الثلاثاء 21 / ذو الحجة / 1441 - 11 / أغسطس 2020
[3] من قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} الآية 22 إلى قوله تعالى: {بَل لَّا يَشْعُرُونَ} الآية 56
تاريخ النشر: ١٨ / محرّم / ١٤٣٠
التحميل: 3706
مرات الإستماع: 5885

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ۝ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ ۝ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ [سورة المؤمنون:23-25].

يخبر تعالى عن نوح حين بعثه إلى قومه لينذرهم عذاب الله وبأسه الشديد، وانتقامه ممن أشرك به وخالف أمره وكذب رسله فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ [سورة المؤمنون:23]، أي: ألا تخافون من الله في إشراككم به؟ فقال الملأ وهم السادة والأكابر منهم: مَا هَذَا إِلاّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضّلَ عَلَيْكُمْ يعنون يترفع عليكم، ويتعاظم بدعوى النبوة، وهو بشر مثلكم، فكيف أوحي إليه دونكم؟ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَة [سورة المؤمنون:24]، أي: لو أراد أن يبعث نبياً لبعث ملكاً من عنده ولم يكن بشراً ما سمعنا بهذا، أي ببعثة البشر في آبائنا الأولين، يعنون بهذا أسلافهم وأجدادهم في الدهور الماضية، وقوله: إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ [سورة المؤمنون:25]، أي: مجنون فيما يزعمه من أن الله أرسله إليكم واختصه من بينكم بالوحي فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ أي: انتظروا به ريب المنون، واصبروا عليه مدة حتى تستريحوا منه.

قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ ۝ فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ ۝ فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ۝ وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ ۝ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ [سورة المؤمنون:26-30].

يخبر تعالى عن نوح أنه دعا ربه ليستنصره على قومه، كما قال تعالى مخبراً عنه في الآية الأخرى: فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ [سورة القمر:10]، وقال ههنا: رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ [سورة المؤمنون:26] فعند ذلك أمره الله تعالى بصنعة السفينة وإحكامها وإتقانها، وأن يحمل فيها من كل زوجين اثنين، أي ذكراً وأنثى من كل صنف من الحيوانات والنباتات والثمار وغير ذلك، وأن يحمل فيها أهله إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ [سورة المؤمنون:27]، أي: من سبق عليه القول من الله بالهلاك، وهم الذين لم يؤمنوا به من أهله كابنه وزوجته، والله أعلم.

وقوله: وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ [سورة المؤمنون:27] أي: عند معاينة إنزال المطر العظيم لا تأخذنك رأفة بقومك وشفقة عليهم، وطمع في تأخيرهم لعلهم يؤمنون، فإني قد قضيت أنهم مغرقون على ما هم عليه من الكفر والطغيان، وقد تقدمت القصة مبسوطة في سورة هود بما يغني عن إعادة ذلك ههنا.

وقوله: فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [سورة المؤمنون:28] كما قال: وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ ۝ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ۝ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ [سورة الزخرف:12-14] وقد امتثل نوح هذا، كما قال تعالى: وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْراهَا وَمُرْسَاهَا [سورة هود:41] فذكَرَ الله تعالى عند ابتداء سيره وعند انتهائه، وقال تعالى: وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ [سورة المؤمنون:29].

وقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ [سورة المؤمنون:30] أي: إن في هذا الصنيع وهو إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين لآيات أي لحججاً ودلالات واضحات على صدق الأنبياء فيما جاءوا به عن الله تعالى، وأنه تعالى فاعل لما يشاء قادر على كل شيء عليم بكل شيء، وقوله: وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ [سورة المؤمنون:30] أي: لمختبرين للعباد بإرسال المرسلين.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ [سورة المؤمنون:23]، قال بعض أهل العلم: أَفَلَا تَتَّقُونَ الشرك والكفر؟ وبعضهم يقول غير هذا، والأقرب أن يفسر بما ذكره الحافظ ابن كثير -رحمه الله، فتقوى الله تشمل ذلك جميعاً، فلا تشركون به ولا تعصونه.

وقوله: فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ [سورة المؤمنون:24] الملأ هم الأشراف، قيل لهم الملأ لأنهم يتمالئون على الأمر، بمعنى أنهم أهل الحل والعقد، والرأي والنظر في الأمور، أو لأنهم يملئون صدور المجالس باعتبار أنهم هم المقدمون، فهذا يرجع إلى ما ذكره الحافظ ابن كثير -رحمه الله- من أنهم الأشراف، والكبراء، وأهل الوجاهة.

وقوله: فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ [سورة المؤمنون:25] أي: انتظروا به ريب المنون، واصبروا عليه مدة حتى تستريحوا، ويمكن أن يقال: انتظروا حتى ينكشف أمره ويتبين حاله، أو أنه يرتفع ما به من علة ويذهب ما به من جِنّة ويفيق.

وقوله -تبارك وتعالى: فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا [سورة المؤمنون:27]، هذه الآية تدل على إثبات صفة العين، فإن ذلك لا يضاف لمن كان فاقداً لهذه الصفة، من هذا الوجه، والمعنى: اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا يعني: على مرأى منا، وهذا يدل على رعاية الله وعنايته، كما قال الله : فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [سورة الطور:48] فهو محل عناية الله ورعايته، وحفظه، وكلاءته، لكنه كما سبق فيه إثبات صفة العين لله على ما يليق بجلاله وعظمته، فمن هذه الآية وغيرها من الآيات التي ورد فيها هذا المعنى تَثبتُ لله هذه الصفة.

