ثم قال: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ أي: من أعطى عطية يريد أن يرد الناس عليه أكثر مما أهدى لهم فهذا لا ثواب له عند الله، بهذا فسره ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وعكرمة، ومحمد بن كعب، والشعبي.

لاحظ قبل الدخول في هذا التفصيل قوله هنا: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ وما آتيتم قراءة الجمهور هكذا يعني وما أعطيتم، وفيه قراءة أخرى متواترة قرأ بها ابن كثير وَمَا أتَيْتُمْ مِنْ رِبًا يعني وما فعلتم، والمعنى مختلف لكن ذلك يرجع إلى المعنى الأول وَمَا آتَيْتُم أعطيتم لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ وهنا أتيتم يعني فعلتم هذا الفعل الذي هو الإعطاء، فالمعنى يختلف لكن يرجع في النهاية إلى شيء واحد مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ ليَربُوَ هذه قراءة الجمهور، وقراءة نافع {لتُربُوا في أموال الناس} تُربُوا يعني لتكونوا ذوي زيادات.

وهذا التفسير الذي ذكره الحافظ ابن كثير ونسبه لجمع من السلف -رضي الله تعالى عنهم، مع أنه قد يكون غائباً عن ذهن كثير ممن يقرأ هذه الآية، وهو قول عامة أهل العلم.

وقوله: من أعطى عطية يريد أن يرد الناس عليه أكثر مما أهدى لهم هذا المعنى يكون هكذا تقريره: يعطي عطية ينتظر أفضل منها، يعطي الإنسان هدية وينتظر أكثر من ذلك، يعطي مثلاً هدية لأمير ينتظر أن هذا الأمير يعطيه أضعاف ذلك، قد يعطي ناساً من الأغنياء يعطيه شيء وهو أحوج ما يكون إليه هو فقير ومع ذلك يجدّ ويجتهد ثم يقترض حتى يشتري مثلاً نوعاً من البخور ثميناً جداً ونحو ذلك، وأنا قلت: تفضل هذه الهدية، ماذا يقصد؟ يقصد وجه الله ! لا يعطيها فقيراً آخر وإنما يقصد أن يرجع إليه أضعاف هذا. 

وهكذا قد يفعل ذلك القرى والضيافة ونحو ذلك لربما يدعو أميراً كبيراً من الكبراء أغنياء ونحو ذلك من أجل أن يعطيه شيئاً أكثر من هذا، بعض هذا يدخل في أشياء أخرى تتعلق بالنفاق، إذا قال أو كان فعله ذلك من هذا القبيل بعضه ليس من النفاق العملي، فمثل هذا التصرف يعطيه هدية ويرجو غيرها وأحياناً يرجو مثلها، لكن هنا قال: لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فهذا إنسان تزوج فذهب وأعطاه هدية، أعطاه شاة ينتظر منه إذا تزوج هو أو أحد أولاده أن يعطيه أكثر من ذلك، وبعضهم يفعل هذا لحرج اجتماعي ليرد عليه مثل ذلك فيصل الأمر إلى حالات مما يمكن أن يقال: إنه نوع من المهانة، يكتب كل من يأتي بشي يسجل، جاء بكذا، جاء بكذا، جاء بكذا، فإذا حصل لهذا مناسبات -فيه حسابات- فيعطى المثل.

وهذا فيه إشكال كبير، فيه إشكال من حيث الناس، هؤلاء الناس يخرجون أموالهم من غير طيب نفس، يخرجها على أنها مغرم، لا تطيب نفوسهم بهذا -إلا من رحم الله، لكن ما ذكر هنا في الآية لِّيَرْبُوَ ليزيد يعني فيعطي العطية ليأخذ أكثر فمثل هذا الذي سماه ابن عباس وجماعة من السلف كعكرمة بالربا الحلال، قالوا: الربا نوعان: ربا حلال وربا حرام، فالربا الحرام هو المعروف من غير عوض، قرض ثم يأخذ أكثر بعد ذلك غير البيع والشراء يعني غير المعاملات التجارية المعروفة المباحة ذاك هو الربا الحرام، وهذا هو الربا الحلال ربا حلال.

ولا يفهم من هذا أنه محمود، لكنه لا يحرم يعني كون الإنسان أعطى أحداً من الكبراء والأثرياء ونحو ذلك عطية ويرجو أن يرد عليه أفضل منها، قال: تفضلْ خذ هذه ساعة هدية وهو يرجو أن يعطيه ساعة أفضل منها أو يغمره بهدايا أفضل منها، فهذا الإنسان رآه في الطريق وصدمت سيارته ونحو هذا وقال: تفضل هذه سيارتي هدية لك، وهو ينتظر أن يعطيه سيارة أضعاف قيمتها فمثل هذا ليس بمحرم، ولكنه لا يؤجر عند الله على هذا العمل مما أراد به شيئاً من الدنيا، ما قصد التقرب إلى الله أصلاً.