وقوله: وَوَحْيِنَا يعني: أنه يفعل ذلك بأمر الله -تبارك وتعالى- لا من عند نفسه، فالله هو الذي أمره بذلك وأوحى إليه هذا، ولهذا يقولون: إن أول من تعاطى النجارة هو نوح -عليه الصلاة والسلام، وإن معلمه الأول هو جبريل -عليه الصلاة والسلام.

قال: فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [سورة المؤمنون:27] سبق الكلام على التنور، وقلنا: إن الأرجح أنه التنور الذي يخبز به، وأما ما جاء من أنه تنور آدم يعني الذي يخبز به فهذا قد ورد في بعض الإسرائيليات لكنه لا يعول عليه، والمقصود أن يفسر التنور بما يعرف من كلام العرب في معناه الأشهر والأكثر استعمالاً، وهو المتبادر إلى أذهان السامعين: المكان الذي يخبز به، المحل الذي تعرفون، وإن كان بعض السلف فسره بغير هذا كقول بعضهم: إنه وجه الأرض، ولكن لا يفسر القرآن إلا بالأشهر، والأغلب؛ لأنه هو الظاهر المتبادر.

وقوله -تبارك وتعالى: وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا [سورة المؤمنون:29]، هذه الآية فيها قراءتان: القراءة الأولى: وهي قراءة الجمهور مُنزَلًابالضم، وفي قراءة أخرى هي رواية عن عاصم مَنْزِلاً، والمَنزِل اسم مكان، ومُنزلاً مصدر يعني: أنزلني إنزالاً مباركاً، فهذان معنيان، وكل قراءة لها معنى، وإذا كان في الآية أكثر من قراءة، ولكل قراءة معنى فإن ذلك يكون من باب تنوع القراءات، وينزل بمنزلة تعدد الآيات، إذا كان لكل قراءة معنى، فقراءةٌ تدل على أنه دعا ربه أن ينزله في مكان مبارك، والقراءة الثانية أن الله ينزله إنزالاً مباركاً، لا يختص بالمكان، وإنما يكون ذلك الإنزال المبارك، فهو أعم وأشمل، فيدخل فيه المكان، ويدخل فيه الزمان، والله تعالى أعلم.

وبعض أهل العلم أخذ من هذه الآية أن الإنسان إذا أراد أن ينزل في مكان فعليه أن يقول هذه الآية، وقد علمنا النبي ﷺ إذا أردنا أن ننزل في مكان أن نقول: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق[1].

قوله: ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ۝ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهم ْأَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ۝ وَقَالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الحَياةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ ويَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ۝ وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ ۝ أَيعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ ۝ هَيْهَاتَ هَيْهاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ۝ إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبعُوثِينَ ۝ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ۝ قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ ۝ قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ ۝ فَأَخَذَتْهمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاء فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [سورة المؤمنون:31-41]

يخبر تعالى أنه أنشأ بعد قوم نوح قرناً آخرين، قيل: المراد بهم عاد، فإنهم كانوا مستخلفين بعدهم، وقيل: المراد بهؤلاء ثمود لقوله: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ [سورة المؤمنون:41] وأنه تعالى أرسل فيهم رسولاً منهم، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فكذبوه وخالفوه وأبوا عن اتباعه لكونه بشراً مثلهم، واستنكفوا عن اتباع رسول بشري، وكذبوا بلقاء الله في القيامة وأنكروا المعاد الجثماني، وقالوا: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ ۝ هَيْهَاتَ هيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ [سورة المؤمنون:35، 36]، أي: بعيد بعيد ذلك

إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [سورة المؤمنون:38]، أي: فيما جاءكم به من الرسالة والنذارة والإخبار بالمعاد وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ۝ قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ [سورة المؤمنون:38، 39] أي: استفتح عليهم الرسول واستنصر ربه عليهم، فأجاب دعاءه قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ [سورة المؤمنون:40]، أي: بمخالفتك وعنادك فيما جئتهم به فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ [سورة المؤمنون:41]، أي: وكانوا يستحقون ذلك من الله بكفرهم وطغيانهم، والظاهر أنه اجتمع عليهم صيحة مع الريح الصرصر العاصف القوي البارد تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ [سورة الأحقاف:25] 

وقوله:فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاء [سورة المؤمنون:41] أي: صرعى هلكى كغثاء السيل، وهو الشيء الحقير التافه الهالك الذي لا ينتفع بشيء منه، فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [سورة المؤمنون:41]، كقوله: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ [سورة الزخرف:76]، أي: بكفرهم وعنادهم ومخالفة رسول الله، فليحذر السامعون أن يكذبوا رسولهم.

قوله -تبارك وتعالى: ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ [سورة المؤمنون:31] يقول الحافظ ابن كثير-رحمه الله: "يخبر تعالى أنه أنشأ بعد قوم نوح قرناً آخرين، قيل: المراد بهم عاد، فإنهم كانوا مستخلفين بعدهم، وقيل: المراد بهؤلاء ثمود" ثم بعد ذلك في ما ذكره الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في عقوبتهم فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ [سورة المؤمنون:41]، قال: "والظاهر أنه اجتمع عليهم صيحة مع الريح الصرصر العاصف القوي البارد"، وهذا يدل على أن المقصود بهم قوم عاد، وكبير المفسرين ابن جرير -رحمه الله- يرى أنهم ثمود، وحجته أن الذين أُخذوا بالصيحة هم قوم ثمود، أما قوم عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية، والذين يقولون بأن هؤلاء ثمود كما هو ظاهر كلام ابن كثير حينما ذكر عقوبتهم قال: والظاهر أنه جمع، يقولون جرت العادة في القرآن أن الله إذا ذكر هؤلاء الأمم يذكر بعد قوم نوح عاداً بعدهم، ثم يذكر ثمود هذا في جميع المواضع التي تذكر فيها هذه الأمم، فتذكر بهذا الترتيب، وهذا يشكل عليه ما احتج به ابن جرير -رحمه الله- ومن سبقه، ومن جاء بعده أيضاً من أن عاداً أهلكوا بالريح فما هو الجواب؟

يعني هؤلاء عندهم مرجح هو أن العادة في القرآن أن هؤلاء هم عاد، وأولئك عندهم مرجح أن العقوبة التي ذكرت هي الصيحة، والصيحة كانت لثمود، فلابد من الجواب عن هذا الاستدلال الذي يستدل به ابن جرير ومن وافقه، والجواب هو ما ذكره ابن كثير -رحمه الله- أن الله جمع عليهم هذا وهذا، ولذلك تجدون في بعض العقوبات يذكر الله الصيحة في موضع، ويذكر الرجفة في موضع، فالعلماء يقولون: صاح بهم الملَك ورجفت بهم الأرض فيذكر الله تارة هذا، وتارة هذا.

وهذا من قبيل تفسير القرآن بالقرآن، ونحن نعرف أن تفسير القرآن بالقرآن هو أعلى التفسير في الجملة، حيث الجنس، ولكن قد يخطئ المفسر فيربط بين الآية وآية، ولا يوفق في هذا، ولهذا يقال: إن تفسير القرآن بالقرآن يدخله الاجتهاد فتارة يكون من قبيل الغلط البين، وتارة يكون محتملاً كما في الآية السابقة، وتارة نجزم به، نقطع كما في قوله -تبارك وتعالى: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [سورة النحل:118] قاله في سورة النحل، والذي قصه من قبل يمكن أن نفسره، ونحن نجزم بهذا وذلك في سورة الأنعام وكلاهما من المكي، وهو قول الله –تبارك وتعالى: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا [سورة الأنعام:146].

وكذلك قوله –تبارك وتعالى: اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ ۝ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ [سورة الفاتحة:6، 7]، والصراط المستقيم هو المفسَّر في قول الله -تبارك وتعالى: وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [سورة النساء:69]، فالذين أنعم الله عليهم هم هؤلاء.

فهذه أمثلة مفيدة لطالب العلم الذي يعتني بهذه الأشياء، ولو بحث عنها لربما لا يجدها، ولهذا دائماً أقول لطالب العلم: ينبغي أن يدون هذه الأشياء فيجتمع عنده في النهاية أشياء في غاية الأهمية.

وقوله - تبارك وتعالى: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ ۝ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ [سورة المؤمنون:35، 36] أي: بعيد بعيد ذلك، وهيهات اسم فعل بمعنى بَعُد.

وقوله - تبارك وتعالى: إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ [سورة المؤمنون:37] بعض العلماء يقول: هناك تقديم وتأخير، والمعنى نحيا ونموت، والواو لا تقتضي الترتيب، لكن نحن نعرف في القاعدة: أن الأصل في الكلام الترتيب، فلا يُدّعى التقديم والتأخير إلا لضرورة، فمهما أمكن حمل الكلام على تفسير يبقي فيه السياق القرآني على حاله من غير دعوى التقديم والتأخير فهذا هو الأولى في التفسير وهو المرجَّح، وفي قوله –تبارك وتعالى: إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ، يمكن أن نفسر الآية بتفسير يتفق مع ظاهرها، ويكون المعنى يموت بعضنا ويحيا آخرون، وهذا معنى جيد وقريب، وهو الذي اختاره كبير المفسرين أبو جعفر بن جرير -رحمه الله.

ومثال ذلك في القرآن قول الله –تبارك وتعالى: فَإِن قَتلوكم فَاقْتُلُوهُمْ [سورة البقرة:191] وهذه قراءة متواترة، والقراءة التي نقرأ بها: فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، وهذه القراءة لا إشكال فيها، لكن: فَإِن قَتلوكم فَاقْتُلُوهُمْ لاسيما أن التعقيب بالفاء، كيف تقتلونهم إذا متم ولا تستطيعون قتلهم؟

والمعنى فإن قتلوا بعضكم فاقتلوهم، فأضاف ذلك إلى الجميع، والمقصود البعض، وهذا موجود في كلام العرب وله شواهد كثيرة.

في قوله: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ [سورة المؤمنون:41] يعني: أن ذلك الأخذ وقع متلبساً بالحق بمعنى أن ذلك لم يكن بظلم لهم وإنما هم مستحقون لهذا.

قوله: فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاء فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ الغثاء هو الشيء الحقير الذي لا شأن له، يطفو على الماء تحمله المياه والسيول فهو خفيف، ليس له وزن ولا شأن له، ويكون من قش ونحوه، وإذا أردت أن تتصور هذا المعنى كيف يكون الإنسان بهذا الحجم الذي يرى نفسه أنه صاحب قامة، كيف يكون غثاء مثل القش؟ انظروا وتذكروا الصور التي عرضت في التوسونامي رأيتم البشر كيف كانوا مثل الغثاء، ومثل الحطام بين الأخشاب وبيوتهم صارت متقطعة متهشمة، والبشر بينها كأنهم قش على الماء هم وأخشابهم وبقايا البيوت، حطمهم الماء، ولهذا قال الله عن عاد كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ [سورة الحاقة:7] أعجاز النخل: أي أصول النخل.