فهذا الذي قالوا عنه: الربا الحلال، والحلال ليس معناه أنه سائغ، جيد، لا بأس به، حسن، لا يفهم هذا، المقصود أنه ما هو محرم، مع أن بعض أهل العلم حمل ذلك على الربا المحرم، وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ يعني لا يحكم به، فلا يكون حقاً لآكله بل هو لمن دفعه؛ ولهذا إذا وصلت القضية إلى الحكم الشرعي إلى المحكمة بنك أقرض رجلاً مليوناً ويطالبه بمليون وثلاثمائة وجاءوا عند القاضي يحكم فإن القاضي يحكم برأس المال فقط، والثلاثمائة ليست لصاحب المليون المقرِض، بعض أهل العلم فسره بهذه قال: فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ لأن الله لا يقره ولا يحكم به فتلك زيادة باطلة.

لكن الذي عليه عامة أهل العلم هو ما ذكر من أن ذلك في العطية ونحوها مما لا يراد به التقرب إلى الله ، وإنما المراد عرَض عاجل: إنما لكل امرئ ما نوى[15] ليس ذلك من الإشراك، هذا ليس من قبيل الشرك، فرق بين هذا وإنسان يتصدق رياءً وسمعة يقال المحسن فلان فهذا شرك هو نوع من أنواع الشرك، والله أعلم.

وقوله تعالى: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ أي: الذين يضاعف الله لهم الثواب والجزاء، كما جاء في الصحيح: "وما تصدق أحد بِعَدْل تمرة من كسب طيب إلا أخذها الرحمن بيمينه، فَيُرَبِّيها لصاحبها كما يُرَبِّي أحدكم فَلُوَّه أو فَصِيلَه، حتى تصير التمرة أعظم من أُحُد".

وقوله: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ أي: هو الخالق الرازق يخرج الإنسان من بطن أمه عريانا لا علم له ولا سمع ولا بصر ولا قُوَة، ثم يرزقه جميع ذلك بعد ذلك، والرياش واللباس والمال والأملاك والمكاسب.

وقوله: ثُمَّ يُمِيتُكُمْ، أي: بعد هذه الحياة ثُمَّ يُحْيِيكُمْ أي: يوم القيامة.

وقوله: هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ أي: الذين تعبدونهم من دون الله، مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ أي: لا يقدر أحد منهم على فعل شيء من ذلك، بل الله هو المستقل بالخلق والرزق، والإحياء والإماتة، ثم يبعث الخلائق يوم القيامة؛ ولهذا قال بعد هذا كله: سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ أي: تعالى وتقدس وتنزه وتعاظم وجل وعَزّ عن أن يكون له شريك أو نظير أو مساوٍ، أو ولد أو والد، بل هو الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.

ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ۝ قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ [سورة الروم:41، 42].

قال ابن عباس، وعِكرمة، والضحاك، والسُّدِّي، وغيرهم: المراد بالبر هاهنا: الفَيَافي، وبالبحر: الأمصار والقرى، وفي رواية عن ابن عباس وعكرمة: البحر: الأمصار والقرى ما كان منها على جانب نهر.

وقال آخرون: بل المراد بالبر هو البر المعروف، وبالبحر: البحر المعروف.

تأملوا في أقوال كثير من السلف ممن ذكر، وغير هؤلاء قالوا: البر الفيافي يعني الصحراء، وليس المقصود اليابسة، والبحر الأمصار والقرى بإطلاق، المدن يعني والقرى سواء كانت على بحر أو نهر أو لم تكن، والقول الآخر بقيد يعني ما ذكر عن ابن عباس -رضي الله عنهما- وعكرمة البحر والأمصار ما كان منها على جانب نهر، وبعضهم يقول: ما كان على جانب نهر وبحر يعني المدن الساحلية أو التي تكون على مجاري الأنهار على جوانب الأنهار، هل نقول القول الأول مطلق والثاني مقيد؟ يعني من قال: إن البر هو الفيافي، والبحر هو الأمصار، القول الآخر الأمصار التي تكون على البحر سواء كان هذا البحر عذباً -يعني الأنهار، أو ملحاً -البحر المعروف، هل نقول الأول مطلق والثاني مقيد فهو يوضحه فنحمل المطلق على المقيد؟

إذا كان لقائل واحد يحمل مطلق كلامه على مقيده، أما إذا كانت هذه أقوالاً فهذه معانٍ وتفسيرات متنوعة مختلفة، فإذا كانت لقائلين فلا نحمل المطلق على المقيد، يعني حينما تقول: التي على البحر هي المدن الساحلية، ويقول آخر: إنها المدن والقرى مطلقاً، هل نقول: هذا مطلق، وهذا مقيد فنحمل المطلق على المقيد؟

ما يرضى إذا كان لقائلين، أنا أقول: إن كان القائل واحداً كلامه المطلق يفسر بالمقيد، فننظر إلى هذه الأقوال فإذا وجدناها لقائل واحد يمكن أن نفسر هذا بهذا، فنقول المطلق محمول على المقيد مع العلم بأن من أهل العلم من يقول: إن العرب تسمي الأمصار بحراً، هكذا ما قيدوه بكونه على بحر أو نهر، يقولون: العرب تسمي الأمصار بحراً، وهذا المعنى أشار إليه بعض المفسرين كابن جرير -رحمه الله- لا أعني أنه اختاره بالتحديد، ولكن أشار إلى هذا المعنى: أن العرب تقول للأمصار هكذا بحر، ومن ثَمّ لا يقول قائل مثلاً على هذا الاعتبار، لا يحتج عليهم على من فسر البحر بالأمصار والبر بالفيافي ما يقول هذا.