قوله: ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ ۝ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ۝ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعدًا لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ [سورة المؤمنون:42-44]، يقول تعالى: ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ [سورة المؤمنون:42]، أي: أمماً وخلائق.

يعني الذين قص الله خبرهم في القرآن بعدما ذكر عادا، ذكر بعدهم ثمود، وذكر أيضاً قوم إبراهيم، وذكر كذلك قوم لوط، وذكر قوم شعيب كل هؤلاء قص الله خبرهم، وأهلكهم الله -تبارك وتعالى- أمة بعد أمة، وليس ذلك للحصر، فإن الله قد أهلك من الأمم وأرسل من المرسلين ما لم يقصص علينا خبره، ولهذا قال الله : مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [سورة غافر:78]، وقال: وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللّهُ [سورة إبراهيم:9]، والله قد ذكر أشهرهم إلى أن بعث موسى ﷺ فأهلك الله فرعون، ثم أنزل عليه التوراة.

مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ [سورة المؤمنون:43] يعني: بل يؤخذون على حسب ما قَدر لهم تعالى في كتابه المحفوظ، وعلمه قبل كونهم أمة بعد أمة، وقرناً بعد قرن، وجيلاً بعد جيل، وخلفاً بعد سلف.

بمعنى أن هؤلاء مهما بلغ كفرهم وعتوهم فإن الله قد قدر لهم أجلاً ووقتاً، لابد أن يبلغوه، إما بعقوبتهم المستأصلة أو لفنائهم بأجلهم، مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ فإذا جاء ما قدر الله لهم أخذهم، لكن الناس قد يستطيلون هذا ويستعجلونه لأن الأعمار قصيرة، والصدور ضيقة، والإنسان إنما يَحسب بأيامه، فالإنسان يحسب السنوات الثلاث والأربع والعشر أنها طويلة، لكنها في ميزان الله ليست بشيء، وإذا أردت أن تعرف هذا فانظر إلى القرون الماضية، وكيف أن الله –تبارك وتعالى– قص خبرهم، وكيف تتابعت الأمم من قوم نوح ثم بعد ذلك عاد ثم بعد ذلك ثمود، ثم بعد ذلك قوم شعيب، وهكذا تتابع هذه الأمم، وإذا قرأت في كتب التاريخ مثل البداية والنهاية تجد أمماً متتابعة يهلكها الله –تبارك وتعالى- لكن كم كانت مدة الإمهال؟

والذين كانوا في ذلك الوقت كانوا يعتبرون المدة طويلة، وقد قال الله –تبارك وتعالى: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ [سورة يوسف:110] يعني: وصلوا إلى حد انقطع معه الصبر جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء فالناس يستعجلون هذا ويظنون أن الأمر ينتهي في سنة أو سنتين أو نحو ذلك، وهذا لا يلزم.

وانظر إلى الاستعمار الذي بقي في إندونيسيا أربعمائة سنة، والذي بقي في الجزائر مائتي سنة، وفي مصر مائة سنة، وهؤلاء إخوان القردة والخنازير ما جلسوا مثل ما جلس إخوانهم، لكن الإنسان يستعجل أن هؤلاء مكثوا مدة طويلة، فلا يقيس الإنسان هذه الأمور بسُنيّات من عمره، لكن العاقبة للمتقين، العبرة بهذا، ويبتلي الله الناس بعضهم ببعض، فيؤخر الكفار؛ ليزدادوا كفراً وإجراما وحتى يستوجبوا مزيدا من العذاب، ويبتلي المؤمنين، فينظر من يصدق في إيمانه ومن لا يصدق وينافق.

قوله: ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا [سورة المؤمنون:44]، قال: ابن عباس يعني يتبع بعضهم بعضاً، وهذا كقوله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [سورة النحل:36]، وقوله: كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ [سورة المؤمنون:44]، يعني: جمهورهم وأكثرهم، كقوله تعالى: يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُوُن [سورة يــس:30].

وقوله: فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا [سورة المؤمنون:44]، أي: أهلكناهم، كقوله: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ [سورة الإسراء:17].

وقوله: وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ، أي: أخباراً وأحاديث للناس، كقوله: فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ [سورة سبأ:19].

أحاديث جمع أحدوثة وهو ما يتحدث به، أي: يتحدث الناس في مجالسهم عن خبرهم وما حل بهم من عذاب الله ونقمته، وما نزل بساحتهم من النكال، والعذاب المستأصل، فصاروا خبراً بعد عين، وصار الناس يتحدثون بهم للاعتبار أو التسلية، وهذا يقال في الغالب لمن وقع به النكال فصار عبرة.

ومن أهل العلم كابن جرير –رحمه الله– من يقول: وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ إنما يكون ذلك لمن حل به المكروه، فيكون عبرة لغيره، ولا يقال لمن حل به النعمة والأمر المحبوب، وهذا ليس محل اتفاق، فبعض أهل العلم من يقول غير هذا، فالإنسان يكون أحدوثة بعدما يفارق ويموت، فكُن أحدوثةً يتحدث الناس فيها بخير.

ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ۝ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ ۝ فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ ۝ فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ ۝ وَلَقدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ [سورة المؤمنون:45-49].