الظاهر المتبادر -والله أعلم- أن البر هو الصحراء والبحر هو اليابسة والبحر هو البحر المعروف سواء كان الحلو أو الملح هذا هو البحر، فكونه يفسر بالأمصار هذا خلاف الظاهر المتبادر، والأصل ألا يفسر القرآن إلا بما كان ظاهراً متبادراً ولا يحمل على معنى خفي أو قليل إلا بدليل، فهؤلاء سيقولون: هذا عند العرب معروف إذا قالوا: البحر يقصدون الأمصار؛ ولهذا تجد كثيراً من أهل العلم يفسرونه بالأمصار والقرى ونحو ذلك، والبر بالفيافي أي التي ليس فيها عمران، الأرض غير المعمورة فهذا معنى قال به الكثير من أهل العلم.

وبعضهم يقول: البر هو البر المعروف يعني اليابسة، والبحر هو البحر المعروف، وابن جرير -رحمه الله- يقول: بنوعيه، ما عندنا دليل على تخصيص الملح مثلاً أو الأنهار! يقول: البحر يحمل على هذا وهذا، لكن المقصود بذكر البحر ما جاوره يعني المدن التي على شواطئ البحار فيكون ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ في البر في المدن غير الساحلية مثلاً والفيافي، والبحر المدن الساحلية أو التى على الأنهار باعتبار ذكر المجاور، هذا احتمال لكن لا تدعو إليه ضرورة. 

ولهذا يمكن أن يقال -والله تعالى أعلم: إن قوله -تبارك وتعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ على إطلاقه، فظهر الفساد في البر في اليابسة بما فيها من عمران وخلاء، -والفساد بنوعيه- وظهر أيضاً في البحر بنوعيه سواء كان عذباً أو ملحاً، وهذا الفساد الذي ظهر أيضاً بنوعيه الأول: ما كان من فعل ابن آدم، من جنايات ابن آدم، جنايات ابن آدم مثل المعاصي وأعظم من ذلك الشرك بالله .

ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ كأن الذين قالوا: إن البحر المقصود به المدن التي على البحار أو نحو ذلك كأنهم استشكلوا أن يظهر ذلك في نفس البحر، والواقع لا إشكال فيه، فالبحر تظهر فيه مثل هذه الأشياء الفساد والعري والتفسخ ومحاربة الله ورسوله وأكثر الفساد اليوم يقع في البحر مدن وجزر تُشترى أو تستأجر أو نحو ذلك، ويقام فيها ما الله به عليم! ويأتيها الناس من أصقاع الأرض ويوجد أماكن فجور وفساد عائمة فيها كل الفساد من الزنا والمراقص والخمور والمعازف وما إلى ذلك هذا موجود فـظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ هذا نوع من الفساد الذي هو جنايات ابن آدم الشرك وما دونه.

والنوع الثاني: ما كان من فعل الله جَزَاء وِفَاقًا [سورة النبأ:26] فالذي ظهر من هذا النوع الثاني في البر والبحر: الجفاف في البر، القحط، تموت الزروع، تموت الدواب والبهائم، تقل المياه تغور تتغير تتحول لا تصلح للشرب، تحصل فيضانات في الأنهار، ويحصل مثل ذلك في البحار، ويحصل من جنايات ابن آدم ما يحصل للناس من عقوبات بسبب ذلك، أعاصير، براكين، زلازل وغير ذلك من الآفات، فهذه جنايات ابن آدم بأنواعها يحصل من جرائها كوارث، فهي أمور متلازمة.

وإذا نظرت اليوم حينما يتحدثون عن التلوث فمِن فِعل الناس، انظر الآن إلى الكلام الكثير الذي يدور عن مثل هذه الإصابات في ألمانيا وأسبانيا في الخضراوات أو بعض أنواعها، بكتيريا قاتلة أصابتهم بالهلع والفزع إن لم تكن مصطنعة أعني هذه الهالة، يأتون بأنفلونزا الخنازير جديدة بعدُ، فالشاهد أن مثل هذه الأشياء من أين تأتي؟ من جنايات، جَزَاء وِفَاقًا على جنايات الناس، لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا.

التسرب الآن في اليابان بهذه المفاعلات وكون ذلك يحصل بالجو وتنقله السحب والهواء، ويحصل في البحر أيضاً حينما تفرق المياه في البحر ثم ينتقل ولو بعد سنين إلى الأماكن البعيدة، ويؤثر هذا من النفايات الضارة وما إلى ذلك، تلقى هنا وهناك في البلاد التي تحصل فيها الحروب ويستضعف أهلها ثم يبقى على أجيال، تشويه في الأجنّة وسرطانات وأمراض وعلل لا يعلم بها إلا الله ، وجفاف في الأرض، وفساد بالمحاصيل، والأراضي الزراعية وأشياء كثيرة هذا كله داخل في هذا المعنى -والله أعلم.

ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ فالفساد بنوعيه ما كان من فعلهم، وما كان من فعل الله بهم جَزَاء وِفَاقًا والبر والبحر يشمل هذا وهذا أعني اليابسة والبحار الحلوة والمالحة، -والله تعالى أعلم، فيحصل بسبب ذلك نقص الثمرات والأموال كل هذه المعاني التي ذكرها أهل العلم داخلة فيه، -والله تعالي أعلم، وإن كان حمله بعض أهل العلم على هذا وهذا، يعني بعض أهل العلم حمله على المعنيين وهذا هو الأقرب -والله أعلم.

وبعضهم يحمله على أحد المعنيين، وابن جرير مثلاً يحمله على الأول الذي قال عنه ابن كثير هنا على القول الأول معنى ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ بأن النقص بالزروع والثمار بسبب المعاصي، يعني الفساد الذى هو المعاصي ورأس ذلك الشرك بالله ، لكن يبقى المعنى الثاني ما كان جزاءً على هذه المعاصي، وما شكوه الناس من قلة ذات اليد الكوارث الاقتصادية، والمحن المتتابعة عليهم إنما هي بما كسبت أيديهم.

وقال زيد بن رُفَيْع: ظَهَرَ الْفَسَادُ يعني: انقطاع المطر عن البر يعقبه القحط، وعن البحر تعمى دوابه. رواه ابن أبي حاتم.

وقال: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، عن سفيان، عن حميد بن قيس الأعرج، عن مجاهد: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، قال: فساد البر قتل ابن آدم، وفساد البحر أخذ السفينة غصبا.

هذا القول عن مجاهد وهو إمام في التفسير، وبعض المفسرين يستهجن هذا القول ويرده بقوة، ويستبعده غاية الاستبعاد، لكن لو تأملت هذا القول هل يحتاج إلى مثل هذا الاستهجان والرد بهذه الطريقة؟!

تأمل في كلام مجاهد -رحمه الله- يقول: فساد البر قتل ابن آدم، وفساد البحر أخذ السفينة غصبا، هنا يفسر الفساد بجنايات ابن آدم فيكون من قبيل التفسير بالمثال، فقتل ابن آدم هذا فساد مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا [سورة المائدة:32] فهو يمثل لهذا يقول: في البر مثل قتل ابن آدم، وفي البحر وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا [سورة الكهف:79] الآن هذه من القرصنة التي تكون في البحر هذا من الفساد في البحر، ولذلك لا نحتاج أن نقول: ليس هناك ما يلزمنا أو يحوجنا إلى تفسير البحر -كما قلت- بالمدن والقرى الساحلية.

وعلى القول الأول معنى قوله تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ أي: بان النقص في الثمار والزروع بسبب المعاصي.

وقال أبو العالية: مَنْ عصى الله في الأرض فقد أفسد في الأرض؛ لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة؛ ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود: لَحَدٌّ يقام في الأرض أحبّ إلى أهلها من أن يُمطروا أربعين صباحا[16]، والسبب في هذا أن الحدود إذا أقيمت انكف الناس -أو أكثرهم، أو كثير منهم- عن تعاطي المحرمات، وإذا ارتكبت المعاصي كان سببا في محاق البركات من السماء والأرض؛ ولهذا إذا نزل عيسى ابن مريم ، في آخر الزمان فحكم بهذه الشريعة المطهرة في ذلك الوقت، من قتل الخنزير وكسر الصليب ووضع الجزية -وهو تركها- فلا يقبل إلا الإسلام أو السيف، فإذا أهلك الله في زمانه الدجال وأتباعه ويأجوج ومأجوج، قيل للأرض: أخرجي بركاتك، فيأكل من الرمانة الفئَامُ من الناس، ويستظلون بقَحْفها، ويكفي لبن اللّقحة الجماعةَ من الناس، وما ذاك إلا ببركة تنفيذ شريعة رسول الله ﷺ، فكلما أقيم العدل كثرت البركات والخير؛ ولهذا ثبت في الصحيح: إنَّ الفاجر إذا مات تستريح منه العباد والبلاد، والشجر والدواب [17].

هذا الحديث المرفوع في صحيح البخاري وهو المشهور: المستريح والمستراح منه، ثم بين النبي ﷺ ذلك بهذا تستريح الناس منه والدواب والشجر والبلاد والعباد كلهم يستريحون من الفاجر؛ لأنه يفسد ويؤذي.

وروى الإمام أحمد بن حنبل عن أبي قحذم قال: وجد رجل في زمان زياد -أو ابن زياد- صرة فيها حَبّ، يعني من بر أمثال النوى، عليه مكتوب: هذا نبت في زمان كان يعمل فيه بالعدل"[18].