يخبر تعالى أنه بعث رسوله موسى وأخاه هارون إلى فرعون وملئه بالآيات والحجج الدامغات والبراهين القاطعات، وأن فرعون وقومه استكبروا عن اتباعهما والانقياد لأمرهما لكونهما بشرين، كما أنكرت الأمم الماضية بعثة الرسل من البشر، تشابهت قلوبهم فأهلك الله فرعون وملأه، وأغرقهم في يوم واحد أجمعين، وأنزل على موسى الكتاب وهو التوراة، فيها أحكامه وأوامره ونواهيه، وذلك بعد أن قصم الله فرعون والقبط وأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وبعد أن أنزل الله التوراة لم يهلك أمة بعامة بل أمر المؤمنين بقتال الكافرين، كما قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [سورة القصص:43].

 قوله -تبارك وتعالى: ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ هذا من باب عطف الصفات، فالسلطان المبين هو الآيات.

والحجة يقال لها سلطان، وهو أحد الأقوال التي فسر بها قوله -تبارك وتعالى: وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا [سورة الإسراء:33]، قال بعض أهل العلم: أي حجة يتسلط بها ولي الدم على القاتل، ويكون له سبيل عليه، ويحتمل أن يكون هذا من باب عطف الأمور المتنوعة المتغايرة، فالآيات غير السلطان المبين، فتكون الآيات هي الآيات التسع التي ذكرها الله لكن ينبغي أن يخرج منها فلْق البحر؛ لأن هذه الآية التي حصل فيها فلْق البحر لم تكن من الآيات التي قدمت لفرعون من أجل أن يؤمن، وإنما كان فيها هلاكه.

ثم ذكر الله هنا هلاكه: فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ، أي: هلكوا بفلق البحر، وقد غرق فرعون -كما هو معلوم– فلم يكن فلق البحر من أجل أن يؤمن فرعون، وإنما الطوفان والجراد، وكذلك اليد، والعصا وهي أكبر الآيات، والسلطان المبين يمكن أن يقال: إنها الحجة الواضحة البينة.

ومن أهل العلم من يقول: هذا من باب عطف الخاص على العام، فالآيات المذكورة هنا هي الآيات التي ذكرها الله كاليد، والطوفان، والجراد، والقمل، والسلطان المبين هو أعظم هذه الآيات وهي العصا، ولهذا بعضهم يقول في تفسير قوله -تبارك وتعالى: فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى [سورة النازعات:20] بعضهم يفسر الآية الكبرى بما يشبه أفعل التفضيل، يعني الأكبر من الآيات، فتكون هي العصا.

وبعضهم يقول: فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى الآيات الكبار ولا يختص ذلك بالعصا فيدخل فيها اليد مثلاً، وهكذا في قوله -تبارك وتعالى: لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [سورة النجم:18].

وقوله -تبارك وتعالى- عن قول فرعون وقومه: فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ [سورة المؤمنون:47] لذلك قص الله من خبره واستعلائه وتكبره أنه قال: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ [سورة الزخرف:51]، وقال: أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ [سورة الزخرف:52]، فتعالى واستكبر وتعاظم، وقال: مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي [سورة القصص:38]، وقال: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [سورة النازعات:24].

قوله: فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ، من المعلوم أن بني إسرائيل الذين كانوا في مصر كانوا من القبط، وكانوا قد حلوا بمصر لما جاء إخوة يوسف مع أبويه، ثم كان أولئك من نسلهم، تكاثروا، هذا مجيء بني إسرائيل إلى مصر، فكان مجيئاً عارضاً ثم بعد ذلك خرج بهم موسى ﷺ، لم يكونوا يعبدون فرعون، ولذلك لا حاجة لتفسيره بمثل هذا، وإنما يقال: العبادة تطلق على الطاعة والانقياد، فكان يستعبدهم، ولهذا قال له موسى ﷺ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ [سورة طـه:47] وقال: وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ۝ حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [سورة الأعراف:104، 105]

وقال الله : يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ [سورة القصص:4]، فمعنى قوله –تبارك وتعالى: وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ [سورة المؤمنون:47]، أي: مُذلَّلون مطيعون منقادون مسخرون أشبه ما يكونون بالخدم، ولم يكونوا من أشراف الناس.

وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ [سورة المؤمنون:50]، يقول تعالى مخبراً عن عبده ورسوله عيسى ابن مريم -عليهما السلام- أنه جعلهما آية للناس، أي: حجة قاطعة على قدرته على ما يشاء، فإنه خلق آدم من غير أب ولا أم، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الناس من ذكر وأنثى.

وقوله: وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ [سورة المؤمنون:50] قال الضحاك عن ابن عباس –ا: الربوة المكان المرتفع من الأرض، وهو أحسن ما يكون فيه النبات، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة.

قال ابن عباس: وقوله: ذَاتِ قَرَارٍ يقول ذات خصب وَمَعِينٍ يعني: ماء ظاهراً، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة، وقال مجاهد: ربوة مستوية، وقال سعيد بن جبير ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ استوى الماء فيها، وقال مجاهد وقتادة وَمَعِينٍ الماء الجاري.

الربوة معروفة وهي المكان المرتفع، وهذا يكون أشرف المحال وأطيب المحال التي يحصل فيها النبات، وهي أحسن محل ينزل فيه الإنسان، أحسن من الأماكن المنهبطة كالأودية ونحوها.

وقوله: ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ [سورة المؤمنون:50]، يمكن أن يفسر القرار بالمستقَر، أي: يستقر عليها ساكنوها، وبعض أئمة اللغة يقول: المعين هو الماء الجاري من العيون، وبعضهم يقول: إن أصل ذلك من مَعَنَ الماءُ إذا جرى، فالماء الجاري يقال له الماء المعين، مَعَنَ الماء فهو معين، ويقال: ممعون بالماء الجاري، والماء الجاري لا شك أنه أطيب من الماء الراكد من كل وجه، في طعمه، وفي شكله، وفي تركيبه، وفي دفعه للعوارض بأنواعها من النجاسات وما يكدره أو يغيره أو ما يقع فيه حتى من الأمور غير النجسة، فإن الماء الذي يجري يدفع ذلك جميعا، وهذا أمر لا يخفي.

وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب في قوله: وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ [سورة المؤمنون:50]، قال: هي دمشق، قال: وروي عن عبد الله بن سلام والحسن وزيد بن أسلم وخالد بن معدان نحو ذلك.

وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة عن ابن عباس ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ قال: أنهار دمشق.

وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍقال: عيسى ابن مريم وأمه حين أويا إلى غوطة دمشق وما حولها.

وروى عبد الرزاق عن أبي هريرة –- في قول الله تعالى: إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ، قال: هي الرملة من فلسطين.

 وأقرب الأقوال في ذلك ما رواه العوفي عن ابن عباس –ا- في قوله: وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ، قال: المعين الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله تعالى: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا [سورة مريم:24].

وكذا قال الضحاك وقتادة إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ، وهو بيت المقدس، فهذا -والله أعلم- هو الأظهر، لأنه المذكور في الآية الأخرى، والقرآن يفسر بعضه بعضاً، وهذا أولى ما يفسر به، ثم الأحاديث الصحيحة ثم الآثار.

تَحْتَكِ سَرِيًّا أي: مثل الجدول يجري فيه الماء، وبعد أن ذكر الله –تبارك وتعالى– الشراب ذكر الطعام فقال: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا [سورة مريم:25]، وإن كان بعضهم يقول: إن قوله: سَرِيًّا أي: السيد، يقال فلان سَريّ، وهم سَراة، يعني الناس السادة وما شابه ذلك يقال لهم هذا، فيكون ذلك يرجع إلى عيسى ﷺ ولهذا يقولون في قوله -تبارك وتعالى: فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا [سورة مريم:24] يعني عيسى ﷺ، وبعضهم يقول: جبريل وذلك لما قالت: يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا [سورة مريم:23].

فقال لها: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ [سورة مريم:25] وجذع النخلة معروف من أصلب الجذوع، ومن أقساها ومن أشدها، ولهذا فرعون لما توعد السحرة لما آمنوا لم يقل: لأصلبنكم في جذوع الأشجار، بل قال:  وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [سورة طـه:71]، وذلك لشدة جذع النخلة، والإنسان القوي لو هز جذع النخلة لا يهتز، ولكن من باب التسبب.

ألم ترَ أن الله قال لمريم هُزي إليك الجذعَ يسّاقط الرطبْ
ولو شاء أن تجنيه من غير هزِّهِ جنتهُ ولكنْ كلُّ شيء له سببْ

 وعلى كل حال ابن جرير -رحمه الله- يقول: رَبْوَةٍ، أي: أرض منبسطة عليها ماء ظاهر.

قوله: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ۝ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ۝ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ۝ فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ۝ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ ۝ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ [سورة المؤمنون:51-56]

يأمر تعالى عباده المرسلين -عليهم الصلاة والسلام أجمعين- بالأكل من الحلال والقيام بالصالح من الأعمال، فدل هذا على أن الحلال عون على العمل الصالح، فقام الأنبياء -عليهم السلام- بهذا أتم القيام، وجمعوا بين كل خير قولاً وعملاً ودلالةً ونصحاً، فجزاهم الله عن العباد خيراً.

وقال سعيد بن جبير والضحاك كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ [سورة المؤمنون:51] يعني: الحلال.

وفي الصحيح: وما من نبي إلا رعى الغنم، قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: نعم وأنا كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة[2]، وفي الصحيح: إن داود كان يأكل من كسب يده[3].

 وقد ثبت في صحيح مسلم وجامع الترمذي ومسند الإمام أحمد واللفظ له، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [سورة المؤمنون:51]، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [سورة البقرة:172] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِي بالحرام يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب فأنّى يستجاب لذلك[4].

العمل الصالح مما يعين على أكل الطيبات، وقد قال الله –تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [سورة المؤمنون:51]، ولذلك لا تكاد تجد هذا عند المرابين، وعند الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، لا يُعانون على العمل الصالح، والله يقول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ [سورة البقرة:168]. 

ويقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [سورة البقرة:172] فذكر الشكر وهو يشمل ألوان العبادة القولية والفعلية، وهذا من المعاني اللطيفة التي قد تفهم من مثل هذه الآيات، فالعمل الصالح مما يعين على أكل الطيبات.

وعامة أهل التفسير يقولون: المراد بالطيبات الحلال، وبعضهم يقول: ما يستطاب ويستلذ، وهذا لا يصح أن يفسر به على سبيل الإفراد والاجتزاء؛ لأن ما يستلذ قد يكون محرماً، ولكن من أهل العلم من يجمع بين القولين ويقول: الطيب هو الحلال المستلذ، فلو أكل الإنسان الخبز المتعفن وثبت أنه لا يضره فليس بحرام، ولكنه غير طيب.