هذا الأثر في مسند الإمام أحمد ذكره بعد حديث، ولكنه لا يصح من جهة الإسناد، لا يثبت، في بعض رواياته: ووجد في خزائن بني أمية صرة مكتوب فيها أو مكتوب عليها "هذا يخرج أيام العدل"، وكان بعض أهل العلم كأنه يقول: إن ذلك لعله كان في عهد عمر بن عبد العزيز، فالله تعالى أعلم.

ولكنه جاء في بعض ألفاظه كما عند أبي شيبة لكن من نفس هذا الطريق عن أبي قحذم أنه وجد في خزائن كسرى لما دخلوا المدائن وأخذوا كنوز كسرى، وفتحوا خزائنه وجدوا مثل هذه الصرة، ولكن الكتابة التي ذُكرت: أن هذا ما قال: يخرج أيام العدل، وإنما يخرج حينما كان يطاع الله أو عبارة نحو هذه، لم يذكر العدل، وليس معنى ذلك أن الفرس كانوا أهل عدل، أو أنهم كانوا يطيعون الله لكن لو صح هذا فإنه يكون مما وجدوه يعني في مكان يطاع الله فيه.

قد يقول: ومعروف أنه كان عندهم في بيت المال عند الفرس وجد الصحابة رجلاً ميتاً يقال: إنه دانيال وإنه أُخذ من أيام بُخْتُنَصّر عندما خرّب بيت المقدس وأخذ من أشراف بني إسرائيل وخيارهم وذهب بهم إلى بلاد فارس، ويزعمون أنه دانيال ونحن لا نعلم في الكتاب ولا في السنة ما يُثبت نبيًّا بهذا الاسم، يذكرونه في أنبيائهم ويقولون: إنهم رأوا منه ما يدل على كرامته على الله ، فلما مات كان الفرس بعد ذلك إلى أن دخل الصحابة بلاد فارس وفتحوها كانوا إذا أجدبوا خرجوا بجنازته من يأت المال فيستمطرون بذلك، يستسقون به، وأن الصحابة لم يجدوه قد تغير منه شيء، كما هو، كأنه نائم إلا شعرات ونحو ذلك في قفاه، وأنهم سألوا عمر وأمرهم أن يحفروا قبوراً وأن يدفنوه في واحد منها ليلاً، ويغيروا قبره، لئلا يعظم.

فالشاهد أن هذا لو صح يعني هذه الصرة التي فيها الحب، وأنها وجدت عند الفرس، -وما ذكر هنا عند وقت ابن زياد إلى آخره ليس المقصود أنه حب ظهر في وقت زياد، وإنما وُجد مثل هذا وأنه لِمَا كان قبله، فلو صح مثل هذا وأنه كان عند الفرس يعني في بيت المال فلا يعني هذا أنهم كانوا بهذه المثابة من العدل وطاعة الله ، ولكن الحكاية من أصلها لا تثبت مع أنها لا تخلو من غرابة، يعني في زمن النبي ﷺ وهو في منتهى العدل! وكان الحب عندهم البر بقدر النوى، وهناك الحب مثل الحب الذي عندنا اليوم، والنبي ﷺ أخبر عن ظهور البركة وأن الفئة من الناس يستظلون بقحف الرمانة يعني القشرة، ولبن اللقحة يكفي جماعة من الناس، هذا في آخر الزمان لما يقال للأرض: أخرجي بركتكِ فتخرج بركتها، -فالله تعالى أعلم.

لكن أيام العدل لا شك أنه تحصل بركات، لكن يصير الأمر إلى هذا الحال حب البر يصير مثل النوى في عهد عمر بن عبد العزيز! هذا مثله ينقل بالتواتر، ولو حصل مثل هذا لخضع الناس للعدل خضوعاً كاملاً، ولحملوا عليه الحكام والخلفاء والملوك بكل ما يستطيعون، لو رأى الناس الأمور بهذه الطريقة البر مثل النوى، والرمانة تكون بحجم غير ما نشاهده هنا، لا ننكر أثر العدل، وأثر تقوى الله في خروج البركات، هذا عمر لا ينكر لكن بهذه الصورة فقد يكون هذا فيه من المبالغة ما فيه، والإمام أحمد -رحمه الله- ذكره بعد حديث، وليس هذا من طريقته في المسند أصلاً يسند إلى رسول الله -ﷺ.

وَقَوْلُهُ: لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أَيْ: يَبْتَلِيهِمْ بِنَقْصِ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ، اخْتِبَارًا مِنْهُ، وَمُجَازَاةً عَلَى صَنِيعِهِمْ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أَيْ: عَنِ الْمَعَاصِي، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [سورة الأعراف: 168].