إذا قيل الحلال فدخل فيه كل شيء حلال، لكن لا يعتبر كل الحلال من الطيبات، وقد سبق الكلام على هذه المسألة عند قول الله –تبارك وتعالى: فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا [سورة الكهف:19]، فبعض أهل العلم قال: أَزْكَى، أي: الذي أبعد عن الشبهة، وليس فيه ما يخالطه من محرم، وبعضهم يقول: الطيب اللذيذ.

وقوله: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [سورة المؤمنون:52]، أي: دينكم يا معشر الأنبياء دين واحد وملة واحدة، وهو الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ولهذا قال: وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ.

قوله –تبارك وتعالى: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً هذه القراءة بكسر همزة "إنّ" يمكن أن يكون المعنى على الاستئناف المقرر لما قبله، يعني: ذكر لهم جملة من الأمور فقال لهم: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ۝ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [سورة المؤمنون:51، 52] فيكون ذلك من جملة الأشياء التي ذكرها الله لهم وخاطبهم بها، فيكون استئنافاً.

والقراءة الأخرى بالفتح والتشديد وأنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً والمعنى كما قال بعض أئمة اللغة كالخليل بن أحمد: هذا منصوب بنزع الخافض، يعني: أنا عالم بأن هذا دينكم الذي أمرتكم أن تؤمنوا به، وتدينوا به.

وبعضهم كسيبويه يقول: إنه متعلق بما بعده وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ والفاء هنا مرتبة ما بعدها لما قبلها، والفاء مشعرة بالتعليل كما هو معلوم، وعلة التقوى لأن هذه أمتكم أمة واحدة، والله تعالى أعلم.

ودين الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- واحد وهو عبادة الله وحده لا شريك له، إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ [سورة آل عمران:19]، فلا يجوز لأحد أن يكفر بالله ويعبد غيره ويتدين بدين غير دين الإسلام الذي شرعه لأنبيائه -عليهم الصلاة والسلام– قال تبارك وتعالى: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا [سورة آل عمران:67].

قوله: فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا [سورة المؤمنون:53] صارت كل طائفة على دين وملة لا يرضاها الله فتفرقوا في الدين، فصار هؤلاء يهوداً، وصار هؤلاء نصارى، وصار اليهود والنصارى على طوائف وفرق يضلل بعضها بعضاً، ويكفر بعضها بعضا، وعندهم كنائس في العالم كثيرة جداً كل كنيسة لها صليب، وشعار، ودين، ومذهب وعندهم من الخزعبلات، والخرافات، والبدع، والضلالات، والخيالات ما لا يُقادَر قدره، أضعاف ما عند جهال ومبتدعة هذه الأمة، واقرأ إن شئت في كتباب "اقتضاء الصراط المستقيم" كيف يصنعون في الأعياد، ولو أن المسلمين استغلوا هذا وعرفوه، لكن الانبهار بظاهر حضارتهم أعمى أبصار كثير من الناس عن هذه الجوانب.

ولو استُغل هذا وثُبتت هذه الأمور بينهم وفُعّلت لوقعت بينهم الحروب الدامية كما حصل في التاريخ، فقد وقعت الحرب بين الصرب والكروات وكلهم نصارى لكن اختلفت مذاهبهم قبل حرب المسلمين في البوسنة، فكان الصرب يأخذون المرأة الكرواتية ويقطعونها تقطيعاً في الشارع، فكان المسلمون يقولون آنذاك: هؤلاء نصارى مع نصارى، فكيف لو أنهم تسلطوا علينا ماذا سيصنعون بنا؟ فلما وقعت الحرب رأينا كيف يصنعون، فيضعون برميلا كبيرا في زيت مغلي ويأتون برافعة ويضعون فيها الشخص ويدخلونه، فيخرجونه فإذا هو عظام تلوح.

أما اليهود وأصحاب الطواقي السوداء فهم فرق شتى، وبينهم عداوات شديدة، ومع المنافقين أيضاً تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [سورة الحشر:14] كما قال الله : لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ [سورة الحشر:14]، على قول كثير المفسرين: يعني اليهود، هم يتفقون على المسلمين فقط، ولكن بينهم خلافات وشرور، ومن المفترض أن يستفيد المسلمون من هذه الأشياء، وعليهم أن يعملوا على كسر شوكتهم في إثارة الاختلاف والافتراق بينهم، وهم جاهزون ومهيئون لهذا تماماً، ولكن الله المستعان.

ولهذا قال وَأَنَاْ رَبّكُمْ فَاتّقُونِ وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة الأنبياء، وأن قوله أُمّةً وَاحِدَةً منصوب على الحال، وقوله: فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا [سورة المؤمنون:53] أي الأمم الذين بعثت إليهم الأنبياء.

فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا يعني: فرقاً وقطعاً مختلفة، زبرا والواحدة يقال لها زبور، يعني: الفرقة والطائفة المتناحرة.

كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [سورة المؤمنون:53]، أي: يفرحون بما هم فيه من الضلال لأنهم يحسبون أنهم مهتدون، ولهذا قال متهدداً لهم ومتوعداً: فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ أي: في غيهم وضلالهم حَتّىَ حِينٍ أي: إلى حين حينهم وهلاكهم.

فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ [سورة المؤمنون:54] الأقوال التي يذكروها المفسرون ترجع إلى معنى واحد، يقال: فلان في غمرة كأنه شبههم بمكان يغمره الماء يغطيه، فهؤلاء القوم في غمرة.

فمن قال: إنهم في سكرة، ومن قال: إنهم في غفلة، وكل هذه المعاني ترجع إلى شيء واحد، فالحافظ ابن كثير -رحمه الله- يقول: في غيهم وضلالهم، فكل ما يغمرك ويعلوك يقال له غمرة، والمقصود أنهم في غيهم، ولهوهم، وشهواتهم، وغفلتهم، وإعراضهم، وضلالهم.