قوله هنا: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ هذا التعليل هو الذي حمل عامة أهل العلم على حمل الفساد في البر والبحر بنقص الأموال والأنفس والثمرات، أن المقصود بالفساد هذا التحول والتغير في هذه الأشياء جزاء على أعمالهم، هذا السبب الذي حمل هؤلاء العلماء كثير من السلف فمن بعدهم على تفسير الفساد بهذا الذي هو النتيجة، المعنى الثاني الذي ذكرناه ولكن بين المعنيين ملازمة كما سمعتم، يعني لماذا لم يفسروه بالمعاصي ظَهَرَ الْفَسَادُ يعني المعاصي، لِيُذِيقَهُمْ مع أن هذا ممكن أن يفسر بهذا المعنى ولا إشكال، وتكون اللام أيضاً صالحة أن تكون للتعليل.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ أَيْ: مِنْ قَبْلِكُمْ، كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ أَيْ: فَانْظُرُوا مَاذَا حلَّ بِهِمْ مِنْ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ وَكُفْرِ النِّعَمِ.

الأمر بالسير بالأرض لمّا جاء في كتاب الله المقصود به لمن كان عنده شيء من الشك والتردد، وأن الناس لا يؤمرون بذلك أمراً مطلقاً، يعني حتى أهل الإيمان فيقال: اذهبوا للنظر والسياحة في الأرض لتعتبروا وتتعظوا، لم يطلب الشارع هذا منهم بإطلاق، وإنما من كان عنده نوع تردد، وكان يقول: وليس يصح في الأذهان شيء ما احتاج النهار إلى دليل، هذا ما يحتاج إلى النظر، ولهذا الصحابة ما كان يذهبون وينظرون في آثار من قبلهم من الأمم.

قال ابن القيم -رحمه الله: "قَوْلهِ تَعَالَى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ، وَنَزِّلْ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى أَحْوَالِ الْعَالَمِ وَطَابِقْ بَيْنَ الْوَاقِعِ وَبَيْنَهَا، وَأَنْتَ تَرَى كَيْفَ تَحْدُثُ الْآفَاتُ وَالْعِلَلُ كُلَّ وَقْتٍ فِي الثِّمَارِ وَالزَّرْعِ وَالْحَيَوَانِ، وَكَيْفَ يَحْدُثُ مِنْ تِلْكَ الْآفَاتِ آفَاتٌ أُخَرُ مُتَلَازِمَةٌ، بَعْضُهَا آخِذٌ بِرِقَابِ بَعْضٍ، وَكُلَّمَا أَحْدَثَ النَّاسُ ظُلْمًا وَفُجُورًا..."[19].

يذكر المعنيين: الفساد في المعاصي والشرك، ونتيجة ذلك مما يفعله الله بهم، فكأنه يتكلم في عصرنا، يظهر هذا في جملة لو تعيدها ثانية، الجملة القريبة.

وقال -رحمه الله: "...أَحْدَثَ لَهُمْ رَبُّهُمْ -تبارك وتعالى- مِنَ الْآفَاتِ وَالْعِلَلِ فِي أَغْذِيَتِهِمْ وَفَوَاكِهِهِمْ، وَأَهْوِيَتِهِمْ وَمِيَاهِهِمْ، وَأَبْدَانِهِمْ وَخَلْقِهِمْ، وَصُوَرِهِمْ وَأَشْكَالِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ مِنَ النَّقْصِ وَالْآفَاتِ مَا هُوَ مُوجَبُ أَعْمَالِهِمْ وَظُلْمِهِمْ وَفُجُورِهِمْ"[20].

الأبدان مثل الأجنّة، ويولد كما يقولون: ناقص الخلق، ومشوه ونحو ذلك.

وقال -رحمه الله: "وَلَقَدْ كَانَتِ الْحُبُوبُ مِنَ الْحِنْطَةِ وَغَيْرِهَا أَكْبَرَ مِمَّا هِيَ الْيَوْمَ، كَمَا كَانَتِ الْبَرَكَةُ فِيهَا أَعْظَمَ.

وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ: أَنَّهُ وَجَدَ فِي خَزَائِنِ بَعْضِ بَنِي أُمَيَّةَ صُرَّةً فِيهَا حِنْطَةٌ أَمْثَالُ نَوَى التَّمْرِ مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا: هَذَا كَانَ يَنْبُتُ أَيَّامَ الْعَدْلِ، وَهَذِهِ الْقِصَّةُ، ذَكَرَهَا فِي " مُسْنَدِهِ " عَلَى أَثَرِ حَدِيثٍ رَوَاهُ.

وَأَكْثَرُ هَذِهِ الْأَمْرَاضِ وَالْآفَاتِ الْعَامَّةِ بَقِيَّةُ عَذَابٍ عُذِّبَتْ بِهِ الْأُمَمُ السَّالِفَةُ، ثُمَّ بَقِيَتْ مِنْهَا بَقِيَّةٌ مُرْصَدَةٌ لِمَنْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ بَقِيَّةٌ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، حَكَمًا قِسْطًا، وَقَضَاءً عَدْلًا، وَقَدْ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى هَذَا بِقَوْلِهِ فِي الطَّاعُونِ: إِنَّهُ بَقِيَّةُ رِجْزٍ، أَوْ عَذَابٍ أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ"[21].