والغمرة تحجب الإنسان عن رؤية الحق، فهو سادر في غيه فرِحٌ بما هو فيه ومستمر في باطله يزداد فيه حيناً بعد حين، وقد يستغرب أهل البصيرة والإيمان ممن هو في غمرة، فيقولون: هذا ما يشعر؟ هذا ما يحس؟ هذا ما يشعر أن أجله قريب؟  هذا ما يخاف أن الله يأخذه أن الله يعاقبه؟ متى يتوب؟ هذا الإنسان قد بلغ من الكبر عتيا متى يرجع؟ متى يتوب؟ ما يخاف الموت؟ هذا في حال مرض أو في حال عجز وهو في غاية الضلال، والانحراف والبعد عن الله ومحادّته ما يخاف من العقوبات؟

فنقول: هو لا يفكر بما يفكر فيه أهل البصيرة والإيمان، فهو منغمس منهمك، قد غُطّى على قلبه وبصيرته، فلا يرى هذه الأمور، ولا يفكر فيها، ولا تخطر له ببال، وقد قال الله –تبارك وتعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ۝ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ [سورة الأنعام:112، 113].

فهؤلاء القوم خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ [سورة البقرة:7]، فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [سورة البقرة:10]، والله المستعان.

كما قال تعالى: فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا [سورة الطارق:17]، وقال تعالى: ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [سورة الحجر:3].

قوله: حَتَّى حِينٍ، أي:إلى وقت انقضاء آجالهم بالقتل أو الموت فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا يعني: قليلا فالحياة هذه قصيرة، وقليلة وليست بشيء في ميزان الله -تبارك وتعالى- وإن كان الإنسان يستطيلها.

نحن نعايش أحداث فلسطين، ونرى أن الساعات طويلة، وننتظر أخذ الله مع أن الإنسان أحياناً يتردد ببعض الكلمات في الدعاء ويخشى أن يكون فيها شيء من التعدي والاستعجال، وأحيانا الإنسان يندفع ولا يستطيع أن يضبط مشاعره، فيقول –مثلا: اللهم اجعلهم وأولادهم، ونساءهم، وأسلحتهم، وأموالهم غنيمة للمسلمين، فهذا من الاعتداء في هذا الوقت في الدعاء لأننا لسنا بأهل لهذا، فنحن في غاية التفرق والانقسام والبعد عن الله والتعلق بغيره، وللأسف جراح مدمية ومرة، والنفوس تحتاج إلى كثير من التزكية والترفع على حظوظها، وإلى الله المشتكى، وقد قال النبي ﷺ: إذا تبايعتم بالعِينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًّا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم[5]، فالله المستعان.

وقوله: أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ ۝ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ [سورة المؤمنون:55، 56]  يعني: أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد لكرامتهم علينا ومعزتهم عندنا؟ كلا، ليس الأمر كما يزعمون في قولهم نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ [سورة سبأ:35] لقد أخطئوا في ذلك وخاب رجاؤهم، بل إنما نفعل بهم ذلك استدراجاً وإنظاراً وإملاء، ولهذا قال: بَلْ لا يَشْعُرُونَ، كما قال تعالى: فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [سورة التوبة:55] الآية.

أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ ۝ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ [سورة المؤمنون:55، 56]، فالكفار يعطون أسباب الراحة ووسائل المتع، إنما هو لعذابهم في الدنيا، وقد قال الله: فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، ولو نظرتم إلى الهزة اليسيرة المالية، ماذا فعلت بأهل الكفر، وانظر كيف صنعت بهم هذه الأموال وكيف عُذبوا بها في الحياة الدنيا، الآن في أوروبا، وأمريكا أعداد الذين يراجعون العيادات النفسية أضعاف، لا يتحملون، انهياراتٌ عصبية اكتئابٌ، قلق، المستقبل كذا، وهذا يطالَب بأن يخرج من بيته، وهذا ما عنده مكان، وهذا سرح آلاف أو عشرات الآلاف من المصانع الكبرى التي كنا قبل سنوات قليلة نقول: إن هذه الشركات تحمل ميزانيات دول، وإن شركات المسلمين، وتجارات المسلمين لا شيء، كالقشة بالنسبة إليها، والآن تعلن إفلاسها.

وقال تعالى: إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا [سورة آل عمران:178]، وقال تعالى: فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ۝ وَأُمْلِي لَهُمْ [سورة القلم:44، 45] الآية، وقال: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا إلى قوله: عَنِيدًا [سورة المدثر:11-16]، وقال تعالى: وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا [سورة سبأ:37] الآية، والآيات في هذا كثيرة.
  1. رواه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره (4/ 2080)، برقم: (2708).
  2. رواه البخاري، كتاب الإجارة، باب رعي الغنم على قراريط (3/ 88)، برقم: (2262).
  3. رواه البخاري، كتاب البيوع، باب كسب الرجل وعمله بيده (3/ 57)، برقم: (2073)، بلفظ: أنّ داود النبي كان لا يأكل إلا من عمل يده.
  4. رواه مسلم، كتاب الكسوف، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها (2/ 703)، برقم: (1015).
  5. رواه أبو داود، كتاب الإجارة، باب في النهى عن العِينة (3 / 291)، برقم: (3464)، وصححه الألباني.

مواد ذات صلة