يقول: هذه بقايا عقوبات بقي جزء منها سواء كان الرياح أو كان من الأوبئة والأمراض والطواعين هي بقايا عقوبات سابقة نزلت على أمم.

وقال -رحمه الله: "وَكَذَلِكَ سَلَّطَ اللَّهُ الرِّيحَ عَلَى قَوْمٍ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ أَبْقَى فِي الْعَالَمِ مِنْهَا بَقِيَّةً فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ، وَفِي نَظِيرِهَا عِظَةٌ وَعِبْرَةٌ.

وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْمَالَ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ مُقْتَضِيَاتٍ لِآثَارِهَا فِي هَذَا الْعَالَمِ اقْتِضَاءً لَابُدَّ مِنْهُ، فَجَعَلَ مَنْعَ الْإِحْسَانِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ سَبَبًا لِمَنْعِ الْغَيْثِ مِنَ السَّمَاءِ، وَالْقَحْطِ وَالْجَدْبِ، وَجَعَلَ ظُلْمَ الْمَسَاكِينِ، وَالْبَخْسَ فِي الْمَكَايِيلِ وَالْمَوَازِينِ، وَتَعَدِّي الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ سَبَبًا لِجَوْرِ الْمُلُوكِ وَالْوُلَاةِ الَّذِينَ لَا يَرْحَمُونَ إِنِ اسْتُرْحِمُوا، وَلَا يَعْطِفُونَ إِنِ اسْتُعْطِفُوا، وَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ أَعْمَالُ الرَّعَايَا ظَهَرَتْ فِي صُوَرِ وُلَاتِهِمْ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِحِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ يُظْهِرُ لِلنَّاسِ أَعْمَالَهُمْ فِي قَوَالِبَ وَصُوَرٍ تُنَاسِبُهَا، فَتَارَةً بِقَحْطٍ وَجَدْبٍ، وَتَارَةً بِعَدُوٍّ، وَتَارَةً بِوُلَاةٍ جَائِرِينَ، وَتَارَةً بِأَمْرَاضٍ عَامَّةٍ، وَتَارَةً بِهُمُومٍ وَآلَامٍ وَغُمُومٍ تُحْضِرُهَا نُفُوسُهُمْ لَا يَنْفَكُّونَ عَنْهَا، وَتَارَةً بِمَنْعِ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ عَنْهُمْ، وَتَارَةً بِتَسْلِيطِ الشَّيَاطِينِ عَلَيْهِمْ تَؤُزُّهُمْ إِلَى أَسْبَابِ الْعَذَابِ أَزًّا لِتَحِقَّ عَلَيْهِمُ الْكَلِمَةُ، وَلِيَصِيرَ كُلٌّ مِنْهُمْ إِلَى مَا خُلِقَ لَهُ، وَالْعَاقِلُ يُسَيِّرُ بَصِيرَتَهُ بَيْنَ أَقْطَارِ الْعَالَمِ فَيُشَاهِدُهُ، وَيَنْظُرُ مَوَاقِعَ عَدْلِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يَتَبَيَّنُ لَهُ أَنَّ الرُّسُلَ وَأَتْبَاعَهُمْ خَاصَّةً عَلَى سَبِيلِ النَّجَاةِ، وَسَائِرُ الْخَلْقِ عَلَى سَبِيلِ الْهَلَاكِ سَائِرُونَ، وَإِلَى دَارِ الْبَوَارِ صَائِرُونَ، وَاللُّهُ بَالِغٌ أَمْرَهُ، لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَلَا رَادَّ لِأَمْرِهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ"[22].

وقال -رحمه الله: "قَالَ تَعَالَى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.

قَالَ مُجَاهِدٌ: إِذَا وَلِيَ الظَّالِمُ سَعَى بِالظُّلْمِ وَالْفَسَادِ فَيَحْبِسُ اللَّهُ بِذَلِكَ الْقَطْرَ، فَيَهْلكُ الْحَرْثُ وَالنَّسْلُ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ، ثُمَّ قَرَأَ: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.

ثُمَّ قَالَ: "أَمَا وَاللَّهِ مَا هُوَ بَحْرُكُمْ هَذَا، وَلَكِنْ كُلُّ قَرْيَةٍ عَلَى مَاءٍ جَارٍ فَهُوَ بَحْرٌ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ لَكُمْ: بَحْرُكُمْ هَذَا، وَلَكِنْ كُلُّ قَرْيَةٍ عَلَى مَاءٍ، وَقَالَ قَتَادَةُ: أَمَّا الْبَرُّ فَأَهْلُ الْعَمُودِ، وَأَمَّا الْبَحْرُ فَأَهْلُ الْقُرَى وَالرِّيفِ، قُلْتُ: وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْمَاءَ الْعَذْبَ بَحْرًا، فَقَالَ: وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ [سورة فاطر:12].

وَلَيْسَ فِي الْعَالَمِ بَحْرٌ حُلْوٌ وَاقِفٌ، وَإِنَّمَا هِيَ الْأَنْهَارُ الْجَارِيَةُ، وَالْبَحْرُ الْمَالِحُ هُوَ السَّاكِنُ، فَسَمَّى الْقُرَى الَّتِي عَلَيْهَا الْمِيَاهُ الْجَارِيَةُ بِاسْمِ تِلْكَ الْمِيَاهِ"[23].

هذا على حد معرفته هو لا يوجد بحر واقف حلو، البحيرات الموجودة في العالم بعض هذه البحيرات تشترك فيها خمس دول أو أكثر بحر مثل هذا البحر الذي نشاهده لكنه حلو، أمواج وسفن تجري تجد مدناً أحياناً على ضفاف هذه البحيرة وهو شيء مشاهد وهو في غاية العذوبة هذا موجود في أفريقيا وفي غيرها، كأنك تشاهد هذا البحر عندنا تجري فيه السفن الكبار والأمواج، تمام لا فرق إلا من حيث هذا حلو وذاك ملح.

وقال -رحمه الله: "وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَالَ: الذُّنُوبُ.

قُلْتُ: أَرَادَ أَنَّ الذُّنُوبَ سَبَبُ الْفَسَادِ الَّذِي ظَهَرَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْفَسَادَ الَّذِي ظَهَرَ هُوَ الذُّنُوبُ نَفْسُهَا"[24].

هذه الملازمة، وإلا كما سبق فكثيرون فسروه بالأثر للذنوب؛ لأنه قال: بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ.

وقال -رحمه الله: "فَتَكُونُ اللَّامُ فِي قَوْلِهِ: لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَامَ الْعَاقِبَةِ وَالتَّعْلِيلِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَالْمُرَادُ بِالْفَسَادِ: النَّقْصُ وَالشَّرُّ وَالْآلَامُ الَّتِي يُحْدِثُهَا اللَّهُ فِي الْأَرْضِ عِنْدَ مَعَاصِي الْعِبَادِ، فَكُلَّمَا أَحْدَثُوا ذَنْبًا أَحْدَثَ اللَّهُ لَهُمْ عُقُوبَةً، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: كُلَّمَا أَحْدَثْتُمْ ذَنْبًا أَحْدَثَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ سُلْطَانِهِ عُقُوبَةً"[25].

الكلمة التي قالها ابن القيم -رحمه الله: تكون اللام للعاقبة وللتعليل، هنا يشير إلى ما يذكره ابن كثير -رحمه الله- فهي بالنسبة لفعل الله بهم للتعليل لِيُذِيقَهُمْ، وبالنسبة لفعلهم هل فعلوا هذا من أجل أن يذيقهم الله؟ لا، فتكون للعاقبة بهذا الاعتبار، هذا عند تفسير الفساد بالمعاصي والشرك.

وقال -رحمه الله: "وَالظَّاهِرُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّ الْفَسَادَ الْمُرَادَ بِهِ الذُّنُوبُ وَمُوجِبَاتُهَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا فَهَذَا حَالُنَا، وَإِنَّمَا أَذَاقَنَا الشَّيْءَ الْيَسِيرَ مِنْ أَعْمَالِنَا، وَلَوْ أَذَاقَنَا كُلَّ أَعْمَالِنَا لَمَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ"[26].

  1. رواه الطبراني في المعجم الكبير، برقم (987)، وابن حبان في صحيحه، برقم (654)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (2637).
  2. رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين، برقم (1385).
  3. مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (2/ 87).
  4. مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (2/ 87).
  5. رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه، وهل يعرض على الصبي الإسلام؟ برقم (1359)، ومسلم، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين، برقم (2658).
  6. مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (2/ 87).
  7. شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (ص:286).
  8. المصدر السابق.
  9. المصدر السابق.
  10. المصدر السابق (ص:286، 287).
  11. شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر (ص:287).
  12. المصدر السابق.
  13. المصدر السابق.
  14. رواه الطبراني في المعجم الأوسط، برقم (4886).
  15. رواه ابن خزيمة في صحيحه، برقم (1934)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (2319).
  16. رواه ابن ماجه، كتاب الحدود، باب إقامة الحدود، برقم (2538)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم (231)، وحسنه في صحيح الجامع، برقم (3130).
  17. رواه البخاري، كتاب الرقائق، باب سكرات الموت، برقم (6512)، ومسلم، كتاب الجنائز، باب ما جاء في مستريح ومستراح منه، برقم (950).
  18. رواه أحمد في المسند، برقم (7949)، وقال محققوه: "هذا خبر إسناده ضعيف لا يثبت، وليس هو بحديث، ولا ندري وجه وقوعه في مسند أبي هريرة".
  19. زاد المعاد في هدي خير العباد (4/ 332).
  20. المصدر السابق.
  21. المصدر السابق (4/ 333).
  22. زاد المعاد في هدي خير العباد (4/ 333، 334).
  23. الجواب الكافي (ص:64، 65).
  24. الجواب الكافي (ص:65).
  25. المصدر السابق.
  26. المصدر السابق.

مواد ذات صلة